بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

الثقافة والفكر |  السياسة | التاريخ والحضارة | علوم وتكنولوجيا | الاقتصاد والتنمية


صراع العقيدة الإسلامية والهوية الأمريكية

قراءة في فتاوى الجندي الأمريكي المسلم وقتال أفغانستان

التساؤل الذي بين أيدينا واضح كل الوضوح؛ فقد تقدم الضابط الأمريكي جابلن محمد عبد الرشيد، أقدم المرشدين الدينيين المسلمين في الجيش الأمريكي، بطلب استفتاء حول مدى جواز مشاركة العسكريين المسلمين في الجيش الأمريكي في المهمات القتالية وسائر ما تتطلبه في أفغانستان وغيرها من بلاد المسلمين.

يقول في استفتائه: إن أهداف هذه العمليات هي:

  • الانتقام من الذين "يُظن أنهم شاركوا" في تدبير وتمويل العمليات الانتحارية التي نُفذت في الحادي عشر من سبتمبر ضد أهداف مدنية وعسكرية في كل من نيويورك وواشنطن.

  • القضاء على العناصر التي لجأت إلى الأراضي الأفغانية وغيرها، وإخافة سائر الحكومات التي تتساهل في إيواء أمثال هؤلاء، وتمكنهم أو تعطيهم فرص التمكن من التدريب على فنون القتال، والانطلاق نحو أهدافها في العالم.

  • إعادة الهيبة والاحترام للولايات المتحدة باعتبارها قطبًا عالميًا منفردًا.

ويختتم استفتاءه بقوله: "إن العسكريين المسلمين في الجيش الأمريكي -بفروعه الثلاثة- لا يقلون عن خمسة عشر ألفًا، وإنهم قد لا يتاح لهم -إذا لم يقبلوا المشاركة في العمليات القتالية المذكور- إلا الاستقالة، وفيها ما فيها في الظروف الراهنة". ويسأل أخيرًا: "هل يجوز لمن يستطيع منهم أن يطلب تحويله إلى الخدمات الأخرى غير القتال المباشر؟".

نظرة إلى المفتين وفتاواهم:

عُرض هذا الأمر على مجموعة من العلماء الأجلاء. وتصدوا معًا للإجابة على هذا الطلب الذي تقدم به السيد جابلن محمد عبد الرشيد، والذي أشرنا إليه سالفاً. وقد انقسم المفتون في إجاباتهم بين ثلاث توجهات:

التوجه الأول: جواز المشاركة مع توافر الضرورة:

ضم هذا التوجه كل من د. يوسف القرضاوي (اضغط هنا لمطالعة الفتوى)، ود. محمد سليم العوا (اضغط هنا لمطالعة الفتوى)، والمستشار فيصل مولوي (اضغط هنا لمطالعة الفتوى)، مع فروق ليست بالكبيرة. وكانت المواقف الواردة في فتاواهم على النحو التالي:

  • اتفق العلماء الثلاثة على رفض الإرهاب، ووقفوا معا ضد من يحاول ترويع الآمنين، واستحلال دماء غير المقاتلين بغير سبب شرعي؛ لأن الإسلام حرم الدماء والأموال حرمة قطعية إلى يوم الدين. وإن كان هذا الموقف لا يمكن قصره على هذا الفريق وحده؛ لأنه يستند إلى أصول ثابتة بصورة قطعية، ولا يمكن لعالِم خبير بطرق استنباط الأحكام العملية من الأدلة الشرعية أن يقول برأي يخالف هذا الرأي، لكن نقدمه هنا لحرص علماء هذا الفريق على تقديمه بين يدي الفتاوى التي أفتوا بها.

  •  اتفق العلماء الثلاثة على حرمة الاقتتال بين المسلمين بصورة قطعية، ولم يحاول تخفيف غلظة الحكم فيها سوى الدكتور محمد سليم العوا، الذي أشار إلى أن النصوص التي تحرم هذا الاقتتال تتناول الحالة التي يملك فيها المسلم أمر نفسه فيستطيع أن ينهض للقتال ويستطيع أن يمتنع عنه.

