الصفحة الرئيسة  |  صوت المنبر  
 

ابحث    |    بحث متقدم  |  لوحة المفاتيح العربية

 

مناسبات

 

في ظلال غزوة بدر

**د. إسماعيل سعيد رضوان- غزة

الأفكار الرئيسية:

نص الخطبة

لا توجد أمة في التاريخ مهما بلغت من العزّ والقوة تمتلك رصيداً تاريخياً كالذي تملكه الأمة الإسلامية، فإن المتتبع للتاريخ الإسلامي يجده حافلاً بالعزّة والرفعة.

إن الأمة التي تجهل ماضيها لا تعرف طريق مستقبلها، ولكي تكون أحداث العزّ والفخار التي تمتلئ بها صفحات النصر عبر التاريخ الإسلامي نبراساً يدفعنا إلى إعادة أمجاد أولئك الذين بنوا بجهدهم ودمائهم صرح الإسلام العظيم، يسرنا أن نعرض لغزوة بدر الكبرى التي أسماها المولى عز وجل يوم الفرقان، قال تعالى: (إن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ ومَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الفُرْقَانِ يَوْمَ التَقَى الجَمْعَانِ واللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).[1]

لقد كانت غزوة بدر التي ابتدأت وانتهت بتدبير الله وتوجيهه ومدده فرقاناً بين الحق والباطل إجمالاً، وفرقانًا بمعنى أدق وأشمل وأوسع وأعمق كثيرًا، كانت فرقاناً بين عهدين في تاريخ الدعوة الإسلامية، عهد الصبر والتجمع والانتظار، وعهد القوة والحركة والمبادأة والاندفاع.

هذه الغزوة التي وقعت في السابع عشر من رمضان للعام الثاني من الهجرة كان عدد المسلمين فيها ثلاثمائة وأربعة عشر رجلاً، وعدد المشركين ما بين التسعمائة والألف.

تأتي مناسبة هذه الغزوة في وقت الذلة والمهانة، والاستكبار الصهيوني والعالمي على النيل من قضايانا وكرامتنا، والتآمر على أبناء الشعوب الإسلامية.

تجيء هذه المناسبة المباركة وأولى القبلتين وثالث الحرمين مسرى الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم يرزح تحت نير الاحتلال البغيض، ويحال بين المسلمين والصلاة فيه في هذا الشهر العظيم المبارك.

تأتي هذه الغزوة في ظل احتلال بغيض للعراق المسلم وتقتيل وترويع وتشريد للآمنين من أبناء شعب العراق المسلم.

تأتي ذكرى هذه الغزوة الفاصلة في وسط هذا الظلام الدامس، لتكون شعاع نور وأمل لهذه الأمة رغم ضعفها واستكانتها. قال تعالى: (ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأَنتُمْ أَذِلَّةٌ).[2]

فوعد الله نافذ لأوليائه المتقين: (إنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ويَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ).[3]

إن الدافع الأصيل لخروج المسلمين لم يكن القتال، وإنما كان الدافع قصد الاستيلاء على عير قريش القادمة من الشام تحت إشراف أبي سفيان، غير أن الله تبارك وتعالى أراد لعباده غنيمة أكبر، ونصرًا أعظم، وعملاً أشرف، وأكثر انسجامًا مع الغاية التي ينبغي أن يرنو المسلم في حياته كلها، فأبعد عنهم العير التي كانوا يطلبونها وأبدلهم نفيرًا لم يكونوا يتوقعونه. إن هذه التربية الإلهية لنفوس المسلمين لتتجلى بأبرز صورها في قوله تعالى: (وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ ويُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ ويَقْطَعَ دَابِرَ الكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ البَاطِلَ ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ).[4]

استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بعد نجاة قافلة أبي سفيان، وعلمه بعزم المشركين على القدوم إلى مياه بدر ليقيموا ثلاثة أيّام، لينحروا الجزور ويطعموا الطعام، وتغني عليهم القيان، حتى يهابهم العرب، ويتحدثوا عن جمعهم هذا.

استشارهم في أمر المضي لهذه المعركة، فأبدى المهاجرون على لسان كل من أبي بكر وعمر والمقداد الاستعداد الكامل للمضي في هذه المعركة، وقال المقداد بن عمرو لسان حال المهاجرين: "يا رسول الله امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون، والذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه".

وقال سعد بن معاذ لسان حال الأنصار: "قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنّا لصُبر في الحرب صُدق في اللقاء، ولعل الله يريك منّا ما تقرّ به عينك فسر بنا على بركة الله".

وفي ذلك بيان لأهمية الشورى، والسماع للرأي الآخر، والاستفادة من ذلك في تقويم مسيرة العمل، فقد كان صلى الله عليه وسلم يستشير أصحابه في كل ما لا نص فيه.

ولذلك أجمع المسلمون على أن الشورى أساس تشريعي دائم لا يجوز إهماله، ما لم يثبت نص من كتاب أو سنة.

وفي الاستعداد الفائق من المهاجرين والأنصار للمضي في هذه المعركة، دلالة واضحة على إخلاص النية لله تعالى، والحب الشديد لرسول الله صلى الله عليه وسلم والتفاني في الجهاد في سبيل الله. لذلك لمّا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرًا محتسبًا مقبلاً غير مدبر إلا أدخله الله الجنة)؛ أخرج عمير بن الحمام تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال: "لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل".

ثالثاً: توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله بالدعاء مساء ليلة المعركة، وهو يقول: (اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحآدّك وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني، اللهم أحنهم الغداة…) وظل يناشد الله متضرعاً وخاشعًا وهو يبسط كفيه إلى السماء حتى أشفق عليه أبو بكر رضي الله عنه، فالتزمه من ورائه وقال له: يا رسول الله أبشر فوالدي نفسي بيده لينجزن الله لك ما وعدك، وأقبل المسلمون أيضًا يستنصرون الله ويستغيثونه، ويخلصون له في الضراعة.

فكان المدد الرباني بالملائكة، وكانت الاستجابة بتحقيق النصر، فقتل سبعون من المشركين وأسر سبعون، وما ذلك إلا بفضل إخلاصهم وشدة استغاثتهم وتضرعهم إلى الله، ولتحقيق مبدأ العبودية لله الذي هو الثمن الحقيقي للنصر.

قال تعالى: "إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) ومَا جَعَلَهُ اللَّهُ إلا بُشْرَى ولِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ومَا النَّصْرُ إلا مِنْ عِندِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10) إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ ويُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ ويُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ ولِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ ويُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ (11) إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلَى المَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ واضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ".[5]

فكان التأييد بالملائكة معجزة من أعظم معجزات التأييد والنصر للمسلمين الصادقين، فمتى أخلص المسلمون في جهادهم، وحققوا معنى العبودية، استحقوا النصر والتمكين، "ولن تجد لسنة الله تبديلا".[6]

وفي تقييد الله الملائكة بعدد معين، حتى يبطل شبه المبطلين والزاعمين بالدعم المعنوي والروحي في معركة بدر، هروباً من التسليم بمعجزة إنزال الملائكة.

لقد عالجت الحكمة الإلهية تجربة رؤية الغنائم والأموال -مع الحاجة والفقر- بوسائل تربوية دقيقة، تجلى أثر هذه التجربة في مشهدين على أعقاب هذه الغزوة.

المشهد الأول: حينما انهزم المشركون وتركوا أموالهم كاد المسلمون يختلفون فيما بينهم بشأنها فنزل قول الله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وأَطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (1) إنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذَا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وإذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إيمَانًا وعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ).[7]

فصرفهم عن المطالبة بالموضوع كله، فإن الأنفال ليست لأحد منهم، بل هي لله ورسوله، أما هم فعليهم إصلاح هذا الشقاق الذي وقع بينهم وطاعة الله في أوامره، واجتناب نواهيه، فلما التزم المسلمون بهذا نزلت بعد ذلك آيات توضح كيفية تقسيم الغنائم فكان التدرج في علاج هذه المشكلة بوسيلة تربوية ناجحة.

المشهد الثاني: عندما سكنت نفوس أصحاب رسول الله للفدية مقابل الأسرى عندما استشارهم، نزل قول الله تعالى: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ).[8]

وروى مسلم عن عمر بن الخطاب أنه قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد أن قضى بافتداء الأسرى فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدان يبكيان، فقلت يا رسول الله: أخبرني من أي شىء تبكي أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبكي للذي عرض على أصحابك من أخذهم الفداء. لقد عرض علىّ عذابهم  أدنى من هذه الشجرة (شجرة قريبة من النبي صلى الله عليه وسلم).

فالحكمة الإلهية لم تُرد للمسلمين أن يجعلوا من النظرة إلى المال ميزانًا للحكم في القضايا الكبرى التي قامت على أساس النظرة الدينية وحدها مهما كانت الأحوال والظروف.

هذه وقفات سريعة عند أهم المعاني المستفادة من غزوة بدر الكبرى، فهلا استفاد المسلمون من نفحات هذه الغزوة وخاصة أننا نعيش في وقت اختلت فيه الموازين، وغُلبنا على أمرنا حتى أُصبنا بالمذلة والمهانة، فعسى الله أن يعيد أمجادنا وينصرنا مع القلة والذلة كما نصر المسلمين ببدر إنه على ما يشاء قدير.


[1] الأنفال : آيه 41

[2] آل عمران 123

[3] غافر : 61

[4] الأنفال : 7

[5] الأنفال : 12

[6] الأحزاب :62

[7] الأنفال : 1

[8] الأنفال : 67


** أستاذ مساعد الحديث الشريف وعلومه بالجامعة الإسلامية- غزة


دعوة ودعاة

دعوة للتأمل

زاد المسير

قضايا معاصرة

التواصل فن

تجارب دعوية

خدمات دعوية

لقطة وفكرة

استشارات دعوية

بنك الفتوى

الإسلام وقضايا العصر

مجاهيل ومشاهير

مشاكل وحلول

  ساحة الحوار

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع