بريدك الالكتروني


English

 

الخميس  28 شعبان 1427 هـ - 21/09/2006 م

ثقافة وفكر » الإسلام وقضايا العصر » شرعي
أرسل لصديق
 
 
 

 

"رؤية العالم" عند الإسلاميين

فتحي ملكاوي**

من هم الإسلاميون؟

مَن هم الإسلاميون في سياق هذا الحديث؟ وما المقصود برؤية العالم؟ وما رؤية العالم عند الإسلاميين؟.

من الطريف أن مصطلح "الإسلاميون Islamists" كان يطلق إلى عهد قريب -في الأدبيات الغربية- على المتخصصين في دراسة الإسلام والدراسات الإسلامية في الجامعات ومراكز البحوث التي ورثت أعمال المستشرقين. وكانت الكتب والموسوعات والمجلات الدورية الفصلية والحوليات هي المنتدى الذي يتحاور فيه هؤلاء الباحثون المنقطعون إلى البحث والدراسة بدوافع الاهتمام الشخصي أو بتشجيع رسمي من الجهات التي يمكنها أن تستثمر جهود هؤلاء في تعزيز المطامح الاستعمارية في البلاد الإسلامية. ولا يزال هذا المعنى لمصطلح الإسلاميين يستعمل ولو على نطاق ضيق.

ويطلب إلى هؤلاء الإسلاميين -في الغالب- أن يحللوا الأحداث والأخبار والقضايا ذات العلاقة بالإسلام والمسلمين، وقد بزر الاهتمام الكبير بهم في السنوات الأخيرة، في سياق الجدل حول ما سمي بالإرهاب الإسلامي، وخاصة بعد أحداث أيلول 2001 في أمريكا، حتى أصبح لهم حضور كبير في الصحافة والإعلام اليومي، وخاصة في البرامج الإذاعية والتلفزيونية. ومن هؤلاء شخصيات أكاديمية تتحدث عن الإسلام بمنهجية وصفية موضوعية، من أمثال جون أسبوزيتو وأيفون حداد الأستاذين في جامعة جورجتاون الأمريكية، وكرين أرمسترونج الأستاذة في الجامعات البريطانية. ومن هؤلاء أيضا شخصيات تتحدث عن الإسلام والمسلمين بمنهجية نقضية وروح عدائية، من أمثال دانيال بايبس وستيف أمرسون ومارتن كريمر وبرنارد لويس.

إلا أن الاستعمال الأكثر شيوعا للمصطلح في الأدبيات المعاصرة -المحلية والعالمية- أخذ ينتقل إلى وصف فئات محددة من المسلمين. فالإسلاميون الآن هم أفراد ينتمون إلى حركات وتنظيمات إسلامية حركية إصلاحية تستهدف النهوض بالمجتمعات الإسلامية، ومنهم أفراد مسلمون يمارسون بعض مهام الدعوة الإسلامية دون أن يكونوا ضمن حركات وتنظيمات، إما بحكم المهنة، ومن هؤلاء معلمون وأئمة مساجد ووعاظ، أو من قبيل العمل التطوعي، لكن يجمعهم الاهتمام بالدعوة الإسلامية والتبليغ بطرق مختلفة تشمل التعليم في المدارس والوعظ والخطابة والتدريس في المساجد، أو تأليف الكتب ونشر المقالات في الصحف والمجلات، أو إلقاء المحاضرات في الندوات والمؤتمرات وغيرها، أو يمارسون عمليات معارضة سياسية مسلحة من خلال تنظيمات سرية محلية أو إقليمية أو عالمية.

وكمثال على هؤلاء الإسلاميين أتباع حركات الإخوان المسلمين في البلاد العربية، والجماعة الإسلامية في القارة الهندية، والأحزاب المماثلة في بعض البلدان الأخرى، مثل حزب العدالة والتنمية في تركيا والحزب الإسلامي PAS في ماليزيا، وما يرتبط بهذه الحركات وأمثالها في المؤسسات الإسلامية النشطة في مواقع الجاليات المسلمة في البلدان الأوروبية والأمريكية، وغيرها.

مفهوم رؤية العالم

لكل فرد من بني البشر رؤية للعالم، سواء أدرك ذلك أم لم يدرك، كل فرد له افتراضات وصور وتحيزات تؤثر على الطريقة التي يرى فيها الوجود والحياة. لكن هذه الافتراضات تتصف بقدر من الثبات والتماسك، وليس بالضرورة أن تكون صحيحة. وتشبه رؤية العالم النظارات التي تؤثر على الطريقة التي يرى فيها الفرد الأشياء من حوله. وتتشكل رؤية العالم نتيجة التعليم والتنشئة والثقافة التي يعيشها الفرد، ويتم هذا التشكل بطريقة تدريجية بطيئة تشبه عملية الامتصاص الأسموزي، وكثير من الناس لا يفكرون في الكيفية التي تتشكل فيها معتقداتهم ولا يملكون القدرة على الدفاع عنها بطريقة عقلانية. ولكن ذلك لا يعني أن رؤية العالم تبقى ثابتة بصورة مطلقة رغم التغيرات العميقة التي تدخل حياة الناس على المستوى المحلي والعالمي. فالعولمة في تمثلاتها السياسية والاقتصادية والإعلامية، أخذت -في العقدين الأخيرين- تؤثر بالفعل في رؤية العالم عند كثير من الناس، ومن ثم في طريقة فهمهم وسلوكهم.

والوظيفة الأساسية لرؤية العالم عند الفرد هي وظيفة تفسيرية، فبها يفهم العالم ويفسر أحداثه وظواهره، وبها يفهم لماذا يفكر ويسلك بالطريقة التي يفكر بها أو يسلكها. ورؤى العالم المتنافسة كثيرًا ما تتصادم وتكون الأساس فيما يكون بين الأفراد والأمم من اختلافات وخصومات، وقد تقتصر هذه الخصومات على مماحكات لفظية، أو تتحول إلى معارك دموية؛ لذلك من المهم أن نعرف أن رؤى العالم هي سبب في خلافات الناس. ورؤية العالم سيف ذو حدين فقد تكون مثل النظارات غير الملائمة التي تسبب الغبش وتمنع من يستعملها من الرؤية الصحيحة للأمور، أو قد تكون سببا في الرؤية السليمة الواضحة.

ومن المفيد أن يستخدم الإسلاميون رؤية العالم بوصفها وحدة تحليل للأفكار والمواقف والأشخاص والمؤسسات، ليتمكنوا من فهم رؤى العالم عند الآخرين. وقد يكون أكثر فائدة أيضا أن يوضحوا للآخرين رؤيتهم للعالم بصورة تتجاوز ما يتهمون به من العمل في المساحات الرمادية!.

وقد أخذ مصطلح "رؤية العالم" يحتل موقعا يتزايد حجما وأهمية في لغة الخطاب المعاصر. والمعروف أن هذا المصطلح تطور أساسا في لغة الفلسفة والدين، ولكنه انتقل إلى ميادين الأدب والنقد، ولغة السياسة والعلاقات الدولية والصحافة والإعلام. ويستطيع المرء هذه الأيام أن يكشف عن مدى شيوع استعمال مصطلح معين في اللغة المعاصرة، من البحث عنه في الشبكة العنكبوتية العالمية (الإنترنت). فعند البحث عن مصطلح "رؤية العالم" بالعربية بكلمتيه المقرونتين معا، عن طريق أحد المحركات في الشبكة (جوجل: google مثلاً) فإننا نجده في مواقع عديدة تقترب من الألف موقع، ولكن لا تزال تنافسه في الاستعمال مصطلحات أخرى مثل "الرؤية الكونية"، و"الرؤية الكلية" وغيرها. ولكن المصطلح المقابل في اللغة الإنجليزية يرد في كلمة واحدة "worldview" ونجده في حوالي خمسة عشر مليونًا من المواقع.

ومما يلفت الانتباه أن مصطلح "رؤية العالم الإسلامية" باللغة الإنجليزية "Islamic worldview" يرد في حوالي أربعة وعشرين ألف موقع، في حين أن المصطلح بالعربية "رؤية العالم الإسلامية" يرد في أقل من عشرين موقعًا فقط. ويلزم هنا التعامل بحذر مع هذه الأرقام؛ لأنها لا تكشف بالضرورة عن حالات تكرار الاستعمال، وإنما تكشف عما يصل إلى الإنترنت وينشر فيها؛ فالمادة التي تنشر على هذه الشبكة بالعربية لا تزال قليلة جدا بالمقارنة بما ينشر باللغات الأخرى.

ورؤية العالم عند الإسلامي هي أساسا رؤيته لنفسه، وعلى أساس هذه الرؤية تتحدد رويته لغيره. وهذه الرؤية تتخلل رؤيته للفرد الآخر سواء الإسلامي الملتزم في تنظيم آخر، أو المسلم غير الملتزم بأي تنظيم من تنظيمات الإسلاميين، فضلاً عن غير المسلم، من أهل الكتاب أو من غيرهم. وتتخلل هذه الرؤيةُ رؤيتَه للمذاهب الفقهية، والمدارس الفكرية، والتنظيمات الحزبية، والمؤسسات الاجتماعية؛ فكل منها شيء آخر يراه مختلفا عنه.

وتمتد دلالة رؤية العالم بين الحدين الوصفي والمعياري. ذلك أن الحديث عن رؤية العالم هو حديث عما يمتلكه الفرد الإنساني أو الجماعة من إدراك ووعي وفهم، وليس عن شيء آخر لا يتمثل في الإدراك الإنساني. فالذين يميزون بين رؤية معينة واقعية يمتلكها الفرد بالفعل أو تمتلكها الجماعة بالفعل، وبين رؤية أخرى في صورة نظرة مثالية، إنما يتحدثون في واقع الأمر عن فهمهم الفعلي لتلك الرؤية المثالية وهي في نهاية المطاف رؤية بشرية.

وربما يعتمد الإنسان في تشكيل رؤيته على مصدر رباني علوي، كما يعتمد في إيمانه بقضية من القضايا على آية قرآنية. لكن الدلالة الكاملة والمطلقة لهذه الآية شيء والفهم البشري لها شيء آخر. ويجتهد الإنسان في العادة في فهم مراد الله سبحانه من الآية بالاعتماد على سياق الآية ومناسبة نزولها وعلى الآيات القرآنية الأخرى ذات العلاقة بها، وعلى ما قد يكون قد ورد من أحاديث نبوية حول موضوعها، وما اجتهد المفسرون في بيان دلالة هذه الآية قديما وحديثا. وثمة إمكانية واضحة في أنهم تفاوتوا في مدى الاقتراب من معناها حسب القدر الذي يتفضّل الله به على أي منهم. ولا شك في أن كل مفسر من هؤلاء كان يأخذ بالاعتبار التفسيرات السابقة، ويوظف كذلك خبرة عصره ومستجدات بيئته، وفي ضوء ذلك قد يفتح الله به عليه من المعاني ما لم يخطر على بال أحد من المفسرين من قبل. ومع كل ذلك فإن المعاني والدلالات التي يأتي بها المفسرون تبقى باستمرار فهما بشريا، ويبقى مراد الله سبحانه شيئا آخر، ومصدرا لمعانٍ ودلالات أخرى يفتح الله بها على أناس آخرين.

وقد اتجه الباحثون المسلمون الذين كتبوا في قضية "رؤية العالم" اتجاهات مختلفة؛ فمنهم من غلب على اهتمامه الجانب السياسي، فلاحظ آثار الرؤية الانقسامية للعالم إلى دار إسلام ودار حرب، على توجهات بعض الفئات الإسلامية تجاه غير المسلمين، ومنهم من حاول أن يدرس قضايا العولمة والنظام العالمي والإرهاب في إطار "رؤية العالم" في الإسلام وأبعاده الكونية والعالمية، ومنهم من حاول مقاربة التجديد الحضاري الإسلامي المعاصر من خلال الرؤية الكونية الإسلامية، وهكذا.

ولا أعلم إذا كان موضوع "رؤية العالم" قد بحث من الجانب التربوي والنفسي، من حيث أثر التنشئة الأسرية والاجتماعية، وأثر المناهج التربوية النظامية، والتربية غير النظامية، والمناهج الخفية، وبرامج التربية الموازية، وغيرها من البرامج والأساليب التي تسهم في التكوين الفكري والنفسي للفرد. ولما كان المقام هو الحديث عن رؤية الإسلاميين للعالم، فإن برامج التكوين والتربية الفكرية والتنظيمية في داخل الحركات الإسلامية يصبح أيضا في بؤرة الاهتمام.

رؤية العالم والتعليم الديني

قد يكمن السبب المباشر في ربط موضوع "رؤية العالم" بالتعليم الديني الإسلامي في هذه الأيام وكثرة الحديث عنه في أحداث الحادي عشر من أيلول عام 2001م في الولايات المتحدة الأمريكية، وما تبعها من أحداث إرهابية في إسبانيا وبريطانيا وعدد من البلدان العربية والإسلامية؛ فهذه الأحداث كانت تُنسب دائما إلى متطرفين مسلمين يملكون رؤية خاصة للعالم، والافتراض هنا أن التعليم الديني هو سبب التطرف.

وقد مارست الدول الغربية على الدول العربية والإسلامية -بناءً على هذا الافتراض- ضغوطا شديدة لمراجعة مناهج التعليم الديني وتعديلها، بهدف حذف ما قد يكون سببا في توليد الكراهية للآخرين، وأساسا لثقافة العنف، وإضافة ما قد يكون معينا على قبول الآخرين وأساسا لثقافة السلام. وقد وجدت هذه الضغوط لدى بعض الدول العربية والإسلامية استجابة فورية، بينما استجابت دول أخرى مع شيء من التلكؤ، ووجدت فئة ثالثة من الدول في هذه الضغوط فرصة سانحة، كانت تتمناها لتبرير مزيد من الحد من أثر التعليم الديني؛ لأن هذه الدول كانت تُمارس هذا الحد على أية حال. وكانت لجان مراجعة المناهج في بعض الأحيان، لجانا أجنبية، قدمت في إحدى الحالات للحكومة المعنية توصياتها بتخفيض الحصص الدراسية المخصصة للتربية الإسلامية وزيادة حصص اللغة الإنجليزية!.

وقد طالت الحملة المكثفة على برامج التعليم والتوجيه الديني في المدارس والجامعات الخاصة بالجاليات الإسلامية في الغرب نفسه.

وأكثر الجدل الذي يدور حول موضوع التعليم الديني الإسلامي يتحدث عن ظاهرة الإرهاب وقضاياها المعاصرة، ولكن مواقف المشاركين في الجدل تختلف كثيرًا. فمنهم من يركز اهتمامه على ظاهرة الإرهاب نفسها نافيا أن تكون ظاهرة إسلامية، ومشيرًا إلى إرهاب السلطات الحاكمة للمعارضة في مجتمعاتها، وإرهاب الدول الكبرى للدول التي تعتبرها مارقة ومقاومة لنفوذها، وإرهاب الجماعات الدينية والقومية والإيديولوجية في اليابان وإيطاليا وأسبانيا وأيرلندا الشمالية والهند... إلخ. ومنها ما يؤكد أهمية التمييز بين ما يسمى الإرهاب، والحقوق المشروعة للشعوب والجماعات المضطهدة في الدفاع عن نفسها، ومنها ما يؤكد أن الإرهاب ليس ظاهرة دينية بالضرورة، عندما يُدخِلون في مفهوم الإرهاب ممارسات العنف التي يقوم بها تجار السلاح والمخدرات والجماعات التي تقوم على الجريمة المنظمة في كثير من بلدان العالم.

ولذلك فإن من المطلوب تحرير مسألة التعليم الديني عموما والتعليم الديني الإسلامي على وجه الخصوص، لفهم جذور هذه المسألة وتمثلاتها في الواقع المعاصر، بعيدا عن قضية الإرهاب وممارسات العنف، ومشاعر الكراهية، أيا كانت أسبابها.

ولا يجوز أن ننكر أن مؤسسات التعليم الديني في بلاد المسلمين، وخاصة غير العربية، تحتاج إلى كثير من المراجعة والتجديد والتطوير، وهو أمر طبيعي تتطلبه طبيعة العمل التربوي والتعليمي، فبعض مناهج هذا التعليم تحتوي على جرعات كبيرة من نصوص تراثية، تحتاج إلى إعادة عرض وتجديد لترتبط بقضايا العصر، ويدرك الطلبة قيمة تعلمها. وبعض هذه المناهج تخلو من علوم العصر، وفقه الواقع، ومهارات الحياة المنتجة التي يحتاج إليها المجتمع المعاصر. وبعض الأساليب المستخدمة في هذا التعليم، أساليب بالية تنفر العقل، وتبلد الإحساس، وتولد الكسل الذهني، والخور النفسي، وتقتل العزة والكرامة. ومع ذلك يأتي اليوم من يتهم هذا النوع من التعليم بأنه يولد الكراهية والعنف والإرهاب.

ومن الطريف ملاحظة أن الكثير من القيادات والرموز الفكرية السياسية في الحركات الإسلامية ليست نتاج التعليم الديني النظامي. فمرشدو الإخوان المسلمين في مصر السبعة ليس من بينهم من تخرج في الأزهر، وأعضاء مكتب الإرشاد الحالي الاثنا عشر المعرف بهم في موقع "إخوان أون لاين" ليس من بينهم إلا شخص واحد يحمل شهادة من الأزهر في أصول الدين واللغة العربية، في حين أن ثلاثة منهم أطباء واثنين أساتذة في الهندسة، وثلاثة أساتذة في العلوم الطبيعية، ويتوزع الباقون على تخصصات الخدمة الاجتماعية والحقوق، بينما يحمل المرشد الحالي شهادة في التربية الرياضية.

وسيكون من المفيد حصر تخصصات قيادات الحركات الإسلامية في البلدان الأخرى والوصول إلى بعض الاستنتاجات. ولكن من الواضح أن ما يسمى بالأصولية الدينية في الدائرة الإسلامية من شخصيات وحركات وتنظيمات لم تكن نتاجا للتعليم الديني؛ فأبو الأعلى المودودي وحسن البنا وسيد قطب ليسوا من خريجي المدارس الدينية، بل إن مبررات قيام كثير من الحركات الإسلامية الاعتراض على التعليم الديني التقليدي.

ولقد كان يذكر من المفارقات في علاقة الحركات الإسلامية بالتعليم الديني أن النشاط الحركي الإسلامي لطلبة كليات الطب والهندسة والعلوم في كثير من الأحيان كان أشد ظهورًا وأعمق أثرًا من زملائهم في كليات الشريعة، وأن الحركة الطلابية الإسلامية في السودان كانت أضعف ما تكون في جامعة أم درمان الإسلامية! وأن ما يسمى بظاهرة الأصولية الإسلامية لم تكن على الأقل منذ منتصف القرن العشرين وحتى الآن مرتبطة ارتباطا طرديا بالتعليم الديني ومؤسساته التقليدية في المدارس أو الجامعات. ومن المعروف أيضا أن التسعة عشر رجلاً الذين اعتبروا خاطفي الطائرات في أحداث الحادي عشر من أيلول سنة 2001 في أمريكا، لم يتخرجوا في مؤسسات التعليم الديني، ومن ثم لم يتمكن مؤلف كتاب "الجنود المثاليون" أن ينسب أسباب تطرفهم إلى مناهج التعليم الديني، بل على العكس من ذلك ذكر أن دراساتهم كانت في غير مجال الدين.

ولذلك فإن استهداف مؤسسات التعليم الديني أو مناهج التعليم الديني بالحصار أو التطوير تحت ضغوط "الحرب على الإرهاب ومقاومة التطرف" لن يؤدي إلا إلى نتائج عكسية، وربما يطور صورًا لمقاومة هذه الضغوط وإفشال أثرها عن طريق الآليات المعروفة في علوم التربية بالمناهج الخفية في أحسن الأحوال، أو يكرس التشدد والتطرف الديني، ويفشل جهود الإصلاح والتجديد المخلصة -والمطلوبة لأسباب ذاتية وموضوعية محلية- في أسوأ الأحوال.

والتعليم في بلاد المسلمين -في مجمله، في مؤسسات التعليم العام وفي الجامعات- يمرّ في أزمات متعددة، ذلك أن كلفته أخذت تتضاعف، في حين أخذت الحكومات تقلل من التزامها تجاه هذه الكلفة المتزايدة، وأخذت تتيح مجالات أوسع للاستثمار التجاري، وللمؤسسات الأجنبية لدخول ميدان التعليم؛ وهو ما أحدث تشويشًا في فلسفة التعليم وأهدافه، وغاب عنه البعد التربوي الذي يستهدف صياغة شخصية الإنسان المؤمن بربه، الواثق بنفسه والمنتمي لأمته ووطنه. والتعليم العام في بلاد المسلمين لا يقل حاجة عن التعليم الديني إلى التحديث والتطوير، وتوظيف الأساليب الحديثة المتاحة.