  •  اعتبر العلماء الثلاثة حالة حمل الجندي المسلم لجنسية دولة غير مسلمة حالة تمثل استثناء على الحكم العام؛ لما قد يترتب على حمل هذه الجنسية من التزامات ولاء تتضاعف تبعاتها على الجندي المسلم بصفته خاضعًا للتقاليد العسكرية التي تتسم بالصرامة وتقتضي الطاعة.

  •  اتفاق العلماء الثلاثة على أنه إذا جاز للجندي المسلم الذي يعمل بمؤسسة عسكرية في دولة غير مسلمة أن يتخلف عن حرب مع دولة مسلمة بأي وسيلة كانت مثل طلب إجازة، أو إعفاء من حرب بعينها، أو ما شابه ذلك من سبل التخلف، فإنه يجب عليه أن يسلك هذا السبيل، مع تأكيد العلماء الثلاثة على علمهم بأن القوانين العسكرية الأمريكية تسمح بتسهيلات من هذا القبيل، ولعل هذا راجع إلى التعددية العرقية التي تجعل الخبراء يصفون المجتمع الأمريكي -فيما يصفونه- بأنه مجتمع مهاجرين. وما لم يكن ذلك باستطاعة الجندي المسلم اللجوء لهذا البديل فيمكن لهذا أن يطلب الخدمة بالخطوط الخلفية باعتبارها أخف الضررين.

  •  اتفق العالمان د. يوسف القرضاوي، ود. محمد سليم العوا على أنه إذا ترتب على اعتذار الجنود المسلمين عن فوضى مثل هذه الحرب ضرر يعود عليهم أنفسهم كجنود، أو على الجماعة المسلمة في الدولة غير المسلمة التي يحملون جنسيتها فوجب عليهم آنذاك أن يخوضوا الحرب في صفوف القوات العسكرية لبلدهم غير المسلم ضد من يراه هذا البلد داعمًا للإرهاب.

لكن أكد هذان العالمان على ضرورة استحضار نية إحقاق الحق وإبطال الباطل، ونية منع العدوان على الأبرياء أو الوصول لمرتكبي هذا العدوان لتقديمهم للعدالة. مع تأكيدهما على ضرورة الابتعاد -بقدر الإمكان- عن القتل المباشر.

أما المستشار فيصل مولوي فلم يشأ أن يجعل هذا الحكم فتوى عامة لجميع الجنود المسلمين العاملين بجيوش الدول غير المسلمة، وأعلن صراحة أن الاضطرار يجعل هناك مجالاً للاختيار أمام الجندي المسلم، وبهذا ينسحب الحكم على حالة كل جندي على حدة.

ويبدو أن الشيخ فيصل مولوي يقدِّر أن بعض الجنود يسعهم ترك الجيش، والبعض الآخر بإمكانه التخلف عن الاقتتال في الحروب مع دول مسلمة، والبعض الثالث قد تضطره الظروف للمشاركة بشكل أو بآخر.

والفارق بين موقف المستشار فيصل من ناحية والدكتورين القرضاوي والعوا من ناحية ثانية أن الأخيرين اعتبرا الضرر الذي سيحيق بالجماعة المسلمة إثر ثبوت انعدام ولاء الجنود المسلمين للدولة التي لا يحملون جنسيتها، وما يرتبط بذلك من النظر إليهم كطابور خامس أو مشبوهين مشكوك في ولائهم، وهو ضرر أكبر من الضرر الذي سيترتب على مشاركتهم بصورة غير فعالة في مثل هذه العمليات عبر قصر وجودهم على الخطوط الخلفية. ويضاف إليه أن عدم مشاركتهم لن تمنع حدوث الحرب.

التوجه الثاني: عدم جواز المشاركة:

وقد مثَّل هذا التوجه د. علي جمعة (اضغط هنا لمطالعة الفتوى)، ود. أحمد الريسوني (اضغط هنا لمطالعة الفتوى). وإذا كان التوجه الأول ذهب إلى جواز اشتراك الجندي المسلم في الحرب الدائرة بين دولة غير مسلمة يحمل الجندي المسلم جنسيتها وبين دولة أخرى مسلمة؛ استنادًا إلى قاعدة رفع الحرج، وارتكاب أخف الضررين، فإن التوجه الثاني رأى عدم جواز الاشتراك في هذه الحرب.

