|
في
الموقع أيضًا:
|  |
 |
|
|
|

|
|
|
|
العالم الثالث فيما بعد الحرب الباردة أو النظام العالمي الجديد
العولمة ليست ظاهرة جديدة، فقد ظهرت مع انتصار رأسمالية "دعه يعمل" في عصر ما بعد الثورة الصناعية، والتوسع الاستعماري الأوربيّ، بعبارة أخرى، أنشأ الاستعمار الأوربيّ المنتصر تحوُّلات عميقة سياسية واقتصادية وثقافية ودينية في ما يدعى العالم الثالث، وأدت هذه التحولات إلى تفاعل دائم بين الشمال والجنوب
(10)، وكانت السيطرة الاستعمارية ذات حدين : فأدت إلى تحديث بعض المؤسسات والقطاعات الرائدة في العالم المستعمَر كالجيش وقوات البوليس والنسق التعليمي، ولكنها خلقت أيضاً اختلالاً في التوازن الاجتماعي والاقتصادي، من قبيل الفجوات الأساسية بين الريف والحضر التي أدت إلى هجرة ريفية إلى المدينة، والنخبة الفكرية الداخلية القلقة ومزدوجة اللغة
(11).
لقد كانت استجابة الدولة القومية لتغلغل رأسمالية الطبقة الوسطى والبرجوازية تؤكد على الاستقلال الوطني الاقتصادي والثقافي، وتسعى لإنشاء بنى وأسس جديدة للدولة الجديد لتجاوز الاستقلال التقليديّ عن الاستعمار، ومنح وجود الاتحاد السوفيتي والحرب الباردة الدول القومية الجديدة حيزاً للمناورة، ومع ذلك فقد حوّل حدثان رئيسان التوازن في السبعينيات والثمانينيات لصالح الغرب الرأسمالي : فتح الرأسمالية الأمريكية السوق الصينية الضخم
(12)، وانهيار النظام السوفيتي وما تلاه من انتهاء الحرب الباردة، التي كانت علامة بارزة على انتصار الغرب الرأسمالي على الشرق الاشتراكي
(13) ، وترك هذان الحدثان الرئيسان -منقطعا النظير تاريخياً- الدول القومية عرضة لتحديات، وأخطار حقائق النظام العالمي الجديد الاقتصادية والجغرافية السياسية
(14).
يدلل التغير السالف مرة أخرى على أهمية القرارات الاقتصادية في تحديد اتجاه السياسة العالمية والمستقبل، فبدأت الرأسمالية التنافسية المدفوعة بدافع الربح حملة جديدة : غزو الفضاء بعد غزو الأراضي
(15)، وانضمت إليها الشركات متعددة الجنسية التي ترى مستقبل الرأسمالية في غزو فضاء جديد وأقاليم غير مادية جديدة، وتسعى ـ للنجاح في ذلك ـ لإنشاء مناخ عالمي يسمح بالتنافسية بدون اليد المتحكمة للدولة. إن اتجاه الرأسمالية العدوانية هذا اندفاع جنوني، أو لنقل أنه الأكثر خطورة بسبب غياب نظام سياسي واقتصادي دولي متعدد، ولاحظ أحد المؤلفين أنه في ظل نظام الليبرالية الجديدة الأحادي فإنه "في عصر اللبرلة واسعة الانتشار، فإن الشركات الخاصة، بالتنسيق مع الدول والهيئات الدولية المسئولة عن مساعدتها مفوَّضة في تعزيز الوفرة والرفاهة الإنسانية، وتنتج هذه المشروعات السلع، وبشكل متزايد الخدمات، ويُتجاهل أكثرها فعالية الحدود، والربح هو علة وجودها ومحركها الوحيد والحقيقة أنه ثمة فجوة كبيرة تفصلها عن القدرة على الوصول لأهدافها، وحتى لو لم نضع في خلفية تفكيرنا هذه الشركات التي أخفقت في الغرب، فإنه يجب التأكيد على أنه لا أمل للجنوب
(16).
لقد كان لإنشاء مناخ معولم سهل الانقياد لنمط جديد من الربح الدولي آثار سلبية على الاقتصادات المحلية الداخلية ، فأنشأ مجموعة جديدة من قواعد الرشاد والقيم لا تأتلف مع تقاليد وثقافات وتواريخ شعوب البلاد الأصلية والدول القومية، إن منطق الرأسمالية ليس الحفاظ على إنماء نظم اجتماعيـة اقتصادية سليمة بل جنى الربح بأسرع ما يمكن
(17).
