|
حول
الهجمات الأخيرة التي تعرضت لها مدينة
الرياض وما تبعها من تداعيات قام موقع
"الإسلام اليوم" بإصدار بيان يتضمن
رؤية شرعية لهذه الأحداث وسبل معالجتها.
وقد
وقّع عليه عدد من أصحاب الفضيلة العلماء
وطلاب العلم والدعاة، ومنهم: فضيلة
الشيخ: عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين،
وفضيلة الشيخ: عبد الله بن محمد
الغنيمان، وفضيلة الشيخ: سلمان بن فهد
العودة، وفضيلة الشيخ الدكتور: سفر بن
عبد الرحمن الحوالي وغيرهم.
نص
البيان
الحمد
لله رب العالمين، والصلاة والسلام على
نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد:
فإن
دين الإسلام معتبر بأصلين شريفين: الهدى
ودين الحق "هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ
رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ
الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ
كُلِّهِ" [الصف: 9] والأول: مقام العلم
والبيان. والثاني: مقام العمل والإيمان،
وهما أصلان متلازمان.
ولأمر
الله للمؤمنين بالتواصي بالبر والتقوى،
وبالحق والصبر، ونصيحة لله ورسوله،
وخاصة المسلمين وعامتهم؛ قصدنا إلى
تقرير بعض الأمور تعليقا على "حادثة
الرياض"!.
أولا:
إننا ندين حادث التفجير الذي وقع
بالرياض، ونؤكد تحريمه، وأنه مخالف
للشريعة ومصلحتها، وأي معالجة للحدث
يجب أن تكون منطلقة من إدانة صريحة
وواضحة، لا لبس فيها لهذا العمل الشائن
المحرَّم!.
وهذه
البلاد هي مأرز المسلمين. وقد تقرر عند
الفقهاء أن من دخل بلدا من بلاد
المسلمين على قدر من الأمان أو العهد؛
حُرِّم دمه ولو كان عهد الأمان فيه
مخالفة لبعض مسائل الشريعة.
إن
الشريعة جاءت بالبيان والهداية، وهي
واضحة التقرير بيّنة الدلائل، ومن
شعائرها الجهاد؛ ومن أنكره فقد ردَّ
صريح الشريعة، إلا أن الجهاد باب واسع
في الفقه، وله أحكام وشروط لا بد فيها من
اجتهاد علماء المسلمين؛ إذ إن باب
الدماء -كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية-
من أجَلِّ الأبواب، وأعظمها حرمة عند
الله ورسوله، والنصوص القرآنية
والأحاديث النبوية الواردة في هذا
الباب، وما فيها من الوعيد الشديد على
المعتدين أمر معروف، كما في قوله سبحانه:
{وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا
مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ
خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ
عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ
عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93]، وقوله:
"أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا
بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي
الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ
النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا
فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ
جَمِيعًا}. [المائدة: 32]، وقوله -صلى الله عليه وسلم-:
"من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة"
(البخاري 3166).
وفتح
باب التأويل في هذه المسائل يترتب عليه
اضطراب الأمن وحصول المقت، وضياع مصالح
الناس، وقد عدّ الله الأمن من نعمه
العظمى التي امتنَّ بها على عباده،
خصوصًا في هذه البلاد الفاضلة التي
جعلها مهوى أفئدة المؤمنين { أَوَ لَمْ
يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا
آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ
حَوْلِهِمْ} (العنكبوت: 67)، { أَوَ لَمْ
نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا
يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ
شَيْءٍ} (القصص: 57)، { فَلْيَعْبُدُوا
رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي
أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم
مِّنْ خَوْفٍ} (قريش: 3-4).
وجعل
الله -تعالى- زوال الأمن من عقوباته على
من كفر بأنعمه { فَأَذَاقَهَا اللهُ
لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا
كَانُوا يَصْنَعُونَ} (النحل: 112).
وفي
هذا البلد -ككل بلد- فئات شتى متنوعة في
انتساباتها الإقليمية والقبلية
والمذهبية؛ فإذا اختل الأمن أقبلت كل
طائفة على مصالحها الخاصة، وحصل
الاحتراب الداخلي.
