|
نص
خطاب ألقاه وزير الخارجية
الأمريكي كولن باول في معهد
الدراسات الاستراتيجية والدولية
بواشنطن، في الخامس من آذار (مارس)
2003، خصصه لعرض موقف الإدارة
الأمريكية من العراق.
"
(تصفيق). شكراً جزيلاً لكم. (يستمر
التصفيق). حسناً، شكراً لك زبيغ
لهذه المقدمة القصيرة
والمستفيضة. (ضحك). يشرفني كثيراً
بصفتي مستشاراً سابقاً في الأمن
القومي، أن يقدمني مستشار سابق
آخر في الأمن القومي، إنسان
دعاني مرة للعمل معه عندما كان
مستشاراً للأمن القومي، وعندما
كنت قائد لواء في الفرقة 101
المجوقلة. لقد حضرت إلى مكان
مقابلته بالبزة الخضراء والحذاء
العسكري، الأمر الذي أوضح
للدكتور (زبنغيو) بريجنسكي أنني
لم أكن راغباً حقاً في الالتحاق
بمجلس الأمن القومي آنذاك! (ضحك،
ضحك). لكني عدت لاحقاً إلى مجلس
الأمن القومي بصفة أخرى.
وأنا
سعيد جداً بأن أكون هنا في مجلس
الأمن القومي اليوم، وأن أنظر
حولي فأرى هذا العدد الكبير جداً
من الأصدقاء القدامى والأعزاء،
وعلى الأخص ديفيد آبشاير. هذا
يوفر لي فرصة لأتقدم بالشكر إلى
مجلس الأمن القومي لكل العمل
الذي قام به طوال السنين بحثاً في
القضايا ذات الاهتمام بالنسبة
للأميركيين، وذات الاهتمام
بالنسبة للناس حول العالم، وعبر
العمل الشاق الذي قام به العديد
من الأشخاص الذين عملوا هنا عبر
السنين، وأعطوا إنتاجاً ساعد في
صوغ الأزمنة التي نعيشها.
إذن، يسرني جداً أن أكون هنا من
جديد في مجلس الأمن القومي.
وفي
هذا السياق، إذن، فان هذا هو
المكان المثالي فعلاً لمناقشة
قضية اليوم، وللتطرق إلى الخطر
الكبير والمتزايد الذي يشكله
صدام حسين ومواصلته السعي إلى
حيازة أسلحة الدمار الشامل.
دعوني
أطرح المسألة أمامكم مباشرة
وبوضوح بأبسط التعابير الممكنة.
السؤال هو ببساطة: هل اتخّذ صدام
حسين قراراً إستراتيجياً
للانصياع لقرارات مجلس الأمن
الدولي التابع للأمم المتحدة،
وهل اتخذ قراراً إستراتيجياً
وسياسياً للتخلص من أسلحة الدمار
الشامل؟ هذه هي المسألة باختصار
شديد.
ليس
السؤال كم من الوقت الإضافي يجب
منحه للتفتيش. ليس السؤال كم من
المفتشين الإضافيين يجب إرسالهم
إلى هناك. السؤال هو ببساطة: هل
اتخذ صدام قراراً إستراتيجياً،
قراراً سياسياً، انه سوف يتخلى
عن أسلحة الدمار الشامل الرهيبة
والتوقف عما كان يفعله طيلة هذه
السنوات العديدة؟
هذا
هو السؤال. ليس هناك سؤال آخر. كل
ما عدا ذلك ثانوي أو ثالثي. تلك هي
المسألة. إنه سؤال ما زال مطروحا
منذ 12 سنة. إنه السؤال الذي طُلب
من صدام حسين سنة 1991 بعد حرب
الخليج الرد عليه. وخلال فترة
دامت سنوات، في قرار تلو القرار،
تم طرح نفس السؤال عليه، وتمت
مواجهته بذات طرح التحدّي، كما
أرسلت له نفس التعليمات من قِبل
المجتمع الدولي، ومن قبل مجلس
الأمن، إلى صدام حسين: إنزع
سلاحك، تخلّ عن أسلحة الدمار
الشامل هذه، توقف عن تهديد شعبك،
دع جيرانك يعيشون بسلام، دون
التخوف من هذه الأنواع من
الأسلحة. وطيلة 12 سنة، أعطى صدام
حسين الجواب نفسه مراراً
وتكراراً: لا، لن أفعل.
في
الثاني عشر من أيلول (سبتمبر) من
السنة الفائتة، حمل الرئيس بوش
المسألة إلى الأمم المتحدة. في
ذلك اليوم، الثاني عشر، ناشد،
أمام الجمعية العمومية، المجتمع
الدولي للعمل، للعمل بطريقة
حاسمة للتعامل مع هذا التهديد
للسلام والأمن الدوليين الذي
شكله صدام حسين ونظامه طيلة
سنوات عديدة. ودخلنا بعدها في
نقاش حام خلال الأسابيع السبعة
التي تلت خطاب الرئيس للتوصل إلى
قرار يضع الأمور في نصابها
نهائياً.
ومن
المهم أن نذكر انه ما أن بدأ
النقاش، وأدرك صدام حسين أن
شيئاً ما قد ينتج عنه، حتى باشر
بالاستجابة. فبعد مرور بضعة أيام
على خطاب الرئيس، قال، "أوه،
سوف أدع المفتشين يدخلون"،
وذلك بعد أن أمضى سنوات وهو يقول،
"لا، لا يمكنكم العودة"، بعد
أن كان قد أجبرهم على المغادرة
سنة 1998. هل فعل ذلك لأنه اتخذ فجأة
قراراً إستراتيجياً للانصياع
ونزع أسلحته؟ لا. لقد فعل ذلك
لأنه بدأ يشعر بالضغط. ومرة أخرى،
بدأ يلعب اللعبة التي ظل يلعبها
خلال السنوات الإحدى عشرة
الأخيرة، لتحويل الانتباه،
والإلهاء، لذر الرماد، وإثارة
البلبلة، ولجعلنا نضيع طريقنا
عند تطبيق إرادتنا.