تستدعي الفكرة الأخيرة التساؤل حول العلاقة الجديدة بين الشركات متعددة الجنسية والدولة القومية، من حيث دور الدولة في المجتمع، والتغيرات العميقة في علاقات القوة، ليس بين الشمال والجنوب فحسب ، بل بين دول الجنوب أيضاً، وطبيعة المجتمع المدني، وتضمينات هذا للديمقراطية في العالم الثالث
(18).
تتحدى العولمة الدولة القومية لتفتح فضاءها وحدودها لنمط جديد من التنافس المتحرر من أية سيطرة
(19)، ويتوقع من نخب الدولة القومية السياسية أن تتعاون بشكل كامل مع المشروعات الاقتصادية ، وغالبا ما تكون مراكمة رأسمال وطني مستحيلة، لأن العديد من دول العالم الثالث مثقل بديون كبيرة للمؤسسات المالية الدولية، وهنا تتغير قواعد اللعبة، فالتنمية الوطنية والنمو في العالم الثالث مقيدان بتراكم رأس مال على نطاق دولي.
كانت العولمة في الخمسينيات والستينيات -وفقاً لرؤية سمير أمين- محكومة إلى حد ما بثلاثة عوامل دولية : تدخل الدولة الرأسمالية في عملية التراكم، والمشروع السوفيتي لإقامة اقتصاد اشتراكي، ومشروع باندونج من أجل عالم غير منحاز يتشكل تحت رعاية سوكارنو ونهرو وناصر
(20).
ومع انتشار الخصخصة في بلاد هؤلاء القادة الراحلين، وصل المشروع الوطني الاشتراكي للاكتفاء الذاتي وتمكين الفقراء إلى حد التوقف المميت، ففي العالم العربي على سبيل المثال، اقتطع المركز منطقة الخليج جبراً من بقية العالم العربي، وكثّف هيمنته اقتصادياً وعسكرياً في أعقاب الهزيمة العسكرية للعراق في حرب الخليج الثانية، ويعنى ذلك -وفقاً لرؤية سمير أمين- أن دول الخليج "أصبحت الآن محميات مجردة من أية حرية للمناورة اقتصادياً أو سياسياً"
(21) أو بتعبير والرشتين "كسب العالم الثالث المعركة السياسية في الخمسينيات والستينيات حيث تم التخلص من الاستعمار في كل مكان تقريباً ، وحان وقت الخطوة الثانية وهى التنمية الوطنية، ولم تنجز هذه الخطوة في أغلب المواطن
(22) ، ففي عصـر اللبرلة والاندماج لا تسمـح العولمة للاقتصادات المحـلية بـأن تـحيا مستقـلة بنفسـها"
(23).
إن إخفاق الاقتصادات الوطنية في أقطار مثل: إندونيسيا والهند ومصر والجزائر دليل انتصار التكنولوجيا العقلانية في الغرب المتقدم، ومع ذلك، فكما أشار بعض الاقتصاديين لا يمكن أن يتحدد انتشار اللبرلة المالية والعولمة التكنولوجية بعوامل تكنولوجية فقط، فللسياسة عملها في انتشار العولمة والتكنولوجيا العقلانية، والرغبة السياسية للمركز وراء إخضاع كل الدول القومية - مع استثناء محتمل لإسرائيل - لمقتضيات السوق الرأسمالي
(24).