إن
من أعظم المخاطر أن تتسع دائرة الانشقاق
في المجتمع، وأن يجد الناس أنفسهم في
مواقف متقابلة يتداخل فيها الجانب
الشرعي بالقبلي بالمناطقي بالشخصي،
وهذه هي الفتنة بعينها {قُلْ هُوَ
الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ
عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ
أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ
يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ
بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ
كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ لَعَلَّهُمْ
يَفْقَهُونَ} (الأنعام: 65).
كما
أن نشر الرعب والترويع في أوساط المجتمع
يعد فسادًا عظيمًا، ولذا صحَّ عن رسول
الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لا
يحل لمسلم أن يروع مسلمًا" (أبو داود
5004).
ومن
المنكر والزور وقوع بعض وسائل الإعلام
في ربط هذه الأعمال بالمفهوم الشرعي
للجهاد؛ اتباعًا لما تعمله وسائل
الإعلام الغربية من الخلط المتعمّد،
والتوسع في الاتهام، وتعميم الأحكام
بلا بينة بقصد التزييف والتشويه.
ثانيًا:
إن أعداء الإسلام في الخارج -أيًا كان
مقامهم وموضعهم- يتربصون بنا الدوائر،
ويحاولون افتعال معركة ضد المسلمين؛
ليتسنى لهم التحكم مستقبلا في فصل
الأمور وتسييرها كما يريدون، والواقع
أصدق شاهد، ولا يخفى أن أي عمل يجرُّ
تحريبًا وتسويغًا -ليطأ العدو أرض
الإسلام عنوة- هو من الفساد.
ثالثًا:
باتفاق العلماء: أن العمل إن كان خطأ؛
فلا يصححه حسن النية والقصد؛ بل لا بد من
عمل صحيح على السنة مع نية صالحة.
والغيرة
على الدين لها قدر لا يفتات به على
الشريعة. والقتال في مكة تأخر تشريعه
ثلاث عشرة سنة؛ حفظًا لمادة الإسلام.
ومعلوم أن شر قريش والكفار على المسلمين
-لما كانوا بمكة- أكثر من شرهم على
المسلمين بالمدينة، ومع ذلك لم يشرع
القتال بمكة، ومعلوم قضاء الله ورسوله -صلى
الله عليه وسلم- في صلح الحديبية، وإننا
نخاف على مادة الإسلام في هذه البلاد من
الشر الذي يتربص به من يتربص من الكفار
والمنافقين، مع الإيمان بأن الله حافظ
دينه، وما بعث به نبيه صلى الله عليه
وسلم.
رابعًا:
من هنا فإننا ندعو المسلمين في هذه
البلاد -ولا سيما أصحاب المسؤولية
العليا- إلى: معالجة الحدث بالحكمة
والاعتدال، والبعد عما يقع بسببه تحريب
لبعض الشباب.
وكما
تقرر فإن الحكمة والعدل هما ميزان الحق
والقضاء في الشرع؛ فنحن أمام مشكلة لا
بد من معالجتها، وأمام فهم بحاجة إلى
توجيه؛ إن لم يتولّه الفاقهون للإسلام
وواقع الأمة من النَّصَحَةِ لها
ولشبابها تولاه الغشَشَةُ والمغرضون!.
خامسًا:
نؤكد على خطورة نقل المعركة داخل هذه
البلاد؛ فهي حصن الإسلام ومنطلق دعوته،
وننبه العلماء وطلبة العلم إلى ضرورة
بيان ما في ذلك من الشر، وإشاعة الفساد.
كما
أننا نرى: أن هذا الحدث لا يجوز أن يستغل
في إثارة الحرب على مناهج التعليم،
وأجهزة القضاء والشريعة والأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر في هذه
البلاد، وعلى المسئولين منع الأقلام
المتطرفة المستغلة للأحداث في مصالح
خاصة، وتصفية حسابات تؤثر في وحدة
المجتمع، وتعمل على استفزازه.
إن
مناهج هذه البلاد هي التي خَرَّجت جميع
المتعلمين في المملكة، ولم يذهب الناس
بها مذهب شر، فمعالجة هذا الأمر يكون
لعلماء الشريعة وأهل التخصص الذين سلمت
صدورهم على المسلمين؛ من رجال التربية
وعلم الاجتماع وأمثالهم.
