بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

فتوى مجلس الدولة المصري حول قضية نقل الأعضاء

الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع

السيد الأستاذ الدكتور/ وزير التعليم [المصري]

اطلعنا على كتابكم رقم 167 بتاريخ 30/5/1994 الموجّه إلى قسم التشريع بمجلس الدولة [المصري] في شأن طلب مراجعة مشروع قانون بإنشاء بنوك للصمامات والشرايين الآدمية، وهو الموضوع الذي أحاله قسم التشريع إلى الجمعية العمومية لما آنسه فيه من أهمية؛ وذلك استنادًا إلى نص الفقرة الأخيرة من المادة 66 من قانون مجلس الدولة [المصري] الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1972 التي تقضي باختصاص الجمعية العمومية بمراجعة مشروعات القوانين التي يرى قسم التشريع إحالتها إليها لأهميتها.

ونفيد أن مشروع القانون وما أثير في شأنه من مسائل قانونية قد عرض على الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع؛ حيث نوقش في جلساتها المنعقدة في 31 من مايو و7 يونيو و21 من يونيو سنة 1995، وتبين لها أن مشروع القانون المطلوب مراجعته قد انطوى على إحدى عشرة مادة.

مواد مشروع القانون

نصت المادة الأولى منه على الترخيص لأقسام جراحة القلب بكليات الطب بجمهورية مصر العربية في إنشاء بنوك للصمامات والشرايين الآدمية؛ للاستفادة منها في عمليات زراعة الصمامات والشرايين الآدمية، وعلى جواز إنشاء هذه البنوك في المستشفيات الأخرى أو المراكز أو المعاهد المتخصصة في جراحة القلب، وذلك بقرار من وزير الصحة.

وعينت المادة الثانية مصادر حصول هذه البنوك على الصمامات والشرايين الآدمية، بما يشمل صمامات وشرايين قلوب الموتى؛ سواء في المستشفيات، أو قتلى الحوادث الذين تشرّح جثثهم، أو من ينفذ فيهم حكم الإعدام، أو من مجهولي الشخصية، أو الذين يوصون بها، أو يتبرع بها أولياؤهم.

واشترطت المادة الثالثة في الحالة الأخيرة ضرورة أن تكون الوصية مكتوبة وصادرة من كامل الأهلية، فإذا كان المُتوفَّى قاصرًا أو ناقص الأهلية فيلزم الحصول من وليه على إقرار كتابي بذلك، أما باقي الحالات الأخرى فلا يشترط لإجراء النقل الحصول على موافقتهم.

وحظرت المادة الرابعة إجراء استئصال الصمامات والشرايين الآدمية إلا إذا تم في أحد المستشفيات المسموح بها في إنشاء هذه البنوك. كما نصت على جواز أن يتم استئصالها في أي مكان آخر وفقًا للشروط التي تبينها اللائحة التنفيذية لهذا القانون، وفي جميع الأحوال يجب أن تتم عمليات الاستئصال بمعرفة الأطباء المؤهلين والمرخص لهم في ذلك.

وقضت المادة الخامسة بعدم جواز التصرف في الصمامات والشرايين الآدمية المحفوظة في بنوك الصمامات والشرايين إلا للعمليات التي تجرى في المستشفيات المرخص لها، وتجري بها عمليات القلب المفتوح.

وأوجبت المادة السادسة على المستشفيات المرخص لها في إنشاء هذه البنوك أن تحتفظ بسجلات لتسجيل إيراد البنوك من الصمامات والشرايين الآدمية المستأصلة والطلبات التي يقدمها المرضى للاستفادة من هذه الصمامات والشرايين الآدمية والمنصرف منها ونتيجة العمليات، وغير ذلك من السجلات.

وعهدت المادة السابعة إلى الأطباء المتخصصين المرخص لهم في ذلك بتنظيم عمليات زراعة الصمامات والشرايين الآدمية.

وتضمنت المادة الثامنة تحديد عقوبة الحبس مع الشغل وغرامة لا تقل عن خمسمائة جنيه أو إحدى هاتين العقوبتين لكل من يتاجر في الصمامات والشرايين بغير طريق البنوك المرخص لها بذلك.

ونصت المادة التاسعة على أنه مع عدم الإخلال بما تنص عليه القوانين من عقوبة  أخرى يعاقب على مخالفة أحكام هذا القانون بالحبس مدة لا تجاوز ستة أشهر وبغرامة لا تزيد على خمسمائة جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين. وفي حالة العودة يحكم بالعقوبتين معًا.

وناطت المادة العاشرة بوزير الصحة بالاتفاق مع وزارة التعليم العالي إصدار اللائحة التنفيذية لهذا القانون.

وتضمنت المادة الحادية عشرة نشر هذا القانون في الجريدة الرسمية والعمل به اعتبارًا من اليوم التالي لتاريخ نشره.

وأفصحت المذكرة الإيضاحية لمشروع القانون المشار إليه عن الغاية من وراء إصداره، فأوردت أنه نظرًا لأن البلاد تحتاج إلى إنشاء بنوك للصمامات والشرايين الآدمية للاستفادة منها في عمليات زراعة الصمامات والشرايين الآدمية - فقد وافق المجلس الأعلى للجامعات بجلسته المنعقدة في 26/4/1994 على اقتراح جامعة القاهرة بإنشاء بنك للصمامات والشرايين الآدمية بكلية الطب بها، بعد أن استعرض الموضوع في ضوء رأي دار الإفتاء ولجنة الفتوى بمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر ورأي لجنة قطاع الدراسات الطبية. وتحقيقًا لذلك فقد أعد مشروع القانون المرفق..

