بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

الثقافة والفكر |  السياسة | التاريخ والحضارة | علوم وتكنولوجيا | الاقتصاد والتنمية


الحوار بين الإسلام والنصرانية

الحمد لله وكفى، وسلام على رسله الذين اصطفى.

(وبعد)

في حياة الإنسانية لحظات فارقة تكون بمثابة منعطفات هامة يمكن استثمارها لإحداث تغييرات جذرية، ويمكن أن تمر دون إدراك لخصوصيتها، فتصبح مثل بريق ومضة عابرة أضاءت ظلمة السماء ثم تبددت.

وفي يقيني – والله أعلم – أننا نشهد لحظة كهذه في أعقاب الأحداث الرهيبة التي بدأت يوم الثلاثاء الدامي في نيويورك وواشنطن وما تلاها من توابع.

ولا أبالغ إذا قلت لكم: إن مصداقيتنا الشخصية كمؤمنين، وكزعامات روحية ودينية هي أيضًا في مفترق طرق. وإن فاعلية وأهمية وجودنا وجهودنا الآن على المحك أكثر من أي وقت مضى. وإن العالم ينتظر منا ما يتناسب مع حجم تأثيرنا المعنوي. وأصدقكم أننا في لحظة تشبه – إلى حد ما – قول القائل: "أكون أو لا أكون". فإما أن نفعل شيئًا له معنى وجدوى يساهم في توجيه الأحداث إلى الوجهة السليمة بما يتفق مع روح العقائد التي ننتسب إليها، إما هذا، أو تطوينا صفحة الإهمال والنسيان.. ربما إلى الأبد.

إن العالم ينتظر منا الكثير، ونحن إما أن نكون على مستوى الحدث، فنتجاوب مع أماني المليارات من المؤمنين بعلاقة الدين بالحياة، وفاعلية دوره فيها، أو نكتفي بالوجود زخرفًا يزين الاحتفالات، وأخبارًا باردة في عناوين الصحف!!

ونحن ـ المسلمين ـ ليس لدينا إشكال في أن يلتقي علماء الإسلام، وأحبار المسيحية في إطار مشترك يبحث عن حلول لمشكلات طارئة أو مزمنة تخص العلاقة بين العالمين الإسلامي والمسيحي.

ذلك لأننا ـ نحن المسلمين ـ نعترف بالإنجيل كتاباً من كتب الله التي يجب الإيمان بها، ونؤمن بالمسيح رسولاً من أولي العزم من الرسل، وهم صفوة الأنبياء، ونكن تقديرًا خاصًا لأم المسيح – السيدة مريم العذراء - التي اصطفاها الله وطهرها واصطفاها على نساء العالمين.  

ولم يوجد في القرآن سورة لخديجة زوج محمد، ولا لفاطمة بنت محمد، ولا لآمنة أم محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن وجدت سورة لمريم، وسورة لأسرة المسيح: أمه، وجدته.. تسمى سورة "آل عمران"، وعمران هذا هو والد مريم. قال تعالى: "إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين" (آل عمران:33). وفي قرآننا من آيات عن المسيح ما لم يذكر في كثير من الأناجيل.

ثم إننا ـ نحن المسلمين ـ مأمورون بحوار من يخالفنا بالحسنى، وخصوصا أهل الكتاب، وهو الذي يسميه القرآن الجدال بالتي هي أحسن. كما قال تعالى: "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن" (العنكبوت: 46).

على معنى أنه لو كانت هناك طريقتان للجدال: إحداهما حسنة جيدة، والأخرى أحسن منها وأجود، فالمسلم مأمور أن يستخدم الطريقة الأحسن والأمثل.

ونحن ندرك أهمية واتساع خريطة الإيمان المسيحي المنتشرة في أقطار العالم جميعًا، ونحن حريصون على أن تكون العلاقة بين المسلمين والمسيحيين قائمة على الفهم السليم، والاحترام المتبادل.

ونعتقد أن الذي يسيء إلى العلاقة بين أصحاب الديانتين الكبيرتين يتمثل في سوء الفهم من أحدهما لموقف الآخر، أو الجهل بأصول اعتقاده، ومقتضيات إيمانه، أو تدخل عناصر خارجية تريد أن تتخذ من الدين مطية لخدمة أهداف غير دينية، أو القيام بتشويه الجميع استنادًا لأخطاء البعض، وأحيانًا بمحض إذاعة وترويج الأكاذيب.

وفي هذا الظرف الرهيب الذي يعيشه العالم اليوم منذ 11سبتمبر 2001، الذي وقعت فيه التفجيرات المؤسفة في نيويورك وواشنطن، والذي آذن بنشوب حرب لا يعلم عواقبها إلا الله، والتي قد يفسرها البعض ـ لسبب أو لآخر ـ بأنها مواجهة بين الإسلام والمسيحية، وأنها إحياء للحروب الصليبية القديمة، التي خلفت آثارا وعقدا في نفوس الفريقين، لا نزال نعاني منها إلى اليوم.

والواجب على العقلاء ـ وخصوصا علماء الديانتين ـ أن يحولوا دون هذه المواجهة، وأن يتدخلوا بالحكمة لإطفاء النار، التي قد تأكل اليابس والأخضر.

وأحب أن أؤكد هنا أني منذ صبيحة أحداث 11سبتمبر، أصدرت بيانا بإنكارها وإدانة فاعليها، أيا كان دينهم أو جنسهم أو وطنهم. وشاركني في هذا كل من أعرفه من علماء المسلمين، فالإسلام ـ حتى في حروبه الرسمية التي تتولاها الجيوش ـ لا يجيز قتل من لم يقاتل بحال، وقد رأى نبي الإسلام محمد امرأة مقتولة في إحدى المعارك، فغضب وأنكر ذلك على أصحابه، وقال: ما كانت هذه لتقاتل. ونهى عن قتل النساء والصبيان والشيوخ.

وجاء خلفاؤه من بعده فأوصوا قوادهم ألا يتعرضوا للرهبان في الصوامع، ولا للحراثين في الحقول، ولا للتجار.

وكان من وصاياهم المأثورة: "لا تغدروا، ولا تمثلوا (بجثث الأعداء) ولا تقطعوا شجرا، ولا تهدموا بناء، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة، إلا لمأكلة".

وقد أكد الإسلام حرمة النفس الإنسانية، وشرع في قتلها القصاص، وأكد القرآن مع كتب السماء "أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا" (المائدة: 32). هذا في قتل نفس واحدة، فكيف بقتل عدة آلاف من المدنيين لا ذنب لهم؟

ونحن المسلمين عامة ـ والعرب خاصة ـ أشد الناس إحساساً بمآسي القتل العدواني، وآثاره على النفس والحياة، ونحن نعاني منه يوميا في أرضنا المقدسة فلسطين ـ أرض المسجد الأقصى وكنيسة القيامة ـ من قِبَل الكيان الصهيوني المتجبر، حيث نصبح ونمسي على أرواح تُزهق، ومزارع تُحرق، ومنازل تُهدم، وأطفال تُيتَّم، حتى أصبحت الحياة في فلسطين مأتما دائما لأهلنا هناك من المسيحيين والمسلمين.

وإني لأستبعد تماما أن يقوم بهذا العمل مسلم ملتزم بدينه فاهم له، وهو يعلم أن قتل النفس بغير حق من أكبر الكبائر في الإسلام، وأن الأصل في الدماء العصمة، إلا المحاربين الذين يشهرون السلاح على المسلمين، والقرآن يقول: "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين" (البقرة: 190).

ولقد دعوت المسلمين في أمريكا أن يقوموا بواجبهم في إسعاف الجرحى، والتبرع بالدم، فهو من أعظم الصدقات عند الله، وهو جزء من واجب المواطنة لمن تشهد بلاده أحداثاً كهذه.

وإننا ـ بقدر ما ننكر عمليات التفجير في نيويورك وواشنطن ـ ننكر كذلك حملات التحريض والكراهية ضد المسلمين والعرب، الذين أصبحوا يعيشون في الغرب، وكأنهم مطاردون نتيجة التهييج الإعلامي المغرض، رغم أنهم جزء لا يتجزأ من مجتمعهم، مثلهم مثل بقية المواطنين الأمريكيين على مختلف أصولهم العرقية.

وقد أمسى بعضهم يخاف أن يخرج من منزله، وخصوصاً النساء، ونتطلع أن يرتفع صوت الكنيسة مع الأصوات التي تقاوم التحريض والكراهية والتميز بين الناس لمجرد اختلافهم في الاعتقاد أو لون البشرة.

نرفض الإرهاب:

إنني باسمي وباسم كل علماء المسلمين نرفض الإرهاب، الذي يعني ترويع الآمنين أو قتل الأبرياء بغير حق. ولكنا لا ينبغي أن يدفع البعض باتجاه الخلط بين الإرهاب وبين من يدافع عن وطنه وحرماته ومقدساته ضد المحتل الغاصب، فمن الظلم أن يسمى هذا إرهابا، بل هو دفاع مشروع أمرت به الأديان، وأقرته المواثيق الدولية.

كما أننا ننكر أن نحارب الإرهاب بإرهاب مثله، يستخدم نفس منطقه الغاشم، ويأخذ البريء بذنب المسيء، والمظلوم بجريرة الظالم؛ ولهذا نحذر هنا أن يُؤخذ شعب كامل بجريمة أفراد منه، حتى لو ثبتت الجريمة عليهم، أو يُتهم دين تتبعه أمة كبرى بأنه دين العنف والإرهاب بسبب أفعال أفراد منه، وقد سبق لأفراد مسيحيين في أمريكا نفسها ـ كما في حادث أوكلاهوما سيتي الشهير ـ أن قام به مسيحي أمريكي بدوافع خاصة، فلم تتهم ـ بسببه ـ أمريكا كلها، ولا العالم المسيحي، ولا الديانة المسيحية، رغم انتماء الفاعل لمجموعة لا تخفي تأويلها الدموي لبعض الاعتقادات الدينية المسيحية.

كما أن محاربة الإرهاب حقا إنما تتم بمحاربة أسبابه، ومنها: إزالة المظالم، وحل القضايا المعلقة، ومنها قضية فلسطين التي شرد أهلها، وأخرجوا من ديارهم بغير حق، وغياب العدالة والحرية والديمقراطية عن كثير من البلدان الإسلامية. ومن ذلك أيضاً أن يترك للمسلمين حريتهم وحقهم في أن يحكموا أنفسهم وفق عقائدهم التي آمنوا بها، ولا يُفرض عليهم نظام لا يرضونه.

ومن هنا أنادي كل علماء الدين الإسلامي، وكل رجال الدين المسيحي وأقول لهم: إن الإسلام يعتبر البشرية كلها أسرة واحدة، تشترك في العبودية لله، والبنوة لآدم، وهذا ما أعلنه رسول الإسلام أمام الجموع الحاشدة في حجة الوداع: "أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى" (رواه أحمد في مسنده).

ثم إن الإسلام قد حدد العلاقة مع غير المسلمين في آيتين محكمتين من كتاب الله، تعتبران بمثابة الدستور في ذلك، يقول تعالى: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين. إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون" (الممتحنة: 8 – 9).

وهاتان الآيتان نزلتا في شأن المشركين. ولكن الإسلام أفرد (أهل الكتاب) بمعاملة خاصة، حتى أجاز مصاهرتهم والتزوج من نسائهم، ومعنى هذا أنه أجاز للمسلم أن تكون زوجته وشريكة حياته، وأم أولاده كتابية (مسيحية أو يهودية). ومقتضى هذا أن يكون أهلها أصهاره، وهم كذلك أجداد أولاده وجداتهم، وأخوالهم وخالاتهم، وأولاد أخوالهم وخالاتهم، وهؤلاء لهم حقوق أولي الأرحام وذوي القربى، وبذلك فقد ميَّز الإسلام بوضوح بين الكفار والمشركين وبين أهل الكتاب.

كما أن الإسلام اعتبر النصارى أقرب مودة للمسلمين من غيرهم، يقول تعالى: "لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا، ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا: إنا نصارى، ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون" (المائدة: 82)، كما قال نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: "أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة".

