|
قاعدة
في عَلاقة المسلمين بغيرهم:
لقد
تضمنت آيتان من القرآن الكريم
قاعدة ذهبية في عَلاقة المسلمين
بغيرهم، هما قول الله- تعالى-:
"لا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ
الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ
فِي الدِّينِ وَلَمْ
يُخْرِجُوكُمْ مِنْ
دِيَارِهِمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ
وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ
اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ *
إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ
عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ
فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ
مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا
عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ
تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ
يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ
هُمُ الظَّالِمُون". [سورة
الممتحنة: الآيتان 8، 9].
قال
ابن الجوزي: "هذه الآية رخصة
في صلة الذين لم ينصبوا الحرب
للمسلمين، وجواز برهم، وإن كانت
الموالاة منقطعة عنهم" [ابن
الجوزي: زاد المسير 8/39].
وقال
القرطبي: "هذه الآية رخصة من
الله- تعالى- في صلة الذين لم
يعادوا المؤمنين ولم يقاتلوهم..
قوله - تعالى- : "أَنْ
تَبَرُّوهُم" أي لا ينهاكم
الله عن أن تبروا الذين لم
يقاتلوكم…". [القرطبي: الجامع
لأحكام القرآن 18/43].
وأكد
ابن جرير على عموم الآية في غير
المسلمين من كل الأديان
والمِلَل والنِّحَل، فقال: "وأولى
الأقوال في ذلك الصواب قول مَن
قال: عني بذلك "لا
يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ
الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ
فِي الدِّينِ" من جميع أصناف
المِلَل والأديان أن تبروهم
وتصلوهم وتُقسطوا إليهم. إن
الله - عز وجل- عمَّ بقوله: "الَّذِينَ
لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي
الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ
مِنْ دِيَارِهِمْ " جميع مَن
كان ذلك صفته، فلم يخصص به بعضاً
دون ذلك" [نفس المصدر 28/43].
وفسَّر
جل المفسرين "القسط"
الوارد في الآية بأنه العدل،
لكنَّ القاضي أبا بكر بن العربي
أعطاه معنى آخر، باعتبار أن
العدل واجب على المسلم تجاه
الجميع أعداء وأصدقاء، لقوله
تعالى: "وَلا
يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ
قَوْمٍ عَلَى ألا تَعْدِلُوا
اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ
لِلتَّقْوَى" [سورة المائدة،
الآية 8]. أما القسط في هذه الآية
فهو – عند ابن العربي - الإحسان
بالمال: ("وتقسطوا إليهم":
أي تعطوهم قسطاً من أموالكم على
وجه الصلة، وليس يريد به العدل؛
فإن العدل واجب فيمن قاتل وفيمن
لم يقاتل، قاله ابن العربي) [القرطبي
18/43].
لقد
حددت هاتان الآيتان الأساس
الأخلاقي والقانوني الذي يجب أن
يُعامِل به المسلمون غيرهم، وهو
البر والقسط لكل مَن لم يناصبهم
العداء. وكل النوازل والمستجدات
ينبغي محاكمتهما إلى ذلك الأساس.
وما كان للعَلاقة بين المسلمين
وغيرهم أن تخرج عن الإطار العام
والهدف الأسمى الذي من أجله
أنزل الله الكتب وأرسل الرسل،
وهو قيام الناس بالقسط، يقول
تعالى: "لَقَدْ أَرْسَلْنَا
رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ
وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ
الْكِتَابَ وَالْمِيْزَانَ
لِيَقُومَ النَّاسُ
بِالْقِسْطِ" [سورة الحديد،
الآية 25]، فقاعدة "القيام
بالقسط" قاعدة مطردة، سواء
تعلق الأمر بإعطاء غير المسلمين
حقوقهم، أو سعي المسلمين إلى
أخذ حقوقهم.
الأمة
المخرَجَة:
وبينت
آية من الكتاب الكريم اثنتين من
خصائص أمة التوحيد هما: الخيرية
والإخراج. قال تعالى: "كُنْتُمْ
خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ
لِلنَّاسِ" [سورة آل عمران،
الآية 110]. فهذه الآية تدل على أن
خيرية هذه الأمة تتمثل في أن
الله- تعالى- أخرجها للناس
لتخرجهم من الظلمات إلى النور،
فهي أمة مخرَجَة (بفتح الراء) لا
تنفك خيريتها عن دورها الرسالي
على هذه الأرض المتمثل في "إخراج
الناس من عبادة العباد إلى
عبادة الله- تعالى-" كما
لخَّصه ربعي بن عامر- رضي الله
عنه- أمام كسرى.
وقد
بيَّن المفسرون من السلف ومن
المتأخرين على حد سواء الارتباط
بين معنى الخيرية والإخراج: عن
عكرمة في تفسير الآية قال: "خير
الناس للناس، كان مَن قبلكم لا
يأمن هذا في بلاد هذا، ولا هذا
في بلاد هذا، فكلما [=أينما] كنتم
أَمِنَ فيكم الأحمر والأسود؛
فأنتم خير الناس للناس" [تفسير
ابن أبي حاتم 1/472، وقال المحقق:
إسناده حسن]، وقال ابن الجوزي:
"كنتم خير الناس للناس" [ابن
الجوزي: زاد المسير 1/355]، وقال
ابن كثير: "المعنى أنهم خير
الأمم وأنفع الناس للناس" [الصابوني:
مختصر تفسير ابن كثير 1/308]، و "قال
النحاس: والتقدير على هذا: كنتم
للناس خير أمة" [القرطبي:
الجامع لأحكام القرآن 4/171]، وقال
البغوي: "أي أنتم خير أمة
للناس" [البغوي: معالم
التنزيل 1/266]؛ وزاد أبو السعود
الأمر توضيحاً فقال: "أي كنتم
خير الناس للناس، فهو صريح في أن
الخيرية بمعنى النفع للناس، وإن
فهم ذلك من الإخراج لهم أيضاً،
أي أخرجت لأجلهم ومصلحتهم" [أبو
السعود: إرشاد العقل السليم إلى
مزايا القرآن العظيم 2/70]. وهو
المعنى الذي استوحاه الخطيب
فقال: "من رسالة هذه الأمة ألا
تحتجز الخير لنفسها، ولا تستأثر
به حين يقع لديها؛ بل تجعل منه
نصيباً تبر به الإنسانية كلها"
[عبد الكريم الخطيب: التفسير
القرآني 4/548].
إن
أمة - هاتان أخص خصائصها - لا
يمكن أن تحدها أرض، أو يختص بها
مكان؛ بل لا بد أن تخرج إلى
الناس، وتبلغهم رسالة الله إلى
العالمين. فأي كلام بعد ذلك عن
"دار إسلام" و"دار كفر"،
أو "دار إسلام" و "دار
حرب" – بالمعنى الجغرافي
لهذين المصطلحين - إنما هو ضرب
من التكلف وتضييق لآفاق الرسالة.
بل
إن مفهوم "الأمة" في شرعنا
لا يرتبط بالكم البشري أو
الحيِّز الجغرافي أصلاً، وإنما
يرتبط بالمبدأ الإسلامي، حتى
وإن تجسد ذلك المبدأ في شخص
واحد؛ ولذلك استحق إبراهيم-
عليه السلام- وصف "الأمة"
في القرآن الكريم؛ لقنوته لله
وشكره لأنعمه: "إِنَّ
إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً
قَانِتًا للهِ حَنِيفاً وَلَمْ
يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ *
شَاكِرًا لأَنْعُمِهِ
اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى
صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" [سورة
النحل، الآية 120].
وقد
أدرك بعض علمائنا الأقدمين
المغزى الذي نقصد إليه هنا؛
فربطوا تلك التحديدات بإمكان
إظهار الإسلام وأمن المسلمين
فقط، فليست للإسلام حدود
جغرافية، ودار الإسلام هي كل
أرض يأمن فيها المسلم على دين،
حتى ولو عاش ضمن أكثرية غير
مسلمة؛ ودار الكفر هي كل أرض لا
يأمن فيها المؤمن على دينه، حتى
ولو انتمى جميع أهلها إلى عقيدة
الإسلام وحضارته.
قال
الكاساني: "لا خلاف بين
أصحابنا [الأحناف] في أن دار
الكفر تصير دار إسلام بظهور
أحكام الإسلام فيها" [الكاساني:
بدائع الصنائع 7/131]. أما دار
الإسلام فقال القاضي أبو يوسف
ومحمد بن الحسن: "تصير دار كفر
بظهور أحكام الكفر فيها" [نفس
المصدر والصفحة]. وروى ابن حجر
عن المواردي رأياً ذهب فيه إلى
أبعد من ذلك؛ فاعتبر أن الإقامة
في دار كفر يستطيع المسلم إظهار
دينه فيها أولى من الإقامة في
دار الإسلام، لما في ذلك من
القيام بوظيفة جذب الناس إلى
هذا الدين وتحسينه إليهم، ولو
بمجرد الاحتكاك والمعايشة: "قال
الماوردي: إذا قدر [المسلم] على
إظهار الدين في بلد من بلاد
الكفر؛ فقد صارت البلد به دار
إسلام، فالإقامة فيها أفضل من
الرحلة منها؛ لما يترجى من دخول
غيره في الإسلام" [ابن حجر:
فتح الباري 7/230].
الانتصار
والإيجابية:
ومما
امتدح الله- تعالى- به عباده
المؤمنين الإيجابية والانتصار
لحقوقهم، ورفض البغي والظلم،
وعدم الرضا بالمذلة والهوان.
قال تعالى: "إِلاَّ الَّذِينَ
آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ وَانْتَصَرُوا
مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا" [سورة
الشعراء، الآية 227]، وقال تعالى:
"وَالَّذِينَ إِذَا
أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ
يَنْتَصِرُون" [سورة الشورى،
الآية 39]. قال ابن الجوزي معلقاً
على هذه الآية الأخيرة : "ليس
للمؤمن أن يذل نفسه" [ابن
الجوزي: زاد المسير 7/122]، وقال
ابن تيمية: "... وضد الانتصار
العجز، وضد الصبر الجزع، فلا
خير في العجز ولا في الجزع، كما
نجده في حال كثير من الناس، حتى
بعض المتدينين إذا ظلموا أو
رأوا منكراً، فلا هم ينتصرون
ولا يصبرون، بل يعجزون ويجزعون"
[ابن تيمية: التفسير الكبير 6/59].
فأي
رضا من المسلمين بالدون، أو
بالمواقع الخلفية، وأي سلبية
وانسحاب من التفاعل الإيجابي مع
الوسط الذي يعيشون فيه يناقض
مدلول هاتين الآيتين الداعيتين
إلى الإيجابية والانتصار.
تحـمل
الغبــش:
ولو
اقتضت المشاركة الإيجابية تحمل
نوع من الغبش الذي لا يمس جوهر
العقيدة وأساسيات الدين؛ فهو
أمر مغتفر إن شاء الله؛ لأن
تحقيق الخير الكثير المرجو
متعذر بدونه. وليس هذا الأمر
بجديد على الفقه الإسلامي؛ بل
هو أمر قبله علماء الإسلام منذ
نهاية الخلافة الراشدة وبداية
المُلْك؛ فقد وضع الواقع الجديد
أهل الخير أمام أحد خيارين: إما
المشاركة الإيجابية مع قَبول
تنازلات يمليها واقع الظلم
المتغلب، وإما السلبية
والانسحاب وترك الأمة في أيدي
الظلمة؛ فاختاروا الخيار الأول
إدراكاً منهم لإيجابية الإسلام
ومرونة تشريعاته. قال ابن تيمية
مؤصلاً هذا الأمر: "الواجب
على المسلم أن يجتهد في ذلك بحسب
وسعه: فمن ولي ولاية يقصد بها
طاعة الله وإقامة ما يمكنه من
دينه ومصالح المسلمين، وأقام
فيها ما يمكنه من ترك المحرمات،
لم يؤاخذ بما يعجز عنه؛ فإن
تولية الأبرار خير من تولية
الفجار" [ابن تيمية: السياسة
الشرعية، ص 167]. وقال: "وجود
الظلم والمعاصي من بعض المسلمين
وولاة أمورهم وعامتهم لا يمنع
أن يشارك فيما يعمله من طاعة
الله" [ابن تيمية: منهاج السنة
4/113]. ولو كان – رحمه الله - حيًّا
الآن لأضاف: "بعض الكافرين
وولاة أمورهم وعامتهم"
تمشياً مع منطق الموازنة
الشرعية الذي تبناه، ومراعاة
لتغير الوقائع.
وانسجاماً
مع نفس المنطق تقبل ابن حجر سؤال
الإمارة والحرص عليه – رغم نهي
السنة عن ذلك - إذا كانت حقوق
المسلمين ومصالحهم معرضة
للإهدار والضياع، فقال: "مَن
قام للأمر [الإمارة] عند خشية
الضياع يكون كمَن أعطي بغير
سؤال، لفقد الحصر غالباً عمَّن
هذا شأنه، وقد يغتفر الحرص في حق
من تعين عليه لكونه يصير واجباً
عليه" [ابن حجر: فتح الباري
13/126].
تابع
في نفس الموضوع:
|