|
لقد ظل الخطاب
الإسلامي المعاصر تتجاذبه أطراف عدة بين
متشدد وميسّر، بين وسطي ومتطرّف، بين رافض
وقابل، وتشكلت من خلاله أطياف سياسية
متعددة وغير متجانسة، ومثلت العلاقة مع
الذات وخاصة العلاقة مع الآخر إحدى زوايا
الخلاف والتميّز، سواء كان هذا الآخر
صاحبا أو رفيقا أو منافسا، نسخة أو بديلا،
شرقيا أو غربيا، فردا أو مجموعة، ظاهرة أو
كيانا، حضارة أو جمهورا. وكان لتحديد موقع
الآخر في فسيفساء الخطاب ومشروع التغيير
الأثر الكامل والمحدد والبعيد لسلامة
المواقف ونجاح المهام.
تحاول هذه الورقة
تجاوز التشخيص المعمّق للحالة التي
تعيشها حركات الإسلام الإصلاحي بين مد
وجزر تجاه هذه العلاقة المركزية مع الآخر،
إلى الإدلاء بدلوها نسبيًّا في محاولة
التجاوز والبناء عبر توضيح مبدئية علاقة
المصالحة مع الآخر، ومركزيتها في نجاح
المشروع والخروج به من دهاليز المواجهات
العقيمة والقفز على المراحل وتجاوزات
الواقع، ومحاولة بنائه داخلا وخارجا على
أسس عقلية وموضوعية وديمقراطية، بعيدًا
عن الاستثناءات والإقصاءات، حتى تحصل
الشروط الضرورية للمساهمة الفعلية
والمباشرة لهذه الحركات في النهوض
بمجتمعاتها والخروج بها من بوتقة الهزيمة
والتخلف، بهدوء ووعي ورشاد.
المصالحة تعبير عن
تغافر داخلي وخارجي يبدأ بالمصالحة مع
الذات، ويتوالى تباعًا بمصالحات مع
المحيط الضيق والممتد. فهو مسار يبدأ
صغيرا ليكبر حتى يصبح حالة دائمة وعقلية
متمكنة تنبني من خلالها وعلى أسسها رؤى
وتصورات، تنحو منحى التغيير العام الرصين
والرشيد والهادئ للفرد والمجتمع.
إن المصالحة عقيدة
قرآنية "والكاظمين الغيظ والعافين عن
الناس" [آل عمران: 134]، وهي كذلك طريقة
نبوية، يروي ابن هشام في سيرته أنه لما
أراد الرسول صلى الله عليه وسلم دخول مكة
في بداية صلح الحديبية، بركت الناقة على
التوجه إلى طريق يؤدي إلى مكة؛ فقال الناس
خلأت الناقة، فقال صلى الله عليه وسلم: "ما
خلأت وما هو بخُلُق ولكن حبسها حابس الفيل
عن مكة، لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة
يسألونني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم
إياها."[1].
والمصالحة أيضا ميول
إنسانية سليمة ومبدأ وطني عزيز. وهي عودة
إلى إنسانية الخطاب والممارسة التي كانت
محورية المقدّس الإسلامي في كل صوره،
والتي غابت بعض الشيء نتيجة التقاء ماض
منكسر ومريض، مع حاضر تغلبت في بعض ثناياه
المواقف المرتجلة، والتأويلات الخاطئة،
والوعي المنقوص، والعلم المغشوش، وتغوّلَ
السياسي في كل نواحيه، فكثرت الحسابات
الضيقة، والرؤية الآنية، واللحظة
الخاطفة، وتهمّش الإنسان، وقد كان المحور
والهدف.
وتستوقف مسعانا هذا
عشر محطات، نحاول -من خلالها- إبراز مبدئية
المصالحة ومركزيتها في كل مشوار تغييري
ناضج ورشيد، وفي كل خطاب تفعيلي وتمكيني
تريد الحركة الإسلامية الإصلاحية من
خلاله التعبير عن واقعيتها والاستناد إلى
مبادئها وثوابتها، دون الإخلال بهذا أو
بذاك، وهذه المحطات هي على التوالي:
المصالحة مع الذات، المصالحة مع الزمن،
فالمصالحة مع المعرفة، فالمصالحة مع
الآخر داخل المؤسسة، والمصالحة مع
الطاقات المهدورة، فالمصالحة مع أطراف
المشروع الإسلامي، فالمصالحة مع الشعب،
والمصالحة مع مؤسسات المجتمع المدني،
فالمصالحة مع الأنظمة، وأخيرا المصالحة
مع الغرب.
المصالحة مع
الذات
ونعني بها التوفيق
في الإجابة على السؤال المنهجي: من نحن؟
وعلى أيّ أرض نقف؟ لعل أرقى أنواع
المصالحة وأجلها: المصالحة مع الذات، وإن
أتعس مراتب الجهل والأمية وأخطره هو الجهل
وعدم الوعي بالذات. وهذه المصالحة ليست
ركونا إلى تمجيد الذات وتزكيتها أو جلدها
ومعاقبتها، وليست انغلاقا في محرابها،
ولا تباهيًا واستعلاء من فوق منبرها، ولكن
الإدراك الواعي لحدودها ولمنطلقاتها
والمعرفة الحسنة لماهيتها ودورها،
والتعامل بدراية مع الظروف الأكثر تناسبا
معها، حفاظا عليها ودعما لمزيد التأثير
والعطاء داخل محيطها الخاص والعام.
المشروع الإصلاحي
عمومًا مسلم المرجعية والهوية، وطني
اللغة والثقافة والمصير، ديمقراطي
التعامل والتدافع، يؤمن بأن المقدّس الذي
يحمله، منه الثابت الذي لا يغيره حال،
زمان أو مكان، حملته الأمة في تاريخها دون
المساس به، وسلّمت رايته إليه بكل صدق
وأمانة، وهو لغيره مسلّم له دون سحب أو
إضافة، ومنه المتطور في فهمه وتنزيله،
والمشروع الإصلاحي لا يمثل إلا فهمًا من
أفهامه، واجتهادا قابلا للخطأ والصواب.
يعتبر جذوره: البعيدة منها ممتدة في أعماق
الحضارة العربية والإسلامية، يقطف منها
ما يدفع بمجتمعاته لمزيد الرفاهة المادية
والروحية، وينبذ عنها ما لحق بها من ضعف
وانهيار، والقريب منها يأخذ ينبوعه من
رواد عصر النهضة وأفكارها، وأهمها
الإصلاح، ما استُطيعَ إلى ذلك سبيلا، ومن
الحضارة الحالية دون إسقاط أو تلفيق أو
ترقيع.
والمشروع الإصلاحي
مشروع هداية بالأساس، ولعل هيمنة البعد
السياسي على الحركة الإسلامية إجمالا،
والتعويل المبالغ على دور السلطان في
التغيير، كانا شفعة للتسرع في طي المراحل،
ودفعا للأفراد نحو الاستعداد لتحمل
مسئولية في واقع لم يستوف شروط نهوضه من
قبول وقابلية. فاختلطت الأولويات، وغابت
الموازنات وأصبح التمكين غاية لا وسيلة
لتنزيل المشروع.
ولعل التاريخ
الإسلامي البعيد منه والقريب لم يكن بريئا
في بعض محطاته المشبوهة في تضخيم هذه
الرؤى والمنهجيات وتأكيدها، فغلب على
قولة "إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع
بالقرآن": فهم عجيب وتأويل غريب، على
أنها تهميش للجانب القرآني التربوي
والأخلاقي في دعوة التغيير ومنهجيته
وتنزيله، وتضخيم للبعد السياسي وتعظيم
لدور السلطان والدولة التي أُعطيت المهمة
الأساسية في تغيير الإنسان والمجتمع. وليس
تكاثُرُ الفرق السياسية الداعية لتغيير
الشرعية في تاريخنا إلا تأكيدًا لتمكّن
هذا الفهم لديها واعتبارها بأن السياسي-
السلطاني هو الكافل بطي المراحل وإحداث
التغيير بسرعة ولعله بنجاعة.
ولم تخرج الحركة
الإسلامية الحديثة عن هذا الفهم، وظنت أنه
بإمكانها تغيير العقليات وإنزال مشروعها
عبر منهجية السلطان المتسرعة، والمتجاوزة
لقبول وقابلية الجماهير وإطارها الإقليمي
والدولي، ومن التنزيل إلى التدشين!. وهذا
الذي جعل من رسالة الإسلام عند الكثير من
الأفراد والجماعات سياسية لا غير.
إن المشروع الإصلاحي
يجب ألا تحدده المحطة أو المسار السياسي
فقط، ولكن تمليه مبدئية تعدد أبعاد
التغيير ومنهجياته من ناحية، وفقه
الأولويات والموازنات من ناحية أخرى،
وهذا يجعل من المصالحة مع الذات مصالحة مع
منهجية التغيير التي ترى في البعد السياسي
محطة في مسار التغيير والإصلاح، تتلوها أو
تعوضها محطات في حال نكوصها أو قلة
فاعليتها. وهي أيضا مصالحة مع الأمة التي
يملي تبنيها للمشروع غلبة المنحى القرآني
المتدرج والمتأني، والذي يجعل من رسالة
الإسلام رسالة هداية، يكون السياسي
والتربوي والأخلاقي والاقتصادي أدوات
ووسائل لتحقيق هدف الهداية الذي هو أكبر
وأهمّ.
المصالحة مع
الزمن
لم يغب عامل الزمن أو
الوقت عن الذهنية الإسلامية أيام مجدها
وعزها حتى كثرت الأمثال في هذا الباب
معبرة عن تلازم هذا العامل مع السؤدد
والفلاح الدنيوي والأخروي "الوقت
كالسيف إن لم تقطعه قطعك"، وكانت شعائر
هذه الأمة يحملها وقت محدد وميقات يملأ
ساعات ليلها ونهارها (إن الصلاة كانت على
المؤمنين كتابا موقوتا)، وقد ساهم ولا شك
ضمور هذا العامل، في تقاعس أطراف الأمة
ونكوصها لاحقا، وتخلفها عن الأمم. كانت
فكرة اللحاق بالأمم المتحضرة وما حمله فكر
النهضة في القرن الأخير والذي سبقه، عند
رواده: الأفغاني والطهطاوي والكواكبي
ومحمد عبده وغيرهم، أيا كانت مشاربهم
وأطروحاتهم، تحمل في طياتها بصفة مباشرة
أو مبطنة: الإيحاء بدور هذا العامل في
التقدم والازدهار، من ذكر للتخطيط
والمَأْسَسَة، أو لعقلية الانضباط في
العمل والإنتاج. كما جعل مالك بن نبي
لاحقا، وفي تحديده لشروط الحضارة
وعناصرها: من عامل الوقت أساسًا مع
الإنسان والتراب، في بناء نهضة الأمة من
جديد "الزمن نهر قديم يعبر العالم منذ
الأزل... ولكنه نهر صامت حتى إننا ننساه
أحيانا وتنسى الحضارات في ساعات الغفلة أو
نشوة الحظ قيمته التي لا تعوَّض... إن
العملة الذهبية يمكن أن تضيع، وأن يجدها
المرء بعد ضياعها، ولكن لا تستطيع أي قوة
في العالم أن تحطم دقيقة، ولا أن تستعيدها
إذا مضت"[2].
واعتبار عنصر الزمن
في معادلة الإصلاح والمصالحة يتجلى في
التركيز على جانب الإستراتيجية والمدى
البعيد على مشاغل اللحظة والتكتيك، وهذا
يجرنا إلى تنزيل مفهوم التخطيط منزلته
الأساسية، بعيدا عن الهامشية والعشوائية
والفوضى. يروي الشيخ القرضاوي أنه ذكر
يوما أمام أحد الدعاة ضرورة التخطيط
القائم على الإحصاء ودراسة الواقع، فكان
جوابه: هل تحتاج الدعوة إلى الله، وتذكير
الناس بالإسلام إلى تخطيط وإحصاء؟[3].
هذه الأمية بعامل الزمن وتهميشه عن مجال
التنظير والفعل، ساهمت ولا شك في استبعاد
العقلانية والموضوعية والتأني في فهم
الواقع ومتغيراته، وسارعت في القفز وطي
المراحل دون وعي بمدى تأثير الزمن على
العديد من المقاربات والممارسات. يقول حسن
البنا رحمه الله في إحدى نصائحه وكأنه
استشرف هذا الانحراف المستقبلي: "ألزموا
نزوات العواطف بنظرات العقول... وألزموا
الخيال صدق الحقيقة والواقع"[4].
غاب عامل الزمن في
بعض محطات الحركة الإسلامية، وغابت معها
الجدولة الزمنية وأجندة التعامل
والتمكين، وظل السعي في الكثير من الأحيان
عشوائيا، من باب رد الفعل، أو من باب دعها
حتى تقع. فكانت أفعالها وأقوالها غالبا ما
تلحق الحدث، وفقدت القدرة على استباقه
والمجيء قبله، وكثيرا ما انسحقت إلى
الماضي بحثا عن صواب فعل أو صلاح نظر ورفضت
مسار الزمن، فتضببت الرؤيا الإستراتيجية
أو تهمّشت في طرق التعامل مع الآخر وخاصة
مع الأنظمة الحاكمة، وغلب في بعض المواقف
والأحداث لغة المزاج والتفكير الذاتي،
والعصمة والقدسية ولو من دون وعي، وتسابقت
ممارسات اللحظة، زيادة على ما ينتجه عادة
الحراك السياسي من تأثيرات وردود عامة
سريعة أو متسرّعة. ولعل لغياب المؤسسة،
وتقلص الجانب المعرفي والعلمي التخصصي،
واستباق المراحل، وهيمنة السياسي، وغلبة
المنحى السلطاني في التغيير: دورا في ضمور
عامل الزمن لدى الحركات الإصلاحية
الإسلامية.
عودة الزمن إلى
الحركة الإسلامية، وعودة هذه الأخيرة إلى
الزمن، يجب أن يتمثلا في واقعية تنظيراتها
وممارساتها، وابتعادها عن المثالية
المزيفة، والمراهنة على المدى البعيد في
التغيير حتى اكتمال القابلية والقبول لدى
جماهيرها، ويتجلى في تعاملها العلمي
والدراسي التخصصي مع ما يدور حولها من
بيئات وظواهر مختلفة سياسية واقتصادية
واجتماعية، وفي إحداث أجندات وجداول
زمنية وأهداف واضحة لكل محطة في مشوارها
التغييري. حتى لا تختلط المراحل وتتعقد
المسارات وينال الضباب منازل القول
والفعل. فلا يقع تجاوز المرحلة إلا إذا
اكتملت صورتها، وتحقق هدفها، وتم تقييمها
ومراجعة سلبياتها وإخلالاتها.
لم يكن التخطيط يوما
منازلة للغيب، ولا علم التوقعات مرادفا
للزندقة والغلو، فقد خطط الرسول الكريم
وأحدث الأجندات وحدد الأزمنة والأهداف،
ودستور المدينة ومعاهدة الحديبية بكل
أبعادهما تأكيد لهذا التصرف الراشد
والمسعى الرشيد. ومن قبله صلى الله عليه
وسلم قام يوسف عليه السلام بتخطيط محكم
رعاه الغيب لمداخيل أمة ومصاريفها.
فالتخطيط "جهد ذهني معرفي يبذله
الإنسان في تصور الأوضاع والإمكانات
الحاضرة، ووضعها في برامج، يستهدف من
ورائها مواجهة ظروف مستقبلية بغية الوصول
إلى هدف محدد.. فهو عمل تحكمي قصدي يراد منه
الاستفادة من معطيات المستقبل وتطويعها
لإرادة الإنسان على قدر المستطاع...
والتنبؤ تلمس أحوال المستقبل بناء على
معلومات ومعطيات محددة يستخدمها تفكير
منطقي ونظر ثاقب"[5].
ولقد عانت الحركة
الإسلامية الإصلاحية في الكثير من
مشوارها، ضبابية في الأهداف، وازدواجية
في المنهجيات كما عانت من تعدد في
الخطابات، كانت نتيجة ضمور عامل الزمن،
وتهميش عاملَيْ التخطيط والتنبؤ العلمي.
ويُعتبر تحديد الأهداف والمنهجيات جزءا
مهمًّا وأساسيا في نجاح التخطيط واحترام
الأجندات، وما غاب الوضوح والشفافية
وارتجت القناعة بالهدف أو المنهجية، أو
قلّ الإيمان بضرورة تحقيقهما، أو ارتفع
سقف الهدف وتجاوز الممكن المتاح، أو علا
صوت المثاليات والقفز على الواقع: إلا
انهار التخطيط، أو قلت فاعليته، ووقع
المحظور، من مصادمة للحقائق وفشل للمشروع.
ولقد سعى الغيب في
المشروع التغييري الرسالي الأول، والذي
قاده الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم:
إلى تحديد أهدافه بكل وضوح، وتحديد المدة
الزمنية لذلك؛ فكانت الفترة المكية تهدف -بكل
شفافية ودقة- إلى صياغة الإنسان الجديد،
وتشكيل عقليته، عبر نقلات عقائدية وروحية
وتصورية ومعرفية، والقرآن المكي الذي دام
ثلاث عشرة سنة: حافل بهذا المنحى. تلاه
مباشرة هدف آخر واضح المعالم والرؤى، وهو
إقامة المجتمع المسلم والدولة الإسلامية،
والذي دام إنجازه كاملا عشر سنوات، انتهت
بوفاة صاحب الرسالة عليه الصلاة والسلام
وتحقيق أهدافها المحددة.
المصالحة مع
المعرفة
من البداهة التي لا
توجب حججًا ولا تأصيلا، أن يكون التمكّن
المعرفي والعلمي قاعدة أساسية لسلامة
وفعالية أي عملية خلاص فردي أو جماعي،
ولكل مسار تغييري ذاتي أو أممي. ولقد عانت
الحركة الإسلامية الإصلاحية -في مجموعها
وفي جل الأقطار، وفي عدد من فتراتها
السابقة واللاحقة- من خفوت الجانب المعرفي
في هياكلها، وبروز أفراد جعلت منهم
الخطابة أو الفصاحة، أو سنون المحنة
والمعاناة: شخصيات الصفوف الأولى، وخنادق
الصدارة، ودروع الدفاع والبناء والتشييد.
فكانت الشرعية التاريخية، والشرعية
الكلامية، والشرعية المحنوية، وغابت
نسبيًّا شرعية الكفاءة والمعرفة،
والإلمام بمتطلبات العلم الشرعي والوضعي،
ومقتضيات فقه الواقع الجديد والمتجدّد.
إن الأمية الشرعية
والعلمية لا تُنشئ سوى ثقافة تغييرية
منقوصة وتكوين فردي مهزوز، وليس عجيبا أن
ترى أن أغلب الطاقات الفكرية التي برزت
على الساحة الإسلامية، والتي ساهمت في
بناء اللبنات الأولى للمشروع الحضاري
الإسلامي، كانت -في مجموعها- خارج نطاق
الحركات، نذكر منها د.جمال الدين عطية،
الشيخ يوسف القرضاوي، المستشار طارق
البشري، فهمي هويدي، محمد الغزالي، عادل
حسين، د.محمد عمارة، د. طه جابر العلواني،
وغيرهم كثير.
ولقد كان للأزمات
المتلاحقة والشديدة التي عاشتها الحركة
الإسلامية الإصلاحية تأثير أساسي ومباشر
في ضمور الجانب المعرفي والدراسي، وغلبة
فقه المحنة الذي يملي الحفاظ على الجسم
وتجنيد الخطاب الحقوقي، والدفاع عن
المنفي والمحبوس والمشرَّد، وإغاثة
الملهوف واليتيم والعائل والأرملة. ولم
يكن ممكنًا التفرغ للهم الدراسي والفكري
رغم المحاولات الطيبة لبعض الأعمال
الناجحة من هنا وهناك.
وإذا كان هذا يشفع
لذاك، فإن المصالحة مع المعرفة والفكر،
تملي تجاوز ارتهان الفكري والمعرفي بما
يتعرض إليه الجسم من مصادمات ظرفية أو
هيكلية مع الواقع. فالنقلات المعرفية
والمنهجية التي أحدثها الإسلام في عقلية
العرب طوال فترات الوحي، لم يضمر مسارها
أو ينحبس مدرارها أو يتوقف بناؤها، في
أيام المحنة وأيام النعمة؛ لأن المعرفة
والعلم مطلب حضاري، مبدئي وهيكلي
وإستراتيجي، وليس تكتيكًا أو ظرفا أو نفحة
عابرة.
"منذ الضربة
الأولى في كتاب الله، الكلمة الأولى،
نلتقي بحركة التحول المعرفي هذه {اقرأ
باسم ربك الذي خلق}… وعبر المسيرة
الطويلة، مسيرة الاثنتين والعشرين سنة،
حيث كانت آيات القرآن تتنزل بين الحين
والحين، استمر التأكيد نفسه لتعميق
الاتجاه، وتعزيزه والتمكين للنقلة،
وتحويلها إلى واقع يومي معيش"[6].
كما يجب ألا تكون
التصورات الفكرية التي يحملها المشروع
الإصلاحي حبلى بالمآسي، ولا أن تكون
الأفكار والأطروحات زنزانات فكرية[7]،
من خلال الاستناد إلى إرث المعاناة
والرحلات الطويلة مع السجون؛ فتغيب
العقلانية وتضمر الموضوعية وتحل العاطفة
وردة الفعل والسواد بدل النصاعة والفعل
والإبداع، ويعلو فكر الزنزانة -بقتامته
وجروحه وأهواله- على فكر الواقع والتجاوز
والبناء.
وعلى محك الواقع،
فإن وجود مؤسسات داخل الجسم أو مستقلة
خارجه، وتحمل همَّ الطرح الفكري
والمعرفي، يمثل طلبا حياتيا للمشروع،
وعامل إثراء ودفع داخل المجتمع، ولبنيته
الفكرية، والمساهمة في تركيز ديمقراطية
التعدد الفكري والتنوع الأيديولوجي.
وقديما قال أبو يوسف صاحب أبي حنيفة: "العلم
شيء لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك، وأنت إذ
تعطيه كلك من إعطائه البعض على غرر".
ـ المصالحة مع
الآخر داخل المؤسسة (ديمقراطية الحراك)
لم يكن الاختلاف
يمثل عيبا أو عثرة وعائقا لنهوض مشروع
وتقدمه، وقد حفلت نصوصنا المقدسة
وتاريخنا الحضاري، بالعديد من النماذج
والممارسات التي تؤكد هذا المسعى الذي وصل
إلى حدّ الحق {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ
لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً
وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ . إِلاَّ
مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ
خَلَقَهُمْ} [هود: 118ـ11] [8]. ولم
تستثن الحركات الإسلامية المعاصرة هذا
الجانب في تنظيراتها، ومنذ لحظاتها
الأولى يعلن رائدها الأول حسن البنا بكل
وضوح: "ليس العيب في الخلاف، ولكن العيب
في التعصب للرأي والحجر على عقول الناس
وآرائهم"[9]. غير أن العديد من
الترهّل برز من هنا وهناك، ولعله يمثل
عنصر وعي وتجاوز وصحة. وهو يملي تجذيره عبر
تعميق جانب المؤسسة وآلياتها، من شورى،
وحق الاختلاف المؤسَّس، والاحترام
المتبادل، والصوابية النسبية للرأي
والرأي الآخر، والأخوة الجامعة التي تعلو
فوق كل اختلاف أو خلاف أو شقاق.