نؤمن بالحوار:

إننا ـ نحن المسلمين ـ نؤمن بالحوار؛ لأننا مأمورون به شرعاً. وقرآننا مليء بالحوارات بين رسل الله وقومهم، بل بين الله تعالى وبعض عباده، حتى إنه سبحانه حاور شر خلقه: إبليس. والقرآن يخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم قائلاً: "فذكر.. إنما أنت مذكر.. لست عليهم بمسيطر.. إلا من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر" (الغاشية: 21 - 24).

ولهذا نحن نرحب بثقافة (الحوار) بدل ثقافة (الصراع) سواء بين الحضارات أم بين الديانات. وقد ساهمنا بفاعلية في أن يكون هذا العام هو عام "حوار الحضارات"، وأصل الاقتراح جاء بمبادرة من الأخ رئيس الجمهورية الإيراني محمد خاتمي في كلمته أمام الأمم المتحدة.

ولا نوافق على منطق بعض المثقفين الأمريكيين مثل "هانتنجتون" الذين يؤمنون بحتمية الصدام بين الحضارات، وخصوصاً بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية. فلماذا لا تتفاعل الحضارتان وتتكاملان، ويقتبس كل منهما من الآخر ما تفوق فيه؟ وماذا نريد نحن من الغرب؟

إننا نريد من الغرب أن يتحرر من عقدة الخوف من الإسلام، واعتباره الخطر القادم، (الخطر الأخضر) كما سماه بعضهم، وترشيحه ليكون العدو البديل بعد سقوط الاتحاد السوفيتي الذي سماه "ريجان" إمبراطورية الشر.

كما نريد من الغرب أن يتحرر من عقدة الحقد القديمة الموروثة من الحروب التي سماها الغرب (صليبية) وسماها مؤرخونا (حروب الفرنجة). فنحن أبناء اليوم لا بقايا الأمس، ولسنا الذين بدأنا هذه الحروب، بل نحن الذين شنت عليهم.

ونريد منه كذلك أن يتحرر من نظرة الاستعلاء، التي ينظر بها إلى العالم نظرة السيد إلى عبده، فهذه النظرة من شأنها أن تثير الآخرين وتستفزهم.

لقد كشفت الأحداث عن فجوة هائلة في الإدراك الغربي العام للإسلام، ويمكن بسهولة رصد عشرات المقالات الصحفية، والرسائل المتبادلة، والحوارات الدائرة على شبكة الإنترنت، والتي تدهشنا إلى درجة الانزعاج الشديد لوجود هذا الحجم من الجهل بالإسلام دينًا وأمة، ونحن لا نبرئ أنفسنا بالطبع من المسئولية عن هذا الوضع.

مجالات مشتركة للتعاون الإسلامي المسيحي:

ونحن لدينا مجالات مشتركة يمكننا أن نلتقي عليها، ونتفاهم حولها، ونتعاون على توسيعها وتعميقها، وذلك من خلال المسالك التالية:

أولاً - التركيز على القواسم المشتركة:

التركيز على القواسم المشتركة بيننا وبين أهل الكتاب؛ ولهذا قال تعالى: "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون" (العنكبوت: 46).

ففي مجال التقريب والحوار بالتي هي أحسن: ينبغي ذكر نقاط الاتفاق، لا نقاط التمايز والاختلاف. وهناك من المسلمين المتشددين من يزعم أنه لا توجد بيننا وبين اليهود والنصارى أية جوامع مشتركة، ما دمنا نحكم عليهم بالكفر، وأنهم حرفوا وبدلوا كلام الله. وهذا فهم خاطئ للموقف الإسلامي من القوم. فلماذا أباح الله تعالى مؤاكلتهم ومصاهرتهم؟ ولماذا حزن المسلمون حين انتصر الفرس ـ وهم مجوس يعبدون النار ـ على الروم، وهم نصارى أهل الكتاب؟ حتى أنزل الله قرآنا يبشر المسلمين بأن الروم سينتصرون في المستقبل القريب "ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله" (الروم:4 - 5) كما جاء في أول سورة الروم.

وهذا يدل على أن أهل الكتاب ـ وإن كفروا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم ـ أقرب إلى المسلمين من غيرهم من الجاحدين أو الوثنيين؛ لأنهم بالنسبة لنا أصحاب إيمان.

ثانياً - التعاون لمواجهة الإلحاد والإباحية:

من ثمار الحوار الوقوف معا لمواجهة أعداء الإيمان الديني، ودعاة الإلحاد في العقيدة والإباحية في السلوك، من أنصار المادية، ودعاة العري، والتحلل الجنسي والإجهاض والشذوذ الجنسي، وزواج الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، وسفك الدماء، واستباحة الأموال، وتغذية النزعة الاستهلاكية المادية في الإنسان.

فينبغي أن يقف أهل الكتاب في جبهة واحدة ضد هؤلاء الذين يريدون دمار البشرية بدعاواهم المضللة، وسلوكياتهم الغاوية، وأن يهبطوا بها من أنق الإنسانية إلى درك الحيوانية: "أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا" (الفرقان: 43 - 44).

وقد رأينا الأزهر ورابطة العالم الإسلامي والفاتيكان يقفون في (مؤتمر السكان) في القاهرة سنة 1994م وفي مؤتمر المرأة في بكين 1995م في صف واحد، لمواجهة دعاة الإباحية، وهدم الأسرة، وزلزلة الثوابت الفطرية التي أرادها الله لصلاح الحياة الإنسانية.

ثالثاً - مناصرة قضايا العدل والشعوب المستضعفة:

الوقوف معا لنصرة قضايا العدل، وتأييد المستضعفين والمظلومين في العالم، مثل قضية فلسطين، وقضية اضطهاد السود والملونين في أمريكا، وقضية البوسنة والهرسك، وقضية كوسوفا، و قضية كشمير، وغيرها، ومساندة الشعوب المقهورة ضد الظالمين والمستكبرين في الأرض بغير الحق، الذين يريدون أن يتخذوا عباد الله عباداً لهم.

فالإسلام يقاوم الظلم، ويناصر المظلومين، من أي شعب، ومن أي جنس، ومن أي دين. ويرى المسلم الملتزم نفسه مدعوًا للوقوف في صف الحق والعدل والخير والحرية، ويعتبر نفسه طرفًا أصيلاً في أية مواجهة ضد الظلم أينما كانت.

والرسول صلى الله عليه وسلم ذكر حلف الفضول الذي شارك فيه في شبابه في الجاهلية، وكان حلفا لنصرة المظلومين، والمطالبة بحقوقهم، ولو كانت عند أشراف القوم وسراتهم. وقد روى ابن إسحاق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لو دعيت إلى مثله في الإسلام أجبت".

رابعاً - إشاعة روح التسامح لا التعصب:

ومما ينبغي أن تتضمنه هذه الدعوة: إشاعة روح السماحة والرحمة والرفق في التعامل بين أهل الأديان، لا روح التعصب والقسوة والعنف. فقد خاطب الله تعالى رسوله محمداً بقوله: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" (الأنبياء: 107). وقال صلى الله عليه وسلم عن نفسه: "إنما أنا رحمة مهداة" (أخرجه الحاكم ووافقه الذهبي). وذم الله تعالى بني إسرائيل بقوله في مخاطبتهم "ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة" (البقرة: 74). كما اتفق البخاري ومسلم على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال لزوجه عائشة: "إن الله يحب الرفق في الأمر كله".

ولدينا في معتقدنا وضمائرنا احترام خاص لتلك النزعة الإنسانية الرحيمة التي تضمنتها سيرة المسيح عليه السلام، الذي لم يذكره نبينا إلا بقوله: أخي عيسى.

الأساس العقائدي لتسامح المسلم مع مخالفيه:

وأحب أن أعرض هنا لقضية حساسة لدى كل ذي دين، فهو يعتقد أنه على حق، وأن غيره على باطل، وأنه هو الذي يملك الهدى، وهذا الاعتقاد قد يؤدي إلى التعصب. ولكن هناك عناصر أخرى ينبغي أن يتضمنها فكر المسلم وضميره؛ لأنها من أصول اعتقاده، وشروط إيمانه.

1- أنه يعتقد أن اختلاف البشر في أديانهم: واقع بمشيئة الله تعالى، المرتبطة بحكمته. كما قال تعالى: "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم" (هود: 118 - 119)، أي خلقهم ليختلفوا مادام قد منحهم العقل والحرية والإرادة.

2- أن الحساب على ضلال الضالين، وكفر الكافرين ليس في هذه الدنيا، ولكن في الآخرة، وليس موكولا إلينا، ولكن إلى الله الحَكَم العدل، واللطيف الخبير. كما قال تعالى لرسوله: "فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير" (الشورى: 15). "إلا من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر.. إن إلينا إيابهم.. ثم إن علينا حسابهم" (الغاشية: 21 - 24).

3- اعتقاد المسلم بكرامة الإنسان من حيث هو إنسان. وفي هذا روى البخاري عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم مروا عليه بجنازة، فقام لها واقفا، فقالوا: يا رسول الله، إنها جنازة يهودي! فقال: "أليست نفسا؟" بلى فما أعظم الموقف، وما أروع التعليل!

4- إيمان المسلم بأن عدل الله لجميع عباد الله، مسلمين وغير مسلمين، كما قال تعالى: "ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى" (المائدة: 8)، وبهذا لا يتحيز المسلم الحق لمن يحب، ولا يحيف على من يكره. بل يؤدي الحق لأهله، مسلماً أو غير مسلم، صديقاً أم عدواً.

 أيها السادة الأحبار والضيوف:

إن الغلاة والمتطرفين موجودون في كل أمة، وبين ظهراني أتباع كل دين. وقد يكون وجودهم رد فعل لتطرف أو غلو معاكس، فكثيراً ما يكون الغلو الديني نتيجة الغلو اللاديني، وواجب مواجهة جنون القوة والتعصب هو واجب عام ينبغي أن نتعاون فيه جميعًا.

ولا يمكن أن تحاكم أمة كبرى أو حضارة عظمى، بوجود بعض الغلاة أو دعاة العنف فيها، وإلا لحاكمنا الحضارة الغربية بوجود النازية والفاشية والثورة البلشفية فيها، وبالحروب التي سقط فيها عشرات الملايين، ولا يقر هذا عقل أو منطق.

عندنا غلاة وعندكم غلاة، وهؤلاء لا يمكن أن يلتقوا أو يتحاوروا، فهم لا يؤمنون بجدوى الحوار، بل ولا بمشروعية الحوار؛ لأنهم يعبدون القوة، ويؤمنون بلغة العداء والكراهية.

إنما العمدة هم أهل الاعتدال من الفريقين، فهم الذين يناط بهم الأمل في اللقاء والحوار والتفاهم والتعاون في المتفق عليه، والتسامح في المختلف فيه.

 أيها السادة:

 إن العالم قد تقارب وتقارب حتى سماه بعضهم (قريتنا الكبرى).

وأنا أقول: إنه أصبح قرية صغرى. وواجب أهل هذه القرية أن يلتقوا ويتحاوروا ويتعاونوا على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان، هانحن نمد أيدينا إليكم لندعوكم إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، دعا إليها نبينا محمد أهل الكتاب عامة: (ألا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله).

كما يجب أن نقف جميعا ضد الحروب الظالمة، التي يطغى فيها القوي على الضعيف، والتي تدفع فيها الشعوب الثمن من دمائها وحرماتها وضروريات حياتها، وكفى البشرية ما قدمت من ملايين في أتون الحرب.

يجب على أهل الدين والإيمان أن يقفوا ويناضلوا مع قضايا العدل ضد الظلم، وأن يقفوا مع الإنسانية ضد العنصرية، ومع الأخلاقية ضد الإباحية، ومع الحق الأعزل ضد الباطل المدجج بالسلاح، ومع المستضعفين في الأرض ضد المتألهين المستكبرين، ومع الحق والخير والحرية.. وبهذا فقط يمكن أن يكونوا أوفياء لإيمانهم يوم يقفون أمام الله ليحاسبهم فردًا فردًا، فلنستعد جميعًا لهذا اليوم.

       وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 


الثقافة والفكر |  السياسة | التاريخ والحضارة | علوم وتكنولوجيا | الاقتصاد والتنمية

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع