بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

الثقافة والفكر |  السياسة | التاريخ والحضارة | علوم وتكنولوجيا | الاقتصاد والتنمية


نحو اجتهاد يضبط قضية الاستنساخ

صدى التقدم في منجزات الوراثة في الأوساط الدينية والأخلاقية

لقد واجه علماء الدين الإسلامي وغيرهم من أهل الديانات والعقائد، وعلماء الأخلاق والاجتماع مشكلة عويصة، منذ واجهتهم قضية الاستنساخ البشري، وذلك بسبب تعارض الوجوه التي تقتضي حظره ومنعه بالكلية، مع الوجوه التي تقتضي إباحته والاستفادة منه، بعد ضبطه بضوابط تحول دون استخدامه في الضرر والفساد، أو أيلولته إلى الضرر والفساد.

وقد طُرحت المشكلة في البلاد الإسلامية، في ندوات شرعية، وقد تداولها علماء الشريعة في الصحف والمجلات والإذاعات المسموعة والمرئية، وتداولتها كذلك الصحافة العالمية.

وكان الأمر المرعب الذي يقفز إلى أذهان أكثر الذين يتكلمون في هذا الأمر ما كان رجال الكنائس في العصور الوسطى يفعلونه من الحجر على العقول والنشاط العلمي، وحرمان العلماء، ووقف أفكارهم عن أن تجد سبيلها إلى دور العلم من أجل تحسين أوضاع البشر، فيخشى الآن كل من يتكلم في الاستنساخ إذا أيد منعه أن يندرج في صف الذي كسروا عجلات عربة الحضارة، فوقفت في مكانها جامدة لعدة قرون، إلى أن تخلصت من قبضتهم، وأمكنها مواصلة السير سريعًا حتى بلغ الأمر إلى ما هو عليه اليوم من التقدم الحضاري الهائل، ومن جملته تقنية الوراثة ومنجزاتها.

وعلى الرغم من ذلك فقد ارتفعت في أرجاء العالم أصوات تنادي بالمنع والحيلولة دون التقدم في هذا الميدان، بدعوى أنه تدخل في الخلق الذي هو من شأن الخالق وحده.

وأرى أنه يجب على الحكومات الإسلامية أن تقف من هذه الهجمة التكنولوجية وقفة مستبصرة، مستنيرة بالأحكام الشرعية المستنبطة من الوحي السماوي، فذلك أقرب إلى السلامة من الوقوع في العواقب الوخيمة التي لا يعلم مداها إلا الله. ويجب عدم الوقوف في وجه التقدم العلمي في أبحاث الوراثة في مجال الحيوان. بل يجب الدخول في المدان بإيجابية من أجل تحسين الأحوال الاقتصادية والصحية للبشر.

الناحية العقائدية في موضوع الاستنساخ:

قبل أن ندخل في تلمس الحكم الشرعي للاستنساخ، نناقش قضية عقائدية مهمة، وهي: هل ما عمله علماء الوراثة، من استنساد النعجة أو القردة، نوع من الخلق للكائن النسيد، أم ليس هو خلقاً؟

لقد عبر بعض الكتاب غير المسلمين عما علمه ويلموت ورفاقه بأنهم خلقوا النعجة، وقال بعضهم إنهم خلقوا الحياة، وقال بعض الصحفيين: أيريد العلماء أن يلعبوا دور الإله؟

وربما دار بخلد بعض عوام المسلمين أنه لا يجوز تصديق الأخبار العلمية عن الاستنساخ؛ لأن الخلق من أمر الله وحده، قال تعالى: ( ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين) "الأعراف:54 "، وقال: ( إن ربك هو الخلاق العليم) "الحجر: 86" وقال: ( وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم) "الأنعام:101"، وقال ( الله خالق كل شيء) "الزمر:62".

وربما قال بعض الناس: إن كان هذا الأمر بإمكان البشر، فأي معنى يبقى لمعجزة خلق عيسى عليه السلام من أم بلا أب ؟

ونقول: إن كلمة (خلق) في اللغة العربية لها معنيان(1):الأول: الخلق بمعنى (التقدير)، وقد قالت العرب: (خلقت الأديم، أخلقه خلقاً). والأديم الجلد، ومعناه على ما ذكره صاحب اللسان: "قدرته لما أريد، قبل القطع، وقسته لأقطع منه مزادة أو قرابة أو خفاً". وذكر حديث أخت أمية بن أبي الصلت، وفيه: قالت: (فدخل عليّ وأنا أخلق أديمًا). أي أقدره لأقطعه. والثاني: الخلق بمعنى (الإيجاد من العدم على غير مثال سابق، بل على مثال أبدعه الخالق).

فالخالق بالمعنى الثاني هو الخاص بالله تعالى. أما بالمعنى الأول فهو مشترك يصدق على أفعال الله تعالى، وقد يصدق على أفعال غيره. من البشر وقد قال الله تعالى: ( فتبارك الله أحسن الخالقين) "المؤمنون:14" فأثبت أكثر من خالق ولهذا كان معناه: أحسن المقدرين.

فالله تعالى هو الذي أوجد المخلوقات كلها من العدم، وجعل كلاً منها على الوضع الذي أراده، على غير مثال سابق، فأوجد كل جنس من الأحياء بخصائصه التي هو عليها، وقد قال الله تعالى: ( أفرءيتم ما تمنون ءأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تصدقون) "الواقعة: 58 ـ 62" أي أنه سبحانه قادر على أن يحول خلقكم في صور لا تعلمونها، كما أنه هو الذي صوركم أولا.

ومن الصفات التي جعلها الله عز وجل في الأحياء قابليتها للتناسل الجنسي، وهو من خلق الله تعالى وتقديره، وجعل فيها قابليتها للنسخ أيضا، كما ذكرنا وجوده في الطبيعة في بعض الحيوانات الدنيا كنجم البحر، وفي النبات أيضا، كما قلناه في التطعيم أو التركيب، وفي الحيوانات الثديية، ومنها البشر، كما في ظاهرة التوائم المتطابقة.

فإن الله عز وجل خلق شجرة اللوز مثلا، وخلق فيها قابليتها للانقلاب بالتطعيم إلى شجرة مشمش أو خوخ مثلا، فلا يقول الذي فعل ذلك إنني خلقت شجرة المشمش مثلاً، بل نقول: إن الله تعالى هو الذي خلقها؛ لأنه هو الذي أوجدها من العدم وفيها هذه الخاصية.

وهكذا نقول في استنساخ الحيوانات الثديية: إن الله تعالى هو الذي خلق النسيخ، كما أنه هو خالق الأصل، لأنه خلق الأصل وفيه القابلية لأن يتخلق منه بالاستنساخ كائن مشابه للأصل. والزارع، والمطعِّم، والمستنسِخ، لا يزيد عملهم عن أن يضعوا بذرة الحياة في البيئة الملائمة لنموها بالقدرات والقابليات المستكنة التي أودعها الله تعالى فيها.

ومن جهة أخرى، فإن الله تعالى هو خالق كل شيء مما يحدث في العالم، سواء كان مما يصنع بأيدي البشر ومشيئتهم أو بغير ذلك، قال الله تعالى: ( وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليمًا حكيمًا) "الإنسان:30"، وقال: ( الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل) "الزمر:62".

حتى الأصنام التي كانوا يصنعونها على صور البشر أو الحيوان ليعبدوها من دون الله هي أيضًا من خلق الله تعالى، فقد قال الله تعالى لناحتيها على لسان إبراهيم عليه السلام: (أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون) "الصافات:95،96" فالله تعالى خالق كل صانع وصنعته.

فليطمئن المؤمنون بالله تعالى بالاً من هذه الجهة، فإن الله تعالى لا يقع في ملكه إلا ما يريد، ولا يقع شيء رغمًا عن إرادته، بل كل شيء فهو بمشيئته سبحانه وإرادته، لحكمة يعلمها، ولو شاء الله أن لا يقع ذلك لما وقع، قال الله تعالى:( وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون) "الأنعام:137"، وقال تعالى: (ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد) (2)"البقرة:253".

وإنما الاستنساخ وما شابهه من الاكتشافات علوم تستجد، يفتح الله تعالى منها لخلقه ما شاء متى شاء، لتكون تذكرة وعبرة، ومجالاً للتأمل في قدرات الله تعالى، وأسراره التي بثها في الخلق، وليكون ما فيها من النفع المباح مما تصلح عليه حياة البشر حين تضيق بهم الحياة، قال تعالى :( الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سِنة ولا نوم له ما في السموات والأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم) "البقرة: 255"، فما يدركه البشر من العلوم حيناً بعد حين إنما هو من خزائن علمه سبحانه وتعالى.

بل أقول: إن أعجب من الاستنساخ في نظري أن بذرة صغيرة يابسة، كبذرة الخروب مثلاً، توضع في تراب ميت، وتُسقى بالماء، فتدب فيها الحياة، ثم لا تزال تنمو حتى تكون شجرة حية عظيمة، يستظل بظلها، وتؤتي ثمارًا حلوة صالحة للبشر، فهي في نظري أعجب من الاستنساخ الذي كثر الكلام حوله الآن.

ولا يقول أحد: إن الذي استنبت تلك البذرة هو خالق تلك الشجرة، ولا يتعجبون مما حصل لتلك البذرة من التحول الذي لا ينقضي من العجب. وما ذاك إلا لطول الإلف والاعتياد، من أجله لا يقدر الناس عظمة الله حق قدرها. ولذا أنزل الله تعالى القرآن الكريم يقرع أسماعهم ليلفت أنظارهم بآياته إلى آياته. قال الله تعالى: ( أفرءيتم ما تحرثون* ءأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون* لو نشاء لجعلناه حطامًا فظلتم تفكهون* إنا لمغرمون* بل نحن محرومون) "الواقعة: 63ـ67".

وأما مسألة خلق عيسى عليه السلام، فيجاب عنها من أربعة أوجه:

الأول: أن الإعجاز لا يزال قائما، وذلك أن الذي أمكن استنساخه إلى هذا الوقت: أنثى من أنثى، يظن أنه سيكون بالإمكان استنساخ ذكر من خلية ذكر.

أما وجود ذكر من خليه أنثى فليس بممكن في منظور العلم حتى الآن. والذي حصل لعيسى وجود ذكر من أنثى.

الثاني: أن عيسى عليه السلام لم ينشأ عن خلية فيها لقاح ذكري، بل نشأ من خلية جنينية غير ملقحة، ومثل هذا الأمر يقر العلم بالعجز عنه، وحتى في الاستنساخ بنقل نواة جسدية، هذه النواة فيها 23 كروموسومًا ذكريًا + 23 كروموسومًا أنثويًا، فهي ملقحة إذن.

الثالث: أنه لو أمكن في المستقبل تجاوز هذه الموانع، بإنتاج ذكر من خلية أنثوية خالصة، وهو ما نستبعده ونعتقده بدرجة المستحيل فإن الإعجاز لن يزال قائمًا؛ لأن الله تعالى خلق عيسى عليه السلام من دون هذه الوسائل التكنولوجية بل بقوله (كن) فيكون تمامًا، كما أن صعود عيسى عله السلام إلى السماء كان معجزاً ولا يزال معجزاً وإن أمكن الصعود إلى الجو بالطائرات وإلى القمر بالأقمار الاصطناعية لأنه صعد بدون وسيلة من وسائل البشر ولا يزال الصعود من غير وسيلة معجزاً.

الرابع: أن عيسى عليه السلام لم يتحد أحداً بمعجزة كونه خلق من امرأة فقط، ولم يرد في القرآن ولا في الإنجيل أن خلقه بتلك الصورة أمر معجز، وإنما ورد مجرد وصف لما وقع، ونحن الذين قدرنا أنه معجز. وتقديرنا بأنه معجز مع ذلك لا يزال صحيحًا في حدود ما وصل إليه علم البشر حتى اليوم. وعلى افتراض أن مثل ذلك أصبح في مقدور البشر التدخل فيه فليس فيه تكذيب لكلمة إلهية.

فإذن لا يمكن الاستناد على الناحية العقائدية للدعوة إلى منع الاستنساخ. ونقول كلمة واضحة لمن ادعى من أهل العلم أن الاستنساخ في البشر كفر، أو أن التصديق به كفر: يلزمك أن المزارع الذي يقلب شجرة اللوز إلى شجرة مشمش، كافر، وأن الذي يصدق بإمكان ذلك كافر أيضًا.

وإنما النظر في هذه المسألة في الحكم الشرعي التكليفي، من تحليل أو تحريم، حسبما تدل عليه الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة وغيرهما، وفي المصالح والمفاسد التي يظن حصولها بالاستنساخ البشري. أما الاستنساخ في النبات والحيوان، فمجاله رحب، والعمل به متاح لكل مقتدر. وإن البشرية لتنعم منذ أكثر من عقدين من السنين بنعم جزيلة أتاحتها لها منجزات علم الوراثة والهندسة الوراثية في مجال اللحوم والدواجن وغيرها من المجالات.

تابع معنا بقية أجزاء الدراسة:


1- نقل ذلك صاحب لسان العرب عن كل من الأزهري وابن الأنباري. ولكن يبدو أن معانيه ثلاثة، بإضافة معنى (تشكيل صورة شيء ما) وهو ما يصح أن تحمل عليه لفظ (تخلق) في قول الله تعالى: ( وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني) "المائدة:110" فإنه بمعنى تشكيل صورة، أي لأن عمل عيسى عليه السلام أنه كان يصنع من الطين شكل طائر، أي برأس وجناحين ورجلين. ويشير إلى هذا المعنى أيضاً حديث عائشة أن النبي قال: « إن أصحاب هذه الصور يعذبون، ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم» أخرجه البخاري (ح2150) ومسلم (ح2109).

2- وهذه إرادة كونية لا يلزم منها أن كل ما يقع في ملك الله تعالى فهو مريد له بمعنى الرضا به. كما قال تعالى: ( ولا يرضى لعباده الكفر) "الزمر:7" فإن ما يرضاه الله تعالى هو المبين في شرائعه التي أنزلها على رسله، فما خالفها من المعاصي فليس مرضيًا له وإن كان واقعًا بمشيئته سبحانه.

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 


الثقافة والفكر |  السياسة | التاريخ والحضارة | علوم وتكنولوجيا | الاقتصاد والتنمية

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | سجل الزائرين | خارطة الموقع