رؤية العالم والانتساب للحركات الإسلامية

يتشرب المنتسبون للحركات الإسلامية عناصر رؤيتهم لأنفسهم وغيرهم بطريقة تدريجية، تتزايد عمقًا وسعة مع الوقت، وتكون أكثر تأثيرًا إذا جرى الانتساب في مرحلة مبكرة من العمر. وتتم عملية التزود بهذه العناصر عن طريق تعليمات التكوين والتأطير التنظيمي، والمناهج الدراسية التربوية والحركية التي تتدارسها مجموعات التنظيم. وتعمل الأهداف المعلنة للحركة الإسلامية على رسم الحدود العامة لرؤية العالم. فهذه الأهداف تحدد رؤية الحركة للمجتمع الذي تهدف إلى بنائه، وطبيعة المبادئ التي تحكم علاقات الأفراد والفئات المختلفة في هذا المجتمع وعلاقة المجتمع بغيره.

إنّ مجرد الانتساب للحركات الإسلامية، وعمق الصلات "الإخوانية" الحميمة التي تبنى بين أفراد الحركة وأسرهم، وقراءات التزكية النفسية، وكتائب التربية الروحية، والعبادات الجماعية، تولد أنسًا وألفة بين الأفراد، يجعل الفرد يحرص على البقاء في هذه الأجواء الطهورية، بعيدًا عن أية أجواء أخرى حتى ما تتطلبه علاقات القربى والأرحام.

ومع ما يبدو في هذه الأجواء من فضائل، فإنها تحدث أثرًا سلبيا في رؤية الأفراد للآخر خارج الحركة، تجعلهم يتجنبون الصلة بالمجتمع الذي يفترض أن يعملوا على إصلاحه، وتصبح واجبات العمل التنظيمي الداخلي عندهم أكثر جاذبية من العمل العام ونشر الدعوة ونضال الخصوم والمخالفين ومحاججتهم في المجتمع المحلي. وإذا كانت هذه الصورة تعرض في هذا السياق بوصفها مشكلة من مشكلات العمل التنظيمي، فإنه يمكن التهوين من شأنها بالتأكيد على أن بعض الأفراد يميلون إلى ممارسة النشاط الداخلي، وآخرين يميلون إلى ممارسة النشاط في المجال العام، وكل ميسر لما خلق له، وتصبح المسألة مسألة إدارة حكيمة للموارد البشرية ووضع الفرد المناسب في العمل المناسب. لكن المشكلة تظهر في ضعف إمكانيات التكيف مع المواقف التي تمر بها الحركة ومتطلبات السلوك والنشاط الدعوي في المراحل المختلفة، ومتطلبات التوازن في شخصية الداعية، فضلاً عن انعكاس هذا التفاوت في الاستعداد عند أفراد الحركة على رؤية الآخرين لهذه الحركة، من خلال النماذج التي تواجههم من أفرادها.

ويبدو أن البعد السلبي لرؤية العالم التي تتكون في بعض أطر الحركات الإسلامية من خلال الانكفاء إلى الداخل، يصبح بعد فترة عبئا يستشعر بعض الأفراد ثقله على شخصياتهم؛ فهذا "عبد الله" داعية إسلامي وأكاديمي يحمل درجة الدكتوراة في العلوم الإسلامية، وعضو في إحدى الحركات الإسلامية، جاء يحدثني عن بعض ما يعاني منه من مشكلات في تكوينه الفكري والنفسي. وأشار إلى أنه رغم نشأته الأسرية في بيت من بيوت الدعوة الإسلامية، وانتسابه لتنظيم في الدعوة لمدة تزيد عن ربع قرن، فإنه يجد حرجًا في التعامل مع غير أبناء الحركة الإسلامية التي ينتسب إليها. قال إنه نشأ وهو يشعر بالقطيعة النفسية (العزلة الشعورية) عن الناس العاديين، مع أنهم الجمهور الذي تستهدفه الحركة بالدعوة والإبلاغ، إنه لا يحتمل أن يرى رجلاً حليقًا، أو مدخنًا، أو امرأة سافرة الرأس... إلخ.

وهذا "عبد الرحمن" مدير لمؤسسة إسلامية فكرية عريقة، ويعمل فيها منذ أكثر من خمس عشرة سنة. ويشتهر بسعة علاقاته بالآخرين، ويحمل شهادة ماجستير في الإدارة وتصميم النظم. وعندما قررت البلدية إجراء تغيير معين في الشارع المجاور، طلبت من أصحاب البيوت في المنطقة، الذين لا يوافقون على هذا التغيير تقديم اعتراض، فاختصر عبد الرحمن الموقف بأن المعنيين في الموضوع هم مؤسسته ومالكو البيت المجاور، وهم مسيحيون ولذلك لا يستطيع التحدث إليهم!.

ولكن الظروف العامة في المجتمعات التي تعمل فيها هذه الحركات تكون في بعض الأحيان أكثر تأثيرًا من مناهج الحركات وتوجيهاتها؛ وهو ما يؤدي إلى تعديل في رؤية العالم لدى الأفراد، وربما إلى توليد رؤية جديدة مختلفة تماما عما تحاول الحركات الإسلامية تكوينه.

فالتعذيب الجسدي والنفسي الشديد القسوة الذي تعرض له آلاف المعتقلين في سجون مصر الناصرية في الخمسينيات والستينيات، وحملات الحرب الإعلامية وما رافقها من بؤس اقتصادي واجتماعي، ومغامرات انقلابية دموية في كثير من الأقطار، وهزائم عسكرية ماحقة أمام إسرائيل... كل ذلك لم يكن ليفيد معه التفكير الإصلاحي والدعاء بالهداية للحكام، والدعوة بالكلمة الطيبة، وتطبيقات مشروع الإصلاح طويل النفس: الفرد المسلم فالأسرة المسلمة، فالمجتمع المسلم، فالدولة المسلمة.

ولم يكن غريبا أن تسود فكرة التقسيم الثنائي للمجتمع إلى جاهلي وإسلامي وتتعزز أفكار البراء والولاء، وأن يؤدي ذلك إلى إرباك العمل التنظيمي، وصعوبة ضبط توجهات الأفراد وتجاوبهم مع البرامج الاجتماعية والسياسية للحركات، ونشأت في داخل الحركات جيوب تدعو إلى ممارسة التربية الطهورية من خلال العزلة بعيدًا عن تأثيرات المجتمع الجاهلي، وانفصلت بعض هذه الجيوب لتؤسس جماعات العنف والعمل المسلح.

لكن بعض القيادات كانت لا تزال تؤمن بأن رؤيتها للعالم لا تتأسس على ردود الفعل، وإنما على أساس المبادئ الراسخة؛ فنشر الإخوان المسلمون في الأردن في مطلع السبعينيات نشرة هوية المجتمع، لتأكيد الرؤية الإصلاحية للحركة بعيدًا عن صور التطرف في الرؤية أو الممارسة، ونشر الإخوان المسلمون في مصر كتاب "دعاة لا قضاة" الذي قيل إن مرشد الجماعة آنذاك كان قد أرسل فصوله من داخل سجنه إلى أعضاء الجماعة في السجون الأخرى، ليحد من نزعات الغلو والتطرف والتكفير.

ومع كل ذلك فإنه لا تزال بعض الأدبيات السائدة في برامج التربية الفكرية والشحن الروحي والنفسي تجعل أبناء الحركة "جماعة المسلمين"، ومن ثم فإن ولاءهم لله ولرسوله ولهذه الجماعة، أما الشعب والدولة والوطن فكلها أصنام لا تستحق الولاء، والافتراض قائم في الأساس على التعارض بين التشريعات الوضعية والتشريع الرباني، ولذلك فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وعليه ومن باب أولى ألا يكون للشرعية الدولية، أي اعتبار ديني.

كيف يقيم الإسلاميون رؤيتهم للعالم

رؤية الإسلاميين للعالم، لا يسهل فهمها بالاعتماد الحصري على الفهم الذي يقدمه الإسلاميون أنفسهم عن أنفسهم، فالإنسان أحياناً لا يرى نفسه جيدًا وقد لا يرى إلا جزءًا من الصورة الكلية، وبعض الجوانب يصعب رؤيتها وفهمها إلا إذا توافر لها رؤية خارجية متحررة من تحيزات الذات، ومع أن بعض الحركات الإسلامية تقيم علاقات جيدة مع حركات وتنظيمات وأفراد من خارج صفوفها، وتتحالف مع هذه الجهات أحيانا في مواقف سياسية أو فكرية، فإن التكوين الفكري والنفسي لكثير من الأفراد لا يزال لا يستسيغ ذلك، ويقبل به سياسة لا شرعا. لكن الحكمة ربما تقتضي أن تؤصل هذه الحركات لمواقف التعاون والتحالف هذه، تأصيلاً شرعيا يريح ضمائر الشباب في هذه الحركات، ويجعل من الممكن السير خطوة أكثر أهمية وهي أن تعتمد هذه الحركات في محاولة التخطيط الواعي لبناء عناصر رؤيتها للعالم، على مدخلات خارجية تستفيد فيها من الطريقة التي يفهم فيها الآخرون رؤية الإسلاميين للعالم.

ومن المؤمل ألا يثير ذلك حفيظة الإسلاميين، إذا وجدوا فيه بعض النقد. فالمناطق الرمادية -في تفكير الإسلاميين ومواقفهم- التي أخذ كثير من الباحثين يشيرون إليها، وتستعيرها بعض القيادات من باب المناكفة السياسية، قضية من المفيد أن يناقشها الإسلاميون فعلاً، حتى يستطيع الآخرون فهمهم بصورة أفضل. فمقام الحديث عن المناطق الرمادية لا يكون في جميع الحالات حكماً قيميا على جهود الإسلاميين في ميادين العمل المختلفة، وإنما هي محاولات من النوع الذي يمارسه الإسلاميون أنفسهم في مراحل عملهم على المستويات المختلفة. لكن النظرة الكلية في أي عملية تقويم تحتاج في الغالب لأن تستهدي بمن يملك النظرة من الأعلى ومن الخارج، حيث يمكن أن يرى ما لا يراه من في الداخل.

وعندما يدعو الإسلاميون إلى حلقات المراجعة والتقويم باحثين وخبراء من غيرهم، فإن ذلك يعد علامة صحة وعافية في التنظيم، ومنهجا في التربية والتكوين، وصوتا إعلاميا يدحض شبهة الانغلاق، وتعبيراً عن الثقة بالنفس، وتقديرًا للمعرفة الموضوعية، وتأسيساً لجسور العلاقات الإيجابية مع الآخرين.