مع
هذا، واصل النقاش مسيرته، رغم
أنه كان هناك من يقول: "حسناً،
ما الحاجة إلى قرار جديد؟
لدينا كل تلك القرارات الأخرى،
وهو (أي صدام) قرر الآن السماح
بعودة المفتشين". لكننا
استمرينا في سعينا. تجاهلنا كل
ذلك. تجاهلنا الرسائل التي راحت
وجاءت بينه وبين الأمم المتحدة
والمفتشين، وهو يحاول أن يرى إذا
كان بوسعه إفشال أي قرار جديد.
وقد فشل. وبعد حوالي سبعة أسابيع
من المناقشات الحامية، ومن
الدبلوماسية الحامية الوطيس
الممكن تصورها، اتخذ مجلس الأمن
قراره، في تشرين الثاني (نوفمبر)
بالإجماع، أي 15 صوتاً ضد لا شيء.
ظن الناس أن ذلك غير ممكن؛ أن
تكون نتيجة تصويت مجلس الأمن 15
صوتاً مقابل لا شيء، أي
بالإجماع، على القرار 1441.
صدام
مذنب
الآن،
علينا أن نكون واضحين على ما
يعنيه القرار 1441. انه ليس مجرّد
مجموعة من الكلمات التي لا معنى
لها. كل واحدة من هذه الكلمات
كانت موضع جدال كبير. إنها لا
تتعلق بالمفتشين، وهي لا تتعلق
بنظام التفتيش. إنها تتعلق
بالدرجة الأولى بصدام حسين،
والذي تقرر في القسم الأول من ذلك
القرار، أنه مذنب، مرة أخرى، مما
أعاد تأكيد ذنبه خلال السنوات
الإحدى عشرة الأخيرة التي أمتلك
وطور خلالها أسلحة الدمار الشامل
بنية حيازتها مع احتمال
استخدامها.
كان
هذا القرار يتعلق، بالدرجة
الأولى، بصدام حسين وبانتهاكه
المادي المستمر للقرارات
المتعددة السابقة، وعددها 16،
التي طالبته بنزع أسلحته. كان
القرار يهدف إلى إعطاء صدام
حسين، في نهاية المطاف، فرصة
واحدة أخيرة لنزع أسلحته. كانت
هذه هي الغاية الواضحة للقرار:
فرصة واحدة أخيرة. انك انتهكت
القرار مادياً، كنت مذنباً، ولا
تزال مذنباً. إننا نعطيك فرصة
واحدة أخيرة لاتخاذ ذلك الخيار
الإستراتيجي، ولاتخاذ ذلك
القرار السياسي القاضي بالتخلي
عن تلك الأسلحة الرهيبة التي
تهدد الإنسانية، للتنازل عنها،
وللانصياع (للقرارات). مرة أخرى،
عليك أن تنضم إلى جيرانك وتحاول
بناء جوار أفضل حولك؛ أُذعن
للقرار، لديك فرصة واحدة أخيرة.
لكن
واضعي مسودة ذلك القرار وجميع
الوزراء والسفراء الذين عملوا
على صياغته، كانوا يعلمون مع أي
شخص يتعاملون. لقد شاهدنا سجلّه
الحاصل خلال السنوات الإحدى عشرة.
لذا أوضحنا انه من الضروري أن
يحتوي القرار على بعض العناصر
الأخرى. وكان أحد هذه العناصر
الأخرى نظام تفتيش قاس، كثير
المطالب، يسمح للمفتشين بالذهاب
إلى أي مكان، وفي أي وقت، ويقول
أيضاً أن على صدام حسين أن يقدم
للمفتشين كل ما يحتاجونه للقيام
بعملهم، وان يتعاون، ويؤمن الناس
لإجراء المقابلات معهم،
والأُمور الأُخرى التي استمعتم
إلى النقاش الذي دار حولها. كان
هذا جزء أساسي من القرار.
وجاء
بعد هذا، العنصر النهائي لذلك
القرار، بحيث لا يجوز أن يبقى أي
شك بالنسبة لما سوف يتبع في غياب
الانصياع، فقد أوضح (القرار) انه
إذا فوّت صدام حسين هذه الفرصة
الوحيدة الأخيرة، وإذا ارتكب
مخالفات مادية جديدة، فان عواقب
خطيرة سوف تلي.
لم
نر أي شيء منذ الموافقة على
القرار 1441 يدل على أن صدام حسين
قد اتخذ القرار الإستراتيجي
والسياسي بنزع أسلحته. علاوة على
ذلك، ما من شيء يدل على أن النظام
العراقي قد قرر التعاون بنشاط،
وبدون شروط، وفوراً مع المفتشين؛
التعاون بهدف الكشف عن كل ما
لديه، وليس التعاون لنرى ما هو
أقل ما يمكننا أن نظهره لهم.
فالانخراط في العملية لا يعني
الأداء الصحيح لها.
التنازلات
لا تعني الانصياع. إنّ تدمير عدد
قليل من الصواريخ اليوم تحت
التهديد، وفقط بعد أن تكون قد
تعرضت للضغط ثم الضغط ثم الضغط،
بحيث لا يمكنك التهرب منه،
وعندما تدرك ما قد يحصل إن لم
تباشر بعمل شيء ما لخداع المجتمع
الدولي من جديد-- ليس هذا نوع
الانصياع الذي كان يهدف إليه
قرار الأمم المتحدة رقم 1441.
إنّ
تجاوب العراق المحدود جداً،
والمتأخر جداً، لا يهدف فقط إلى
الخداع والتأجيل لأي عمل قد يقوم
المجتمع الدولي؛ إن أحد أهم
أهدافه هو شق المجتمع الدولي،
وتحويله إلى فئات متجادلة.
هذه الجهود يجب أن تفشل. وسوف
تفشل، لأن أحداً لا يريد العيش في
عالم حيث الحقائق يهزمها الخداع،
وحيث كلمات مجلس الأمن لا تعني
شيئا، ًوحيث يتجرأ فيه صدام حسين
وأمثاله على حيازة واستخدام
أسلحة الدمار الشامل.
إنّ
جواب صدام حسين على القرار 1441
مطابق لأجوبته على جميع القرارات
السابقة. لقد قابل كل واحد من تلك
القرارات بالتحدي والخداع، وذلك
بمرور كل سنة منذ سنة 1991، وبمرور
كل يوم منذ تبنيّ القرار 1441.
وهكذا، أوقع صدام حسين العراق
أكثر فأكثر في انتهاكه المادي
لواجباته الدولية.
اختبارات
مبكرة
عندما
صوّت أعضاء مجلس الأمن على
القرار 1441، كنا نتوقّع أن نرى
حدوث ذلك مرة أخرى بسبب تاريخ
صدام حسين الطويل في التحدّي
والخداع، وقد أدخلنا بعناية في
القرار بعض الاختبارات المبكرة
كي نرى ما إذا كنا على خطأ أم لا.
ربما قد تغيّر. ربما كان الأمر
مختلفاً هذه المرة.
انطوت
إحدى تلك الاختبارات على انه،
بعد مضي 30 يوماً على التصويت على
القرار، كنا نود أن نرى صدام حسين
يقوم بإجراء كان من المفروض أن
يقوم به سنة 1991، ولكنه لم يفعله
في ذلك الحين. والمطلوب كان
الإعلان الدقيق، والكامل،
والشامل حالياً عن برامجه
المحظورة. كان على النظام
العراقي أن يسمح للمفتشين
بالوصول فوراً وبدون إعاقة أو
قيود إلى أي موقع أو إلى أي شخص
لمساعدتهم في عملهم القاضي
بالتحقق عما إذا كان العراق ينزع
سلاحه. خلال تلك الأيام
الثلاثين، كان علينا انتظار
الإعلان، ولنرى إذا كان هذا
النوع من إتاحة الوصول (إلى
المواقع) قد حصل.
أعلن
القرار 1441 بكل وضوح أن أي بيانات
كاذبة أو معلومات منقوصة، وكذلك
عدم التعاون مع المفتشين عند بدء
عملهم؛ إنّ هذين العنصرين يشكلان
مُجتمعين خرقاً مادياً إضافياً،
وإثباتاً آخر على الذنب بعدم
الانصياعً. فما من أحد يدعّي
جدياً أن العراق قد قدم إعلاناً
دقيقاً، وكاملاً، وشاملاً في
الثامن من كانون الأول (ديسمبر)،
عند تنفيذ العراق لبرنامج
الثلاثين يوماً (المحدد لهذا
الإعلان). ولم يقف أحد ليدافع عن
ذلك الإعلان.
من
المؤسف أن العديد من زملائي في
مجلس الأمن لا يريدون حتى أن
يتذكروا ذلك: "حسناً، جرى ذلك
في كانون الأول (ديسمبر). حسناً،
كما تعلمون، ليس علينا أن نفكر
بذلك. حسناً، كما تعلمون، كان
ذلك في كانون الأول (ديسمبر)،
دعونا لا نقلق حول هذا الأمر الآن.
دعونا لا نناقش هذا الموضوع خلال
اجتماعنا القادم. دعونا نعتبر أن
الله عفا عما مضى. لنرى ما يمكننا
حثه على القيام به اليوم، وما قد
يجعلنا نشعر براحة أكثر". لن
ينفع ذلك. ولا يمكننا تجاهل ذلك.
الأمور
غير الواردة في البيان (العراقي)
هي الأُمور التي كنا نسعى
لمعرفتها. بدلاً من ذلك، حصلنا
على خليط من الأكاذيب، والخداع،
والتزييف. أعلن بليكس، رئيس
مفتشي الأمم المتحدة. والبرادعي،
رئيس الوكالة الدولية للطاقة
النووية، أمام مجلس الأمن، في
التاسع عشر من كانون الأول (ديسمبر)،
إنّ البيان العراقي ليس فيه جديد
يُذكر، وما كان يجب أن نُفاجأ.
الحقيقة، إنّ وثيقة الاثني عشر
ألف صفحة التي حاولوا تمريرها
على أنها الحقيقة الكاملة لم تكن
أكثر من إعادة سرد لمواد
قديمة غير موثوقة، مضافاً إليها
بعض الأكاذيب الجديدة لزيادة
التمويه؛ بحيث تبدو جديدة--
أكاذيب جديدة فوق أكاذيب قديمة.
وكرروا أكبر هذه الأكاذيب:
الادعاء بان العراق لا يملك أي
أسلحة دمار شامل، مهيئين بذلك
المسرح المناسب لزيادة خداع
المفتشين بينما كانوا يقومون
بأداء عملهم.
الاعتراف
بغاز الأعصاب
أعتقد أنه من المفيد النظر إلى
مثالين لتوضيح الأمور. لنأخذ
مادة الأعصاب "في اكس" (VX).
انه أكثر ما يمكن تصوره من
الأسلحة الكيماوية الفتّاكة؛
والتي من المرعب مجرد التفكير
بها. وأنا كجندي، كان علي أن
أُفكرّ بها، بصفتي قائداً
ميدانياً ورئيس هيئة الأركان،
وكان هذا سلاحا لم أكن أريد أن
أراه مستخدماً في المعارك؛ ولا
أود مطلقاً رؤيته مستخدماً في
عملية إرهابية؛ لا أود مطلقاً
رؤيته مستخدماً ضد أي بشري. بضع
نقاط منه وتموت.
سنة
1991، طُلب من العراق الإعلان عن
ترسانته وتدمير كل ما احتوته من
أنواع هذه المواد و"في اكس".
ماذا فعل العراق سنة 1991؟ أنكر
أنّ لديه هذه المواد، واستمر
بهذا الإنكار طيلة أربع سنوات،
وصولاً إلى سنة 1995. كان المفتشون
متواجدين في شتى أنحاء البلاد (العراق).
كان المفتشون هناك يبحثون. كان
المفتشون يفعلون ما يفترض أن
يفعله المفتشون: التحقق من ما قيل
لهم. وقيل لهم أن لا وجود لمادة
"في اكس".
سنة
1995 أو ما يقاربها، انشق صهر صدام
حسين، الذي كان يعرف الكثير، عن
النظام وأفشى السر. لقد أخبر أن
النظام العراقي لديه مادة "في
إكس"، واضطر النظام العراقي،
كنتيجة لما قاله صهر صدام حسين
للمجتمع الدولي وما قاله
للمفتشين، على الاعتراف بذلك؛
وأُجبر على الإقرار بأنه أنتج
كميات كبيرة من هذه السموم
الرهيبة.
فلولا
تصريحات صهره؛ الذي دفع في ما بعد
حياته كثمن لها عندما عاد إلى
بلاده بضرب من الجنون، هذا إذا
بقي لديكم أي شك حول طبيعة هذا
النظام؛ لولا هذه التصريحات التي
وفرها، من كان سيعلم إلى أي حد
لدى صدام حسين اليوم من مادة "في
اكس". وواقع هذا الأمر، هو أننا
لا نعلم إلى أي حد وصل صدام
اليوم مع مادة "في اكس".
فالبيانات الأخيرة لا تزال غير
كافية.
وحتى
اليوم، وبعد مرور ثماني سنوات
على ذلك الاكتشاف، يواصل صدام
حسين خداعه. يواصل الادعاء بأنه
لم يحول مخزونه من مادة "في
اكس" إلى سلاح. يريدنا أن نصدق
انه رغم وجود بعض الـ "في اكس"،
لديه فهو غير قادر على استخدامه.
المفتشون
لا يصدقون ذلك. قال الدكتور بليكس
أمام مجلس الأمن، في السابع
والعشرين من كانون الثاني/يناير،
إن هناك إشارات تدل على أن
العراقيين قد حققوا مزيداً من
النجاح في تحويل مادة "في إكس"
إلى سلاح، بدرجة أكبر مما يقروّن
بها.
وقبل
أيام قليلة جاء العراقيون فجأة
وقالوا إنهم سوف يقدمون تقريراً
عن ما لديهم من مادة الـ "في
اكس"؛ وقالوا أن علينا انتظار
تقرير جديد في خلال أُسبوع
تقريباً. لن أحبس أنفاسي متوقعاً
ذلك. لقد انتظرنا هذه التقارير
طيلة سنوات ولم تأت. لماذا تراها
تأتي الآن؟ يحاولون الخروج من
حرارة الضوء. يحاولون النزول عن
الموقد. يحاولون تحويلنا مرة
أُخرى عن هذه القضية. كم من
الأرواح البشرية سوف تخاطرون
بها، الأرواح البريئة، على أساس
صحة تلك التقارير الواردة من
صدام حسين؟ انه لم يتخذ بعد
الخيار الإستراتيجي للانصياع
ولنزع أسلحته.
تُبيّن
رواية برامج العراق حول إنتاج
الصواريخ المحظورة مثالاً آخر عن
كيفية نسجه لشبكة الخداع.
الصواريخ ليست في ذاتها أسلحة
للدمار الشامل، لكن بإمكانها
إطلاق وإيصال رؤوس حربية. بعد
نهاية حرب الخليج بوقت قصير،
وبغية ردع صدام حسين، وكجزء من
بداية سلسلة القرارات، تقرر حظر
الصواريخ التي يفوق مداها 150
كيلومتراً، حظرها مجلس الأمن
الدولي بموجب القرار 687. كان من
المفروض أن لا يمتلك العراق
صواريخ تصل إلى أبعد من 150
كيلومتراً، لكنه فعل.
في
بيانه الطويل في الثامن من كانون
الأول (ديسمبر)، أعلن العراق
ببساطة انه ليس لديه مثل تلك
الصواريخ. "ليس لدينا أي منها".
لكن المعلومات حول تجربتي إطلاق
صاروخي، الصمود 2 والفتح، أظهرت
أن هذه الصواريخ ذهبت إلى أبعد من
150 كيلومتراً. كانوا يحاولون
بوضوح تعزيز مدى هذه الصواريخ
لتمكينها من الذهاب إلى أبعد من
المدى المحظور. لكن لماذا يفعل
المرء ذلك؟ للوصول إلى مدى
أبعد. لهذا السبب أرادوا أن
يفعلوا ذلك.
عقب
ذلك، عدّل العراق تكتيكه، وقال:
"حسناً، تعلمون، إن هذا ليس هو
حقيقة المسألة. لنتحدث عنه. دعونا
نريكم أنكم حصلتم على المعلومات
الخاطئة". وحاولوا إبعاد
المفتشين عن المسار. لكن
المفتشين أصرّوا، وأصّر الدكتور
بليكس على تدمير هذه الصواريخ.
يجب
أن تروا الرسالة الأولى التي
وصلت من العراقيين بعد أن وصلتهم
رسالة الدكتور بليكس. كان ذلك
هجوماً جديداً، يقول، "حسناً،
كما تعلمون، لا يجوز أن تفعلوا
ذلك، هذا خطأ، نحن أبرياء". مرة
أخرى يحاولون الإنكار. مرة أخرى
يحاولون الخداع. ومرة أخرى
يباشرون تدمير الصواريخ لأنهم
يحاولون إبقاءنا منشقين،
إبقاءنا متبلبلين، ويحاولون
تأخير ما قد يكون متوجه نحوهم.
ما
من أحد له الحق في التسرّع وإعلان
النصر أو بأنه تم انصياع العراق
بالنسبة للصواريخ. ونحن نعلم، عن
طريق آخر المعلومات
المخابراتية، إنّ النظام
العراقي ينوي إعلان وتدمير جزء
فقط من صواريخ الصمود، وانه أمر
في الواقع مواصلة إنتاج نفس
الصواريخ التي ترونها تُدمّر.
لقد أخرج العراق آلاته التي تنتج
تلك الصواريخ إلى النور لكي
يراها الجميع. لكن لدينا معلومات
مخابراتية تقول انه بدأ، في نفس
الوقت، إخفاء الآلات التي يمكنه
استخدامها لتحويل أنواع أخرى من
المحركات لإطلاق الصمود 2.
إنه
يلعب مرة أخرى لعبة مزدوجة؛ ففي
الوقت الذي يأمر فيه بتدمير بعض
الصواريخ، يواصل نشاطاته التي
تسمح بإنتاج المزيد منها.
لا
نرى أي تحسن حقيقي في جوهر
المسألة. فالعراق أبعد ما يكون عن
نزع السلاح. ولكن ماذا عن عملية
التفتيش؟ يتحدث الناس عن هذه
العملية. أليس من الواجب أن نكون
راضين عن التعاون الذي شهدناه مع
المفتشين؟ للأسف، لم نجد أن
أداء بغداد هو أفضل بكثير في هذا
المجال. منذ مداخلتي أمام مجلس
الأمن في الخامس من شباط (فبراير)،
وصلتنا معلومات مخابراتية جديدة
من مصادر متعددة تظهر أن العراق
يواصل جهوده لخداع المفتشين.
معظم هذه المعلومات الواردة من
مجموعة منوعة من المصادر
الحساسة، والتي لا يمكنني التحدث
عنها مع أي كان بتفاصيل أكثر مما
أقوم به اليوم، لكنها مصادر
جديرة بالثقة وتظهر أن النظام
العراقي لا يزال ينقل مواد
الدمار الشامل عبر البلاد للتهرب
من اكتشافها. لماذا التعجّب؟
كان هذا نمط سلوك العراق؛ كان هذا
ما فعله طيلة 12 سنة.
نعلم
مثلاً انه، في أواخر كانون
الثاني (يناير)، نقلت أجهزة
المخابرات العراقية عوامل
كيماوية وبيولوجية إلى مناطق
بعيدة عن بغداد، على مقربة من
الحدود السورية والتركية بقصد
إخفائها، وإنهم أبعدوها عن أنظار
المفتشين المتفحصّة.
اعترافات
رسمية
وفي
مطلع شباط (فبراير)، وخوفاً من أن
يكون لدى أنموفيك معلومات دقيقة
عن مواقع التخزين، عمد العراقيون
إلى نقل المواد المحظورة كل 12 أو
14 ساعة.
في
منتصف شباط (فبراير)، وتخوفاً من
قدرات المراقبة التي لدى طائرات
يو2 التي عادوا وسمحوا أخيراً
بتحليقها، كان العراق ينقل
المواد المحظورة في سيارات قديمة
ويضعها في ضواحي فقيرة، تقطنها
الطبقة العاملة خارج العاصمة.
لو
كانت بغداد تتعاون فعلاً، ولو
كانوا يريدون فعلاً الانصياع،
ولو كان نزع السلاح ما يهمهم،
لأخرجوا كل هذه المعدات، بدلاً
من بعثرتها بقصد حمايتها.
نحن
نعلم أيضاً أن كبار الرسميين
العراقيين يواصلون الإقرار في
الخفاء ما يواصلون إنكاره في
العلن: أن العراق يمتلك بالفعل
أسلحة الدمار الشامل.
أعلن
مسؤول رفيع المستوى في أواخر
كانون الثاني (يناير) أن بغداد لا
يمكنها الإجابة بصدق عن أجوبة
أنموفيك دون أن تسبب مشاكل كبرى
للعراق. وقال مسؤول كبير آخر إن
السماح لأنموفيك باستجواب
العلماء العراقيين خارج العراق
سوف يشكل كارثة. لماذا؟ لأنهم
سيكونون بعيدين عن الترهيب،
بعيدين عن خطر تعريض حياتهم
للأذى، ولأنهم قد يقولون الحقيقة.
ونحن نعلم أيضاً أن صدام حسين قد
أصدر تعليمات جديدة إلى الرسميين
الرئيسيين تقول إنه يجب عمل كل
شيء ممكن لتجنب اكتشاف أسلحة
الدمار الشامل العراقية.
لو
كان العراق جدّي في نزع سلاحه،
لكان شجع وأمر علماءه وقال لهم،
"ليتقدم الذين منكم على معرفة
بأي شيء فعلناه خلال السنوات
العشر الأخيرة. تقدموا لتوفير
المعلومات وإقناع المجتمع
الدولي بصحة ادعاءاتنا".
ليس
هذا ما يحدث. بدلاً من ذلك، عمل
الرسميون في جهاز الأمن التابع
لصدام بشدة لردع العلماء أو
لمراقبة المقابلات بين العلماء
العراقيين والمفتشين، ولا يجوز
أن ننخدع لأن القليل، القليل
جداً؛ منهم وضعوا أنفسهم بتصرف
المفتشين دون مراقبين.
الشهر
الماضي، طلب رسمي عراقي كبير من
أحد العلماء أن لا يتعاون مع
مفتشي الأمم المتحدة، وهدّد هذا
العالم بالعواقب الوخيمة إذا لم
يُطع. واجبر مسؤولو الأمن
العراقيون العلماء الذين تمت
دعوتهم لمقابلة المفتشين أن
يحملوا أجهزة تسجيل مخفيّة، كما
وضعت في الفنادق التي أجريت فيها
المقابلات أجهزة تنصّت.
كان
القصد من القرار 1441 وضع حد لهذا
النوع من الأعمال. كان القرار
يهدف إلى وضع حد لاثنتي عشرة سنة
من الخداع والتلاعب. كان الهدف
منه إعطاء صدام حسين فرصة واحدة
أخيرة للانصياع. ولهذا السبب،
طالب مجلس الأمن العراق
بالانصياع الكامل والفوري، وليس
ببعض مظاهر التعاون المتفرقة،
ولا بمزيد من وثائق الخداع، ولا
بأنصاف الإجراءات وأنصاف
الحقائق.
المفتشون
محترفون ومكرسون جداً لعملهم.
لقد سنحت لي فرصة التعرف على
الدكتور بليكس والدكتور
البرادعي جيداً، جيداً جداً،
واجتمعت ببعض أعضاء فرقهما. إنهم
أناس رائعون. علينا أن نكون
ممتنين لوجود موظفين دوليين من
أمثالهم راغبين في القيام بهذا
النوع من المهمات في ظروف صعبة.
وإني أعترف لهم بالجميل
لموافقتهم على القيام بذلك العمل.
ليس لأي ما أتحدث نتيجة خطأ
ارتكبوه. إنهم يقومون بعمل مضنٍ،
لكن جهود التفتيش لا تؤدي إلى
نتيجة، مع الأسف. لماذا؟
لأنها لم يكن من المفروض أن يجري
التفتيش في ظل هذا النوع من
الظروف المعادية. كان المفروض
منها مساعدة العراقيين على
الانصياع. لم يكن المقصود منها أن
تلعب دور شرطي التحرّي الذي يسعى
بحثاً عن الأشياء في غياب تعاون
عراقي حقيقي. لا يمكن للمفتشين أن
يعملوا بفعالية طالما أن النظام
العراقي يبقى مصمّماً وعازماً
على الاحتفاظ بأسلحة الدمار
الشامل بدلاً من أن يجرّد نفسه من
تلك الأسلحة الرهيبة.
لقد
شاهدنا، خلال الأسابيع الماضية،
قطرات متفرقة من الأسلحة، تظهر؛
تدمير رأس حربي هنا، وصاروخ
هناك؛ لإعطاء الشعور بنزع السلاح
ومظاهر التعاون. وخلال الأيام
الأخيرة وعد العراقيون بإعطاء
مزيد من الأوراق، ومزيد من
التقارير، لكن مظاهر تعاونهم
التافهة ووعودهم الورقية لم تخفض
كثيراً من قدرات صدام حسين. إنها
لا تمثل تبدلاً في موقفه كما أنها
لا تزيل التهديد الذي يواجه
السلام والأمن الدوليين، ولا
تحصل لأن صدام يخشى إرسال جحافل
من المفتشين الدوليين الإضافيين
إلى العراق، حاملين معهم مخطط
عمل ومعالم جديدة.
على
المفتشين أن يقوموا بكل أعمالهم،
أي بجهود عمليات التفتيش
المطلوبة منهم، عليهم أن
يقوموا بكل ذلك بينما يواجه صدام
حسين إمكانية الهزيمة التي تقترب
باستمرار على يد قوة عسكرية
متفوقة بشكل ساحق. إنه تهديد
القوة؛ وما من أحد ينكر ذلك؛ إنه
تهديد القوة الذي يجعله ينصاع،
وليس تهديد التفتيش أو تهديد
القرارات الدولية وحسب. ففي غياب
استعداد صدام حسين للقيام بما
يترتب عليه، يكون التهديد بالقوة
العامل الوحيد الذي يدفعه إلى
القيام بأي شيء على الإطلاق.
ضباب
الإنكار والخداع
لو
كان صدام حسين، في هذا الوقت
المتأخر، سيتبع طريق الصدق
الكامل وينصاع للقرار 1441، لكان
عدد المفتشين الحالي كاف للقيام
بعمليات التحقق من نزع سلاح
العراق، ولما كانوا بحاجة إلى
هذا الوقت الطويل لذلك. هكذا قال
المفتشون. فالوقت الضروري للتحقق
من كل ذلك، متوقف على مدى التعاون
والرغبة في الانصياع للقرارات،
ولا يعتمد على عدد المفتشين. أن
ما نحتاج إليه اليوم هو القرار
الإستراتيجي والسياسي الذي لم
نراه خلال السنوات الاثنتي عشرة
الماضية.
لن
تكون عملية التفتيش أكثر من
إلقاء لبعض الظلال إلا إذا رفع
العراق ضباب الإنكار والخداع
الذي يحول دون تمكين المفتشين من
رؤية المدى الحقيقي لما يواجهونه.
فعلى العراق أن يثبت لمجلس الأمن
وللعالم انه أصبح منزوع السلاح.
إننا
نعلم كيف يكون نزع السلاح هذا.
لقد شاهدناه في جنوب إفريقيا.
ورأيناه في أوكرانيا. قد تعهد
قادة هذين البلدين جدياً بنزع
سلاحهما، وعملا مع المجتمع
الدولي. ومع هذا، تطلّب ذلك وقتاً
غير قصير، لكنك كنت تعلم على
الأقل إنهم متفقون معك على نزع
السلاح. لقد فعلت هاتان الدولتان
كل ما يمكن لتأمين تعاون كامل مع
المفتشين، وقد تم تحقيق عملية
نزع للسلاح سريعة، ودقيقة،
وشفّافة.
كيف
تبدو هذه العملية في العراق؟
بدلاً من ترك المفتشين يتلمسون
الأجوبة في الظلام، كان بإمكان
العراق إخراج كل وثائقه، وكل
علمائه إلى النور للإجابة عن
الأسئلة المعلّقة. والواقع، أن
العراق كان يمكنه محاصرة
المفتشين بالمعلومات. كان سيأتي
بالمختبرات النقّالة ويركنها
خارج المركز الرئيسي لأونموفيك.
وكانت جميع أنواع صواريخ الصمود
ستدّمر فوراً. كانوا سيفعلون ذلك
بلا تردد. كانوا سيذهبوا
ويبيّنوا البنى التحتية لتلك
الصواريخ والآلات التي أخفوها
لإنتاج المزيد من الصواريخ، ومن
ثم إتاحة تدميرها.
وهكذا،
أعود إلى السؤال الأساسي: هل
ينصاع العراق حاليا؟ أي: هل يذعن
العراق للقرار 1441؟ والجواب
الوحيد المعقول هو كلا.
في
تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي،
عندما تم تبني القرار 1441، أعلن
المجتمع الدولي أن صدام حسين
يمثل تهديداً، وخلال الأشهر
الأربعة التي تلت، لم يتغير هذا.
لقد أعطي فرصة واحدة أخيرة
لتجنّب الحرب. فإذا انصاع العراق
ونزع سلاحه، حتى في هذه الساعة
المتأخرة، من الممكن تجنّب الحرب.
غير أن صدام حسين يراهن على أن
استخفافه بإرادة المجتمع الدولي
أقوى من عزيمة مجلس الأمن
الجماعية لفرض إرادته. يراهن
صدام حسين على أن بعض أعضاء
المجلس سوف لا يوافقون على
استخدام القوة، وذلك على الرغم
من كل الدلائل التي تشير إلى أنه
يواصل رفضه لنزع سلاحه.
فالانقسامات بيننا، وهناك
انقسامات بيننا، في حال استمرت
هذه الانقسامات، فإنها سوف تُقنع
صدام حسين بأنه على حق. لكني أؤكد
لكم انه على خطأ.
وأقول
إلى الذين يقولون إن القوة يجب أن
تكون دائماً الملجأ الأخير، إني
أتفهم ممانعتهم لاستخدام
القوة. إني أتفهم التردّد في قتل
الأرواح البشرية؛ في زهق الحياة
البشرية. لقد رأيت ويلات الحرب.
لقد كنت حيث يحدث الموت. إني
أوافق مع الذين يقولون أنه لا يجب
التضحية بالحياة الإنسانية إلا
في سبيل القضايا الكبرى؛ فعلينا
أن نقوم بكل ما هو ممكن لتجنّب
الحرب. لقد قمنا بذلك، ولا أحد
مؤمنا بذلك بعمق أكثر من الرئيس
بوش. لهذه الأسباب، ذهب الرئيس
إلى الأمم المتحدة. ولهذه
الأسباب أقنع الأعضاء الخمسة عشر
في مجلس الأمن بإعطاء صدام حسين
فرصة واحدة أخيرة.
إنه
لمن الصعب دائماً أن يقبل
المواطنون احتمالات الحرب، وهذا
ما يجب أن تكون عليه الأمور. لكن
لننظر إلى الواقع المقزّز المرير:
يعلم صدام حسين أيضاً ماذا تعني
الحرب. لقد استخدم الحرب وأسلحة
الدمار الشامل ضد جيرانه وضد
الآلاف من مواطنيه. ففي عالم ما
بعد 11 أيلول (سبتمبر) هذا، يشكل
سحب هذه الأسلحة المروعة من أيدي
صدام حسين الطريقة الوحيدة لضمان
انه لن يستخدمها، مرة ثانية،
وانه لن يتحالف مع الجماعات
الإرهابية ويمررها لها
لاستخدامها عملياً في أي مكان في
العالم.
فكروا
بما قد يحصل لو استنتج صدام حسين،
الطاغية الذي لا ضمير ولا رحمة
لديه، أن حكومات العالم لن توافق
على العمل العسكري مهما كانت
الظروف، حتى ولو كان ذلك كخيار
أخير، -- كما يشعر واحد على الأقل
من أعضاء مجلس الأمن. في هذه
الظروف، لن يفي صدام حسين مطلقاً
بالتزاماته. فكل ما عليه عمله هو
الانتظار. وسوف تذهب رسالة رهيبة
إلى مدى واسع وبعيد ليسمعها جميع
الذين يتآمرون للتسبب في الأذى،
وإلى جميع الذين يسعون إلى
الحصول على أسلحة الدمار الشامل.
يتوجّب
اليوم على المجتمع الدولي أن
يواجه حقيقة استمرار فشل العراق
في نزع سلاحه. أن قرار مجلس الأمن
الذي تقدمت به الأسبوع الماضي كل
من المملكة المتحدة، وإسبانيا،
والولايات المتحدة يقول ذلك.
استقطع منه: "فشل العراق في
الامتثال للفرصة الأخيرة التي
أُعطيت له في القرار 1441". إنها
جملة بسيطة تُصوّر الواقع. لقد
رفض العراق نزع سلاحه ورفض
التعاون.
إذا
أخطأ صدام حسين الحساب، فلن يخدم
ذلك مصلحة أحد؛ لن يخدم لا مصالح
الولايات المتحدة، ولا العالم،
ولا العراق، إذا ما أخطأ صدام
حسين في تقدير نوايانا أو عزمنا
على العمل. فعند إقراره لهذا
القرار الجديد، سوف يزيل مجلس
الأمن أي شكوك في انه لن يقبل أي
أمر غير نزع العراق الكامل
لأسلحة الدمار الشامل وتعاونه
الكامل مع المفتشين للتحقق من
إذعانه.
أما
إذا لم يترك لنا صدام حسين أي
خيار سوى نزع سلاحه بالقوة، فان
الولايات المتحدة وشركاءنا في
التحالف سوف يعملون أقصى طاقتهم
لتحقيق ذلك بسرعة وبطريقة تخفف
إلى أقصى حد الخسائر في أرواح
المدنيين أو في تدمير الممتلكات.
سوف نفعل أقصى ما يمكن، في تلك
الظروف، إن هي فرضت علينا،
لتلبية الحاجات الإنسانية للشعب
العراقي. وسوف نأخذ على عاتقنا
مسؤولية استقرار هذا البلد بعد
الحرب. سوف نأخذ على عاتقنا
مسؤولية إرساء النظام والحفاظ
عليه، وتدمير أسلحة الدمار
الشامل العراقية مرة واحدة
ونهائية. كما سيكون تفكيك
الشبكات الإرهابية التي لها
منابت في العراق من بين
أولوياتنا.
فور
تلبية هذه الحاجات مباشرة وبعد
إرساء الأمن الداخلي، سوف نسعى
إلى العمل بأسرع ما يمكن لتأمين
الإشراف المدني على المراحل
التالية من تحويل العراق، عاملين
مع شركائنا العديدين في التحالف،
وعاملين مع عناصر المجتمع الدولي
الراغبين في لعب دور في هذا
المجهود.
عند
ذلك يصبح بالإمكان قيام
المؤسسات العراقية الشرعية
الممثلة لجميع العراقيين،
الممثلة للشعب، ويصبح من الممكن
نشوء هذه المؤسسات، وتشكيل حكومة
تتسلم مهامها وتضمن عدم إعادة
تسليح البلد، كما تضمن استخدام
الثروة التي يشكلها النفط لصالح
الشعب العراقي. لدى الولايات
المتحدة سجل رائع، خلال الخمسين
أو الستين سنة الأخيرة، في
مساعدة البلدان التي نجد أن من
اللازم علينا محاربتها، ومن ثم
وضعها على أُسس أفضل من أجل
مستقبل أكثر إشراقاً.
من
الأكيد أن ذلك يتطلب العمل
الكثير كما أن جهود المصالحة،
وإعادة التأهيل، وإعادة التعمير
سيتوجب عمل طويل وشاق، لكننا على
قدر المهمة.
غير
أن الاختبار الحقيقي لالتزامنا
الجماعي إزاء العراق سوف يكون في
الجهود التي سنبذلها لمساعدة
الشعب العراقي على بناء عراق
موّحد لا يُهدّد السلام الدولي،
عراق يلقى وجوده الترحيب بين
بلدان العالم، ولا يكون منبوذاً
دولياً. لثلاثين سنة خلت كان صدام
يأكل ويتغدى من دم، وعرق، ودموع
شعبه الذي اغتاله، وعذّبه،
واغتصبه للبقاء في السلطة. لقد
بدّد ثروات العراق النفطية
الهائلة في بناء قصور مُسرفة
وإنشاء شرطة سرية، وبرامج تسلح.
تريد الولايات المتحدة والمجتمع
الدولي مساعدة شعب العراق على
التحرر من الخوف والتحرر من
العوز.
عراق
ديمقراطي
إننا
في المجتمع الدولي، نرغب في
مساعدة العراقيين على السير
ببلدهم نحو الديمقراطية
والازدهار. نريد مساعدة الشعب
العراقي في إقامة حكومة تقبل
مبادئ العدالة، وتطبق حكم
القانون، وتحترم حقوق جميع
مواطنيها. بالاختصار، نريد أن
نرى عراقاً يستطيع الناس فيه
النظر إلى المستقبل بأمل لا أن
يُنظر إليه كمنبوذ على المسرح
الدولي. نحن لا نفكر فقط باليوم
الشهير المعروف باليوم الذي يلي
يوم القتال. نحن ندرك انه لن يكون
هناك يوم واحد تالٍ بل أيام
كثيرة، وأنها سوف تكون عبارة عن
تحدٍ طويل، وهائل تنتظرنا نحن
وشركاءنا في التحالف إلى أن يحين
الوقت الذي يصبح فيه العراقيون
على استعداد لحكم بلدهم.
وحتى
بعد أن يكون الشعب العراقي قد
تحرّر، سنواصل العزم على عمل كل
ما في وسعنا لتجديد الآمال في
الأجزاء الأخرى من المنطقة،
وللعمل من أجل السلام بين
الإسرائيليين والفلسطينيين. لقد
أعاد الرئيس مؤخراً تأكيد
التزامه الشخصي بتحقيق رؤياه في
قيام دولتين إسرائيل وفلسطين،
تعيشان جنباً إلى جنب بسلام وأمن
وكرامة، وبتنفيذ خريطة الطريق،
خريطة الطريق التي وضعتها
الأطراف الأربعة والتي ستساعد في
تحويل هذه الرؤيا إلى واقع. إننا
نقف على تمام الاستعداد لقيادة
المسار نحو هذا المستقبل الأفضل.
لكن لبلوغ ذلك سوف يتوجّب على
جميع الذين يتوقون إلى السلام في
المنطقة؛ الفلسطينيين،
والإسرائيليين، وجيرانهم العرب؛
إنجاز التزامات عميقة والقبول
بتسويات صعبة. لكن اتخاذ
الخيارات القاسية ستأتي بنتائج
أهم. ففي حين تفرض عملية صنع
السلام واجبات على الجميع، فان
فوائد السلام سوف يشعر بها
ملايين الناس على مدى الأجيال
القادمة.
فإذا
أراد المجتمع الدولي تحقيق
الإمكانات المفعمة بالأمل أن
تتجسّد بالنسبة للعراق في
الأيام، والأشهر، والسنوات
القادمة، فان علينا أولاً مواجهة
الواقع المتجسد بتصلب صدام حسين.
علينا
مواجهة تلك الحقيقة هنا والآن.
علينا مواجهة الحقيقة التي تقول
أن صدام حسين هو الإثبات رقم ألف
للخطر الجدّي والمتنامي الذي
يشكله نظام خارج عن القانون
وقادر على تزويد الإرهابيين
بوسائل القتل على نطاق هائل.
في
تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي،
أعلن مجلس الأمن أن أسلحة الدمار
الشامل العراقية تُشكّل هذا
الخطر على السلام والأمن
الدوليين. فإذا كان هذا الخطر
قائماً في تشرين الثاني (نوفمبر)
الماضي عندما صوّتنا على القرار
1441، فإن هذا الخطر لا زال حتماً
قائماً الآن. إذا كان المجتمع
الدولي عاقد العزم آنذاك، فيجب
أن يكون ثابت العزم الآن. لم يكن
القرار 1441 مجرّد قول للرئيس بوش
وللولايات المتحدة بأن صدام حسين
يشكل تهديداً للعالم، بل كانت
فرنسا، وبريطانيا، وروسيا،
والصين، وسورية وباقي أعضاء مجلس
الأمن هي التي قالت ذلك. كان جميع
أعضاء مجلس الأمن يعلمون، عندما
صوتوا على القرار 1441، انه سيأتي
الوقت الذي يترتب علينا فيه
القيام بمسؤولياتنا لاستخدام
القوة في غياب قرار صدام حسين
الإستراتيجي لنزع سلاحه
والإذعان للقرار. فقد حاول صدام
حسين، خلال الأشهر الأربعة
الأخيرة، تجنّب عواقب عدم
انصياعه، والتهرب من ساعة
الحقيقة.
لقد
حان الوقت الآن لكي يقف مجلس
الأمن مرة أخرى لتوجيه رسالة
واضحة إلى صدام حسين تقول ما من
بلد انطلت عليها تكتيكاته
الظاهرة. لقد حان الوقت لكي يشدد
مجلس الأمن استنتاجه الإجماعي
على أن صدام حسين لا يزال ينتهك
مادياً التزاماته. لقد حان الوقت
لنقول لصدام حسين مرة أخيرة إن
الساعة لم تتوقف نتيجة ألاعيبه،
وان الساعة لا تزال تدق، كما أنّ
عواقب رفضه المتواصل لنزع سلاحه
ستكون حقيقية جداً، جداً.
إنّ
هدف الولايات المتحدة لا يزال هو
هدف مجلس الأمن: نزع سلاح العراق.
وان هناك فرصة أخيرة لتحقيق ذلك
بالوسائل السلمية تبقى مفتوحة
أمام صدام حسين، حتى في هذه
الساعة المتأخرة. غير أنّ ما
نعلمه بكل تأكيد هو أنه سوف يتم
نزع سلاح صدام حسين. السؤال
الوحيد الذي يبقى بحاجة إلى جواب
الآن هو كيف سيتم ذلك. والسؤال
يبقى كما كانت في بداية المطاف:
هل اتخذ صدام حسين هذا الخيار
الإستراتيجي؟ لا لم يفعل. وسوف
نرى في الأيام القليلة القادمة
ما إذا كان قد فهم أم لا الوضع
الذي هو فيه وإذا اتخذ ذلك الخيار.
وهذه هي الحجة التي سنأخذها إلى
مجلس الأمن.
شكراً
جزيلاً لكم."
|