وكانت جوانب فتوى هذا الفريق على النحو التالي:

  • النصوص الشرعية التي تحرم اقتتال المسلمين جُلَّها قطعي الثبوت؛ لأنها من آيات كتاب الله تعالى، وكلها قطعية الدلالة في مسألة تحريم تَقاتُل المسلمين، سواء منهم في الإثم القاتل والمقتول.

  • اتفق العالمان على ضرورة اعتذار المسلم عن المشاركة في الحرب التي تختصم فيها دولةٌ غير مسلمة دولةً مسلمة؛ مشيرين في هذا إلى أن الحالة القانونية للولايات المتحدة تسمح بمثل هذا الاعتذار. فإن لم يكن الاعتذار مستطاعًا فليقتصر الجندي المسلم على الأعمال الإدارية والإعاشية.

  • وصل الأمر بالدكتور علي جمعة مع قطعية ثبوت النص وقطعية دلالته إلى أن أفتى بوجوب استقالة الجندي المسلم من جيش الدولة غير المسلمة في حالة عدم استطاعته تجنب المشاركة في العمليات العسكرية.

  • أفتى الدكتور علي جمعة بأن اضطرار المسلم للاشتراك في هذه الحرب يجعله ملتزمًا بألا يقتل مسلمًا بسلاحه، وإلا إن قتل مسلمًا خطأ فعليه الدية والكفارة وإن قتله عمدًا حمل إثم قتل المسلم عمدًا.

  • أكد د. علي جمعة أن لا الدين ولا العقل يعتبران قياس قتال المسلمين للفئة الباغية على قتال المسلمين تحت لواء غير مسلم لإخوانهم المسلمين.

  • أنكر د. علي جمعة أن تتحول الروابط بين المسلمين إلى روابط تتأسس على نظرية الحدود الإقليمية، في حين أن الأساس في هذه الروابط تأسيسها على أخوة الدين الحنيف، ومن ثَمَّ ارتكانها إلى إيمان المسلم وطاعته لربه، مما فيه نصوص قطعية الثبوت والدلالة على هذه الأخوة.

  • أكد د. علي جمعة في حيثيات فتواه على أن ما يدور من حرب تقودها الولايات المتحدة ضد أفغانستان هو فعل يفتقر إلى العدالة، ويقوم على تحويل الشبهة المحضة إلى جريمة بغير نظر قضائي مترفع عن الانحياز، وبغير إدانة دافعة.

يبقى أن الفارق بين موقف د. علي جمعة وموقف الفريق الأول يتمثل في أن الفريق الأول جعل الضرورة عاملاً يضع الجندي المسلم أمام اختيار الاشتراك من عدمه، أما د. علي جمعة فحمل الاشتراك على الاضطرار المشوب بالإكراه. فالأصل لدى د. علي جمعة عدم الاشتراك.

التوجه الثالث: جواز المشاركة في إطار وجود بيِّنة:

وقد مثل هذا التوجه الأستاذ د. طه جابر العلواني (اضغط هنا لمطالعة الفتوى)، ود. صلاح سلطان (اضغط هنا لمطالعة الفتوى)، وفضيلة الشيخ محمد الحانوتي (اضغط هنا لمطالعة الفتوى). وكانت أهم ملامح هذا التوجه ما يلي:

  • أكد الشيخ الحانوتي أن مشاركة المسلمين في الاقتتال الدائر جائزة بشرط توافر بينة قامت عليها إدانة لشخص ما أو جماعة ما أو دولة ما. وعلى الرغم من أن الدكتورين طه جابر العلواني وصلاح سلطان لم يؤكدا ذلك صراحة فإن هذا التوجه مفهوم فيما أفتوا به من عدم جواز الاشتراك إذا كانت الحرب غير عادلة. وشرعا في بناء بقية ما أفتوا به على هذا النحو بحيث انصرف د. صلاح سلطان للتأكيد على رأي الشرع في مسألة قتل النفس التي حرم الله تعالى قتلها إلا بالحق.

