|
تميز عصرنا الحاضر
بزيادة في حجم المتغيرات والنوازل
والمستجدات لم تشهدها العصور السابقة،
وتطورت العلوم والمجتمعات تطورا كبيرا،
وتغيرت أنماط الحياة، وأثرت ثورة
المعلومات وعالم الكمبيوتر والإنترنت
والقنوات الفضائية في العالم جميعا:
إنسانا وسلوكا حتى أصبح العالم كقرية
صغيرة، ناهيك عن ثورات علمية في مجال
الجينات (الجينوم) والهندسة الوراثية
والبصمة الوراثية والاستنساخ وطفل
الأنابيب وزرع الأعضاء وغير ذلك؛ إضافة
إلى تطور الأفكار في عالم السياسة
والاقتصاد.
ومن تلك التطورات
التي تستدعي بحثها فقهيّا: الفتاوى
المباشرة في وسائل الإعلام. وقبل معالجة
الموضوع لا بد من بيان مفردات العنوان وما
نعنيه بدقة.
أ - وسائل الإعلام: هي
الوسائل التي يتم بها التبليغ والبيان
للآخرين عبر تقنيات مختلفة، وهي وسائل
مرئية كالتلفاز، ووسائل مسموعة كالإذاعة،
ووسائل مقروءة كالصحف والإنترنت، وقد
تجتمع الوسائل الثلاث كما هو الحال في
الإنترنت في وقتنا الحاضر حيث يمكن
التبليغ بها بالكتابة، والتسميع، والصورة
المرئية، وهي من أهم الوسائل لأنها تسجل
أيضا، ويدخل فيها أيضا الفتوى عبر الهاتف،
وإن كانت الفائدة فيها أقل لأنها لا تسجل،
ولا تنشر.
ب - المباشرة:
المقصود بالفتوى المباشرة هنا هي الفتوى
التي تعرض على المفتي فيجيب عنها فورا، أي
يجيب عنها دون أن تعرض عليه ليدرسها بدقة،
فيرجع فيها إلى المصادر الأصلية والتبعية
للفقه الإسلامي، وإلى أقوال العلماء
القدامى أو المعاصرين، والمجامع
والمؤتمرات والندوات الفقهية.
فهذه الفتاوى
المباشرة توجه من مقدم البرنامج أو من
الجمهور مباشرة فيجيب عنها الشخص فورا،
وبالتالي فهذه الفتاوى المباشرة لها
خطورة أكبر وآثار كثيرة أكثر من أن تعرض
الفتاوى على الشخص فيدرسها دراسة متأنية
فيرجع فيها إلى المصادر والمراجع، بل قد
يستشير فيها أهل العلم والخبرة والدراية،
وحينئذ يستطيع طالب العلم أن يجيب عنها.
أما الفتاوى
المباشرة فهي تحتاج إلى علم كبير، وثقافة
واسعة، وخبرة وافية، وتجارب كافية، وملكة
فقهية راقية في فهم النص والواقع، وقدرة
رائدة في مجال التنزيل وتخريج المناط
وتحقيقه، ودراية واسعة بمقاصد الشريعة،
ودربة جيدة في نطاق فقه الأولويات
والموازنات.
واقع
الفتاوى المباشرة
لا شك أن هذه الوسائل
الإعلامية المعاصرة سلاح ذو حدين، حيث
يمكن استعمالها في الخير وفي الشر، وفي
التوعية الجيدة والدعوة إلى الله تعالى
بالحكمة والموعظة الحسنة، كما أنها يمكن
استعمالها في التضليل، والتبرير للظلم
والاستبداد، والاستعمار والاستهبال،
وتكريس الباطل والجهل والتخلف، ناهيك عن
إحداث الفتن، والحيرة لدى الناس.
وبالتالي فإذا لم
تضبط الفتاوى الفقهية، بل والبرامج
الدينية في وسائل الإعلام بصورة عامة، وفي
الفضائيات بصورة خاصة فإن إثمها يكون أكبر
من نفعها، وآثارها السلبية تكون أعظم من
فوائدها، ومفاسدها تصبح أكثر من مصالحها.
ومن أكبر المشاكل في
هذا الصدد: أن يتصدى لهذه الفتاوى
المباشرة من ليس أهلا للفتوى، ويزيد الطين
بلة بالإجابة عن كل ما يعرض دون أن تسمع
ولو مرة واحدة كلمة: (لا أدري) التي كانت
سمت السلف الصالح، وزينة العلماء
الربانيين على مر العصور السابقة، فقد سئل
مالك عن أربعين مسألة، فقال في ست وثلاثين
منها: (لا أدري)، وقد جاء رجل من بعيد إلى
الفقيه القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق (أحد
فقهاء المدينة السبعة) فسأله عن مسألة؟
فقال: إني لا أحسن الجواب عنها، فقال
السائل: إنني جئتك قاصدا ولا أعرف غيرك؟
فقال له القاسم: لا تنظر إلى طول لحيتي
وكثرة الناس حولي، فوالله لا أحسنه، فقال
شيخ من قريش: يا ابن أخي الزمها، فوالله ما
رأيناك في مجلس أنبل منك اليوم، فقال
القاسم: (والله لأن يقطع لساني أحب إليّ من
أن أتكلم بما لا علم لي به).
فالفتاوى المباشرة
هي جولات حرة غير مقيدة بأي شيء، فقد تأتي
الأسئلة في الدماء والفروج، كما يمكن أن
تأتي في أدق الأمور وأحدثها في نطاق
البنوك والطب والاستنساخ، والمشاكل
الاجتماعية والقضايا السياسية
والاقتصادية، وفي القضايا التي تهم الأمة
بأسرها، وهكذا.
فكيف بشخص واحد أن
يجيب عنها في عالمنا الذي توسعت فيه
العلوم والمدارك والثقافات، حتى أصبحت
الجزئيات المتخصصة في القرن الماضي
عموميات في عصرنا الحاضر.
ومع خطورة هذه
الموضوعات التي لو سئل السلف الصالح عن
واحد منها لجمعوا له أهل بدر فإن بعض من
يتصدى لهذه الفتاوى لا تتوافر فيه أهلية
الفتوى بصورة عامة ناهيك عن الفتوى
المباشرة.
نماذج
من الفتاوى المباشرة
نذكر هنا بعض نماذج
لهذه الفتاوى المباشرة، وهي:
1- فتاوى في القضايا
المصيرية مثل الصلح مع إسرائيل،
والاحتلال الأمريكي للعراق وأفغانستان...،
وكذلك الفتاوى المهمة التي تتعلق بمصير
الأمة الإسلامية في مختلف المجالات
السياسية والاقتصادية، والاجتماعية، وفي
قضايا التخلف، والتضخم، والتنمية،
والاستعمار.
فمثل هذه القضايا
المصيرية لا ينبغي فيها إصدار فتاوى
فردية، بل تحتاج إلى المؤتمرات، أو
الندوات التخصصية التي تدرس الموضوع من كل
جوانبه، والتي يشترك فيها عدد كبير من
علماء الأمة، وخاصة علماء أهل المنطقة،
وأهل الذكر، والخبرة والتخصص.
وهذا لا يعني عدم بحث
مثل هذه الموضوعات المصيرية، بل يقصد عدم
إصدار فتاوى فردية مباشرة فيها، وإلاّ فإن
الفتاوى الجماعية تعتمد على البحوث
والدراسات الفردية التي قد يصيب بعضها،
ويخطئ البعض الآخر، والكل له أجره على
اجتهاده وجهده أو له أجران على اجتهاده
وإصابته الحق.
2- فتاوى تصدر لأهل
بلد لا يعلم المفتي شيئا من واقعهم
وأعرافهم ومشاكلهم، وظروفهم المحيطة بهم،
أو أنه ليس بدرجة العلم الكافي، وبالتالي
فلا يجوز له إصدار الفتاوى في شؤونهم - كما
نص على ذلك كبار المحققين من علمائنا -.
3- فتاوى نابعة عن
الجهل بالتأريخ، حيث صدرت فتوى من إحدى
الأخوات في أمريكا بجواز أن تقاتل المرأة
المجندة بجانب الرجل، ثم استدلت بأن أم
المؤمنين عائشة رضي الله عنها خرجت في جيش
قوامه ثلاثون ألف امرأة مقاتلة بجانب
إخوانهم الرجال.1
4- فتاوى نابعة من
الجهل بالنصوص الشرعية، مثل الفتاوى التي
صدرت بشأن كشف الرأس والعنق للمرأة،
وإمامة النساء للرجال في صلاة الجمعة
وغيرها.
5- فتاوى متشددة تنفر
الناس ولا تبشر، وتعسر عليهم ولا تيسر،
وذلك مثل الفتاوى التي صدرت بأن صوت
المرأة عورة، وتخصيص نوع خاص من اللباس
للمرأة، وأن النقاب فرض قطعي وردت فيه
نصوص قطعية، وهذا غير صحيح، فقد أثبت
الأستاذ عبد الحليم أبو شقه في كتابه:
تحرير المرأة: أن حالات الحجاب الشرعي دون
النقاب كانت كثيرة في العصر النبوي، وكذلك
بعض الفتاوى المتشددة حول العيش في بلاد
غير المسلمين، والعلاقة بينهم وبين غيرهم.
6- فتاوى تصدر بناء
على بعض المبادئ العامة دون ملاحظة النصوص
الجزئية، مثل الفتاوى الصادرة بجواز
تنصير المسلم أو تهويده بناء على مبدأ
الحرية العامة وقوله تعالى: (لا إكراه في
الدين) متجاوزا بذلك النصوص الواردة في
القرآن الكريم والسنة والإجماع بشأن ردة
المسلم، وكذلك الفتاوى الصادرة من
الدكتور حسن الترابي بشأن الحجاب، وجواز
تزويج المسلمات لأهل الكتاب، وغير ذلك.
7- فتاوى تصدر بشأن
قضايا تخص المحاكم للفصل فيها، مثل قضايا
النزاع، حيث لا يجوز شرعا الإفتاء فيها
إلاّ بعد الاستماع إلى الطرفين، وهذا غير
متوافر في الفتاوى المباشرة.
8- فتاوى مبنية على
معلومات ناقصة في قضايا تحتاج إلى تفصيل
وتفريع مثل السؤال عن الإجهاض، حيث كان
الجواب بالمنع مطلقا، وهنا إما أن يأتي
المفتي بجميع التفريعات وأحكامها، أو
يسكت عنها.
9- فتاوى متعارضة في
وقت واحد، ومجتمع واحد، وقد تكون من شخص
واحد.
10- فتاوى ترفيهية
بعيدة عن أحوال الأمة، وواقعها، مثل
الفتوى التي صدرت بجواز استحمام الفنانات
في حوض سباحة من اللبن الخالص، في الوقت
الذي يموت فيه يوميا مئات الآلاف من
الأطفال بسبب عدم وجود اللبن، والغذاء
والدواء، أو سوء التغذية.
11- فتاوى سلطانية
تصدر لأجل تبرير الأحكام السلطانية،
ولذلك حينما سئل أحد العلماء المحترمين عن
مدى جواز الاستعانة بالأمريكان في حرب
تحرير الكويت؟ قال: هل وصل الأمريكان إلى
بلادنا أم تنتظرون فتوانا؟ فقالوا: يا
مولانا: والله لقد وصلت الطليعة الأولى
فقط، فقال الشيخ: إذن لا فتوى لدي، وهذا من
باب أضعف الإيمان أن يسكت الإنسان.
ولما طلب مني حضور
مؤتمر للموضوع السابق، وجهت إليهم سؤالا
واحدا: هل الموضوع متوقف على فتوانا، وإذا
أفتيناكم بعدم الجواز فهل تسمعون لنا؟
فكان الجواب: يا فضيلة الشيخ: إن دعوتكم
للتأصيل الشرعي للموضوع، ونحن بأمس
الحاجة إلى ذلك، فرددت عليهم بالاعتذار
وعدم الحضور.
12- فتاوى لإرضاء عامة
الناس الذي يحبون التشدد حيث يصفون المفتي
المتشدد بالورع، أو لخوف اتهام العامة
بأوصاف غير محببة، وقد رأيت بنفسي هذين
النوعين، فقد رأيت أحدهم يتشدد في بعض
الفتاوى وحينما ناقشته تبين لي أن هذا
التشدد ليس مقتنعا به في الداخل، ولكن
لأجل إرضاء هؤلاء الذين يظنون الفتوى بغير
ذلك تساهلا، كما أنني رأيت بعض العلماء في
شأن العراق أنهم مقتنعون في داخلهم بشيء،
ويفتون بشيء آخر خوفا من الاتهام.
13- فتاوى خاضعة
للبيئة والتقاليد دون إظهار التأصيل
الشرعي المطلوب، فأنا لا أنكر أهمية
الأعراف والتقاليد، ولكن لا يجوز أن تكون
على حساب النصوص الشرعية، والمبادئ
الكلية لشريعتنا الغراء.
وفي هذا المجال
تعجبني منهجية العلامة الشيخ يوسف
القرضاوي الذي عاش منذ الستينيات في
البيئة الخليجية، ومع ذلك انطلقت فتاواه
مما وصل إليه اجتهاده دون النظر إلى ما
يقوله الناس، وخاصة في مجال حقوق المرأة،
والأغاني والموسيقى بالضوابط التي حددها،
حيث كان يتهم من علماء المنطقة بالترخيص
ولكن دون أي تأثير عليه.
14- فتاوى قائمة على
الأخذ بأعناق النصوص وليّها، وتأويلها
تأويلا لا يمكن أن تقبله حسب المعاني
اللغوية، والأعراف السائدة في عصر النزول
والتشريع، وفي هذا المجال نجد نوعين من
هؤلاء المفتين:
أ - حسني النية في
الظاهر، حيث يريدون الدفاع عن الإسلام،
وإظهار صورته بما يتفق مع العصر، وهذا
يحدث في مجال الرد على الاتهامات التي
وجهها للإسلام بعض المستشرقين أو
الحاقدين على الإسلام، فيقوم هؤلاء
بتأويل النصوص لتتفق مع المراد، مثل تأويل
(طيرا أبابيل) بالجراثيم والميكروبات،
ومثل إجازة بعض الصيغ في البنوك الإسلامية
بحجة إيجاد بديل عن القرض بفائدة.
ب - الذين حصروا
النصوص على فترة زمنية محددة، فأولوها على
هذا الأساس، مثل نصوص المواريث والحدود،
أو حكّموا المصالح (في نظرهم) وجعلوها
حاكمة على النصوص، أو نحو ذلك، وهذا منهج
الدكتور نصر أبو زيد، والشحرور.
ملاحظات
عامة على معظم الفتاوى المباشرة
وقد تتوفر الشروط
المطلوبة في المفتي، ولا توجد الملاحظات
الخاصة السابقة، ولكن توجد مجموعة من
الملاحظات العامة على بعض هذه الفتاوى،
وهي:
1- تسييس الفتوى، أي
استعمال الفتوى لصالح جهة معينة بعيدا عن
منهج العدل المطلق وعن عدم الانحياز إلى
الحق.
2- الروح القومية، أو
القبلية، أو الوطنية، بعيدة عن أممية
الإسلام، وعن روح الأخوة الإيمانية
الخالصة لله تعالى المذكورة في قوله تعالى
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)2
وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (مثل
المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم
كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو
تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).
فنرى مع الأسف
الشديد أن هذه الأرواح (القومية،
والقبلية، والوطنية) جاثمة ومؤثرة في معظم
الفتاوى فقد رأيت رأيين متضادين لأحد
الشيوخ الكبار أحدهما يخص بلده بالجواز،
والثاني لبلد آخر بعدم الجواز، مما يؤدي
إلى عدم وجود معيار في الموضوع، أو ما يسمى
بالازدواجية الحقيقية لدى هؤلاء، فمثلا
منذ أكثر من 70 عاما يتحدث القوميون العرب
عن القومية العربية، ومع ذلك لم يستطيعوا
تنفيذ أبسط مقومات القومية وهي المساواة
في الحقوق والواجبات.
وأخوف ما أخاف على
الإسلاميين أن يتبعوا سبيل القوميين في
ادعائهم الأخوة الإيمانية عندما يتمكنون
في الحكم.
3- الروح المذهبية لا
تزال سائدة في معظم الفتاوى، حتى العلماء
الذين يدعون السلفية فإذا بمعظمهم ينشرون
مذهبا معينا بدلا من الفقه المقارن
بضوابطه ومنهجيته التي تؤدي إلى ترجيح ما
يرجحه الدليل.
4- عدم استقلال معظم
المفتين وخاصة المؤسسات الرسمية للإفتاء.
5- عدم التفريق بين
الفتاوى العامة، والفتاوى الخاصة.
6- استدراج المفتي
للتوظيف المراد للفتوى من قبل مقدمي
البرامج، أو من قبل السياسيين بسبب عدم
خبرته ومعرفته بالمكر والناس، ولذلك
اشترط العلماء في المفتي أن يكون عارفا
بالناس.
7- الاعتماد على ظاهر
السؤال دون الاعتماد على باطنه وحقيقته
ومحتواه، ودون النظر في مؤدى جوابه،
ومآلاته، ونتائجه.
8- تتبع الرخص،
والتلفيق، أو التشدد وسد الأبواب كلها
إلاّ ما فتح بدليل، في حين أن الأصل في
العادات والمعاملات والشروط الإباحة.
9- عدم التفرقة بين
ميزان العبادات، وميزان العادات
والمعاملات.
آثار
الفتاوى المباشرة
لهذه الفتاوى (خاصة
الفتاوى التي تخالف أصلا من أصول الإسلام،
أو نصا من نصوص الشريعة) آثار خطيرة على
الفرد، والمجتمع، وعلى مسيرة الأمة
الإسلامية وصحوتها المباركة، من أهمها:
1- إصدار بلبلة وحيرة
بين صفوف المسلمين.
2- التأثير على هيبة
العلماء واحترامهم بين الناس، بل
والتشكيك في قدراتهم، أو نزاهتهم، وذلك من
خلال إيجاد مبررات لاتهامات عامة باطلة لا
تصدق إلاّ على قلة قليلة ولكن تعمم على
الجميع مع الأسف الشديد.
3- تحليل الحرام،
وتحريم الحلال الذي هو من الكبائر بلا شك،
وقد يصل إلى مرحلة الشرك إذا كان عن عمد،
وهذه كانت آفة علماء أهل الكتاب
والجاهليين، الذين حرموا ما أحل الله،
وقالوا بزعمهم: هذا حلال وهذا حرام.
ولخطورة هذه الآثار
الناجمة عن هذه الفتاوى التي يمكن وصفها
بالفتاوى الشاذة نوقشت على أعلى
المستويات العلمية، فقد نوقش موضوع
الفتوى وضوابطها في الدورة السابعة عشرة
لمجمع الفقه الإسلامي الدولي التي انعقدت
في عمان بالأردن في الفترة 28 جمادى الأولى
– 2 جمادى الآخرة 1427ه- الموافق 24-28 يونيو /حزيران
2006م وصدر بشأنها القرار الآتي: ((إن مجلس
مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن
منظمة المؤتمر الإسلامي المنعقد في دورته
السابعة عشرة بعمان (المملكة الأردنية
الهاشمية) من 28 جمادى الأولى إلى 2 جمادى
الآخرة 1427ه-، الموافق 24 – 28 حزيران (يونيو)
2006م، بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى
المجمع بخصوص موضوع الإفتاء: شروطه
وآدابه، وبعد استماعه إلى المناقشات التي
دارت حوله، قرر ما يلي:
أولا: تعريف
الإفتاء والمفتي وأهمية الإفتاء:
الإفتاء: بيان الحكم
الشرعي عند السؤال عنه، وقد يكون بغير
سؤال ببيان حكم النازلة لتصحيح أوضاع
الناس وتصرفاتهم.
والمُفتي هو العالِم
بالأحكام الشرعية وبالقضايا والحوادث،
والذي رزق من العلم والقدرة ما يستطيع به
استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها
وتنزيلها على الوقائع والقضايا الحادثة.
والفتوى أمر عظيم
لأنها بيان لشرع رب العالمين، والمُفتي
يوقّع عن الله تعالى في حُكمه، ويقتدي
برسول الله صلى الله عليه وسلم في بيان
أحكام الشريعة.
ثانيا: شروط
المُفتي:
لا يجوز أن يلي أمر
الإفتاء إلا من تتحقق فيه الشروط المقررة
في مواطنها، وأهمها:
(أ) العلم بكتاب
الله تعالى وسُنة رسوله صلى الله عليه
وسلم، وما يتعلق بهما من علوم.