يتصور مؤيدو العولمة نوعا من اقتصاد القرية العالمية يسهل انتشار التحديث والترشيد التكنولوجي في العالم، ويشيرون إلى العولمة أدت إلى إدماج المجتمعات التي جرى إفقارها وتهميشها حتى الآن في السوق العالمي، ولم تؤدِّ العولمة في رؤيتهم إلى خلق ملايين الوظائف العديدة وتحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية للفقراء فقط، بل وأدَّت أيضًا لانفتاح الحيز الثقافي والفكري للأمم الفقيرة
(25)، وحتى لو قبل المرء مثل هذه الرؤى - وهو ما أصبح أمرًا لا يمكن تجنبه في العديد من أقطار العالم الثالث - فإن عليه أن يتحول ببصره إلى العمليات الأخرى المصاحبة لها والتي لا تقل دلالة عنها ، وهى أن النظم المتعولمة أشد رسوخاً مما كانت عليه النظم الشمولية في الأعوام الماضية
(26)، فقد خلق قمع الدول القومية الشامل طرقاً جديدة تقمع بها الدولة القومية ـ المقموعة هي أيضاً ـ المجتمع المدني، وقوّض هذا القمع التماسك الاجتماعي في العالم الثالث، وقلَّص الحيز الديمقراطي في المجتمع، واختنق المجتمع المدني نتيجة للتحولات العديدة في حدود القوة في المجتمع، وأصبحت حرية التعبير سلعة نادرة
(27)، وكما لاحظ مؤلف ألمعي فإنه "بينما كانت الدول المصنعة تظهر تدريجياً، كان النظام العالمي الجديد الذي فرضه الاقتصاد المعولم يعنى للجميع سباقاً نحو القاع، فتم خفض الوظائف باسم التنافس العالمي، واعتلت الشركات عابرة القوميات مستوى من القوة يعلو أية حكومة، وحتى في دولة مثل الهند حيث يؤلف عشرة في المائة من أصل تسعمائة وثمانين مليوناً من السكان طبقة وسطى جديدة ، تستفيد من الحضور العالمي للشركات عابرة القوميات فإن التسعين في المائة الأخرى ليسوا مدرجين في خطة المستقبل المبهر، ويشكل العشرة في المائة، بدخولهم المتاحة، سوقاً واسعة بدرجة تكفي لإسالة لعاب اللاعبين العالميين، وأصبحت الهند قصة نجاح عظيم
(28).
استمر الحيز الديمقراطي في الدولة القومية العديدة في الثمانينات والتسعينيات عرضة لتحديات في الصميم ، فربما يتوقع المرء أن يقوم المركز المتقدم حامل لواء الديمقراطية لأمد طويل بتعزيز ديمقراطية حقيقية في الجنوب، إلا أن هذا بعيد عن الحقيقة، فقد تشكلت في ظل العولمة علاقة جديدة بين النخبة السياسية والقوى الاقتصادية، وبالأخص الشركات متعددة الجنسية
(29)، ويعنى هذا في العالم الإسلامي أن الدولة القبلية شبه الدستورية، التي سيطرت عليها العائلة أو العشيرة نفسها كسبت قوة قمعية إضافية، وعانى المجتمع المدني من الخسارة الإضافية للحرية، وجرى استضعاف العمال والمرأة.
إن تغلغل الشركات متعددة الجنسية في اقتصاديات العالم الثالث - بعيداً عن أن يقضى على الفقر أو يخفف بؤس فقراء الريف - أدى إلى ثلاث ظواهر متضافرة : زيادة عدد الناس المتعطلين والفقراء ، وتركيز الثروة في أيدي النخبة السياسية، وزيادة قمع الدولة
(30). وإندونيسيا مثال بارز على هذا، فمع قدوم التقنيات الحديثة في زي العولمة ، أُعيد التأكيد على الرسالة الغربية القديمة أو الرسالة الحضارية في ظل آلهة النفوذ والتكنولوجيا والاستثمارات والرخاء القديمة / الجديدة.
لقد تحولت صورة نخبة الفكر في العالم الثالث جذرياً في عصر العولمة، ففي عصر الاستعمار قامت نخبة الفكر المحلية بدور قائد في كل من الاستقلال السياسي والثقافي على الرغم من أنها كانت وفق رؤية "بندكت أندرسون " نخبة فكرية وحيدة مزدوجة اللغة يركبها القلق"
(31) إلا أنها عكست هموم ومعاناة شعبها، وحاربت من أجل الاستقلال عن سادتهم المستعمرين ومدارسهم التي درسوا فيها، أما نخبة فكر "عولمة العالم الثالث" فلا تشاركها هذا القلق" ، فالعلماء والفنيون والمهندسون والباحثون يجمعهم الانشغال بالأعمال والاستثمارات، وكلهم يعبرون عن أنفسهم بأسلوب جديد من اللغة الإنجليزية، وهو أسلوب مدرسة لندن للاقتصاد، أو مدرسة هارفارد للأعمال، وبتعبيربيير بورديو يميل هؤلاء الفنيون الجدد لتفضيل الربح الاقتصادي على حساب اختلال وضعهم الفكري والاجتماعي في مجتمعات العالم الثالث، ويدعم الفنيون ما يسميه بورديو " العنف الهيكلي " في هذه المجتمعات أي زيادة عدد المتعطلين والمهمشين في المجتمع
(32).
تنهض اللغة الإنجليزية، وتحديداً الإنجليزية الأمريكية، بدور رائد في عصر العولمة فلا يمكن أن يكون الفني ناجحاً دون إتقان أسرار إنجليزية الأعمال الأمريكية، وإذا صح أن الإنجليزية الأمريكية تطورت من رحم الإنجليزية البريطانية خلال القرون السابع والثامن والتاسع عشر، فمن الصحيح بالدرجة نفسها أن الإنجليزية الأمريكية كانت تستجيب خلال هذه الفترة بشكل خلاق للظروف الاجتماعية والاقتصادية للعالم الجديد، فقد طور الأمريكيون في معركتهم ضد السيطرة البريطانية مرجعية لغوية لا تشترك في القواعد القديمة مع إنجليزية الملكة، فعزز "نوح وبستر" اللغوي الأمريكي البارز في القرن التاسع عشر الفهم بأنه "من المستحيل إيقاف تقدم اللغة فهي أشبه بمجرى الميسيسيبي الذي يتدفق وإن دقت أحيانا ملاحظة حركته"(33).
لقد أخفقت النخبة السياسية الأمريكية خلال الحرب الباردة 1945-1989 في نشر اللغة الإنجليزية في مواجهة أعدائها، أساساً ، لأن الإنجليزية الأكاديمية كانت حكرًا على المفكرين اليساريين الذين تخلوا عن وصاية الكتب العظيمة، والقيم التقليدية، وأفسدوا النظام الاجتماعي
(34) ومع ذلك، فقد اتخذت إنجليزية الأعمال مع انهيار الاتحاد السوفيتي ونهاية الحرب الباردة وضعا هجومياً، وتبنى التكنوقراط الجدد في الشمال والجنوب نمطاً رسمياً من الإنجليزية أكثر مساعدة لعالم المال والأعمال منه لعالم الإنسانيات.
إن زيادة البؤس والفقر الاقتصادي ليست حكرًا على العالم الثالث وحده
(35) فتنتشر هذه الظاهرة نفسها في المركز كما في فرنسا وإنجلترا والولايات المتحدة، فالتحلل الحضري بادٍ في مدن المراكز الرئيسة، وهو في معناه العميق عرض لنقص الرفاه الاجتماعي والتعليمي بين الفقراء، ويدل تعاطى المخدرات وانتشار الجريمة المحلية على أن نسبة لها دلالتها من المجتمع في المركز المتقدم تم تهميشها، بعبارة أخرى، كسبت الرأسمالية في سعيها لمراكمة رأس المال المزيد والمزيد من الربح، ولكن على حساب نشر الدمار في القطاعات الضعيفة من المجتمع داخلياً وفيما وراء البحار، وكما يوضح أحد المؤلفين "تلد الرأسمالية الرخاء والفقر معا في الوقت نفسه"
(36) .
وكما سلف لم يظهر النظام العالمي الجديد من فراغ، فقد أصبح العالم الثالث مع سقوط النظام السوفيتي في أوائل التسعينيات، بعد عقود من النضال الحاد، ضحية سهلة للهيمنة الأمـريكيـة
(37) وبغض النظر عما إذا كان العراق هدف بغزو الكويت سنة 1990 تحدي السيطرة الغربية عموما، وسيطرة الولايات المتحدة خصوصا، فقد بثَّ تجميع القواعد الغربية تحت لواء الأمم المتحدة موجات صادمة عبر العالم الإسلامي، وحافظت ـ إن لم تكن عززت ـ الهزيمة العسكرية للعراق على مصالح الغرب القومية التي قوَّت ـ في مفارقة تاريخية واضحة ـ نظم الخليج السياسية التسلطية، ومنعت أية فرصة حقيقية لتحقيق الديمقراطية لأعوام عديدة قادمة.
أثار هذان الحدثان - بالإضافة إلى إبراز التحولات الرئيسية في الأحلاف العالمية، وشهود ظهور الولايات المتحدة كقوى عظمى وحيدة - بشكل أكثر حدة قضية الهيمنة الثقافية الغربية مرة أخرى، وخصوصاً الأمريكية، وآثارها على ثقافات العالم الثالث، فمحدودية التأثير الأمريكي على العالم الإسلامي ، في عصر ما بعد الحرب الباردة ، بالمسائل الاقتصادية والسياسية أمر أبعد ما يكون عن الصحة؛ لأن هذا التأثير فكري ومفاهيمي في المقام الأول؛ ولأن النخب الإسلامية الحاكمة تبنت الأفكار الرأسمالية العملية كأنماط مثالية لها
(38).