رأي مجلس الدولة

لاحظت الجمعية العمومية من استعراضها لمشروع القانون الماثل، وما انتظمه من أحكام ما يأتي:

أولاً: أن مشروع القانون يتضمن أحكامًا تتعلق بنقل صمامات وشرايين القلب، وأنه لا يرد هذا النقل إلا من جسم الميت؛ فنقل أعضاء الجسم البشري وأحكامه يثير عددًا من المسائل القانونية التي يتعين حسمها والوصول فيها إلى تقدير معتبر، ثم يجري اقتراح الأحكام وتقريرها في ضوء هذه التقديرات. من ذلك مبدأ نقل الأعضاء ومدى جوازه شرعًا ووضعًا، من جسم حي أو جسم ميت، ثم ضوابط النقل في أي من حالَي الحياة والوفاة بالنسبة للجسم المنقول منه، وما يتعين تقريره من أحكام لإحكام هذه الضوابط.. وفي هذا الشأن تثور مسألة حالي الحياة والموت، ومسألة الضرورة وعناصرها، ومسألة الرضا البشري بالنقل حال الحياة أو مضافًا إلى ما بعد الموت، كما تثور مسألة جسم الإنسان كمحلّ للتعامل القانوني، ومسألة الأنساب إن كان لها وضع في نوعيات خاصة من نقل الأعضاء.

وفي تحرير هذه المسائل بالنسبة لمشروع القانون المعروض، فإن النقل من الجسم الحي لا يرد إلا على ما يقبل التجدد أو التعويض من مواد الجسم البشري كالدم ونحوه، أو يرد على عضو من أعضاء الجسم ذي مثيل له باق وكاف لأداء وظائف العضو المنقول. وإن مسائل هذه الحالة من تقرير ضرورات وترجيح مصالح لا تثور في الموضوع المعروض؛ لأنها تتعلق بنقل من جسم حي ينبغي الحرص على بقاء حياته بعد النقل. إنما الحالة المعروضة تتعلق بنقل صمامات القلب وشرايينه، وهي والقلب ليسوا مما يحتمل التجدد ولا التعويض وليسوا من الأعضاء ذات المثيل. ومن ثم لا يرد في الحالة المعروضة إلا احتمال النقل من الجسم الميت. كما أن هذه الحالة عينها لا يرد بشأنها أمر يتعلق بالأنساب وأثر النقل فيها.. الأمر الذي يستوجب استبعاد هذه المسألة أيضًا من نطاق التعرض للموضوع.

ثانيًا: أن اختصاص مجلس الدولة بمراجعة الصياغة التشريعية لمشروعات القوانين إنما تتضمن دراسة قانونية فنية تتعلق بمدى عدم تعارض أحكام المشروع المقترح مع أحكام القوانين الأعلى، وعلى رأسها أحكام الدستور وما يحيل إليه من أصول مرجعية.

فمراجعة الصياغة التشريعية لمشروعات القوانين واللوائح المنوطة بقسم التشريع بمجلس الدولة بموجب المادة 63 من قانون مجلس الدولة رقم 47 لسنة 1972، والتي يمكن إحالتها لأهميتها إلى الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بالمجلس بموجب الفقرة الأخيرة من المادة 66 من ذلك القانون، هذه المراجعة للصياغة التشريعية إنما تتضمن دراسة قانونية فنية تتعلق بمدى عدم تعارض أحكام المشروع المقترح مع أحكام القوانين الأعلى، وعلى رأسها أحكام الدستور، وما يحيل إليه من أصول مرجعية، وما يقرره من مبادئ، وما يوجبه من توجيهات أساسية، كما تتعلق بمدى الاتساق والتجانس بين أحكام المشروع المقترح وبين الهيكل التشريعي السائد في المجتمع بحسبان تقدير ما يتوقع أن يفضي إليه تطبيق أحكام المشروع المقترح وتفاعله مع أحكام التشريعات الجارية من اتساق في العمل، أو ما يفضي إليه من تنافر وتخالف في تحقيق الآثار المرجوة بالنسبة للتشريع المقترح أو التشريعات السارية، كما تتعلق بمدى ملاءمة الأحكام التفصيلية والإجرائية للمشروع المقترح للأهداف الكلية المرجوة من سن التشريع ومدى صلاحيتها لتحقيق المصالح العامة المطلوب تقريرها، وذلك كله فضلاً عن ضبط المصطلحات وتدقيق العبارات وملاحظة الجوانب اللغوية وتصنيف الأحكام وترتيبها في اتساق ووضوح.

والحاصل أن الدستور منذ عدلت المادة الثانية منه في 22 مايو سنة 1980 باعتبار "مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيس للتشريع" قد قيد السلطة المختصة بالتشريع بأن تلتزم في وضع التشريعات بالالتجاء إلى مبادئ الشريعة الإسلامية لاستمداد الأحكام المنظمة للمجتمع، وذلك حسبما أوضحت لجنة إعداد مشروع التعديل بما وافق عليه مجلس الشعب في 30 إبريل سنة 1980، وحسبما أبانت المحكمة الدستورية العليا في 21 من ديسمبر سنة 1985 من أنه اعتبارًا من هذا التعديل الدستوري للمادة الثانية صارت سلطة التشريع مقيدة فيما تسنه من تشريعات مستحدثة أو معدلة لتشريعات سابقة، بأن تراعي اتفاق هذه التشريعات مع مبادئ الشرعية الإسلامية، وبحيث لا تخرج في الوقت ذاته عن سائر الضوابط والقيود التي تفرضها النصوص الدستورية الأخرى.

وفي إطار إعمال مبادئ الدستور كلها والتوفيق بين مفادها جميعًا، فإن أصول التفسير توجب إعمال قواعد التخصيص والتقييد المتبادل بين تلك المبادئ الواردة بالدستور بما يجعلها يفسر بعضها بعضًا، ومن ثَم فإن مصدرية الشريعة الإسلامية في تقرير الأحكام، كما أنها تفيد الالتزام بما هو قطعي الدلالة من أحكامها، فهي تفيد أيضًا أنه في إطار تنوعات الآراء الفقهية ظنية الدلالة، وفي إطار ما تسعه النصوص من دلالات الأحكام المرجوع فيها جميعها إلى الشريعة الإسلامية، إنما يترجح في النظر الدستوري الرأي الشرعي من هذه الآراء الذي تحقق به المبادئ الأخرى المنصوص عليها في الدستور، بما يكفل التآزر بين المبادئ والتنسيق بينها في هيكل تشريعي واحد ونظام قانوني متسق. وبهذا النهج تجري دراسة الصياغة التشريعية للمشروع المقترح.

ثالثًا: أنه بالنسبة لمبدأ النقل ومدى جوازه فإن الجمعية العمومية ترجح الأخذ بما انتهى إليه النظر في جواز نقل الأعضاء.

فقد انتهت دار الإفتاء المصرية في 5 من ديسمبر سنة 1979 بعد دراسة وافية إلى أنه يجوز شق بطن الإنسان الميت وأخذ عضو منه أو جزء من عضو لنقله إلى جسم إنسان حي آخر يغلب على ظن الطبيب استفادة هذا الأخير بالجزء المنقول إليه؛ رعاية للمصلحة الراجحة التي ارتآها الفقهاء القائلون بشق بطن التي ماتت حاملاً والجنين يتحرك في أحشائها وتُرجى حياته بعد إخراجه، وإعمالاً لقاعدة الضرورات تبيح المحظورات، وأن الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف التي سندها الكتاب الكريم والسنة الشريفة، ووافق مجلس مجمع البحوث الإسلامية على هذا النظر وأيده بما عرضه فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر بالجلسة رقم 161 في 29 من نوفمبر سنة 1984، وتأكد هذا المعنى في لجنة البحوث الفقهية بالمجمع في 16 من يونيو سنة 1992 بمناسبة عرض موضوع نقل الأعضاء من الموتى الذي نوقش بعد ذلك في مجلس المجمع في 25 من يونيو سنة 1992.

واستنادًا إلى ذلك فإن الجمعية العمومية ترجح الأخذ بهذا النظر في جواز نقل عضو من أعضاء إنسان حي أو من إنسان ميت إلى مريض يرجى شفاؤه بهذا النقل، وينظر في ذلك بالترجيح بين المصالح؛ وفقًا لما تسفر عنه خبرة أولي الخبرة والرأي في تقدير مدى ما يحيق بالآدمي المعطي من ضرر حال حياته، ومدى ما يترجح أن يكسبه المريض الآخذ من فرص الشفاء، وذلك بمراعاة أن التقدير في الحالين لا يقدر فقط بما يتوقع أن يكون عليه حجم الضرر للمعطي بعد الإعطاء مقارنًا بحجم النفع للآخذ، وإنما يقدر أيضًا بمدى ما يترجح من احتمالات الضرر للمعطي ومدى ما يترجح من احتمالات النفع والشفاء بالنسبة للمريض، وكل ذلك إن كان النقل من آدمي حي. أما إن كان من جسم آدمي ميت، فإنه في مجال الترجيح بين المصلحتين لا تتمثل مصلحة المنقول منه فيما يحيق به من خطر على حياته الذاهبة، وإنما تتمثل في كرامة الجسم الآدمي ومدى الألم الذي يحيق بأقرباء الميت من شق جسمه وقطع عضو منه، ولا يثور أمر كرامة الجسم الآدمي ما دام يتعلق بحالة من حالات الضرورة، وما دام أن القطع في هذه الحالة إنما يُجرَى لعلاج آدمي؛ مما يعبر عن معاني التضامن البشري والرحمة والمودة.

رابعًا: إنه إذا كان مشروع القانون المقترح يتعلق بنقل صمامات وشرايين القلب وأنه لا يرد هذا النقل إلا من جسم الميت، فإنه يجب الاستيثاق من تمام موت الجسم المراد النقل منه؛ الأمر الذي يقتضي معه وجوب أن يتضمن مشروع القانون تعريفًا للموت، وأن يكون الأطباء المقررين للموت مختلفين عن الأطباء الذين يُعْهَد إليهم إجراء جراحة النقل من الميت أو إلى المريض.