(ب) العلم بمواطن
الإجماع والخلاف والمذاهب والآراء
الفقهية.
(ج) المعرفة التامة
بأصول الفقه ومبادئه وقواعده ومقاصد
الشريعة، والعلوم المساعدة مثل: النحو
والصرف والبلاغة واللغة والمنطق وغيرها.
(د) المعرفة بأحوال
الناس وأعرافهم، وأوضاع العصر ومستجداته،
ومراعاة تغيرها فيما بني على العرف
المعتبر الذي لا يصادم النص.
(ه-) القدرة على
استنباط الأحكام الشرعية من النصوص.
(و) الرجوع إلى أهل
الخبرة في التخصصات المختلفة لتصور
المسألة المسؤول عنها، كالمسائل الطبية
والاقتصادية ونحوها.
ثالثا: الفتوى
الجماعية:
بما أنّ كثيرا من
القضايا المعاصرة هي معقدة ومركبة فإنّ
الوصول إلى معرفتها وإدراك حكمها يقتضي أن
تكون الفتوى جماعية، ولا يتحقق ذلك إلا
بالرجوع إلى هيئات الفتوى ومجالسها
والمجامع الفقهية.
رابعا: الالتزام،
والإلزام بالفتوى:
الأصل في الفتوى
أنها غير ملزمة قضاء، إلا أنها ملزمة
ديانة فلا يسع المسلم مخالفتها إذا قامت
الأدلة الواضحة على صحتها، ويجب على
المؤسسات المالية الإسلامية التقيّد
بفتاوى هيئاتها الشرعية في إطار قرارات
المجامع الفقهية.
خامسا: مَن لا
تؤخذ عنه الفتوى:
(1) لا تؤخذ الفتوى من
غير المتخصصين المستوفين للشروط المذكورة
آنفا.
(2) الفتوى التي تُنشر
في وسائل الإعلام المختلفة كثيرا ما لا
تصلح لغير السائل عنها، إلا إذا كان حال
المطلّع عليها كحال المستفتي، وظرفه
كظرفه.
(3) لا عبرة بالفتاوى
الشاذة المخالفة للنصوص القطعية، وما وقع
الإجماع عليه من الفتاوى.
سادسا: مِن آداب
الإفتاء:
على المفتي أن يكون
مخلصا لله تعالى في فتواه، ذا وقار
وسكينة، عارفا بما حوله من أوضاع، متعففا
ورعا في نفسه، ملتزما بما يفتي به من فعل
وترك، بعيدا عن مواطن الريب، متأنيا في
جوابه عند المتشابهات والمسائل المشكلة،
مشاورا غيره من أهل العلم، مداوما على
القراءة والاطلاع، أمينا على أسرار
الناس، داعيا الله سبحانه أن يوفقه في
فتواه، متوقفا فيما لا يعلم، أو فيما
يحتاج للمراجعة والتثبت.
التوصيات:
(1) يوصي المجمع بدوام
التواصل والتنسيق بين هيئات الفتوى في
العالم الإسلامي للاطلاع على مستجدات
المسائل، وحادثات النوازل.
(2) أن يكون الإفتاء
علما قائما بنفسه، يُدرس في الكليات
والمعاهد الشرعية، ومعاهد إعداد القضاة
والأئمة والخطباء.
(3) أن تقام ندوات بين
الحين والآخر للتعريف بأهمية الفتوى
وحاجة الناس إليها، لمعالجة مستجداتها.
(4) يوصي المجمع
بالاستفادة من قرار المجمع رقم 104(7/11)
الخاص بسُبل الاستفادة من الفتاوى، وخاصة
ما اشتمل عليه من التوصيات التالية:
(أ) الحذر من
الفتاوى التي لا تستند إلى أصل شرعي ولا
تعتمد على أدلة معتبرة شرعا، وإنما تستند
إلى مصلحة موهومة ملغاة شرعا نابعة من
الأهواء والتأثر بالظروف والأحوال
والأعراف المخالفة لمبادئ وأحكام الشريعة
ومقاصدها.
(ب) دعوة القائمين
بالإفتاء من علماء وهيئات ولجان إلى أخذ
قرارات وتوصيات المجامع الفقهية بعين
الاعتبار، سعيا إلى ضبط الفتاوى وتنسيقها
وتوحيدها في العالم الإسلامي.
والله أعلم)) انتهى
قرار المجمع.
وكذلك أولى له
العناية فضيلة الشيخ الدكتور علي جمعة
مفتي مصر فقال: إنه تقدم بمشروع حول تأسيس
جهاز رقابي على القنوات الفضائية يتولى
مراجعة الفتاوى التي تذاع على الناس لمنع
انتشار الفتاوى الشاذة.3
وقد صرحت مصادر
سعودية مطلعة لإسلام أون لاين: أن وزارة
الأوقاف والشؤون الإسلامية بصدد إصدار
نظام رسمي (قانون) بمنع الفتاوى التي
يصدرها غير المتخصصين عبر الفضائيات،
وذلك لكبح جماح ظاهرة فوضى الفتاوى
الشرعية بسبب تجرؤ البعض على إصدار فتاوى
خطيرة.
وقد نبه أيضا إلى
خطورة هذه الفتاوى عدد من العلماء منهم
فضيلة العلامة الشيخ يوسف القرضاوي،
وفضيلة الشيخ عطية صقر، وفضيلة الشيخ
الدكتور صالح بن عبد العزيز آل الشيخ وزير
الأوقاف السعودي، وبينوا أن خطورتها قد
تصل إلى تحريم الحلال، وتحليل الحرام،
وهذا من أعظم الذنوب عند الله تعالى.4
أسباب صدور
مثل هذه الفتاوى
هناك أسباب كثيرة
يمكن أن نذكر بعضها، وهي:
1- حبّ الظهور
والشهرة، وبالتالي ادعاء العلم، وعدم
الاعتراف بالجهل لأي شيء، مع أن العلم
نسبي، حيث يقول الله تعالى (وَفَوْقَ
كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) 5ويقول
تعالى: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ
إِلَّا قَلِيلا) 6ويقول
كذلك في أهمية سؤال أهل الذكر: (فَاسْأَلوا
أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا
تَعْلَمُونَ)، 7حتى الرسول
الكريم صلى الله عليه وسلم حينما سئل عن
الروح، وأهل الكهف، وعن ذي القرنين، لم
يجب، وأراد الله تعالى أن يؤخر الجواب حتى
يكون قدوة في التروي والصبر على الرغم من
أن اليهود والمشركين كانوا له بالمرصاد،
وأنهم جاهزون لاتهامه، فلم يعبأ بهم ولا
باتهاماتهم.
2- الجهل بالضوابط
والشروط الصعبة للفتوى، وبالضوابط
والمبادئ الحاكمة في علم أصول الفقه بشأن
التفسير والتأويل.
3- الهزيمة النفسية
لدى هؤلاء بسبب الضغوط السياسية
والاجتماعية وضغوط أعداء الإسلام من
توجيه الاتهامات الكثيرة للإسلام في
مختلف المجالات، فنجد بعض المفتين يقومون
بليّ أعناق النصوص وتأويلها تأويلا غير
مقبول، للوصول إلى جواب يتفق مع ما يريده
هؤلاء، وقد حدث ذلك في القديم والحديث،
حيث فسر بعضهم الملائكة بمجرد قوة للخير،
والجن بقوة للشر، وهكذا.
الحلول
المقترحة لأزمة الفتاوى المباشرة
1- إيجاد مرجعية
جماعية إما من خلال المجامع الفقهية، أو
المؤتمرات والندوات الفقهية، بحيث يلتزم
المفتون بالقرارات والفتاوى الصادرة
منها، أو على الأقل في نطاق الفتاوى
المباشرة.
وفي هذا الإطار
اقترحت عدة اقتراحات أخرى، فقد اقترح عدد
من الدعاة والعلماء تشكيل مجموعة في كل
بلد لإصدار فتاوى جماعية في كل ما يعرض من
الأسئلة الواردة إليها أو إيجاد دائرة
عالمية لذلك.
وجرى استبيان بين 45
داعية وعالما حول سؤال وجه إليهم: ما رأيك
في تشكيل مجموعة من طلبة العلم تتداول أمر
الفتوى في المشكلات والمعضلات وتجيب
عنها؟ وكان إجمالي المشاركين هو 45، فأجاب
38 بـ (نعم) أي 84.4%، وأجاب 4 بـ (لا) أي 8.9%، ولم
يجب عن السؤال 3 فقط.
وكذلك جرى استبيان
حول السؤال الآتي: (ما رأيك في وجود آلية
إسلامية عالمية مستقلة، تستطلع آراء
العلماء في مختلف الأصقاع حول القضايا
الملحة والنازلة، وتقدم عرضا محايدا
بالآراء المختلفة بموضوعية تامة، لتلخيص
الفتوى من التلوين الذي يحدثه كونها ضمن
إطار سياسي أو مذهبي أو إقليمي محدد؟ وكان
إجمالي المشاركين هو 45، فأجاب 36 بـ (نعم) أي
80.0%، وأجاب 6 بـ (لا) أي 13.3%، ولم يجب عن
السؤال 3 فقط.
إن تشكيل مجموعة من
طلبة العلم تتداول أمر الفتوى في المشكلات
والمعضلات أمر يراه ضروريا الغالبية
العظمى من الدعاة وذلك لأسباب متباينة
منها:
إعطاء قوة أكبر
للفتوى.
-
سد
الباب على استفتاء من لا علم له، ولكثرة
هذه المشكلات المترتبة على ذلك.
-
ضعف
جهات الفتوى الحالية أو عدم قبولها لدى
الكثير من المجتمعات.
-
ولكن
وضع بعض الدعاة شروطا لهذه المجموعة
منها التأهيل العلمي والعقلي، ووجود
ضوابط لهذه المجموعة.
ومن المؤيدين لذلك
أحد الخبراء في التربية حيث قال: (إن ذلك
يؤدي إلى إعداد علماء للمستقبل) وكذلك من
المؤيدين الداعية إبراهيم الناصر، نظرا
لأهمية الفتوى الجماعية، والداعية عبد
الله الجعيثن بحجة كثرة الملاحظات على
الفتاوى ضمن إطار سياسي أو مذهبي أو
إقليمي محدد، وبعدها عن العالمية وفقه
الواقع، والداعية عبد الله الدويش يؤكد
عليها ويرى ضرورتها، وحجته أنها مطلب
شرعي، وفعلها الصحابة رضي الله عنهم
أجمعين، وكذلك نتيجة انتشار القنوات
الفضائية فالحاجة ماسة لها، والداعية
محمد والداعية منصور الأحمد، والداعية
رافل ظافر الذي يرى أن ذلك مهم نظرا للحجر
المفروض على بعض العلماء، بسبب بلدانهم
ومجتمعاتهم، أما الداعية حسن الحميد
فيجيب بأنه مهم، نظرا لأن الرأي الجماعي
أقرب إلى الصواب، وأكثر إقناعا لدى
المتلقي، والداعية سعيد بن ناصر الغامدي،
والداعية حمزة الفعر، والداعية محمد
العبدة، وغيرهم.8
واقترح فضيلة الشيخ
الدكتور علي جمعة مفتي جمهورية مصر
العربية تأسيس جهاز رقابي على القنوات
الفضائية يتولى مراجعة الفتاوى التي تذاع
على الناس لمنع انتشار الفتاوى الشاذة.9
2- عقد مؤتمر أو ندوة
عامة لعلماء المسلمين والإعلاميين
الملتزمين وأصحاب القنوات التي لديها
برامج الفتاوى المباشرة، أو على الأقل
أصحاب القنوات الملتزمة يناقش فيه هذا
الموضوع من خلال دراسات وبحوث واستبيانات
للوصول إلى الحلول الناجعة لهذه المشكلة.
3- طرح ميثاق شرف بين
المتصدرين للفتوى يتضمن أهم القواعد
والضوابط الضرورية للفتوى يلتزم بها
الجميع، وهذا يتطلب وضع مشروع يطرح
للمناقشة للوصول إلى أهم البنود التي يتم
الاتفاق عليها فيما بين العلماء، كما هو
الحال بالنسبة للأطباء، حيث وضع (أمحوتب)
أحد فراعنة مصر القسَم الطبي للأطباء، ثم
جاء (أبقراط) فوضع هو الآخر القسم الطبي،
ثم قام الأطباء المسلمون منذ القرن الرابع
الهجري بوضع ميثاق شرف عظيم للأطباء يتضمن
القسم الطبي، والضوابط والآداب الضرورية
للأطباء جاء فيه: (أقسم بالله ربّ الحياة
والموت... أن معلمي هذه الصنعة لي بمنزلة
آبائي، فأواسيهم في معاشي... وأن أعلم
الآخرين هذه الصنعة إن احتاجوا إلى تعلمها
بغير أجرة ولا شرط... وأن لا أعطي -إذا طلب
مني- دواء قاتلا، ولا أشير بمثل هذه
المشورة... ولا أشق أيضا عمن في مثانته
حجارة لكن أترك هذا إلى من كانت حرفته هذا
العمل... وأن أحافظ على أسرار الناس ولا
أنطق بها).10
فما أحوجنا إلى مثل
هذا الميثاق والقسم، ولا سيما أن علم
الأديان هو النوع الثاني في العلاج،
فالعلم علمان علم الأديان لشفاء ما في
الداخل والنفوس والقلوب، وعلم الأبدان
لعلاج الأبدان وشفائها، فهما في الخطورة
سواء، بل خطورة علم الأديان أكبر من خطورة
علم الأبدان إذا لم توضع له الضوابط
المطلوبة.
4- اشترط بعض الدعاة
كتابة الفتوى، وهذا يعني أن تعرض الأسئلة
على الشخص الذي يتصدى للإفتاء قبل الإجابة
عليها، حتى لو كانت عبر القنوات الفضائية،
وذلك بأن تجمع الأسئلة الواردة سابقا على
المفتي، ويجهز لها الأجوبة المناسبة
كتابيا معتمدا على مكتبته وبقية المصادر
المتاحة له، وعلى المشورة المطلوبة، وأهل
الذكر والتخصص.
وقد رُتب استفتاء
وُزع على 45 داعية وعالما حول السؤال الآتي:
ما رأيك في أهمية إصدار فتاوى مكتوبة في
بعض القضايا التي تهم المسلمين محليا أو
عالميا؟ وكان إجمالي المشاركين هو 45،
فأجاب 38 بـ (نعم) أي 84.4%، وأجاب 3 بـ (لا) أي
6.7%، ولم يجب عن السؤال 4 فقط.11
وقد بين جميع الدعاة
أهمية الفتوى، وأنها شيء لا يتنازع عليه
اثنان، فهي الموجه الأساسي للقطاع العريض
من الأمة، إما أن تكون مسموعة أو مكتوبة (مقروءة)
ولكل واحد أهميتها، وترى الأغلبية العظمى
من الدعاة أهمية الفتوى المكتوبة لتوضيح
الحق للناس، وانتشارها ونفعها، وللتواصل
مع المجتمع الواسع.
لكن يرى بعضهم أنه لا
بدّ أن تكون من جهات موثوقة، وليست فردية،
ولا بد من تمحيصها وتحقيقها، وهذا رأي أحد
الدعاة الذي انتقد الفتاوى الحالية، بسبب
غياب أو قلة الفتاوى المستقلة، أو قصورها
عن تلبية مضامين الأسئلة، أو بعدها عن
مناط السؤال.
5- إصلاح المؤسسات
الرسمية للفتاوى وتقويتها بالعلماء
الثقات ودعمها بالكوادر الفنية، وإعطاء
الحرية والاستقلالية لها لتنال ثقة
الجماهير، وبالتالي تقوم هي بترشيح
العلماء المؤهلين للفتاوى إلى القنوات
الفضائية، أو وضع شروط عامة وضوابط وآداب
يلتزم بها المتصدون للفتاوى.
الضوابط الخاصة
بالفتاوى المباشرة في وسائل الإعلام:
إذا أردنا أن نضبط
هذه الفتاوى فلا بدّ أن تتوافر مجموعة من
الشروط في المفتي، وفي الفتوى، ومنهجية
الفتوى، وفي طبيعة التقديم والعرض على ضوء
ما يأتي:
أولا - شروط
وضوابط وآداب المفتي نفسه، ونرى أن أهمها
ما يأتي:
1) الشروط والآداب
التي سبق ذكرها، وبالأخص أن المفتي على
الهواء يحتاج إلى ما يأتي:
أ - استشعار رقابة
الله تعالى عليه وأنه بين يدي الله تعالى
وأنه الآن يوقع نيابة عن الشرع كما قال ابن
القيم: إعلام الموقعين عن رب العالمين، ثم
يفوض أمره إلى الله تعالى.
ب - كونه موسوعيا على
الطريقة القديمة، وإلاّ فيطلب أن تكون
الحلقة خاصة بموضوع معين قد درسه وفهمه
وله القدرة على الاستنباط أو الترجيح.
2) الفهم العميق
لمقاصد الشريعة، وفقه المصالح والمفاسد،
وفقه الميزان والأوزان والموازنات.
3) أن لا يقبل بالحلقة
العامة التي يسأل فيها عن كل شيء، وإذا قبل
فعليه إذا استشكل عليه الأمر فليقل (لا
أدري) أو يقول: يؤجل الجواب عنه إلى حلقة
أخرى أو إلى عالم آخر، وكم سمعت من فضيلة
الشيخ حسن عبد الظاهر على الهواء مباشرة
إذا سئل عن موضوع خاص بالبنوك الإسلامية
قال: عليكم بفلان، وحتى شيخنا العلامة
القرضاوي لم أره يستعجل في الجواب، بل في
بعض الأحيان يحيل إلى المتخصصين.
4) أن تكون لديه
الملكة الفقهية القادرة على المناورة
والفهم وحسن التخلص، والإجابة المناسبة،
بحيث يكون واعيا لعدم استغلاله لصالح جهة
معينة.
5) أن يكون لديه علم
بأعراف البلد الذي ينتمي إليه السائل،
وإلاّ فيتوقف فيه، أو يحيله على علماء أهل
البلد نفسه.
6) أن يتسم بالشجاعة
وحسن الاستدلال، والصدع بالحق، فلا يخاف
في الله لومة لائم، حيث إن استدلاله على
الفتوى بأدلة قوية يجعل الناس يثقون
بفتواه فيقبلونها.
ثانيا - موضوع
الفتوى:
يجب أن يكون موضوع
الفتوى تتوافر فيه الضوابط الآتية:
1) أن لا يكون من
القضايا المصيرية للأمة، وإلاّ فيعتمد
فيها على ما صدر من قرارات وفتاوى صادرة من
المجامع الفقهية أو من كبار الفقهاء.
2) أن لا يكون له
خصوصية تخفى على المفتي.
3) أن لا يكون من
القضايا التي يتنازع طرف آخر غير السائل،
فالنزاعات لا يمكن حلها عبر الهواء، وإنما
تحل من خلال القضاء أو الصلح، بل الإجابة
فيها قد تزيد الطين بلة.
4) أن لا تكون من
القضايا التي يُحتاج فيها إلى تفصيل كبير
مثل أن يرد السؤال بلفظ: هل حلال نقل
الأعضاء؟.
5) أن لا يكون من
الموضوعات الفرضية، وبعبارة أخرى ينبغي
للمفتي أن لا يجيب في الفتاوى المباشرة
على أشياء لم تتحقق بعد، بل ينبغي أن تكون
إجابته على أشياء واقعية محددة.
ثالثا - منهجية
الفتوى:
لا بدّ أن تقوم
منهجية الفتوى على ما يأتي:
1) منهج الوسطية
القائمة على الاعتدال.
2) منهج التيسير ورفع
الحرج ما أمكنه إلى ذلك سبيلا حيث ما
خُيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين
أمرين إلاّ أخذ بأيسرهما ما لم يكن إثما
وهذا يقتضي مراعاة ظروف الفرد والمجتمع،
والأخذ بالتدرج واليسر والرفق.
رابعا - طبيعة
العرض والتقديم:
فعلى المفتي أن يكون
حذرا في مسألة العرض والتقديم فيكون
منتبها لا تجرّ رجله إلى ما لا يعنيه ولا
يعني السائل أيضا، وكذلك ينبغي في البرامج
الخاصة بالفتاوى الشرعية أن يكون المقدم
للبرنامج ملتزما بالضوابط الشرعية، وإن
كانت امرأة فعليها أن تكون ملتزمة باللباس
الشرعي، وإلاّ حدث من أول وهلة تناقض خطير
أمام المشاهدين.
|