إن عدم الاعتبار لحق
الاختلاف داخل المؤسسة واستبعاده، يمثل
تهميشا لتنوع الرؤى المثرية للمشروع،
وكبتا للطاقات، واستدراجها بوعي أو بغير
وعي نحو السكون والركون، أو مغادرة
المؤسسة، أو حتى نبذ المشروع والارتماء
داخل أطر أخرى أو مؤسسات بديلة. وهذا يؤدي
عاجلا أو آجلا إلى انتفاء التفاعل
والتدافع والتناظر، وبقاء الرأي الواحد
والطرح الواحد والتصور الواحد والطابور
الواحد، ومن ثمة الضمور المتدرج للمشروع
لاستنفاذ طاقاته الواعية والفاعلة. "قال
سليم بن حنظلة: بينما نحن حول أبي بن كعب
نمشي خلفه إذ رآه عمر فعلاه بالدرة، فقال:
انظر يا أمير المؤمنين ما تصنع؟ فقال عمر
رضي الله عنه: إن هذه ذلّة للتابع وفتنة
للمتبوع"[10].
ـ المصالحة مع
الطاقات المهدورة (ديمقراطية العمل)
لقد مرّ على الحركة
الإسلامية الإصلاحية حين من الدهر، نتيجة
عوامل داخلية وخارجية، وجد فيها العديد من
الطاقات خارج فضائها، نذكر منها:
الطاقات المعطلة،
وهي التي لم يقع استثمار قدراتها المعرفية
المتفجرة، فآثرت الانزواء والانتظار،
والانسياق وراء طلب الرغيف والارتزاق، أو
الوجود في منتديات وجمعيات فكرية
وحقوقية، للتخلص ولو بحدود من داعي الفعل
والتأثير.
ومنها الطاقات
الخائفة، وهي التي هالها ما وقع من رعب
وعدوان، فاستأمنت لنفسها بالبقاء خارج
فضاء المواجهة وفضلت الصمود على طريقتها،
في انتظار أيام أفضل وأحوال أهدأ. فسعت إلى
الحفاظ على تدينها ولو في مستواه الأدنى
من شعائر وعبادات وقيم وفضائل ولو بصعوبة
أحيانا.
ومنها الطاقات
اليائسة، وهي صنفان، منها التي غلب عليها
القنوط والتشاؤم، لهول المأساة وسرعة
الانهيار وضبابية التصورات والممارسات،
فآثرت الانطواء وطي صفحة المشروع نهائيا،
والاستقالة من الفعل، والتوجه إلى
أعمالها الخاصة، لتصبح عنصرا عاديا في
المجتمع، يسعى بكل جهده إلى الذوبان فيه
فكرا أو ممارسة أو الاثنين معا. أما الصنف
الثاني فهو على نقيض الأول، طاقات تتقد
عملا وتلهفا على الفعل، غير أنها وصلت من
خلال مراجعاتها وتقييماتها إلى يأس من
تمكين أفكارها وتمكن مشروعها الذي آمنت به
ولا تزال، عبر إطارها الأول، في ظل داخل
متعنت وخارج رافض، فآثرت الالتحاق بأحزاب
سياسية معارضة حاملة معها لغزها وهمومها،
وآملة أن ترى من خلالها تنزيلا للبعض من
أفكارها وتصوراتها[11].
ومنها الطاقات
الفاعلة، وهي التي غادرت المؤسسة الأمّ
ولم تغادر المشروع، وحاولت التعبير عنه من
خلال نوافذ تأثيرية مباشرة تمتلكها أو
تشارك فيها، مثل الصحف والمجلات ومواقع
الإنترنت والفضائيات. وهي نوعية ناشطة،
وجدت في الاستقلالية والحرية الفردية
إطارا جذابا لها ولإبداعاتها. لكن هذه
العزلة المفروضة أو المختارة لن تلبث أن
تكون عنصر تثبيط وعدم فاعلية مرجوة، في
مقابل قوة الجماعة وإمكانياتها ومدى
تأثيراتها.
ومنها الطاقات
الشاذة، وهي التي غُلبت على أمرها، فخلطت
بين انتمائها للدين كشعائر ثابتة
ومعتقدات راسخة، وبين اجتهاد في التنزيل
وتدافع في التمكين. فانسلخت من هذا وذاك،
وارتمت في أحضان النموذج الغالب، انتماء
قناعة أو انتهازية، وركبت أمواجه. فمنها
من عادى مشروعه علنية، ومنها من اكتفى بـ
"نجاته" الفردية.
كل هذه الأصناف من
الطاقات المهمّشة، المتعددة الاختصاصات
والإمكانيات، والمختلفة التصورات
والممارسات، والتي ضمر دورها وقلّت
فعاليتها أو غابت ذاتها، يجب ألا نتنازل
عنها وألا نتركها لنفسها، أو لغيرها حتى
يستثمر قدراتها وتاريخها، ويوظف أفكارها
وممارستها بعيدا عن المشروع. وإلا فهو
إهدار لرصيد يندر وجوده، صقلته التجربة
والمعاناة، وجمعته لفترات، أخوة ومؤاخاة،
وتاريخ ومسئوليات. والمصالحة معه ضرورة
حياتية للمشروع، وشهامة وترفّع ومروءة
وتواضع وتسامح، وكسر للأنا، وتأكيد للبعد
الرباني للعمل ومنهجيته وأهدافه.
ـ المصالحة مع
أطراف المشروع الإسلامي (ديمقراطية
التواجد)
ليس عيبا أو انتقاصا
للمشروع، أن تتعدد رؤى حامليه وتتنوع
تصوراتهم حول مراحل تنزيله وأولويات
تمكينه أو حتى في منهجياته. فالمشروع
الإسلامي الحركي اجتهاد بشري، يقبل
التنوع داخله وخارجه، والولاء لأحد
ممثليه ليس ولاء للإسلام، بل هو انتماء
لتصورات ولرؤى في التغيير والتمكين
والبناء. واختلاف المقاربات والبرامج
وحتى المنهجيات، هو تنويع للمشروع وإثراء
له. فليس انتقاصا أو حيفا أن يكون للمقاربة
السياسية جماعتها، وللدعوية مجموعاتها،
وللروحية أفرادها وذووها، وليس خطأ أن
تتعدد داخل الإطار الواحد الرؤى، فنجد في
السياسة الجماعات الإصلاحية المتعددة
تختلف عن بعضها في المنهجيات أو في
الأطروحات والعلاقات، مع ثبات المبدأ
الجامع للجميع والإطار السلمي للتغيير
وثبوت الهدف الأسمى لمشاريعهم وهو الحياة
الطيبة للفرد والمجتمع ورفاهيتهم دينا
ودنيا.
لكن العيب الصارخ
والخطر الفادح، أن يتحول التنوع إلى تشرذم
وتشتت وتقوقع وصدام، ينتهي إلى هزيمة كل
الأطراف. فتذهب ريحهم، ويخسر الجميع شرف
حمل المشروع الرباني وأفضليتهم واصطفاءهم
دون غيرهم، لتتم عملية الاستبدال لاحقا،
في انتظار جيل آخر، أو جماعة أخرى، يكون
لها شرف الحمل من جديد.
ولتجنب هذا النزيف
القاتل والمخزي، فإن تجميع هذه الأطراف
على خطوط عريضة دون المس باستقلاليتها،
يصبح واجبا شرعيا وملاذا منجيا، وحالة
سليمة ومجدية، لتقبّل التنوع في ظل
الوحدة، وحدة أهداف وقواعد أساسية وخطوط
رئيسية. وهذا ما يمثله "اللقاء الإسلامي"
الذي يجمع كل أطراف المعادلة الإسلامية من
صوفية وتبليغ ودعوة وسياسة وغيرها. وهذا
ما عنته آية التمكين في سورة الحج {الَّذِينَ
إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ
أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا
الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ
وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ
عَاقِبَةُ الأُمُورِ}. فجعلت هذه الرباعية
أساسا لخطاب التمكن والتمكين والذي يمثل
حسب فهمنا أساسا تجميعيا يجمع كل الأطراف
التي عنيناها، من أبعاد رئيسية وغير
مفصلة، روحانية وأخلاقية (إقام الصلاة)،
إلى اجتماعية اقتصادية (إيتاء الزكاة)،
إلى سياسية ثقافية (الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر).
ـ المصالحة مع
الشعب (ديمقراطية التنزيل)
لا يتداعى إلى خاطر
المرء وهو يتجاذب الحديث حول هذه النقطة
أن قطيعة قد حصلت بين المشروع الإصلاحي
وإطاره الذي يتنزل فيه، غير أن فتوقا في
هذه العلاقة قد اصطحبته في بعض الثنايا
ومن خلال بعض المنطلقات النظرية
والممارسات التطبيقية وحالت دون رتقها.
وهي ليست بالهينة حتى يغفل عنها بل إن
وجودها، ولو على ضيقه، وهو مهيأ للاتساع،
كافل بأن ينحرف بالأهداف وبالمنهجيات
ويطبع المشروع بصفات مناقضة تماما للآمال
والتطلعات والنوايا، ويحشره في غابات
كثيفة من اللاوعي والغلو والقفز على
الواقع.
يمكن أن نلامس أول
مواطن هذا الخلل بنبذ خطاب الأستاذية في
التوعية والأخلاق والفعل، والفظاظة
والغلظة والتعالي في الطرح، وعدم استنقاص
دور الأمة وتهميش نظرتها، "فالجماهير
تختزن تاريخ الأمة وتختزن أجمل ما عرفه
التاريخ من صور العدل الإسلامي والمجد
الإسلامي؛ فضميرها ضمير إسلامي"[12].
فليست الحركة الإسلامية المهدي المنتظر،
ولا القطب الأكبر، إنما هي أبناء شعب
وأحباؤه، ظل بعضه، وخاف بعضه، وغاب بعضه،
وآمن وثبت الكثير منه. فهي قطعة من
فسيفسائه، تفرح لفرحه، وتبيت لوعة وحزنا
على ما يلمّ به ويجتاحه.
كما أن المصالحة مع
الشعب تعني الاعتراف بقيمة التجربة
الإنسانية التي يمكن أن تنسى في خضم
التدافع السياسي، أو سنن الظواهر التي
ينبغي عدم جهلها أو تغييبها، والتي تحملها
الأمة في مكنوزها. "فقد تختار الجماهير
السكوت والركود والخضوع، حين ترى عدوها
قويا.. فلا تعمل على مصادمته ولعل في ذلك
حكمة التجربة التاريخية حيث تعلمت ألا
تدخل في المعارك الخاسرة لأنها تعني
أنهارا من الدماء بلا فائدة، ولهذا ترى
بحنكتها وبصيرتها أن تنحني أمام العاصفة
مؤقتا كما تفعل أشجار الغابة حين يكون في
انحنائها تجنب للاقتلاع والتحطم والتكسير"[13].
ومن أبواب هذه
المصالحة، توضيح الرؤى والتصورات، وتركيز
البديل الكامل والواقعي لكل نواحي الحياة.
وتبسيط البرامج والمقترحات، كما كانت
رسائل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم
إلى حكام وملوك زمانه وهي مشاريع حياة، لا
تحمل أي لبس أو مكر أو غش أو ضباب أو مناورة.
كما أن بساطة الإسلام في التوحيد، والتي
دفعت بالملايين إلى تقبله، تملي تبنيه
كمنهج وقدوة في طرح مبسطٍ وسهلٍ استساغُه
من الآخر، سواء كان هذا الآخر فلاحا في
حقله، أو عاملا في مصنعه، أو عالما في
مخبره. فيكون الخطاب ميسّرا على قدر عقل
السامع، بعيدا عن المصطلحات الفضفاضة
والتزويق غير المجدي للحديث والإنشاء،
يقول علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه:
أُمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم.
وتتطلب هذه المصالحة
اللطف في المعاملة والإقناع وفن العلاقات
العامة (حتى مع السلطة). لما تكلم جعفر بن
أبي طالب رضي الله عنه أمام النجاشي
ليدافع عن فراره وأصحابه، ولجوئه إلى
الحبشة طلبا للجوار أمام طلب قريش
بإرجاعهم صاغرين إلى بلدهم، قال: …خرجنا
إلى بلدك واخترناك على من سواك ورغبنا في
جوارك ورجونا ألا نظلم عندك أيها الملك![14].
كما تملي هذه
المصالحة فهم وتفهّم حالة الارتقاب التي
يبديها هذا الإسلام الفطري، وهذه العاطفة
الوهاجة التي أضحت بوادرها ملموسة في
الخطاب الشعبي، وفي اللباس الشرعي، وفي
ارتياد المساجد، وفي مراودة المعارضة
لزخمه الجماهيري[15]. إن هذه
العودة المباركة، تضخم مسئولية اللقاء،
وتجعل من العلاقة المنشودة بين هذه الجموع
والمشروع الإسلامي الحركي حالة تبنّ
متبادل، ومسارا متدرجا وواعيا، يربطه خيط
حريري، لا يقبل هذه المرة، لا الشدّة حتى
الانكسار، ولا التسيّب حتى الانفلات، بل
حزم في المبادئ والثوابت، ورفق في التنزيل
والممارسة. مما يجعل هذه المصالحة لا تعني
التوظيف المرحلي بل توجب استقلالية هذه
الظاهرة عن كل التفاف أو استغلال أو توجيه.
كما تفترض هذه
المصالحة مع الشعب خطابا تجميعيا غير
طائفي، موجها إلى كل أفراده وطبقاته، يجعل
من أعضاء المشروع الإسلامي في منتهاه،
كلَّ الجماهير "من يتبنى مشروع التمكين
بلا مواربة ومن لا يعرف من الإسلام سوى
ركعات فرض تتبعها أحيانا ركيعات نوافل، أو
من يعرف الله في رمضان وينساه فيما سواه،
المصلي البسيط والصائم الأبسط والحاج
المتقاعد…"[16]، دون السقوط في
متاهات الشمولية التي تحجم الحديث عن
الإسلام على طرف وتعدمه عند الآخرين.
إن المرجعية
الإسلامية تفرض وجود هذه الرؤيا الدينية
للخطاب، لكنها لا تحتكره لنفسها ولا تكفر
أحدا على أساسه. فهذه المرجعية ملك للأمة
جميعا، تثبّت الثابت منها، وتجتهد في
المتطور فيها، والإسلام الحركي الإصلاحي
يمثل تصورا ورأيا من الآراء ومقاربة بشرية
من المقاربات، ليس فيها أي أدنى قدسية
لبرامجه ولا أدنى عصمة لحامليه.
ـ المصالحة مع
مؤسسات المجتمع المدني (ديمقراطية
التعامل)
ويكون ذلك عبر تأكيد
البعد الديني للمجتمع الأهلي، وأن
المجتمع المنشود إسلاميا هو مجتمع مدني
أساسا لا يغفل عن الدنيا والآخرة. وهو
تأكيد لاحق للعلاقة العضوية والمبدئية
التي جمعت مؤسساته في التاريخ الإسلامي.
فإذا كان بروز فكرة المجتمع المدني في
أوروبا مواجها لهيمنة السلطة الدينية
ولنموذج الدولة الشمولية، ودحرا لظل الله
في الأرض ونقضًا للتيوقراطية، لتركيز
أبعاد الحرية الفردية والديمقراطية، فإن
مفهوم المجتمع المدني كان ملازما للبعد
التحضيري والتمديني للرسالة الإسلامية في
الحث على نقل أهله من حالة البدو إلى حالة
الحضر، وتفضيل هذه على تلك. ولقد طوّق
التصور الإسلامي للعلاقة بين الإنسان
وربه من جهة، والإنسان ومحيطه من جهة
أخرى، بجملة من المبادئ والالتزامات حالت
دون تسلط أو استبداد طرف على الآخر.
فوحدانية الخالق تمنع أي اعتقاد لتمثيلية
سلطة الرب على الأرض، وتنزع عن صاحبها أي
مبرر تسلطي. واستخلاف الإنسان وتكريمه
يجعلانه مسئولا فرديا عن أعماله،
ومتساويا في الحقوق والواجبات. لهذا كان
الخطاب القرآني في الشأن العام موجها
أساسا إلى المجتمع المدني وليس إلى السلطة
السياسية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ
بِالْقِسْطِ} [النساء: 135]، {كُنْتُمْ
خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ
تَأمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ
عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران 110].
وقد تعددت هذه
الأدوات الوظيفية في المجتمع الإسلامي،
وشكلت مؤسسات خارج نطاق الدولة لتكرس هذا
البعد المدني في عملية الاستخلاف. ولعل
مهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الموكلة للجماعة، ووجود مؤسسة الوقف، خير
دليل لسلطة الجماعة ومدنية الإعمار
والاستخلاف. وإذا كان المجتمع المدني يعني
وجود تجمعات مستقلة عن سلطة الدولة مع
تأكيد هذه السلطة في الشأن العام، فإن عدم
مركزية الدولة وتوسعها في التاريخ
الإسلامي أديا إلى وجود هذه المجموعات
المستقلة من تنظيمات حرفية وطرق صوفية
وأوقاف وحسبة، فكانت هذه المؤسسات حامية
لأهلية ومدنية المجتمع، بما وفرته من
متطلبات ثقافية واجتماعية للمجتمع من مثل
المدارس والمكتبات والمستشفيات والفنادق
التي سهرت عليها مؤسسات الوقف.
وإذا كانت مبادئ
التسامح والتعدد وعلو القانون واحترام
حقوق الإنسان وتركيز دولة المؤسسات، تمثل
العمود الفقري للمجتمع المدني وأسسه
المتميّزة، فإنا لا نرى خلافا لها أو
اختلافا حولها في النصوص المقدسة، أو في
سيرة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم،
رغم ما علا هذا النصوع المقدّس من تأويلات
جائرة واجتهادات حائرة فيما بعد، والتي
أحدثت التباين بين هذه المبادئ التي حملها
المشروع الرسالي وتطبيقاته الأولى،
ودستور المدينة صفحة ناصعة منه، وبين ما
لحقها في أيام الانتكاسة الحضارية من ترهل
وتهميش.
ولعل الحركة
الإسلامية شابها بعض الخوف من المجتمع
المدني نظرا لارتباطه سابقا في التجربة
التاريخية الأوروبية بمنطق فصل الدين عن
السياسة، وإقصاء الديني عن السلطة
السياسية، والذي زاده العلمانيون من
أصحاب الديار عندنا، منطق العلمية
والعقلانية الذي صاحب هذه التجربة وميّز
بها المجتمع المدني، والمفقود حسب نظرهم
في الأطروحات الإسلامية.
إن هذا التوجس الذي
يؤدي إلى معاداة المجتمع المدني، وطرح
بديل له من مثل المجتمع الديني، يعتبر
ملاذا غير آمن، وخطأ فادحا، يخطو بالمشروع
نحو الانعزال عن واقعه أو مصادمته، أو
القفز على حقائقه. فمفهوم المجتمع المدني
لا يناقض نصا، ولا يعادي اجتهادا واعيا
ورشيدا، وهو حماية للمشروع من أعدائه
وحماية للمشروع من نفسه. فليست العلمية
نقيضا لأطروحاته، وليست الرؤيا
التيوقراطية من سماته حتى يفصل الديني
والسياسي، وهو ليس نصا مقدسا يحمله حفظة
معصومون حتى يدعي امتلاك الحقيقة ويدرأها
عن غيره؛ فوجود المجتمع المدني ودولة
المؤسسات كفيل بتحصين الجميع من الغلو
والإقصاء والاستبداد. وهي عين المصالحة
التي يجب على الحركة الإسلامية تنفيذها مع
المجتمع المدني دون خوف أو وجس، من خلال
اجتهاداتها، وثقافة أفرادها، وممارساتها.
إن هذه العلاقة
المتميزة التي يبديها الإسلام تجاه
المجتمع المدني ومؤسساته، والتي وقع
طمسها في بعض فترات تاريخنا، لغلبة منطق
الاستبداد والتسلط، والتي محتها لاحقا
الهجمة الاستعمارية كلية، مثّلت حسب
نظرنا ملجأ وحصنا، ولو قاصرا أو مقتضبا،
لاستمرارية دور الجماعة، في التاريخ
الإسلامي. وهو مبدأ قائم في حاضرنا، ثابت
في تصورنا، وعميق في ماضينا. وليست
المناداة به اليوم، إلا عودة إلى الأصول،
وتدعيما للثوابت، وتركيزا لمبدئية
التصورات. ولقد كان إبراز دور الجماعة،
تضخيما لدور الأمة ولمؤسساتها الاجتماعية
والثقافية والاقتصادية وتعايشا رشيدا مع
دور الفرد والدولة لمصلحة الجميع.
ـ المصالحة مع
الأنظمة (ديمقراطية التمكين)[17]
لا يختلف اثنان في أن
العلاقة التي جمعت الحركات الإسلامية
بأنظمتها كانت متوترة ومتأزمة طيلة عقود،
طالت فيها المعاناة والمواجهات كل
الأصعدة، وكانت النتائج مأسوية للجميع؛
فالحركات نالها البأس والبأساء وتعطل
مشروعها أو تهمش، أو استبعد، والأنظمة لم
يهنأ لها بال، وأضاعت الوقت والمال في
تجفيف منابع هذا الخصم العنيد، وقاست
الجماهير وترنح ولاؤها بين هذا وذاك وهي
ترى أن تنمية مجتمعاتها قد فشلت وأن أحلام
الرفاه والسؤدد قد اندثرت.
هذه الدورة من
المواجهات التي ميزت هذه العلاقة، ساهم
فيها الطرفان بنسب متفاوتة، فمن رفض الآخر
وعدائه واستئصاله خوفا على الكرسي
واستئثارا به لفرده أو لعائلته، من ناحية،
إلى محاولة الاكتساح الكلي و"تقطيب"
الصراع، والهزيمة بالضربة القاضية
بالنسبة للطرف الآخر، فكانت دورة دماء
ومآس وآلام وغلو وعدم تفهم وإقصاء. ورغم أن
الأدوار تختلف، والنسب تتباين فإن الجميع
ساهم بوعي أو بغير وعي في هذه الحالة
المميتة للجميع.
لا سبيل للخروج من
هذا النفق المظلم إلا بمصالحة تتجاوز
الحسابات الضيقة واللحظية، والسقوف
التعجيزية والمعالجات الأمنية،
والاستعراضات المزيفة والمغشوشة،
والقطبية الهالكة والإقصاءات الحالقة،
وآحادية التمثيل وواحدية الرؤى والتصورات.
ورغم أننا نعتبر المصالحة تنزل منزل
المباح الذي لا يتطلب تأصيلا ولا اجتهادا،
فإننا ارتأينا -رفعا لكل التباس وغلو وعدم
تواضع- ملامسة مناطق الارتكاز الشرعي لهذا
المسعى الإنساني بكل جرأة دون الإبحار في
ذلك، لقلة الزاد وزهد البضاعة. فزيادة على
تركيز القرآن على مبدئية السلم والعفو
وكظم الغيظ، والرفق والحلم والتوسّع،
وقبول العذر والاعتذار، والتجاوز والكرم،
فإن السنة النبوية حفلت بمواقف صلبة عديدة
في هذا المجال، من أحداث صغيرة ومتموضعة،
إلى تظاهرات كبيرة حملت تحولات ضخمة
للمشروع وأفراده وإطاره الذي يتنزل فيه.
فبدأها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم
في الطائف وقد نال منه صغار القوم
وحثالتهم، فكسروا أسنانه الشريفة وأدموا
وجهه وقدميه، وما كان قوله تجاههم رغم
العنت والنصب والإعياء، إلا "اللهم
اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون!"، ثم أتمها
عليه السلام يوم الفتح..: "اذهبوا فأنتم
الطلقاء". وبين هذا وذاك وقعت مصالحة
الحديبية...
ويعتبر هذا الصلح
إحدى هذه المحطات المهمة في هذا المشوار
السلمي المبدئي والحضاري. وبالرغم من أن
هذا الموضوع قد قُتل بحثا ودراسة وردودا
متباينة، فإننا نزعم إلقاء نظرة أخرى، من
زاوية نخالها جديدة رغم قلة العلم وتواضع
الإضافة. لقد سعى الغيب -عبر الرسول الكريم
ومن خلال صلح الحديبية- إلى أخذ الاعتبار
لربح كل الأطراف، لم تكن المصالحة نجاة
فردية، لتعالج مواقف شخصية تنجو بها الذات
على حساب الآخرين، ولم تكن المصالحة خلاصا
للمجموعة على حساب الفرد والمشروع
والجماعة (الشعب)، ولم تكن المعاهدة
تحريرًا للمشروع وإهمالا لأفراده
ومجموعته، ولم يكن الصلح مناورة سياسية
ومسارًا غير مبدئي وصادق، تلقي بالهزيمة
والسقوط على الطرف الآخر ولا تعطي أي شأن
للجماعة، يقول الرسول الكريم صلى عليه
وسلم في شأنها: "لا تدعوني قريش اليوم
إلى خطة يسألونني فيها صلة الرحم إلا
أعطيتهم إياها"[18]. كانت
الحديبية كل ذلك، وهذا سر نجاحها، وتلك
عبقرية صاحب الرسالة والحضور المكثف
للغيب. كانت معادلة جمعت كل هذه الأبعاد،
دون الحطّ من أي من أطرافها، كانت
المعاهدة نجاة للفرد، وخلاصًا للمجموعة،
واعتبارًا للجماهير، وتحريرًا للمشروع
نحو مناطق أسلم، وسلامة للطرف المقابل،
وراحة واستقرارًا حينيًّا لكل الإطار،
يقول الزهري: فلما كانت الهدنة.. أمن
الناس،...[19].
وتستوقفنا العديد من
المواقف المهيبة التي أنارت أمجادنا،
والتي أكدت التفاعل الرصين للأمة مع
أطرافها رغم سواد بعض الأزمنة وظلمات
المكان. فقد حمل علماء الأمة الأجلاء
والربانيون مشعل الوقوف والصمود، والعفو
والمصالحة عند المقدرة، وهم طليعة
المشروع ورواده، رغم ما تلقوه من عنت
الأمراء وجورهم؛ فهذا مالك إمام دار
الهجرة، وقد ألقي به في السجن وناله
التعذيب حتى خلعت كتفه، ثم طيف به في
المدينة راكبا على حمار ملتفتا إلى جهة
ذنبه، نكاية فيه وحطا من مكانته، ثم لما
استرد حاله ودخل مسجد الرسول.. رفع يديه
وقال: "اللهم أُشهِدك أني قد عفوتُ عنهم
فاعف عنهم"، حتى إذا قيل له لماذا؟ أجاب:
"لا أريد أن يدخل أحد من أسرة النبي
بسببي النار!" (العباسيون أبناء عمومته
صلى الله عليه وسلم). وهذا أحمد بن حنبل وقد
ناله في محنة خلق القرآن ما ناله، من عذاب
وسياط وإذلال من ثلاثة خلفاء، تتابعوا على
ضره والإساءة إليه وتهديده بالقتل، وأودع
السجن ثلاث سنوات، ولما خرج مُنع من لقاء
الناس إلا ارتياد المسجد للصلاة والعودة
إلى بيته طيلة عهد الخليفة الواثق... ورغم
ذلك كما يروي ابن كثير جعل هذا العالم
الصالح كل من آذاه في محنته في حِلّ، وكان
يتلو في ذلك قوله تعالى: {وليعفوا وليصفحوا}
(النور: 22)، ويقول: ماذا ينفعك أن يعذَّب
أخوك المسلم بسببك، وقد قال تعالى: {فَمَنْ
عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ
إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} (الشورى:
40)، وينادي المنادي يوم القيامة ليقم مَنْ
أجره على الله، فلا يقوم إلا من عفا![20].
ويعتمد مشروع هذه
المصالحة مع الأنظمة من ناحية، على جانب
حقوقي يتمثل في التزام الحركة الإسلامية
بالعفو عما سلف وعدم الدخول في مطالب
ومحاسبات لأطراف أو أفراد أو نظام، في
مقابل إطلاق مساجينها السياسيين وعودة
مغتربيها. ومن ناحية ثانية وفي الجانب
السياسي يقع تحرير العمل السياسي
الإسلامي وإعطاؤه قانونية الوجود
والحراك، وفي المقابل تعني المصالحة
السياسية للحركة الإسلامية أن تقبل بعدم
تسييس المساجد وتركها بيتا كريما بعيدا عن
تدافع السياسة والسياسيين، كما يمكن
لممثلي المشروع الإسلامي دخول الانتخابات
التشريعية والبلدية، على ألا يتجاوز عدد
نوابهم في المجلس، وممثليهم في الهيئات
البلدية، الثلث من الأعضاء. ولا يدخل
التيار الإسلامي الإصلاحي الانتخابات
الرئاسية، لكنه يمكن أن يساعد أو يدعم
أطرافا مترشحة أخرى. كما يلتزم بالاحترام
الكامل لقانون اللعبة الديمقراطية
ومؤسساتها وما تفرزه الانتخابات الشفافة
من تغييرات، والابتعاد عن منطق التكفير،
واعتبار الاختلاف بين الفرق والأحزاب على
قاعدة الخطأ والصواب، حيث لا يملك أحد هذا
الحق الإلهي في القضاء في مصير الناس
والحكم على معتقداتهم وتصوراتهم ونواياهم.
كما أن الانطلاق من
المرجعية الإسلامية لا يعطي التيار
الإسلامي أي حق وأي احتكار بالحديث عن
الإسلام الذي يبقى الجامع لكل أفراد الشعب.
فالطرح الإسلامي هي رؤية اجتهادية ككل
الرؤى لا عصمة فيها لفرد ولا قدسية لفكر،
تميزها مرجعيتها الإسلامية وقراءتها
لتاريخها ولحاضرها. كما يمكن للتيار
الإسلامي أن يكون متعدد الألوان والأطر،
ولا احتكار لهذه الصفة لأحد.
ـ المصالحة مع
الغرب (ديمقراطية التدافع) [21]
ونعني بها إلقاء
جسور اللقاء والتعارف والتعاون والتفاهم،
بين أطراف ساهم التاريخ والجهل والتجاهل،
والأحكام المسبقة والوعي الناقص
والعنجهية، في توليد أفكار وممارسات، غلب
عليها سوء الظن والخوف، والحيطة والتآمر،
والتنافر والعداء. وهي تعني أن كلا
الطرفين ساهم في نبذ الآخر ومعاداته.
ولن أكون مجحفًا إذا
قلت إن الحركة الإسلامية في العموم تحمل
قسطا وافرا من هذا التنافر. فلقد كانت
قراءاتها وأطروحاتها تجعلها في ضفة
والغرب في الضفة الأخرى؛ وهو ما جعل نقاط
اللقاء قليلة أو معدومة، زيادة على منطق
الأستاذية الحضارية والأخلاقية الذي حفلت
به مكتباتها، وكنزتها عقول أفرادها،
والتي غابت في العديد من ممارساتها، والتي
نفرّت الآخر منها، وغيبت إيجابياته عنها.
وتتمثل هذه المصالحة
المنشودة في: المصالحة الحضارية،
والمصالحة الثقافية، والمصالحة
الاقتصادية، والمصالحة السياسية. وهي
مصالحة مبدئية لا ترتبط بظرف ولا بمصلحة
ضيقة أو آنية.
فالمصالحة الحضارية
تعني أن التدافع الحضاري الذي هو أحد أسس
التقدم والسير إلى الأمام، ليس بالضرورة
صراعا ومواجهة ونزالا، كما نظّر له
هنتنغتون في صراع الحضارات، وتبعه دون
تروّ بعض السياسيين لاحقا. بل هو تجاذب
وتلاقح وتعارف وحوار، ينجر عنه ولادة
الأصلح والأسلم والأكفأ والأفضل لكل
البشر.
والتدافع القرآني هو
"الحركة الاجتماعية التي تبتغي إعادة
العلاقات إلى مستوى ولحظة التوازن ثانية
مع الاحتفاظ بالتعددية والتمايز للفرقاء
المختلفين، هنا يكون الدفع ولا يكون
الصراع؛ لأن الصراع يقتضي نفي الآخر بصرعه
وإنهاء وجوده والانفراد والواحدية"[22].
ومن معاني هذا
التدافع: التداول والتناوب في مستوى
الحضارات والدول والأفراد والأفكار. وهي
سنّة ربانية تجعل من الديمومة والثبات صفة
ملازمة للذات الإلهية وخاصة به دون غيره،
وما سواه قابل للتغيّر والتطوّر والفناء.
ومن معاني التدافع كذلك، وجود مجموعات
متباينة في عالمنا، قطريًّا كان أو
جهويًّا أو دوليًّا أو حضاريًّا، وأننا
نشترك مع الآخر في هذه الرقعة (قطر/جهة/عالم).
مما يولد ضرورة التعاون والتفاهم للمصلحة
المشتركة التي تؤطرها هذه الرقعة.
والمصالحة الثقافية
تطمح إلى تدعيم فكرة التعدد والتنوع
الثقافي الذي يمثل ثروة على مستوى البلد
الواحد والجهة والإقليم والعالم. وقد أثبت
الغرب الأوروبي منذ مدة حرصه على تجنب
الثقافة الواحدة والتقليد الأوحد في
الفنون المرئية والمسموعة والمكتوبة، حتى
يتسنى تنوع المصادر وتباين التعابير. فحتى
الثقافة الأمريكية التي يشار إليها عادة
بنعوت الهيمنة وصفات القطبية، لا تمثل إلا
نتاجا لهذا التنوع المثري الذي حمله
مهاجروها، ولا يزالون يحملونه على مدى
قرنين من الزمن، والذي ساهم في تكوّن هذه
الثقافة التي عمّت المعمورة، ووحّدت
نموذج الحياة، من أنماط استهلاك وإنتاج
واستثمار.
والمصالحة
الاقتصادية تعني تجنب تكريس المصالح
الأحادية، وممارسات الاستيلاء
والاستحواذ التي غمرت فترات من تاريخنا
المشترك، ولم تولّد غير الخوف والحيطة
وعقلية التآمر، ونماذج التنمية المغشوشة.
وتدفع اليوم للانتقال إلى مرحلة توازن
المصالح، في إطار هذه القرية الكونية، وفي
ظل عولمة زاحفة، لا مرد لسلبياتها سوى
التعارف والتعاون، والإنصاف في تقاسم
ثمراتها.
والمصالحة السياسية
تؤكد على التحاق المشروع الإسلامي بركب
التعامل الديمقراطي بما يحمل هذا التصور
من التمكن المبدئي لعقلية التناوب
والتعدد والبناء. وهو في الحقيقة إظهار
وإبراز لهذا المنحى الذي يمثل عنصرا ثابتا
في التصور الإسلامي لعملية التمكين نصا
وتاريخا وجغرافيا. غير أن ظروفا غير
عادية، داخلية وخارجية، وأسبابا معقدة،
ساهمت في تهميش مبدأ المشاركة
الديمقراطية الذي يحمله مفهوما الشورى
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لحساب
تصورات وممارسات أخرى، نظل نعتبرها أخطاء
صغر ومراهقة، وبداوة سياسية، واريناها
التراب نهاية.
وليس عيبا أو نقيصة
أن نعترف بسبق بعض الأمم في هذا الجانب رغم
هناتها وعيوبها وكيلها بميزانين في
العديد من الأحوال والظروف، يقول رشيد رضا
في هذا الباب: "لا تقل أيها المسلم إن
هذا الحكم (الديمقراطي) أصل من أصول ديننا
فنحن قد استفدناه من الكتاب المبين ومن
سيرة الخلفاء الراشدين لا من معاشرة
الأوروبيين والوقوف على حال الغربيين؛
فإنه لولا الاعتبار بحال هؤلاء الناس لما
فكرتَ أنت وأمثالك بأن هذا من الإسلام،
ولكان أسبق الناس إلى الدعوة إلى إقامة
هذا الركن علماء الدين بالأستانة ومصر…
وهم الذين لا يزال أكثرهم يؤيد حكومة
الأفراد الاستبدادية ويعدّ من أكبر
أعوانها…إننا لولا اختلاطنا بالأوروبيين
لما تنبهنا من حيث نحن أمة أو أمم إلى هذا
الأمر العظيم وإن كان صريحا جليا في
القرآن الكريم"[23].
ختامًا
المصالحة ليست ترفا
فكريا ولا دردشة سياسية ولا حسابات
سياسوية، إنما هي ثوابت ومبادئ غفلت عنها
الذوات في معترك التدافع والعراك
السياسي، فغابت نسبيا في أطروحات الحركة
الإسلامية الإصلاحية وفي ممارساتها عموما.
ساهمت هي في البعض منها، فلم تتصالح مع
ذاتها، وغيبت الزمن حينا والمعرفة حينا
آخر، أدارت ظهرها لأصناف من طاقاتها
اختلفوا معها ولم يخالفوها، صعّبت
استيعابها للمجتمع المدني وعاندت واقعه،
حجبت عن عيونها مدى قابلية وقبول شعوبها
لأطروحاتها، جعلت خنادق بينها وبين حضارة
ومدنية رفع شأنها من غير بني جنسها. وساهم
الآخر في حجب أنوار المصالحة عنها بعناده
وجوره، فاستفزها من حيث لا تشعر إلى مواطن
العداء والنزال، فكان الزلل ورد الفعل
والغلو من كل الأطراف... وعلا الضجيج
والشطط، ودخلت الحركة الإسلامية
الإصلاحية غالبا أنفاقا مظلمة تُعرف
أبواب دخولها، وتُجهل منافذ النجاة...
لقد كان فكر
المواجهة غالبا في تأسيس العديد من
المواقف والرؤى والممارسات، عن وعي أو
بغير وعي، بفعل خارجي أو بأدلجة داخلية،
ولا بد من قطيعة معرفية مع هذا الطرح
وتأسيس عالم من الأفكار والتصورات يربط مع
الإرث السلمي للمقدس وللثقافة التي
تحملها مجتمعاتنا والتي تمثل الأصل
والمبدأ وما سواه حسابات سياسية وقلة وعي
وسوء تأويل، وبداوة حركية وطفولة منهجية.
حتى يكون فكر المصالحة في كل ميادين
الظاهرة الإنسانية، عودة إلى الأصل
والارتباط الصادق والمبدئي والوحيد مع
الفكر السلمي للأجداد في أيام مجدهم
وعلاهم.
ولقد عبَّر القرآن
عن مفهوم المصالحة تارة بالسّلم {يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا
فِي السِّلْمِ كَافَّةً} (البقرة: 208)،
وبكظم الغيظ والعفو عن الناس تارة أخرى {
وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ
وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} (آل عمران:
134). والمصالحة قيم وأخلاق تغيّب هولات
اللحظة وظلماتها، إلى ومضات وأنوار
المستقبل، لتبني مسارًا، وتتجاوز القريب
الضيق، لتستشرف البعيد المترامي.
الأمة قد التقت
عليها الجحافل من كل حدب وصوب، وتداعت
عليها الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها،
وفي إطار حساس ملؤه العداء والتشفي
والاستغلال والمصلحة الضيقة والتنافس غير
البريء وتغيير المناهج والأفكار وحدود
الدول والأقاليم، وفي ظل عولمة سياسية
واقتصادية وثقافية زاحفة، ذات لون واحد
وقطب واحد واتجاه واحد، وفي هذه الحال لا
بد من تكاتف الجبهة الداخلية ورصّ صفوفها،
درءًا للمفسدة قبل جلب المصلحة. ولن يكون
المشروع الإسلامي مغرّدا خارج السرب هذه
المرّة... فالمصالحة تعبير عن عودة هذا
الابن البارّ إلى رحاب التجاوز وعفو
القلوب والبناء مع الآخر ولو كان على فصيل
من النخل، إذا كان هذا الفصيل طيبًا زرعه،
محسنًا حامله، واعيًا مسوّقه، جميلاً
هدفه، وصالحة تربته. ولن تكون الثمرة إلا
طيبة بإذن ربها، حتى إن غلا ثمنها بداية
وقلّ حصادها.
|