فأهم ما يثور بشأنه إشكال النقل من جسم الآدمي الميت هو وجوب الاستيثاق من تمام موت الجسم المراد النقل منه، ووجه الإشكال يرد من ضيق الفرجة الزمنية بين وقت الوفاة والاستيثاق من تمام حدوثها وفساد العضو المطلوب نقله، وهي من حيث وظائف الأعضاء فرجة ضيقة أبدًا، وتتراوح بين الزمان الضيق والزمان الأضيق والزمان الأشد ضيقًا، بما يهدد بعدم إمكان الاستفادة من العضو المطلوب إن تراخى النقل لحظات.

ولكن من جهة أخرى، فالأمر أمر نقل عضو فريد لا يمكن الاستعاضة عنه لحياة المنقول منه، والمنقول منه آدمي حي حتى يموت، وليس من وسط بين حياة وموت، ولا تداخل بينهما، وإن جاز لبعض نظرات علوم الأعضاء أن تقول بالتداخل في هذا الأمر، فإن النظر القانوني يتنافى مع القول بهذا التداخل، وإن النظر القانوني يهتم بجلاء الفروق بين الظواهر والمراكز القانونية، وبتبين الحدود بين الأمر وضده أو بين الأمر ونقيضه؛ لأن النظر القانوني معنيٌّ بالظاهر المنضبط الذي تستقيم به المعاملات، وتنجلي به الحقوق، وينبرم به الصحيح، وينتقض الباطل من التصرفات، وتتبين به المراكز القانونية التي يحميها القانون ويدفع عنها الغوائل ويترب عليها الآثار، وهو معنيٌّ بتبين اللحظات الفارقة في كل من هذه الأحوال القانونية؛ ليرتب على أساس تتابعها أولويات الاستحقاق عند التزاحم، وأوضاع الولاية فيما ينبرم من شئون وأحوال نقل الحقوق وشرائطه، أي يهتم بإيضاح الفيصل والحد بين الأمر وغيره.

والحال أن الآدمي ما دام حيًّا فهو معصوم الدم والحياة، معصوم من الجرح، وإن عصمة دمه لا تفارقه إلا بتحقق الموت يقينًا؛ سواء في ذلك أحكام الشريعة الإسلامية أو أحكام القانون الوضعي، والتساوي بين معصومي الدم يمنع ترجيح حياة على حياة واختلاف نسبة الخطر على الحياة لا تسمح بترجيح حياة من كان أقل تعرضًا للخطر، وطول الحياة مقدر بقدر الله تعالى، والعلم لم يصل إلى حد التوقع لا باليقين ولا برجحان الظن في هذا الشأن، واستحقاق الحياة لا يترجح بعدد أيامها الباقية طولاً أو كثرة.

والحال أيضًا أن نقل العضو الفريد يفيد حتمًا وبذاته موت المنقول منه، حتى إن كان المنقول منه في سكرات الموت، والعبرة في بيان سبب الموت هو بالحالة أو بالفعل الذي أفضى حتمًا ومباشرة إلى حدوث الموت في لحظة حدوثه، فالسبب الأحسم في إحداث الموت هو السبب المميت وإن عاصرته أسباب أقل حسمًا، والسبب المباشر هو المميت وإن تكاثرت معه أسباب غير مباشرة. وعلى هذا يجتمع الفكر القانوني شرعًا ووضعًا، ونصًّا وفقهًا. وفي مجال الترجيح بين مضرة المنقول منه الحي ومنفعة المنقول إليه، فإن دفع الضرر أولى من جلب النفع، وفي الحالة المعنية فالضرر قطعي ومتحقق وهو الموت، والمنفعة ظنية ومحتملة، وهي الشفاء، ولا مناسبة بين الأمرين.

ومن ذلك تصل الجمعية العمومية إلى أن أي تنظيم لنقل الأعضاء لا بد أن يصدر به قانون يجيز النقل بالشروط والضوابط التي تمكّن من إعماله بما لا يهدر عصمة دم أو حق، أو بما يرعى حقوق الله والعباد، وبما يتلاءم مع ما يقدره القانون من أوضاع اجتماعية في البيئة المحكومة بهذا القانون. كما أنه في مجال نقل الأعضاء الفريدة غير ذات المثيل، والتي لا يستعاض عن وظائفها في الجسم الآدمي ولا تحتمل نقصانًا، لا بد أن يصرح القانون المنظم لذلك بألاَّ يجرى نقل إلا بعد تحقق موت الجسم الآدمي، وأن يشير إلى معنى الموت بما يوجه الخبرة الفنية والطبية إلى ما يجب مراعاته في هذا الشأن.

إن الموت ليس واقعة طبية فقط، وإن كانت خبرة الطب بطبيعة الحال هي ما عليه المعول في التثبت من حدوثه، ولكن الموت أيضًا هو حقيقة دينية فلسفية وواقعة قانونية وحالة اجتماعية. وهو كحقيقة دينية فلسفية يتعلق بوجود الروح وخروجه من الجسم الحي فتتركه ميتًا، وهو كواقعة قانونية يشكل آثارًا يصعب حصرها من حيث انقضاء الحقوق وانتقالها ونشوئها، وهو كحالة اجتماعية تحدث في كل بيئة وكل صقع يتوقف إدراكه على وسائل التبين الممكنة في البيئة التي يحدث فيها الموت، فضلاً عن آثاره المتعلقة بعلاقات القرابة وعلاقات العمل والنشاط الاجتماعي.

والقانون عندما يعالج الموت كواقعة قانونية إنما يضع في حسابه كل الآثار التي يمكن أن يتصور ترتيبها على حدوث هذه الواقعة؛ سواء في مجال المسئوليات الجنائية، أو مسائل الأحوال الشخصية، أو علاقات المعاملات. وهو في كل ذلك إنما يراعى الظاهر المنضبط الذي يصلح مناطًا للحكم بالوسائل المتاحة للتبين والثبيت المنبئة عن تحقق واقعة الموت يقينًا لا ظنًّا، وبالوسائل المتاحة لتحقق هذه المعرفة في البيئة الاجتماعية التي يشملها حكم القانون بسلطانه، منظورًا إلى هذه البيئة في مستواها العام ووفقًا للغالب على أحوالها من أساليب فنية ووسائل تتلاءم مع الخبرات والأوضاع الثقافية السائدة.

والنظر القانوني في هذا الشأن، يعتمد على خبرة الواقع التطبيقية ويراعي تنوعيات الخبرات واختلاف مستوياتها الفنية والعلمية، ويَخْبُر ما يثور من اختلافات وجهات النظر الفنية وطرائق الممارسات العديدة، ويقدر الحديث والجديد، مما أسفر عنه تقدم العلوم ومخترعات الأجهزة والأدوات المستخدمة، ولكنه في ذلك جميعه يستوعب المتفق عليه، ويبتعد عن النزر اليسير، ويميل إلى الغالب الأعم دون إنكار ما يمكن ألا يتصادم مع الغالب، ودون تجميد يمنع من استخدام ما يستحدث مما لا يتنافى مع هذا الغالب.

والنظر القانوني بمراعاة ذلك جميعه يرفع صياغاته إلى مستوى التجريد الذي يتلاءم مع هذه القدرة على الاستيعاب والملاءمة، مع الاعتبار دائمًا بالغالب الأعم إن لم يمكن الأشمل، وبهذا يستبين اعتماد النظر القانوني دائمًا على الظاهر المنضبط، الذي يمثل القاسم المشترك لتنوع الحالات والأوضاع المحكومة، فإذا شذّ ما شذ من حالات أو استحدث ما لم يمكن استيعابه في صيغة العموم، ومالا يصلح لأن يندرج سهمًا في القاسم المشترك المعول عليه، لم يَجْر الاعتداد به ولا التعويل على هذا النزر اليسير، وفي صدر التنويعات والاختلافات القائمة إذا لم يمكن استيعابها في معنى كليّ عام، ولا أمكن إدراك المشترك من خصائصها ولا أمكن الترجيح بينها، وجب استقاء ما عليه العمل استصحابًا للأمر الراهن الذي لم يثبت بعد ما ينفي قيامه.

واستنادًا إلى ما سبق فإن الجمعية العمومية تنتهي إلى أن تشريعًا ينظم نقل الأعضاء التي لا تزال صالحة وغير فاسدة من جسم آدمي ميت، إنما يثير بالضرورة إشكالاً لا يمكن إغفاله ويتعين التصدي له في صلب التشريع، وهو ماهية الموت؛ لأن نقل العضو غير ذي المثيل لا يكون إلا من ميت، وإلا كان قتلاً؛ لأن الفترة بين الموت وفساد العضو المطلوب نقله من الضيق ومن الحرج بما يتعين معه بيان فيصل قانوني يحتكم إليه ويقوم فارقًا بين الجواز والمنع، ويشير إلى معنى الموت في هذا المجال، كما انتهت إلى أن الضبط القانوني لهذا الأمر إنما يرد التثبت بشأنه بأساليب الخبرة الفنية ذات الانتشار والذيوع، وبما لا يختلف عليه، وبما يمكن الإضافة إليه من الوسائل والأساليب المستحدثة، وبشرط ألا تكون هذه الأساليب والوسائل المستحدثة بديلاً عن الخبرات الأولى المتراكمة؛ مما استفيد منه معنى الموت منذ وجدت الحياة.

ولا يكفي في ذلك ما تشير إليه الأجهزة المخترعة حديثًا لما قد يعتور عملها من خلل أو اضطراب أو نقص، قد يسببه اختلاف درجات الحرارة أو نقص القوة المحركة أو عطل بعض أدوات الجهاز، وأن الدلالات المستفادة مما يستحدث من أساليب وأجهزة من شأنه أن يضيف إلى الخبرات السابقة القائمة ولا يستبدل بها غيرها، كما لا قول بموتٍ ما دام جزء من الجسم حيًّا. ومن ثَم انتهت الجمعية العمومية إلى وجوب أن يتضمن مشروع القانون من يعرف الموت أو ما يقصد بجثة الميت التي يجري نقل العضو منها، وأن يتضمن هذا التعريف أن الموت "هو التوقف الذاتي لجميع مظاهر الحياة وأجهزة الجسم وأعضائه بالمدى الزمني الذي تقرره الخبرة الطبية الفنية"، ومن الناحية الإجرائية، ولضمان صحة التقرير الذي ينحصر في أمر الميت دون أن يدخل في اعتباره وضع من عسى أن ينقل إليه العضو من المرضى، وحتى لا يقوم لدى الطبيب المقرر للموت أي احتمال لتقدير أو مقارنة أو موازنة بين مصلحتي المنقول منه والمنقول إليه، انتهت الجمعية العمومية إلى وجوب أن يكون الأطباء المقررون للموت مختلفين عن الأطباء الذين يعهد إليهم بإجراء جراحة النقل من الميت أو إلى المريض.

خامسًا: أنه بتوافر الضرورة العامة التي تجيز نقل العضو من جسم آدمي ميت، فإن الأمر يقتضي مناسبة أن يتضمن مشروع القانون أحكامًا إجرائية تتعلق بترتيب أولويات الاحتياج إلى الأعضاء المطلوب نقلها وفقًا لشدة الحاجة لدى المرضى زمانًا وخطرًا.

فنقل العضو من جسم آدمي، حيًّا كان أو ميتًا، يثير حقّين من الوجهة الفقهية الشرعية: حق الله سبحانه وتعالى، وحق العبد المنقول منه. وهو من الناحية القانونية الوضعية يثير هذين بحسبانهما حق الجماعة، وحق الفرد.. وحق الله سبحانه يرتفع في حالة الضرورة بموجب ما تبيحه الضرورات من محظورات، وحق الفرد يرتفع بالرضا أو الإذن بالأمر.

وبالنسبة للضرورة التي يرتفع بها الخطر، جرى غالب فقه القدماء على الإشارة إليها بأمثلة عنها وليس بالتعريف الشامل المانع، وثمّة من يقول إنها الخوف على النفس من الهلاك علمًا أو ظنًّا، ومن يقول إنها خوف الضرر على النفس أو بعض الأعضاء، ومن يضرب المثل عليها بالذي لا يجد ما يسدّ فورة جوعه أو ما يخاف منه الموت أو المرض أو ضعف المسافر عن بلوغ غايته، ومن يمثل لها بالإكراه ونحوه. ومن المحدثين من يعرف الضرورة بأنها خوف الهلاك على النفس أو المال، أو بأنها ما يطرأ على الإنسان من خطر أو مشقة بما يخشى معه حدوث الضرر أو الأذى بالنفس أو بالعقل أو بالمال؛ مما يلجِئ إلى ارتكاب حرام أو ترك واجب، أو هو خوف الهلاك أو الضرر الشديد على النفس أو الغير يقينًا أو ظنًّا.

ومن ذلك جميعه يتبين أن الضرورة التي ترفع المحظور لا تكون فقط بالإشراف على  الهلاك إنما تقوم بخوف الهلاك، ولا يشترط فيها اليقين بل يكفي الظن، وهي تقترن بالمشقة، والمشقة ليست درجة واحدة، إنما هي درجات حسب الظروف كالسفر ونحوه وأوضاع البيئة، وحسب الأحوال كالمرض ونحوه وقدرة المكلف على التحمل. وحسب نوع التكليف الذي ترفعه الضرورة وجوبًا أو منعًا، فخوف الهلاك يرفع التكليف بالصيام ولا يرفع التكليف بالجهاد، ومع هذه التوسعة في فهم الضرورة ترد الضوابط التي تلزم لأعمال حكمها في إباحة المحظور، وهو أن تكون الضرورة ملجئة ومتفقة مع قصد الشارع غير مقصود بها التيسير لذاته، وهي تقوم استثناء تعبر عن خطر قائم وتنسد به طرق فعل الواجب أو ترك المحظور إلا بمشقة ترد بتحقق أو بظن قوى، وألا تؤدي إلى ضرورة أعظم، وخوف ضرر أشد بأن تقدر بقدرها. والمقدر أيضًا أنه إذا كانت الحاجات تنزل منزلة الضرورة فإن حاجة المجتمع العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة فيما تسوغه الضرورة للفرد أو الأفراد المعنيين. ومن ثَم لا تثور مشكلة تتعلق بوجوب أن تكون الضرورة مفردة تصدق على حال فردي معين، الأمر الذي لا يتحقق إلا إذا توافرت حالة الاحتياج لنقل العضو لدى مريض معين ينتظر النقل إليه أن صادف ومات في لحظتها من يمكن النقل منه، لا تثور هذه المشكلة لأن النقل من جسم الميت إن جاز فهو يجوز بتوافر الضرورة العامة التي تقدر بما هو معروف من إمكان النقل إلى من يستحقون العلاج بالنقل من المرضى المنتظرين أو الطارئين. كما أن مشروع القانون ولوائحه يمكن أن يتضمن الأحكام الإجرائية التي يمكن بها الاستعانة بالخبرة الطبية وترتيب حالات المرضى وفقًا لمدى الاحتياج إلى النقل ولأولوية النقل زمانًا وخطرًا.

واستنادًا إلى ما سبق انتهت الجمعية العمومية إلى توافر الضرورة العامة التي تجيز نقل العضو من جسم آدمي ميت بما يمكن من تنظيم هذا الأمر، كما انتهت إلى مناسبة أن يتضمن المشروع أحكامًا إجرائية تتعلق بترتيب أولويات الاحتياج إلى الأعضاء المطلوب نقلها، وفقًا لشدة الحاجة للنقل لدى المرضي زمانًا وخطرًا، وهذا ما يتكفل به توفير أوضاع الضرورة التي تمكن من قضاء حق الله - سبحانه - والمجتمع بالنسبة للنقل من جسم الآدمي.

سادسًا: أن الجسم الآدمي ليس محلاً للتعامل فيه مما يقتضي الأمر استلزام الرضاء بالنقل بالإذن والإجازة.

فبالنسبة لحق الفرد المنقول منه أو أقاربه فهو يرتفع بالرضاء بالنقل منه، والرضا في الحالة المعروضة لا يعتبر من التصرفات التي بالنقل ترد على محل قابل للتعامل فيه؛ لأن جسم الآدمي وأي شيء منه لا يرد عليه القابلية للتعامل. والمادة 81 من القانون المدني تنص على أن (كل شيء غير خارج عن التعامل بطبيعته أو بحكم القانون يصح أن يكون محلاً للحقوق المالية، وجسم الآدمي وعضوه خارج عن دائرة التعامل، ومن ثَم فإن الرضا بشأن أي أمر فيه لا يقوم به تصرف ملزم من نوع لأحكام الالتزام في القانون المدني، والرضا في شأن الجسم الآدمي لا يقوم به تصرف لازم، مما يمكن أن يجبر عليه التصرف قضاء؛ لأنه لا يتعلق بحق مالي يدخل في دائرة القابلية للتعامل، إنما هو إذن وإجازة تتعلق بحق من الحقوق اللصيقة بالشخص بموجب إنسانيته وآدميته، وليس بموجب شخصيته القانونية ولا حقه في المواطنة، وهو حقه في سلامة جسمه.

وأن الرضا بنقل عضو من الجسم حال الحياة أو بعد الموت إنما هو إذن باستخدام هذا العضو لعلاج آدمي آخر حال ثبوت الضرورة الملجئة للنقل إليه، وهو بحسبانه رضاء يتعين أن تتوافر فيه شروط الرضاء المعبر، من حيث التعبير عن إرادة حرة ورشيدة واعية يكتمل فيها شروط صحة التعبير الرشيد، وتكون غير خاضعة لضغط ولا إكراه ولا مدخول عليها بغش أو تدليس. وهو باعتباره رضاء يتعلق بحق لصيق بآدمية الآدمي بموجب إنسانيته، لا تجوز النيابة فيه سواء إرادية كالوكالة أو قضائية كالوصاية أو قانونية كالولاية، كما أنه لا ينقل بالتنازل أو بالميراث، وهو بحسبانه إذنًا يصدر عن رضاء صاحب الجسم الآدمي رضاء غير لازم، فإنه يمكن العدول عنه في أي وقت، ولا ينفذ الإذن إلا إذا بقي صاحبه مُصرًّا عليه حتى يقتطع إن كان عضوًا مما يمكن قطعه حال الحياة.

سابعًا: أنه ولئن كان إذن الشخص باستخدام أي من أعضاء جسمه بعد موته ليس حقًّا ماليًّا مما ينقل من بعده إلى ورثته، إلا أنه يجوز الإذن بالنقل الصادر من الأقارب الأقربين للميت.

فإذن الشخص باستخدام أي من أعضاء جسمه بعد موته، ليس حقًّا ماليًّا مما ينقل من بعده إلى ورثته، إنما هو رخصة تنقضي بموت صاحبها، إلا أنه لم يتعلق بجسم الميت من روابط الأسرة والعائلة، ولما يحوطه من مشاعر قرابته الأقربين، ولما يتوقع أن يحيق بهم من ألم المساس بجسمه لحظة فقده، ولما قد يتوقع أن يشتعل من انفعالات الغضب إن جرى تقطيع هذا الجسم ونزع الأشلاء منه، فإن الفقه يتجه إلى ألا يجري نقل عضو من جسم آدمي ميت لم يأذن حال حياته بذلك إلا أن يصدر الإذن به من قرابته الأقربين، وهو إذن لم يرد إلى الأقرباء انتقالاً من الميت كورث لهم؛ لذلك فهو يصدر من الأقرباء لا بموجب كونهم ورثة، وهو يصدر عنهم أصلاً عن أنفسهم، وبموجب ما يمس مشاعرهم الآدمية من آلام وأضرار نفسية لما يصيب جثة عزيز لديهم، وهو يصدر سدًّا لذرائع ما قد يحدثه الغضب من اضطراب، ومن ذلك فإن إذن الأقارب يصدر منهم بصفاتهم المسماه بالتشريع وأن يكون إذنًا منهم جميعًا بغير اكتفاء لأغلبية عن أقلية؛ لأن الألم والغضب كلاهما قابل للتبغيض، ويجوز أن يكون الأقارب الأقربين هم في إطار الآباء والإخوة والأزواج الأبناء.

ثامنًا: أنه يجب حظر الاتجار بأعضاء الجسم الآدمي، الأمر الذي يستوجب معه تضمين مشروع القانون أحكامًا تكفل سد ذرائع البيع والاتجار.

فيتعين أن يتضمن مشروع القانون حكمًا أو أحكامًا جهيرة الدلالة في حظر الاتجار بالأعضاء، وجهيرة الدلالة أيضًا في حظر أي اتفاق بشأن الإذن بنقل العضو بمقابل يتعلق بهذا العضو، أو أن يكون أجر الجراحة مما يستر مقابلاً يؤدي للمنقول منه أو لورثته أو لأقاربه، ويحسن أن يتضمن مشروع القانون من الأحكام ما يكفل سد ذرائع البيع والاتجار من حيث شروط النقل وأمواله، وأن يتضمن عقوبات عن البيع والاتجار بالنسبة للقريب الآذن أو الهيئة المتاجرة أو الطبيب العارف بذلك، كما يحسن أن يتضمن أحكامًا إجرائية من شأنها ضمان عدم جريان التعامل النقدي في الأعضاء بيعًا أو متاجرة.

تاسعًا: أنه يلزم استبعاد حكم جواز انتزاع صمامات القلوب وشرايينها من أجساد الموتى مجهولي الشخصية:

فقد لاحظت الجمعية العمومية أن مشروع القانون المعروض، يجيز انتزاع صمامات القلوب وشرايينها من أجساد الموتى مجهولي الشخصية، فانتهت الجمعية العمومية إلى لزوم استبعاد هذا الحكم، فالحق لا يسقط لمجرد أن صاحبه يوصف بكونه مجهول الشخصية، سواء كان حقًّا ماليًّا أو حقًّا من حقوق الشخصية أو ما يثبت بموجب المواطنة أو الإنسانية، إنما يرد أثر الجهل بالشخصية في صدد إثبات شخصية من له ممارسة الحق عندما يشرع في ممارسته والحالة المعينة هنا لا تتعلق بممارسة شخص حقًّا له، وإنما تتعلق بجسم آدمي ميت وبممارسة الغير اقتطاع الأعضاء من هذا الجسم لاستفادة الآخرين من ذلك، والمجهول هنا لا يمارس فعلاً إنما يمارس عليه الفعل.

وإذا كان جسم الميت لا يستباح النقل من أعضائه إلا بإذنه قبل الوفاة أو بإذن أقاربه فلا يصح القول قانونًا بأن هذا النقل يستباح بغير إذن لمجرد أن الناقل يجهل شخص المنقول منه. والجهل هو تعذر المعرفة ونقص المعرفة لا يكسب الجاهل مكنة الانتزاع من جسم يتعلق بالمجهول ولا يُجرد المجهول وأقرباءه من حق لهم، ومن جهة أخرى فمن حيث الجانب الإجرائي، لا تستبين إمكانية لإثبات جهل الجاهل التي تمكنه من ممارسة ما هو ممنوع عليه أصلاً إذا كان يعرف شخصية الميت، ولا تستبين إمكانية التثبت من أن الجاهل أزال عذر نفسه عن جهله وسعى بالطرق المناسبة للتثبت من شخصية الميت، ولا يكاد يستبين إمكان حدوث ذلك كله قبل فساد العضو المطلوب نقله لاستخدامه.

عاشرًا: أن حال المحكوم عليه بالإعدام حال أي شخص آخر فيما يجب أن يعامل به جسمه:

فالرأي بالنسبة لمسألة إمكان الاستفادة من شرايين القلب والصمامات الخاصة بمن ينفذ فيه حكم الإعدام يتردد بين أمرين: أولهما أن المحكوم عليه بالإعدام دون إذن منه ولا إذن من ذويه، وما دام حكم الإعدام أحاله إلى مهدور الدم فقد أمكن استخدام أشلائه فيما يفيد الآخرين، ولكن الجمعية رجحت الأمر الثاني، وهو أن حال المحكوم عليه بالإعدام حال أي شخص آخر فيما حال موته بعد تنفيذ الحكم عليه؛ لأن تنفيذ حكم الإعدام يفيد إنهاء حياته بالطريقة التي رسمها القانون، وأن قتل المحكوم عليه بالإعدام قبل تنفيذ الحكم عليه يعني قيام جريمة قتل لا يخفف منها تعلق حكم الإعدام به؛ لأن انهدار دمه بالحكم لا يفيد بذاته الترخيص في قتله من أي شخص وبأي طريقة، وكذلك فإن تنفيذ حكم الإعدام بشأنه يفيد أن القانون والمجتمع قد استوفيا قصاصهما منه بما لا مزيد عليه، وشق جسمه واستخراج الأعضاء منه ليس عقوبة محكومًا بها أصلية كانت أو تبعية، وليست مما يفيده منطق القصاص شرعًا ووضعًا. وجسم من نفذ فيه حكم الإعدام تساوى مع غيره من أجسام الموتى من حيث كرامة الجسم وما يحوطه من حقوق عامة وخاصة؛ لذلك انتهت الجمعية العمومية إلى ترجيح أن يعامل المحكوم عليه بالإعدام معاملة أي شخص آخر من حيث نقل الأعضاء من جسمه، ويتوقف الأمر على سبق ثبوت إذنه بذلك قبل موته أو إذن ذويه بذلك بعد الموت.

وأخيرًا: أن وزارة الصحة باعتبارها جهة معنية بهذا الشأن يستوجب الأمر أخذ رأيها في مشروع القانون.

فقد لاحظت الجمعية العمومية أن المشروع المقترح  لم يكن عُرض على وزارة الصحة لتبدي رأيها بشأنه، الأمر الذي يسوجب العرض عليها، لا سيما أن مشروع القانون ينص في مادته العاشرة على أن وزير الصحة هو من يصدر اللائحة التنفيذية بشأنه بالاتفاق مع وزير التعليم العالي.

لذلك

انتهت الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع إلى إعادة مشروع القانون الماثل إلى الوزارة؛ لتجري فيه شئونها بإعادة بحثه وإعادة صياغته في ضوء الملاحظات العامة التي أبدتها الجمعية العمومية، وأحالته لوزارة الصحة لتبدي رأيها فيه، ثم إعادة عرضه على قسم التشريع بمجلس الدولة لمراجعة صياغته التنشريعية.

تحريرًا في: 6  –9 - 1995

رئيس الجمعية العمومية لقسم الفتوى والتشريع

المستشار/ طارق عبد الفتاح سليم البشري

النائب الأول لرئيس مجلس الدولة

 

 عـودة

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | سجل الزائرين | خارطة الموقع