ونظراً لتشابك الغرب مع العالم الإسلامي منذ أوائل القرن التاسع على الأقل، فإن الغرب كظاهرة لا يزال يحير الفكر الإسلامي الحديث، ومع ظهور الاستعمار في أوائل القرن التاسع عشر تساءل المفكرون المسلمون " ما الغرب ؟" وفرض الغرب تحدياً أساسياً على العقل العربي الإسلامي الحديث، وهذا التحدي هو الذي أرغم الفكر الإسلامي الحديث على نقد الماضي، ومحاولة انتحال روح الغرب العلمية الحديثة، ومع ذلك بقى الغرب مصطلحاً غير محدد في الفكر الإسلامي الحديث هل يمثل الاستعمار ؟ أم الليبرالية ؟ أم المسيحية ؟ أم الرأسمالية ؟ أم الاشتراكية ؟ وعادة ما اتخذ الغرب -ككيان علمي ثقافي اجتماعي- وضعاً هجومياً باستمرار.
لقد كان مفكرو النهضة في العالم العربي والمفكرون الليبراليون في الهند المسلمة في القرن التاسع عشر
(39) تأسرهم الإمكانات المختلفة التي يقدمها العقل الغربي، والعلم الغربي، وكانوا واعين بالركود العميق لمجتمعاتهم، وأن هذا الركود ينتهك مبدأ إسلامياً رئيساً وهو "المصلحة العامة"، وسَعوْا لتحسين الأوضاع بإحياء هذا المبدأ وربطه بالحاجة للعلم الغربي ، بعبارة أخرى، فإن العلم الغربي ومبدأ المصلحة العامة لا يلتئمان في فكر نخبة الفكر في عصر النهضة، وعلى النقيض من ذلك ، يجب للوفاء بالمبدأ الإسلامي تبنى منطق الحداثة (مثلاً العلم)
(40) وهكذا رأى رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده وسيد أحمد خان وأقرانهم أنه يمكن حل هذا التوتر (الركود مقابل العلم) فقط، إذا ربطت نخبة الفكر في زمانهم فلسفتها المذهبية بمنطق الفلسفة والعلم الغربيين أي بتأييد التقدم، وهو المفهوم المحوري لحداثة القرن التاسع عشر الأوربية. ومع ذلك، فقد وضح أثناء محاولة حل هذا التناقض تناقض آخر: تناقض العلم والاستعمار وكلاهما من معطيات الغرب.
كان مفكرو القرن التاسع عشر المسلمون واعين بشكل جيد أن الغرب لا يعنى ببساطة العلم، بل والسيطرة العسكرية والسياسية أيضاً .
حددت التوترات المزدوجة بين الركود الإسلامي والعلم الغربي وبين العلم الغربي والهيمنة الغربية مُعلّمات التحديات الرئيسية التي واجهت العقل المسلم منذ القرن التاسع عشر، وأصبح هذا الاستقطاب المزدوج أكثر تعقيداً في منتصف الخمسينيات بعد نهاية الاستعمار الرسمي في أغلب الدول الإسلامية، وسعت الدولة القومية الجديدة للتحديث دون التضحية بالمصلحة العامة، سواء أكانت مشتقة من الفكر الإسلامي أو من الفكر القومي، وسعت للاستقلال الاقتصادي والاجتماعي عن الغرب الذي كانت لا تزال تعتمد عليه، وعندما بدأت العولمة تضع بذورها الاقتصادية في أوائل السبعينيات مع الغزو الاقتصادي للصين، ثم أثمرت مع انهيار النظام السوفيتي في التسعينيات، أصبح العالم الإسلامي واقعاً في شرك شبكة الغرب الرأسمالي ، وبدأت الفجوة في القوة بين العالم الإسلامي والغرب في الاتساع إلى درجة أن دولة مثل سوريا كانت تستخدم الاتحاد السوفيتي لدعم مركزها، استرضت الغرب بإرسال قواتها لمحاربة العراق، وتحققت النظم السياسية الإسلامية توًّا أنه من الانتحار تحدى السلطة الأمريكية، وكان لهذا التباين الأساسي في القوة آثاره العميقة على عمل المجتمعات الإسلامية داخلياً، وأدى إلى فجوات أوسع بين الأثرياء والفقراء داخل العالم الإسلامي، ووطَّد التحول الدولي المصاحب له في قوة النخب السياسية والعسكرية المسلمة

|
|
|
|