رؤية العالم عند الإسلاميين في إطارها السياسي

لا غرابة أن يسيطر الهم السياسي على رؤية الإسلاميين للعالم، فرؤية العالم هي رؤية للأمة الإسلامية وعلاقتها بالآخر. ورؤية الأمة ترتبط بالإمامة والخلافة، وهو موضوع لجدل عريض يمتد من رؤيته محوراً للتفكير السياسي المعاصر، إلى رؤيته صفحة من التاريخ يمكن أن تطوى دون أن تخسر الأمة شيئاً. ورؤية الآخر ترتبط بالعلاقات الدولية وحالات الحرب والسلم، وهو موضوع يفرض نفسه على الواقع الإسلامي ليل نهار. وفوق ذلك فإن السياسة المحلية في بلادنا أصبحت تتحكم في فعاليات المجتمع المعاصر كافة، فالتوجيه الإعلامي والبرامج الثقافية والمناهج التربوية وخطط التنمية أكثرها قصيرة المدى، وتخدم النظم السياسية القائمة أكثر مما تخدم المصالح الحقيقية للشعوب. ولذلك فإن عناصر الرؤية الكلية للإصلاح عند الإسلاميين في كثير من الأحيان هي رد فعل للواقع السياسي الداخلي والخارجي بكل ضغوطه ومؤثراته.

ولا غرابة أن تسيطر التجربة التاريخية على رؤية الإسلاميين للمجتمع الذي يطمحون إلى بنائه، ذلك أن صورة الدولة الحديثة في مجتمعات المسلمين جاءت على النمط الأوروبي، حيث تتحدد في حدود سياسية يعيش ضمنها مواطنون، يلتزمون بعقد اجتماعي مدني، يتيح قدراً كبيراً من حريات الاعتقاد والسلوك والتعبير، ضمن دستور وضعي، يحفظ حق الأفراد في ممارسة التدين على المستوى الفردي في مؤسسات خاصة. وهذه الصورة الحديثة لا تنسجم مع الصورة التاريخية التي يقرأ عنها مسلمو اليوم في تراثهم. ولم تتأصل –في المقابل- تجارب معاصرة في بناء الدولة الإسلامية الحديثة التي تصلح في الذهنية الإسلامية أن تكون بديلا معاصرًا عن النموذج التاريخي.

ولا غرابة أن تفتقد هذه الرؤية صورة المشروع الحضاري المتكامل الذي يتوقع أن يعمل الإسلاميون في إطاره. ذلك أن هذا المشروع في صيغته المعاصرة هو تصور للمجتمع الذي يريد الإسلاميون بناءه، وهو بالتأكيد مجتمع معاصر تستخدم فيه مواد البناء المعاصرة، وأدوات البناء المعاصرة. والعناصر الفكرية والتصورية لعناصر هذا المشروع لا تزال أقرب إلى الصور التاريخية منها إلى صور الممكنات المعاصرة، وهي أقرب إلى الآمال والطموحات منها إلى البنى النظرية والبرامج العملية.

ورغم التأكيد على أن رؤية العالم الإسلامية هي قاعدة انطلاق أي مشروع حضاري إسلامي. فإن أكثر الحديث عن رؤية العالم يتم من خلال إعادة أساسيات الفهم الإسلامي للكون والحياة والإنسان في غيبة عن السقف الحضاري والواقع المعاصر، وفي صورة يصعب تحويلها إلى برامج تتوجه إليها جهود المخلصين من الدعاة والباحثين والمفكرين، وينعكس أثر هذه الجهود على التقدم في بناء المشروع، وتطوير برامجه والتقدم في امتلاك خبرات أكثر نضجا.

وربما تكشف الممارسة المتزايدة لمشاركة الإسلاميين في العملية السياسية في بلدانهم عن إشكالات تتطلب مزيداً من الوضوح والتحديد في تفكير الإسلاميين ومواقفهم، ما كان لها أن تتضح دون هذه المشاركة. فثمة تخوف قد يكون مشروعا لدى فئات عديدة في المجتمع من وصول الإسلاميين إلى السلطة، من ذلك تخوف الأقليات غير المسلمة على حقوقها المكتسبة، وتخوف الدول الغربية على مصالحها في الوصول إلى النفط والمواد الخام الأخرى بالأسعار الملائمة لها، والأسواق الاستهلاكية لمنتجاتها، وتخوف كثير من الناس العاديين من خنق هامش الحريات العامة في مسائل الاعتقاد والتعبير، وتخوف قطاعات من النساء من سلبهن ما تحقق لهن من مكاسب...الخ.

ولا يزال بعض الإسلاميين حتى الذين يمارسون المشاركة السياسية في بلدانهم، لا يرون -في قرارة أنفسهم، وجلساتهم الخاصة- أن الديمقراطية هي إطار سليم من الناحية الإسلامية، فهم يرون بوضوح المرجعية الغربية في الدعوة إلى نشر الديمقراطية، وهم يرون المرجعية الغربية في الأدوات والنماذج الغربية لتطبيق هذه الديمقراطية وممارستها، وهم يرون بعد ذلك الممارسة الغربية في التنكر لما تفرزه الديمقراطية مما لا يرغبون فيه من نتائج.

رؤية العالم عند الإسلاميين في نظر الغربيين

بعض الزعماء الغربيين يتحدثون بشيء من الاستغراب عن أن الإسلاميين المتطرفين يملكون رؤية للعالم مختلفة عن رؤية العالم السائدة في الغرب، وعندما طرح الرئيس الأمريكي بوش سؤاله المشهور: لماذا يكرهوننا؟ أجاب بأن الإرهابيين المسلمين، يملكون رؤية للعالم تجعلهم يحسدون الشعب الأمريكي على الحرية والديمقراطية التي يتمتع بها، وأنهم يكرهون أمريكا لأنهم لا يؤمنون بالحرية والديمقراطية، وأن المطلوب من هؤلاء المتطرفين أن يغيروا رؤيتهم للعالم، وأن الولايات المتحدة الأمريكية تدفع الملايين من الدولارات لمساعدة العالم الإسلامي لتطوير المناهج التعليمية التي تعمل على بناء رؤية جديدة للعالم تنزع روح الكراهية، وتؤسس للسلام والتعايش، وتقوم على الديمقراطية.

بينما يؤكد بعض الباحثين في قضايا الإسلام والمسلمين، وخاصة في قطاع الزعماء الدينين والمبشرين: أن المسلمين عامة -وليس فقط الإسلاميون- يمتلكون رؤية للعالم تختلف عن رؤية المسيحيين واليهود في الغرب. وثمة من يرى أن الإسلاميين يصوغون رؤيتهم للعالم بصفة دائمة في شكل ردة فعل ضد الغرب. ويبدو أن ثمة افتراضا أن المسلمين لا يملكون حق امتلاك رؤية للعالم خاصة بهم. فهل كان ذلك تعبيرا عن المشاعر الاستعمارية التقليدية التي كانت ترى أن الشعوب المستعمرة لا تملك القدرة على حكم نفسها وتدبير شئونها فلا بد من "انتداب" من يتولى "الوصاية" عليها أو "الحماية" لها، حتى تتأهل يوما ما للاستقلال؟.

ومن الطريف أن الرئيس الإيراني أحمدي نجاد أرسل رسالة مفتوحة للرئيس بوش في يونيو 2006، وعندما أجرت شبكة التلفزيون الأمريكية (سي بي أس نيوز) مقابلة معه حول مضمون الرسالة، قال: إنه يريد من وراء هذه الرسالة أن "يفتح نافذة ليتمكنوا (القادة الأمريكيون) من "رؤية العالم" بنظرة مختلفة...".

وفي ضوء فهمنا لمركزية الصراع بين رؤى العالم يسهل أن نفهم الدعوة التي أطلقها وزير الدفاع الأمريكي رامسفيلد بأن الحرب القائمة على الإرهاب يجب أن تكون "حرب أفكار" في المقام الأول.

إن الأزمة التي تواجه عالم اليوم هي بالتأكيد –وفي بعض جوانبها على الأقل- أزمة في رؤية العالم، ويلاحظ الغربيون أن الإسلاميين يتوزعون على أطراف هذه الأزمة بطريقة لا تخلو من تناقض. ففي عالم اليوم فئات تزعم أنها تملك رؤية للعالم تصلح للجميع، وتضع نفسها في مركز العالم؛ المركز الذي يتحكم في وجود الأطراف وفي حركة هذه الأطراف حول المركز، فهي تملك وحدها الحقيقة، فإذا قالت شيئا فالحقيقة ما تقول، وما على الآخرين في الهوامش والأطراف إلا القبول والانصياع والتعلّم. ولذلك فهي ترى نفسها الفئة المختارة التي تتحمل مسئولية بسط قيمها العالمية وتقاليدها الحضارية، ومن ثم حسم المعركة بين محور الخير الذي تمثله ومحور الشر الذي يمكن أن يقف في وجهها. وسوف نجد أن بعض "الإسلاميين" يفضلون أن يصنفوا ضمن هذه الفئة.

وفي عالم اليوم فئات ترفض الرؤية الانقسامية إلى العالم، وتعتمد التنمية الثقافية، وتروج للقيم الإنسانية والأخلاقيات العالمية، وتدرك قيمة التعددية والتنوع الخلاق في بناء الحضارة الإنسانية، وتبشر بمستقبل واعد يحقق كرامة الإنسان، وتختلط في هذا الاتجاه جهود بعض العاملين في اليونسكو، مع بعض دعاة حوار الأديان وحوار الحضارات، وبعض فلاسفة ما بعد الحداثة. ولن يكون من المفاجئ أن نجد بعض "الإسلاميين" يفضلون أن يصنفوا ضمن هذه الفئة أيضا!.

مثل هذه الأزمة في تحديد مكونات رؤية العالم، ومحاولة بيانها وتوضيحها مطلب مشروع على الإسلاميين أن يتولوا أمره، والافتراض الذي ينفعهم هنا أن يتجاوزوا مقولة أن الذي يريد الوضوح في تفكيرنا ومواقفنا يستطيع أن يراه، ومن لا يراه لا يريد رؤيته!.


** دكتوراة في التربية العلمية وفلسفة العلوم، المدير التنفيذي للمعهد العالمي للفكر الإسلامي. fathi@malkawi.com

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع