بريدك الالكتروني


English

 

الخميس  10 ذى القعدة 1427هـ - 30/11/2006م

ثقافة وفكر » الإسلام وقضايا العصر » شرعي
أرسل لصديق
 
روابط من إسلام أون لاين

 

الحجاب الإسلامي بين الشرع والقانون

محمد حسين فضل الله**

لا تزال مسألة الحجاب الإسلامي تتحرك في أوروبا حيث يدور جدل حول قانون يهدف إلى منع المسلمات من ارتدائه في المدارس، لكونه تعبيرا عن رمز ديني لا ينسجم مع الاتجاه العلماني، وقد أثار منع ارتداء الحجاب -قانونيا في فرنسا- الكثيرَ من الجدل الثقافي والسياسي.

وقد امتدت هذه الحالة السلبية إلى بعض البلاد الإسلامية المتغرّبة، وكانت تركيا التي تدين بالنظام العلماني أول دولة ذات أكثرية مسلمة طاغية تمنع الفتيات المسلمات المحجبات من دخول المدارس الرسمية والجامعات والمؤسسات الحكومية بما في ذلك البرلمان التركي، في وضع معقد من الناحيتين السياسية والاجتماعية، تحت تأثير الخوف من هذه الظاهرة الإسلامية على سلامة النظام العلماني.

وقد أثيرت المسألة أخيرا في تونس بشكل حاد، ومن المثير أن تبرير هذا المنع وطنيا أُرجع إلى كون الحجاب ظاهرة مستوردة أو حالة طائفية لا علاقة لها بالإسلام من قريب أو بعيد.

وأمام ذلك نسجل هذه الملاحظات:

أولا: إن هذا الاتجاه السلبي ضد الحجاب يمثل نوعا من أنواع الاضطهاد الإنساني للمرأة المسلمة الملتزمة بالحجاب، وتقييدا للحريات العامة والخاصة في الحق الذي يملكه الإنسان في اختيار اللباس الذي يلبسه لا سيما إذا كانت بعض خصوصياته تمثل التزاما دينيا لا يملك المسلم في التزامه الشرعي أن يتجاوزه، والحجاب في الإسلام يمثل حكما شرعيا إلزاميا لا بد للمسلمة من التقيّد به.

ثانيا: إن إثارة مسألة الحجاب على أساس كونه تعبيرا عن رمز ديني، في الوقت الذي لا نجد مثل هذه الشدّة في إثارة الجدل بالنسبة إلى الرموز الدينية الأخرى، يوحي بأن هناك عقدة مستعصية لدى الغربيين ضد الإسلام في التزام المسلمات المقيمات في أوروبا لا سيما بعد انتشار الحساسية ضد الإسلام كنتيجة لإثارة التهمة بالاتجاه الإرهابي للدين الإسلامي وللمسلمين، الأمر الذي جعل المسلمات المحجبات يشعرن بالخوف والحرج من ارتداء الحجاب الذي يوحي بصفتهن الدينية الإسلامية، وهو ما قد يعرّضهن في بعض البلدان أو المجتمعات للاعتداء المادي والمعنوي.

ثالثا: إن الحديث عن اعتبار الحجاب ظاهرة مستوردة يدل على جهلٍ بالشريعة والتاريخ، لأن الحجاب كان منذ الدعوة الإسلامية في المدينة النبوية، حيث كانت المسلمات يؤكدن في سلوكهن الشرعي الالتزام به منذ نزلت آية الحجاب، واستمرت المسيرة الإسلامية في كل بلاد المسلمين على ذلك النهج، ثم ما معنى اعتباره حالة طائفية، في الوقت الذي يعرف الجميع بأنه حالة إسلامية عامة، لم يستوردها المسلمون من الآخرين؟! وإذا كانت بعض الشعوب غير الإسلامية تلتزم به كتقليد من تقاليدها الشعبية أو الدينية فليس ذلك منطلقا من أصالتها في السير عليه، ليكون الالتزام به شرعا فرعا منها.

رابعا: إن مسألة الحجاب ليست من مسائل مسئولية الدولة في نظامها الاجتماعي، بل هي مسألة شخصية تتصل بحرية الإنسان فيما يختاره في لباسه، تماما كالحريات الخاصة. ومن الطريف أن بعض المسئولين في هذه الدولة أو تلك يتحدث عن الاحتشام في اللباس، ولكنه لا يمنع اللاتي لا يلتزمن به في أكثر من موقع اجتماعي أو سياحي، ما يوحي بأن القضية ليست قضية توجيه قانوني اجتماعي للحفاظ على المسألة الأخلاقية، بل هي تقليد غربي مستورد من المفاهيم الغربية في طريقة الحياة لإثبات حال التحرر من التقاليد الإسلامية، ليحصلوا على تأييد الغربيين لهم.

خامسا: إذا كانت الحيثية التي تختفي وراء قانون منع الحجاب في المدارس هي الانطباع السيئ الذي تتركه المرأة المحجبة في نفوس الطلاب، فإن ذلك لا يرتكز على أساس نفسي، لأن من الممكن أن يقول الملتزمون بأن نزع الحجاب قد يترك انطباعا سلبيا في نفوسهم. هذا، فضلا عن أن هذه المسألة لا تقتصر على مقاعد الدراسة، بل تمتد إلى كل مواقع المجتمع المختلط الذي يمارس فيه الناس حرياتهم العامة التي قد تؤدي إلى اعتيادهم على هذا التنوّع الذي يمثل مظهرا حضاريا، تماما كما هي الأزياء المتنوعة للشعوب.

سادسا: إن منع الفتيات المحجبات من دخول المدارس والجامعات يتنافى مع قانون الحريات، ومع الديمقراطية، ويحرم الكثير من الملتزمات من متابعة التقدم في مراحل الدراسة إذا لم تكن لديهن الظروف الملائمة للدخول في المدارس الإسلامية الخاصة، ما يمثل اضطهادا تربويا بعيدا عن القيمة الإنسانية.

سابعا: إن التنوع الديني في حركة الحريات العامة في المجتمع المتنوع يشمل حالا حضارية تتنوع في مواقعها وممارساتها، وتؤكد التعايش بين مختلف الحضارات، وتوحي بالتعارف الثقافي في الانفتاح على الحوار بين الديانات، في ما قد تثيره التنوعات من التطلع إلى المعرفة لهذا الاتجاه الديني أو ذاك، ما قد يدفع المجتمع إلى التعرّف على ثقافة هذا الدين أو ذاك.

ولعل من اللافت أن مسألة منع الحجاب لم تأخذ مسارها في الولايات المتحدة الأمريكية التي تؤكد على الحريات الخاصة احتراما لإنسانية الملتزمين دينيا، لأنه ليـس ثمة عـقدة تاريخية للشعب هناك ضد الإسلام، بينما قد يختـزن الأوروبـيـون هذه العقدة في ثقافتهم، ما يجعل من تبعهم من المسئولين في البلاد الإسلامية يتشبهون بهم للحصول على شهادات الغرب بأنهم حضاريون يأخذون بأسباب المدنية الغربية، في الوقت الذي يمارسون اضطهاد الشعب في حرياته السياسية وحقوقه المدنية.

ثامنا: إننا نعتقد أن إطلاق حرية الحجاب الإسلامي -بستر الجسد وإظهار الوجه والكفين- لا يمنع المرأة من حركتها في المجتمع، في الوقت الذي تبرز المرأة المسلمة الملتزمة كإنسانٍ يوحي بالجانب الإنساني في شخصيتها لا بالجانب الأنثوي المثير للغرائز، ولكنه لا يمنعها من ممارسة أنوثتها في البيت الزوجي، أو في المجتمع النسائي حيث لا يخلق أي نوع من الإثارة.

تاسعا: إن من اللافت أن يحتج قادة الاضطهاد للمرأة الملتزمة بأن حريتها في دخول المدارس والجامعات والمؤسسات الرسمية تتنافى مع النظام العلماني، وهي حجة غير دقيقة، لأن النظام العلماني لا يقوم على طريقة الطلاب في الالتزام الديني، ولا سيما أن العلمانية لا تضطهد الحريات الدينية، بل تقتصر على عدم اعتبار الدين قاعدة للحكم وللقانون في الدولة. ثم إن مسألة الالتزام بالحجاب في الممارسات العامة للناس أكثر خطورة من الالتزام في الجانب التربوي.

عاشرا: إن قوانين منع الحجاب للطالبات الملتزمات في المدارس يمثل اضطهادا عنصريا للناس لا يلتقي بالديمقراطية من قريب أو بعيد، ويخلق حالا سياسية ضد النظام العلماني لدى الناس.

أخيرا: إننا ننصح البلدان الإسلامية أن تلغي هذا القانون اللاإنساني المتعسف، وأن تتجه إلى رفع المستوى الثقافي الحضاري للناس، وتنفتح على القيم الإسلامية الإنسانية التي ترتكز على الخط الأخلاقي الذي يرتفع بالإنسان إلى المضمون الروحي الذي يتعارف فيه الإنسان بالإنسان المختلف على أساس التعارف والتواصل والانفتاح.

كما نريد للدول الأوروبية التي قد تتحرك فيها هذه الدعوات السلبية ضد الحجاب المعتد أن تبتعد عن هذا النهج اللاإنساني ضد المسلمات الملتزمات انطلاقا من الإيمان بالحريات العامة التي ارتضاها الغرب لنظامه، إضافة إلى أن المسلمين أصبحوا يمثلون جالية كبرى كجزء من هذا المجتمع الأوروبي أو ذاك، حتى لا يستغل الآخرون مثل هذا التعقيد الخاص لإيجاد بعض الحالات السلبية التي لا تنفع المجتمع في أي شأن من شئونه.

إننا ندعو إلى حوار حضاري يتفهم فيه أصحاب الديانات المختلفة والحضارات المتنوعة وجهات النظر الثقافية للخلفيات الكامنة وراء هذا الالتزام أو ذاك، وفي نطاق هذه الشرعية أو تلك، فذلك هو الذي يحقق للمجتمع كله السلام الروحي والثقافي والاجتماعي.


** أحد مراجع الشيعة – لبنان والمقال سبق نشره بجريدة الحياة اللندنية.

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع