الأفكار
الرئيسية:
نص
الخطبة
إن
الحمد لله نحمده ونستغفره ونستهديه،
ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات
أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل
فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وأن
محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى
الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق
جهاده حتى أتاه اليقين فجزاه الله عنا وعن
المسلمين خير الجزاء، وصلى عليه وسلم
تسليماً كثيرا، أما بعد..
أيها
المسلمون.. أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل
فإنها من أعظم الأمور وهي المنجية يوم
القيامة من النار والمدخلة الجنة بإذن
الله تعالى، قال الله عز وجل: (يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا
اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ولا تَمُوتُنَّ
إلا وأَنتُم مُّسْلِمُونَ)، وقال: (يَا
أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ
الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ واحِدَةٍ
وخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وبَثَّ
مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا ونِسَاءً
واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ
بِهِ والأَرْحَامَ أن اللَّهَ كَانَ
عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) وقال: (يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ
وقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ
لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ويَغْفِرْ لَكُمْ
ذُنُوبَكُمْ ومَن يُطِعِ اللَّهَ
ورَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا
عَظِيمًا) صدق الله العظيم.
هل
سمعتم أيها الناس بشخص يُعرض عليه شيئان
الأول جميل محكم الصنع ذو فائدة كبيرة
واستخدام أبدي، والثاني: قبيح سيئ الصنع
معدوم الفائدة وقتي الاستخدام، وبعد ذلك
يختار هذا الشخص الشيء الثاني!
هل
سمعتم بهذا الشخص الذي ارتكب هذه الحماقة
الكبرى! لقد حدث هذا -أيها الناسقديمًا
وحديثًا بأشكال وصور ومرات متعددة
ومختلفة، فأما قديماً فإن الله عز وجل لما
بعث موسى إلى بني إسرائيل وقادهم إلى
الخلاص من فرعون وبطشه وبعد أن أورثهم
الله ملكه، ورزقهم من الطيبات ورزقهم المن
والسلوى رفضوا هذه النعمة الكبيرة،
وطالبوا موسى بالفوم والعدس والبصل
والقثاء، فاستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو
خير فكان هذا منتهى الظلم والجهل والعصيان
وفي هذا يقول الله عز وجل: (وإذْ قُلْتُمْ
يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ
واحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ
لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِن
بَقْلِهَا وقِثَّائِهَا وفُومِهَا
وعَدَسِهَا وبَصَلِهَا قَالَ
أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى
بَالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا
فَإنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وضُرِبَتْ
عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والْمَسْكَنَةُ
وبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ). وأما
حديثاً فقومُ يُعرض أمامهم قانون وتشريع
بشري ناقص دائماً كثير الأخطاء والزلات
فيختارونه ويتركون الأول! وهذا للأسف
الشديد ما فعله وصرح به وأعلنه بعض أبناء
أمتنا ومن هم محسوبون على الإسلام بالرضا
بإلغاء الشريعة الإسلامية واستبدالها
بشريعة البشر الظالمة دائماً والتي يدعون
زوراً وبهتاناً بأنها أعدل وأكمل من
الشريعة الإسلامية وليت شعري لو يعرفون
فرح أعداء أمتنا بما تبنوه ودعوا إليه
وسعوا لأن يحكّموه في بلادنا الإسلامية.
أيها المسلمون، أن ما يدعو إليه بعض
المسلمين من إلغاء شريعة الله وتحكيم
شريعة البشر لشر ماحق وفتنة كبرى يضل الله
بها كثيرا، فعدم تحكيم الشريعة ظلم للأمة
ولجميع الإنسانية وإلغاء الشريعة يدل على
الجهالة المفرطة والذلة باستبدال الذي هو
أدنى بالذي هو خير، والله عز وجل يقول: (ثُمَّ
جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ
الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا) فاتباع هوى عدم
تطبيق الشريعة والهوى النفسي يدل على
الضلال والفساد، يقول الله تعالى: (يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا
دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) فالإنسان
حياته كلها خاضعة لأحكام الشريعة ومن واجب
الأمة أن تحافظ على الشريعة وأن تدافع
عنها.
عودة
ثم
إن العلمانية التي نشأت في أوروبا ضمن
ظروف معينة أن كانت صالحة للتطبيق لدى
هؤلاء الغربيين فهي لا تصلح أبدًا لبلادنا
ولا لديننا، فالإسلام دين كامل شامل يدخل
في كل حياة المسلم وأعماله وشئونه فهو في
الحكم والسياسة والاقتصاد والاجتماع
والأخلاق، والعلمانية ببساطة تعني فصل
الدين كل الدين عن الحياة وحشره في المسجد
فقط، هذه هي العلمانية بأخف صورها وإلا
فإن هناك من العلمانيين من يحارب حتى
المسجد ويسعى للقضاء على الدين تماماً
واجتثاثه من جذوره وتجفيف منابع التدين
كما يقولون وإزالته تمامًا.
عودة
ولا
بد أن يعلم المسلم أنه لا إيمان بلا عمل
فلا بد أن يتبين كل شخص أن أمر الشريعة
وتحكيمها هو أمر دين واجب، وأن الإيمان لا
يتحقق إلا بالإذعان للشريعة والاحتكام
إليها، وأن الإيمان لا يكفي بالتصديق فقط
ولكن لا بد من العمل معه، وحال المرء يكون
واحد من ثلاثة أحوال: إما أنه مصدق وعامل
فهو مؤمن، أو مصدق وليس بعامل فهو فاسق، أو
أنه غير مصدق ولكنه عامل فهو منافق، والله
عز وجل يقول: (فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ
حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ
بَيْنَهُمْ)، ويقول ابن تيمية: (الكفر عدم
الإيمان)، ويقول ابن أبي العز: (الإيمان
ليس التصديق فقط)، فلا بد أن يجتمع التصديق
والانقياد، والإيمان لا يتحقق إلا بتحكيم
شرع الله والاحتكام إليه، ولا بد أن يتبين
المسلمون أنه لا انفصام بين العقيدة
والشريعة فهي من المسلمات، وبالتالي لا
يوجد انفصام بين التصديق وبين العمل
فالدعوة إلى الفصل بين العقدية والشريعة
كالفصل بين الروح والجسد، ثم إنه لا يجوز
إلغاء حكم الشرع والشريعة بعد إقراره
وثبوته فهذا أعظم جرمًا وأشد شناعة من عدم
تطبيق الشريعة.
والقرآن
يُلزم المسلمين تحكيم الشريعة في مائة آية
كريمة مثل: (وأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا
أَنزَلَ اللَّهُ ولا تَتَّبِعْ
أَهْوَاءَهُمْ)، (ومَن لَّمْ يَحْكُم
بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ
الظَّالِمُونَ) (ومَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا
أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ
الكَافِرُونَ) (ومَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا
أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ
الفَاسِقُونَ). إلى غير ذلك من الآيات
الكثيرة.
عودة
أيها
المسلمون أن عدم تطبيق الشريعة يسبب
الكثير من الأضرار والمصائب الدينية
والدنيوية والواقع من حولنا يشهد بذلك،
فإلغاء تحكيم الشريعة يؤدي إلى انتشار
الحرام؛ وبالتالي انتفاء الأمن في الدولة
وبث الخوف والرعب في نفوس الناس وإراقة
الدماء الكثيرة وهتك الأعراض ونشر ثقافة
الجريمة والفساد، وعدم تطبيق الشريعة
يشيع الطائفية العرقية والدينية في الدول
المتعددة الأجناس والأديان،
عودة
والواقع
يشهد بذلك في دول علمانية بحتة نجد
الصراعات الدموية فيها بين عرق وآخر وبين
دين وآخر كما يحدث في الهند بين السيخ
والهندوس والمسلمين، وتركيا وصراعها مع
الأكراد، وما حدث في لبنان منذ سنوات خلت
من حرب أهلية مريرة ومدمرة، وفي فرنسا
رائدة العلمانية الحديثة، وفي أوروبا
عموماً التمييز على أشده ضد المسلمين من
منع للحجاب وتضييق عليهم ومحاولة طمس
هويتهم والتضييق على عباداتهم وشعائرهم،
وفي العلمانية أيضاً تنمية لطبقة قليلة من
الأغنياء على حساب الفقراء واحتكار للمال،
وظلم للناس بحرمانهم من حقوقهم المادية،
وزيادة للهوة بين الطبقات وبالتالي إشاعة
الحقد والكراهية بينهم.
ولا
يبقى حل لكل هذه المشاكل الكبيرة والعظيمة
إلا في تطبيق الشريعة الإسلامية، ففي
الإسلام حفظ لحقوق غير المسلمين لا يوجد
في أي دين آخر والرسول صلى الله عليه وسلم
يقول: (مَنْ قَتَلَ مُعَاهِداً، لَمْ
يَرَحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ وَإِنَّ
رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسٍيرَةِ
أَرْبَعِينَ عَاماً).والإسلام كفل حرية
الاعتقاد، فالله عز وجل يقول: (لا إكْرَاهَ
فِي الدِّينِ)، وعلى مر العصور الإسلامية
نعم المسيحيون واليهود بالحياة في ظل
الدولة الإسلامية حتى فضلوها على ممالكهم
ودولهم والتاريخ يشهد بذلك.
والشريعة
الإسلامية جعلت حفظ النفس من الأهمية
بمكان، فشرعت الحدود لنشر الأمن في حياة
المجتمع الإسلامي ولإشاعة العدل
والطمأنينة في نفوس الجميع، وفي الشريعة
الإسلامية محاربة للربا الماحق وتوزيع
عادل للمال بإخراج الزكاة من الأغنياء
وردها إلى الفقراء، فأي تشريع أعدل وأحق
بعد هذا التشريع الإلهي العظيم.
عودة
أيها
المسلمون إن الإجماع والقياس والعقل
والمصلحة كل هذه تدفع بوجوب تطبيق الشريعة
ونبذ ما سواها، فليس هناك مسلمان يختلفان
على وجوب تحكيم الشريعة، ويقول الشهيد عبد
القادر عودة رحمه الله: (من المتفق عليه أن
من رد شيئا من أوامر الله أو رسوله سواءً
من جهة الشك أو القبول فهو كافر).
وكل
تشريع مخالف للشريعة الإسلامية فهو باطل،
حتى لو كان واضعه هو الحاكم المسلم ولا
خلاف على ذلك بين الفقهاء.
ثم
إن القياس والعقل يوجبان تحكيم الشريعة،
فكل تشريع يقبله الناس إذا كان صادرًا من
عالم وخبير بالبشر، فكيف بالله عز وجل وهو
خالق الكون وكل شيء وعالم كل شيء، فكيف
يجوز عقلاً ترك شريعة الله بعد ذلك واتباع
شرع مخلوق، فهذا أجهل الجهالة.
ثم
إن المصلحة تقضي بوجوب تطبيق الشريعة؛ لأن
الشريعة كلها عدل ورحمة للجميع كما قال
ابن القيم وكل غير ذلك وما يخالفه فهو ليس
من الشريعة بشيء وإن نسب إليها، فالشريعة
حياة للقلوب والأجساد وهي كما قال ابن
القيم (عمود العالم).
عودة
أيها
المسلمون يجب أن نعلم كل العلم أن الحرب في
سبيل الشريعة جهاد في سبيل الله، وأن
تحكيم الشريعة الإسلامية هي السبيل
الأضمن لتحقيق السلام وأي مساومة بين
الشريعة والسلام فلن يؤخذ به، وأن كل مسلم
يرى وجوب العلمانية وأنها أفضل من الشريعة
فهو مرتد، وأن كل مسلم يرى أن تطبيق
الشريعة لا يصلح لهذا الزمان فهو كافر،
وأن كل مسلم يسعى إلى إلغاء تطبيق الشريعة
بالتحالف بأي شكل ومع أي أحد فهو معتد على
شريعة الله، وأن كل حاكم أو مسئول مسلم لا
يحتكم إلى شرع الله فهو خائن للأمة يستحق
الخلع، وأن المواثيق عند المسلمين مغلظة
ولكن لا يجوز لحاكم مسلم أن يوقع اتفاق
بالتخلي عن الشريعة والانتقاص منها، وأن
إلغاء أحكام الشريعة بعد تحكيمها وسط
الناس جرم أكبر وأشنع من عدم تطبيقها. (ومَن
يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا
تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى ويَتَّبِعْ غَيْرَ
سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا
تَوَلَّى ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ وسَاءَتْ
مَصِيرًا) صدق الله العظيم.
أقول
قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر
المسلمين فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة
الثانية:
الحمد
لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي
بعده، وبعد،
فقد
روي عن معاذ بن جبل قال: سمعت رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقول: (خذوا العطاء ما دام
عطاء، فإذا صار رشوة على الدين فلا تأخذوه،
ولستم بتاركيه يمنعكم الفقر والحاجة، ألا
إن رحى بني مرح قد دارت، وقد قتل بنو مرح
ألا إن رحى الإسلام دائرة، فدوروا مع
الكتاب حيث دار، ألا إن الكتاب والسلطان
سيفترقان فلا تفارقوا الكتاب، ألا إنه
سيكون عليكم أمراء يقضون لأنفسهم ما لا
يقضون لكم، فإن عصيتموهم قتلوكم وإن
أطعتموهم أضلوكم، قالوا: يا رسول الله كيف
نصنع؟ قال: "كما صنع أصحاب عيسى بن مريم،
نُشروا بالمناشير وحملوا على الخشب، موت
في طاعة الله خير من حياة في معصية الله)،
فاعملوا أيها المسلمون بوصية نبيكم
الكريم، ثم صلوا على الهادي البشير
والسراج المنير فقد أمركم بذلك رب العزة
فقال: (إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ
يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا
عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)