سادسًا
: التدين حاجز عن العدوان؛ ولهذا قال صلى
الله عليه وسلم: "الإيمان قيد الفتك
لا يفتك مؤمن" (رواه أبو داود وغيره).
ولولا
الدين وعصمته لاضطرب أمر الناس وأمنهم،
ولهذا فالذين يحاولون ربط هذا الحدث
بالتدين، أو بالمؤسسات القائمة في
المجتمع -إدارية كانت، أو علمية، أو
تربوية- فهم يجادلون بغير الحق، ويريدون
توسيع دائرة الصراع، والواجب عزل الحدث
في إطاره الخاص، والتعامل مع الأزمة
بمسئولية وواقعية.
سابعًا:
وإذا كانت الأحداث معتبرًا؛ فعلينا
السعي في تحويل المحنة إلى منحة؛
بمراقبة النفس والعودة الصادقة إلى
الله، وتحكيم شريعته في كل شيء، ونشر
لواء العدل بين الرعية، وفتح باب الحوار
الهادئ، بعيدًا عن المخاوف الأمنية
والتحفظات؛ وتمكين الناس من التعبير عن
آرائهم، وتحمل مسؤولياتهم، ضمن دائرة
الشريعة، وتحقيق مبدأ الشورى
والمشاركة، والرد عند التنازع إلى فقه
الشريعة، وحفظ حقوق الناس المادية
والمعنوية، ومحاسبة كل من يتعدى عليها
كائنًا من كان؛ فالمجتمع العادل محفوظ
بإذن الله من الزعازع والزلازل، وإن
وجدت تمكَّن من التغلب عليها وتجاوزها.
ويجب
على رجال الحكم والعلم نشر العلم
والشريعة، وتمكين أهلها من أداء دورهم
في التعليم والتربية، وتصحيح الأخطاء،
ودفع ما ينكر من الأقوال والأعمال.
وندعو
الشباب المخلص الغيور إلى تحمل
مسئوليته في الحفاظ على مكتسبات بلده
ودعوته! والتنبه للمخاطر الجدية
المحدقة، التي لا يمكن تجاوزها إلا
بوحدة الصف الداخلي، وانسجامه تحت مظلة
الشريعة، وما تقتضيه من المناصحة
والمصارحة. {وَالْعَصْرِ * إِنَّ
الإنسان لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا
بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر} (العصر:
1-3).
ثامنًا:
الموقف من الإدارة الأمريكية ورفض
سياساتها التعسفية الاستعلائية
الانفرادية؛ ليس حكرًا على بلد متدين
كالسعودية، ولا على دول عربية ولا
إسلامية؛ فالكراهية لتلك السياسات
الفاسدة تتنامى في سائر أنحاء العالم،
ولكن ثمة عاملا إضافيا يخص العالم
الإسلامي، وهو أنه المستهدف الأول
بدينه وثقافته وأرضه وخيراته ومنهج
حياته، كما هو مشاهد للعيان.
لقد
تجاوز الأمريكيون الحد في الاستخفاف
بالشعوب، وتجاهل إرادتها! ومع هذا فإن
من الحكمة القول: إن الإدارة الأمريكية -أو
بعض متطرفيها- قد يطيب لهم اضطراب الأمن
في أي بلد إسلامي؛ لأنه قد يمنحهم ذريعة
حاضرة أو مستقبلية في التدخل بحجة
المتابعة الأمنية، أو الحفاظ على
المصالح، أو إغلاق هذه المؤسسة أو تلك،
وقد تتطور الأمور بشكل لا يمكن التحكم
فيه.
وندعو
أنفسنا وإخواننا إلى تقوى الله
والبصيرة في الدين، ومن أشكل عليه شيء
من خاصة المسلمين وعامتهم فليلتمس حكمه
في كلام الله ورسوله، وليعتبر ذلك بفقه
الأئمة، وليرجع إلى أهل العلم والبصيرة
والفقه، مع الحذر من الأفكار المنحرفة
التي تمهد للعدوان على الدماء والأموال
والأعراض بالشبه والتأويلات الباطلة.
حفظ
الله للمسلمين دينهم ودنياهم ووحدتهم
وأمنهم؛ إنه جواد كريم!
وصلى
الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله
وصحبه وسلم.
عودة
|