  • أكد على ضرورة القبض على مرتكبي الفعل البشع الذي وقع يوم الحادي عشر من شهر سبتمبر، وضرورة القبض على من شايعهم وزودهم بالمال والعتاد. وأكد على ضرورة حصول جميع المجرمين المشتبه في اقترافهم هذا الحادث إلى محاكمة عادلة. وهذه المحاكمة العادلة هي شرط جواز اشتراك المسلمين الأمريكيين في القتال الدائر ضد شخص مسلم أو دولة مسلمة أو جماعة مسلمة.

  • التزم العالمان موقفاً سياسياً؛ حيث دعا الأستاذ الدكتور طه جابر العلواني الجماعة المسلمة بأمريكا إلى أن تستعمل حقوقها كغيرها من المواطنين والجنود الأمريكيين في معارضة قرار الحرب إذا ما علمت أنها حرب غير عادلة. بينما أكد الشيخ محمد الحانوتي على أنه لا يتفق مع من يؤيد ما قام به الرئيس الأمريكي من إشعال حرب بغير بينة.

  • أكد د. صلاح سلطان أن الأصل في ذمة الإنسان البراءة، وهذا يقين لا يزول بالشك. ومن ثم لابد من التيقن عبر تحقيق قضائي، وإلا تعتبر الحرب على أفغانستان حربًا جائرة، لا يجوز المشاركة فيها.

  • أكد د. صلاح سلطان أن الضرر الخاص يتحمل لصالح رفع الضرر العام. ومن ثم فالعقوبة التي ستقع على الجندي الأمريكي المسلم هي الرفت أو السجن، وهو ضرر خاص يمكن تحمله لصالح رفع الضرر العام عن عموم المسلمين في أفغانستان، وتجنب قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق.

  • تأكيد د. صلاح سلطان على أن الأولى بالمسلمين أن يشنوا حملة مفادها أنهم حملة دين لا يقر قتل الأبرياء في أي مكان في الأرض. خاصة أن أدلتهم التي تحرم ما يحدث في نيويورك هي نفسها الأدلة التي تحرم القتل الدائر في أفغانستان.

  • أجاز د. صلاح سلطان للمسلمين طلب العمل بالخطوط الخلفية من القوات العسكرية في حالة دفع الضرر.

منهج التعامل مع موضوع الفتوى:

عند التعامل مع منهج الفتوى ينبغي أولاً تركيز التعامل مع فتاوى العلماء باستثناء الدكتور أحمد الريسوني الذي اطمأن في فتواه إلى قطعية دلالة التشريعات وقطعية ثبوت جلها. ومن ثم ضيق اللجوء إلى آليات توسيع الحكم كالضرورات والاضطرار. أما بقية العلماء فقد تراوح منهجهم في التعامل مع موضوع الفتوى بين قواعد أصولية، هي:

  • المشقة تجلب التيسير.

  • الضرورات تبيح المحظورات.

  • ارتكاب أخف الضررين.

  • الاضطرار يرفع الإثم.

  • الضرر الخاص يتحمل لصالح رفع الضرر العام.

  • الأصل في الذمة البراءة.

فقد انطلق جُل العلماء من نفس منطلق د. أحد الريسوني مطمئنين إلى قطعية ثبوت جُل الأدلة من آيات وأحاديث عن مصدرها الرباني وقطعية دلالتها على حرمة تقاتل المسلمين بعضهم مع بعض. ويستثنى من هذا التعميم فضيلة الشيخ محمد الحانوتي الذي كان له توجه آخر تماماً.

فقد كان منطلق الشيخ الحانوتي يتمثل في عموم جواز اشتراك المسلم في مثل القتال الدائر في أفغانستان إذا ما كان لهذا الاشتراك أساس شرعي. وهذا معناه تركيز الشيخ الحانوتي على القيم المطلقة كالعدل والرحمة كمعيار للائتلاف والتعاون الدولي، مقدماً إياه على المؤاخاة مع مذاهب وحكومات تنكر بديهيات الدين من رحمة وعدل ومساواة. لكن الشيخ الحانوتي اشترط قيام الإجراء العملي على بينة من حكم قضائي.

وقد كانت ملامح الصورة العامة المحيطة بموضوع الفتوى مشتملة على الحيثيات الآتية:

  • الظرف الأول: قد لا يكون في مقدور الجندي المسلم الأمريكي تجنب الاشتراك في الحرب الدائرة الآن على المسرح الأفغاني، ومن بعده أي من الأهداف العربية والإسلامية التي تقدِّر الولايات المتحدة أنها دول مساندة للإرهاب. هذا الظرف قدره كل العلماء الأربعة.

  • الظرف الثاني: أنه لم تثبت إدانة أي من الأفغان، ولا حتى أسامة بن لادن، بأي من التهم التي وجهتها إليه الإدارة الأمريكية بخصوص أحداث الحادي عشر من شهر سبتمبر من العام 2001.

  • الظرف الثالث: قد يكون من الضار بالجماعة المسلمة الأمريكية ككل أن ينكص الجندي المسلم عن المشاركة في هذه الحرب؛ حيث قد يظن المجتمع الأمريكي فيهم انعدام الولاء، ومن ثم يبرزون باعتبارهم طابورًا خامسًا، ويتكرس النظر إليهم باعتبارهم صفًا خائنًا من صفوف المجتمع الأمريكي؛ وهو ما يضر بحقوق عموم الجماعة المسلمة، ويضر باستقرارها في المجتمع الأمريكي، ويهدد مسيرة الدعوة الإسلامية داخل هذا المجتمع. وهذا الظرف قدره كل من الدكتور القرضاوي والدكتور العوا.

ومن هنا انطلق العلماء في تطويرهم لفتاواهم. فمع اعتبار الظرف الأول وتقديره؛ وهو صعوبة أو استحالة تمكين الجندي المسلم من تجنب المشاركة في الحرب، انطلق كل من د. القرضاوي، ود. العوا إلى الاعتماد على قاعدة أن المشقة تجلب التيسير. والمشقة هنا كامنة في عنصرين، هما:

  • صعوبة إجراءات تلافي الاشتراك في الحرب.

  • صعوبة نمط الحياة التي قد تواجه المسلم في حالة خروجه من المؤسسة العسكرية.

هذا عن ظروف المشقة. أما عن ظروف الضرورة فلا أدل مثال عليها من مثال الصورة الذهنية السلبية التي سيتم رسمها للجماعة المسلمة وللجندي المسلم بالولايات المتحدة، والتي ستكرسها بالتالي وسائل الإعلام الصهيونية المعادية للجماعة المسلمة. وهذه الصورة ستمثل الأساس الذي سيبني المجتمع الأمريكي عليه نظرته للمسلمين، ومنهجه في التعامل معهم؛ وهو ما سيجعل وجود المسلم في الولايات المتحدة مهدداً، ليس على الصعيد المعنوي وحده، بل أيضًا على الصعيد المادي الذي قد يصل إلى حد تهديد وجودهم ذاته.

وأما عنصر الاضطرار الذي ارتكنت إليه بعض الفتاوى، فنجد مثاله كلاً من الدكتور علي جمعة، والمستشار فيصل مولوي اللذين ارتكنا إلى أن الأساس هو عدم اشتراك الجندي المسلم في هذه الحرب بكل صور التجنب المتاحة، ومن ثم لا يخرج الجندي المسلم في هذه الحرب إلا مضطرًا. والاضطرار يختلف عن الضرورة في أن الضرورة قاعدة من شأنها توسيع نطاق الاختيار بين بدائل متفاوتة. فالصورة الذهنية كمؤشر على الضرورة تجعل هناك إمكانية للاختيار بين الاشتراك وعدمه بحضور المصلحة أو تخلفها. لكن الاضطرار قاعدة يضيق فيها نطاق البدائل المتاحة أمام المسلم. فالأصل لدى د. علي جمعة تَمثَّل في عدم الاشتراك، وإن وصل الأمر إلى حد الاستقالة. وعلى هذا لا يكون اللجوء لمثل بديل الاشتراك إلا اضطراراً، ولم يوضح د. علي جمعة صور الاضطرار الملجئة لاختيار بديل الاشتراك.

أما عن الظرف الثاني الذي يتعلق بانعدام البينة على إشعال مثل هذه الحرب، فقد استند إليه كل من الدكتور صلاح سلطان والدكتور علي جمعة والشيخ محمد الحانوتي في فتاواهم التي أفتوا فيها برفض الاشتراك في القتال طالما أنه لا يقوم على بينة.

وفي هذا الإطار جاء دور القاعدة الأصولية الشهيرة: الأصل في الذمة البراءة. ومن هنا كان اتهام بن لادن، وفي إثره حركة طالبان، بحاجة إلى دليل ثم محاكمة ثم إدانة؛ لتحظى الحملة العسكرية الأمريكية بالشرعية التي تسمح للمسلمين بالاشتراك فيها.

وأما عن الظرف الثالث الخاص بالضرر البالغ الذي سيحيق بالجماعة المسلمة في الولايات المتحدة، وهو الظرف الذي عُني به كل من د. يوسف القرضاوي ود. محمد سليم العوا. فقد ارتكن العالمان فيه إلى ضرورة ارتكاب أخف الضررين. وقد رأى هذان العالمان في هذا الموضوع أن الضرر الذي سيترتب على اشتراكهم سيكون أخف من الضرر المترتب على امتناعهم عن المشاركة، خاصة أن اشتراكهم سيكون صوريًا أكثر منه اشتراكًا حقيقيًا، هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية فإن عدم اشتراكهم لن يؤدي إلى وقف الحرب، ومن ثم فلن يكون لضغطهم فاعلية كبرى، إن كان لهذا الضغط أية فاعلية أصلاً. وقد خالف في هذا الأمر فقط الدكتور صلاح سلطان الذي رأى أن الضرر الخاص يتحمل لصالح دفع الضرر العام، وقد كان يرى أن الضرر الخاص يتمثل في استقالة جنود الجيش أو حتى سجنهم، في حين أن الضرر العام يتمثل في قتل مئات الآلاف من أبناء الأمة الإسلامية في مثل هذه الحرب.

لكن اعتبار هذه القواعد استثناء من القاعدة العامة الملزمة التي حملتها النصوص الشرعية لم يأت مطلقًا، بل أتى مقيدًا بشرطين شرعيين، هما:

  • استحضار نية تخلو من قتال المسلم، ويكون العنصر الوحيد فيها هو السعي لإحقاق الحق، وإبطال الباطل، ودفع العدوان.

  • عدم الاشتراك في القتال المباشر، والتي أوضحها د. يوسف بقوله "قدر الاستطاعة".

وهذان الشرطان الضابطان كانا إشكاليين أيضًا. فاستحضار نية تخلو من قتال المسلم أمر يحد من فاعلية المسلم في العمليات العسكرية الميدانية ضد المسلم الآخر. أما تضمين نية إحقاق الحق وإبطال الباطل فقد يؤدي دفع المسلم إلى مشقة أكبر. فهذه النية قد تكون مفهومة لو أن التحقيقات والإدانة الدافعة قد لفت أسامة بن لادن، لكن مع عدم ثبوت هذه الإدانة؛ كيف يتسنى للجندي المسلم انتواء السعي لإحقاق الحق، وإبطال الباطل؟

والسؤال الآخر هو: ماذا لو ثبت للعالم وللجندي الأمريكي المسلم أن هذه الحرب دعائية لتطمين الرأي العام الأمريكي وحسب؟ وكيف يبطل الباطل آنذاك؟ ثم ماذا لو تدخلت الولايات المتحدة لقمع حركات التحرر العربية كحزب الله؟

وهناك السؤال الأخطر من هذا وذاك: حتى لو تمت إدانة أسامة بن لادن عبر تحقيق قضائي تتحقق له الحيدة والنزاهة والتجرد عن التعصب؛ فهل يمكن تطويع الإستراتيجية العسكرية الأمريكية لتلائم الأطروحة الإنسانية التي ترتضيها الشريعة وترتضيها الأنساق القانونية التي تحترم قيم العدل والمساواة؟

ولمزيد من التوضيح في هذه النقطة نقول: إن الحكم بالإدانة على شخص أو مجموعة من الأشخاص -صغرت أو كبرت- لا يعني أن تتوجه الولايات المتحدة لضرب الشعب الأفغاني كله. فلو أن نظام حكم معيناً قام بحماية مجرم دولي أثبتت التحقيقات إدانته فإن ذلك يقتضي تجريم هذا النظام. لكن هذا التجريم يقضي بمعاقبة النظام وحده لا معاقبة عموم الشعب معه.

وهذه القضية تستتبعها ضرورة مناقشة قضية التعددية والسلطوية من زاوية علاقتهما بمسؤولية الشعب بأكمله عن تصرف حكومته. فهذه القضية الآن من أخطر القضايا التي أدت إلى موت ملايين الأبرياء في دول مثل العراق، من بينهم أكثر من مليون طفل، ولا بد من وقفة حيالها على صعيد الفكرين القانوني والسياسي، فضلا عن القانون الدولي.

وموجز القول في مثل هذه القضية أن مسؤولية الشعب عن الأفعال العلنية لحكومته لا تبرر ضرب هذا الشعب بأكمله على نحو ما يجري مع أفغانستان، ومن قبلها العراق. فمثل حركة طالبان جاءت إلى الحكم عبر انقلاب عسكري، ومن ثم فإن خطأها لا يبرر ضرب الشعب الأفغاني بأكمله، هذا بافتراض أنه قد ثبت بالدليل أنها ارتكبت جُرماً. كما أن نظام الحكم في العراق مستمر بمكانه بفضل تركيبة الحديد والنار التي يستعملها لإرهاب مواطني العراق؛ فكيف نستخدم العقاب ضد الشعب كله؟

فالشعب يكون مسؤولاً عن سلوكيات حكومته إذا كان مسلك النخبة الحاكمة لسدة الحكم هو الصوت الانتخابي الخالي من عوارض الاختيار الحر كالتزوير والإكراه وغيره من الصور التي تفقد بها الانتخابات نزاهتها. لكن حتى في حالة الحكومات الديمقراطية لا يجوز تحميل كل الشعب مسؤولية سلوك حكومته. فهذا الشعب فيه من عارض، وفيه من رفض قدوم الحكومة التي ارتكبت الجرم، ومن ثم فإن التعامل مع هذا الشعب من خلال منطق إطلاق الطيارين قذائفهم وقنابلهم من ارتفاعات شاهقة لا تمييز في إطارها بين مجرم وبريء، وبين مخطئ ومصيب، هذا الأسلوب هو من قبيل الهمجية. والشريعة الإسلامية تعتبر من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض بمثابة قتل جميع الناس.

وأما الإشكالية التي يثيرها الضابط الثاني فتتعلق بسلوك المسلم في الميدان. فتحديد مفهوم الاشتراك في القتال لدى كل العلماء كان يستبطن مفهوم الحرب البرية التي قد تقتضي التحامًا مباشرًا بين الجنود. هذا ينطبق فقط في مسرح القتال على القوات الخاصة التي ستقوم بإبرار جوي بهدف التصفية أو خطف من أعلنت الولايات المتحدة أنهم مشتبه فيهم. فماذا يثور بحق المسلمين العاملين في أسلحة أخرى كالطيران مثلاً؟ هؤلاء لن يكون لهم مفر إلا الامتناع عن الخدمة في حالة تضييق الخناق عليهم، وحالة هؤلاء الطيارين ذات طبيعة خاصة، فالأسلحة التي يحملونها تسمى أسلحة ذكية لها قدرة على التوجيه الذاتي.

 عودة

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 


الثقافة والفكر |  السياسة | التاريخ والحضارة | علوم وتكنولوجيا | الاقتصاد والتنمية

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع