يثير
مفهوم "التجديد" جدلا متزايدا في
الآونة الأخيرة، في سياق تنازع كل فريق على
امتلاك الحق في تفسيره وتجسيده، وإيجاد
المستند المعرفي لوجهة نظره في ثنايا
تراثنا، وقد زاد الصراع المتفاقم مؤخرا حول
طبيعة هذا المفهوم (التجديد) ومجالاته
وقضاياه وأساليبه ووسائله: من ضبابية
المفهوم وهلاميته، فلا تكاد تجد اتفاقا ذا
شأن حول جوهره، في الوقت الذي لا تكاد نجد
فيه اختلافا حول ضرورته وراهنيته!.
ويأتي
الكتاب الذي بين أيدينا ليقدم مساهمة فاعلة
ومهمة لمجموعة من الباحثين الذين شغلهم
مفهوم التجديد على صعيد التجذير أو التثمير،
ليكون لبنة ثانية في "ملتقاهم الفكري"،
وهم ثلة من الأكاديميين المختصين في مجال
العلوم الشرعية والإنسانية على حد سواء،
جمعتهم الرغبة في توضيح مفهوم التجديد
وبلورته، فكان كتابهم الأول "خطاب
التجديد الإسلامي.. الأزمنة والأسئلة"،
ويأتي كتابهم الثاني "الإسلام في عالم
متغير" خطوة ثانية في هذا الصدد، لكنها قد
تفهم على أنها ارتكاس عن النهج إذا أُخطئ
فهمها؛ نظرا لانصياع مجمل الكتاب لنبرة
الخوف على مفهوم التجديد ومساره من الاستلاب
للخارج والانصياع لمتطلباته.
جدل
الديني والسياسي
حقا،
"ربما يُفسِد التجديد أحيانا، لكن
التقليد المحض يفسد إفسادا مطلقا"، بهذه
المقولة يفتتح الباحث (معتز الخطيب) بحثه "تجديد
الخطاب الديني بعد 11 أيلول جدل الديني
والسياسي"،
ليؤكد ابتداء على شرعية المصطلح "التجديد"
من خلال وروده في سياق حديث نبوي شهير، على
الرغم من عدم نيله لذات الشهرة مطلع القرن
العشرين إلا بعد أن خفت وهج مدرسة الإصلاح
التي نسبت لمحمد عبده، مطلع الستينيات
والسبعينيات "فبقي
مقصورا على فئات نخبوية ولم يتحول إلى عمل
مؤسسي واسع، فضلا عن حديث الصحافة".
ويحدد
الباحث غايته من هذا البحث بأنه لا يفتأ يدرس
كيف تحول هذا الخطاب إلى موضوع اهتمام
الشرائح السابقة، ويحاول أن يفسر كيف تحول
الحديث بعد 11 سبتمبر من حديث عن الإرهاب، إلى
حديث عن إصلاح العالم العربي، وتجديد الخطاب
الديني، ليدرس جدل الداخل والخارج، ومفهوم
التجديد المطلوب بحسب الاتجاهات المطالبة
به، وكيف تحول التجديد من مطلب للإصلاحية
الإسلامية إلى مطلب للإصلاحية الأمريكية،
ومصير مشروع التجديد الإسلامي في هذا الجدل،
وكذلك مصير المشروع الأمريكي معتمدا على جدل
الديني والسياسي.
يحاول
الخطيب في مفتتح بحثه أن يجد إطارا تفسيريا
للسياسة الأمريكية ومقاربة تاريخ 11 سبتمبر
لبحثه، فيجد أن جميع المقاربات لهذا الحديث
على تنوعها قد آلت في النهاية إلى التركيز
على البعد المعرفي الثقافي الذي ربما كان
نتيجة طغيان المنظور الثقافي والتحليل
السياسي في ظل العولمة وحديث ما سمي بصراع
الحضارات. فالحديث عن الإرهاب ومتضرريه جر
إلى الحديث عن التغيير والإصلاح على مستويات
مختلفة ومنها الديني والثقافي لشعوب
المنطقة المفرخة أساسا لعناصر الإرهاب حسب
الزعم الأمريكي.
إن
سؤال المفهوم الذي طرح أمريكيا حول ماهية
الإرهاب، تعمد تحويله إلى مفهوم ضبابي ممزوج
بالهاجس الأمريكي من التهديد الإسلامي بعد
أحداث 11 أيلول، وبالرغبة في مد حلم
الإمبراطورية على العالم بأسره وقلبه في
الشرق الأوسط. فتحولت الحرب على الإرهاب،
حسب المحافظين الجدد، إلى حرب على الأفكار
التي ولدت هذا المفهوم ووسائل مكافحته
المتمثلة بتجديد الخطاب الديني والضغط على
المؤسسات الدينية لتغير المناهج وإقامة
المحطات الإعلامية لنشر خطابها مباشرة. وقد
حلل المحافظون الجدد الباعث من وراء نشوء
ظاهرة الإرهاب وردوها إلى مشكلة بنيوية في
العالم العربي والإسلامي: أسبابها سياسية
واقتصادية وثقافية، في نزعة غربية تطهرية لا
تخلو من امتهان للآخر واحتقار له.
وعلى
أساسه فإن السياسة الأمريكية حيال المنطقة
وبدافع المصلحة قد تبدلت من صرف النظر عن
سياسيات حكام تلك البلاد إلى التدخل المباشر
في شئونها وفرض سياسات ومصالح أمريكا
بالقوة، والعمل على إيصال عناصر إسلامية
معتدلة يقبل بها الشارع وتحقق مصالح
الولايات المتحدة الأمريكية في الوقت ذاته
إلى السلطة، إلا أن الدرس العراقي مؤخرا
ربما أعاد النظر في ذلك، بعد اكتشاف
الأمريكان لمدى تغلغل الذهنية الدينية
وسيطرتها عبر المرجعيات على الشارع بوجه عام.
ويبرز
الباحث ملامح مشروع التجديد الأمريكي في
تحديث الإسلام، سياسيا وثقافيا وتغيير
مناهجه الدينية بما يتلاءم مع مصالح أمريكا،
مع الحرص على الابتعاد عن نقاط التماس
والتوتر (فلسطين ـ العراق ـ العلاقة مع
إسرائيل)، ورغم التشابه الظاهري بين
الإصلاحية العربية والأمريكية من حيث
الوسائل والغايات، فإن اللوثة النفعية
الواضحة في فرض السياسات والمناهج
التعليمية تجعل من الحوار المطروح حاليا
أقرب إلى الإكراه، خصوصا مع انصراف
التقليديين وغير الإسلاميين لحمل لواء
المشروع في المنطقة.
ويبدي
المؤلف مخاوفه في أن يتعثر مشروع التجديد
بسبب تلوثه أمريكيا كما وُلد مشتبها بلوثة
العلمانية مع بداية القرن العشرين، مما أعاد
المشروع إلى "مربع
الدفاع"
عن الذات والتأكيد على نقاء الهوية. أما عن
المشروع الأمريكي، فإنه لا يعدو كونه مجرد
محاولة استعمارية جديدة لفرض الإملاءات
والمصالح لم يخل منها عصر من العصور.
من
الإصلاحية إلى ما بعد الهوية
يحاول
"عبد الرحمن الحاج" في بحثه (من
الإصلاحية إلى ما بعد الهوية وتحولات أيلول)
أن يركز على ملامح خطاب التجديد ومساراته
بعد نضوجه إبان انهيار المدرسة الإصلاحية،
وتجاوز مأزق الهوية الذي حشره فيه صراعه
الإيديولوجي مع الماركسية، ليبين تلك
الملامح ومدى تأثرها بأحداث 11 أيلول.
يحدد
(الحاج) الإطار المرجعي للخطاب التجديدي من
خلال إبراز نقاط الالتقاء والافتراق مع غيره
من الخطابات، فإذا كان خطاب التجديد يشترك
مع غيره في الاعتقاد بانعدام المؤسسة
الدينية الكهنوتية والإيمان بصلاحية
الإسلام لكل زمان ومكان، فإن "تصور العالم"
أي تصور العصر هو ما يميزه عن غيره من
التيارات الفكرية، ففيما يرى الخطاب السلفي
التاريخ الإنساني تاريخا سائرا نحو الأسوأ
دوما، وأنه تاريخ ثابت لا يتغير، يراه
الخطاب التجديدي على العكس متقدما نحو
الأفضل تحقيقا لرسالة الإسلام، ووعيا
تاريخيا بتغير الزمان ووجودنا في هامش الزمن
على ضفة الانحطاط أو التخلف، في مقابل وجود
ضفة أخرى للتقدم أو التمدن.
ورغم
اعتراف الإصلاحية بذلك، فإن مقتلها تجسد في
اعتبار زمن الآخر زمنا لنا وسباقها لتحقيقه.
إلا أن الخطاب التجديدي نضج بعد ذلك ومارس
عدة محاولات لنقد الآخر عبر عدد من
المشاريع، منها "إسلامية المعرفة".
فيما يرى الحداثوي العربي العالم متقدما نحو
الأفضل وبنفس آلية التفكير السلفية، ولكن
تجاه زمن الآخر المتفوق حاليا.
ويحدد
الباحث عناصر الخطاب بـالتراث والمعرفة
الحداثية والنص، وفيما يحكم العلاقة بالنص
مسافة اللغة والعقل، فإن رؤية خطاب التجديد
للتراث تفارق السلفي والحداثي من خلال
اعتبارها التراث جهدا فكريا يدور حول النص،
تحكمه العلاقة بالمجتمع والجدل السياسي
الاجتماعي، وعدم إطلاقية صلاحيته، أي
الإيمان بنسبية التراث، أما صلته بالمعرفة
الحداثية، فإنها قد تجاوزت مرحلة الانبهار
والتلقي إلى التفاعل جديا مع المعرفة ونقدها
وإعادة إنتاجها دون الخوف من الرغبة الجامحة
للتنميط لدى ظاهرة العولمة، "فإن مفهوم
الهوية يكبح جموحها نحونا"، وتبقى نظرة
الريبة من كل من السلفي والحداثي موجهة نحو
خطاب التجديد باعتبار الأول أن ما يمارسه هو
تخريب الدين، والثاني باعتباره خطاب
التجديد (حصان طروادة) الجديد لتحديث بنية
المجتمع.
ولا
يخفي الباحث مخاوفه حيال مستقبل مشروع
التجديد من خلال معضلة السياق التاريخي
الراهن وهجمة المشروع الأمريكي للتحديث في
المنطقة، فبين الوصم بالخيانة إن استجاب
التجديدي للدعوات الأمريكية، أو الظهور
بمظهر المتخاذل أو المنتكص إن لم يستجب لها
وخسارة أنفسهم ومكاسبهم الماضية يبقى
الرهان محصورا لدى خطاب التجديد، إلا أنه
يربط "مستقبل التطور في هذا الخطاب (تسارعا
أو بُطأً) بمدى استقلاليته عن الفعل السياسي
وانفراج قضية الهوية أمامه".
بين
التطرف والتجديد!
"عبد
الرحمن حللي" لفت النظر في بحثه إلى تحول
عنوان "التجديد" من "ترف فكري" إلى
أحد أهم العناوين الفكرية المطروحة والملحة
حاليا، وعلى الرغم من استقالة الفقهاء عن
القيام بدورهم قسريا، خاصة بعد أحداث 11
أيلول، فإن المدخل المعرفي الذي اختاره ينقب
عن سر تفاقم ظاهرة التطرف في السياق
الإسلامي دون أن يحدث ذلك أي هزة في الفكر
الإسلامي، وعلى الرغم من تبرير أحداث 11
أيلول بعوامل الكراهية والجاذبية لتدمير
أمريكا بوصفها المستفز الحالي لمشاعر العرب
والمسلمين.
وينقب
الباحث في ظروف نشأة التطرف المعاصر، ويرده
إلى جماعة التكفير والهجرة التي أسست في
أقبية السجون المصرية، والذين أسهم التعذيب
والسحل من قبل النظام في توليد جيل فكره آن
ولا يفكر في المستقبل، ويلحظ انتماء أفراده
إلى فئة الدارسين خارج المؤسسات التقليدية،
ممن تلقوا علوما تقنية في معظمها، ليخلص إلى
تقرير فشل السياسات الرسمية في تسييس
المعرفة الدينية أو تحديثها الفوقي لمحاربة
التطرف، لأنها لم تنجح في النهاية في القضاء
على بذور التطرف الفكري.
ويحمل
الباحث مسئولية تفاقم ظاهرة التطرف إلى عدد
من الجهات، يتحمل الجزء الأكبر منها الأنظمة
السياسية بما قامت به من محاولة تمييع
المعرفة الدينية وتسييسها، وغياب التفكير
الحر والمشاركة الديمقراطية، فضلا عن
مسئولية بعض التيارات الفكرية والدينية،
ويلمح إلى أن حل هذه الظاهرة هو من قبيل
الحلول الحضارية الشاملة التي ترتبط بسنن
التغيير في المجتمع، وتنبيه المجتمعات
العربية والإسلامية إلى اختلاف العصر
والزمان الذي عاشوه سابقا عن تحديات العصر
الراهن، فأي "تفكير جدي لحل ظاهرة التطرف
يشترط وعيا ذاتيا بضرورة تجديد العقلية
الإسلامية القائمة ونظرتها للحياة والعالم"،
تجديدا لا يكون حسب الطلب الغربي والأمريكي.
افتراق
القيم
ويحلل
"رضوان زيادة" في بحثه مطولا وجهة نظر
الباحث الأنثروبولوجي "أرنست غيلنر"
حيال ما يسود العالم حاليا من رؤى (الأصولية
والنسبية وموقف تلفيقي بينهما)، وإذ يتبنى
"غيلنر" الموقف الأخير، فإنه يؤكد على
انتماء العالم العربي والإسلامي إلى الموقف
الأول، ويجزم بوجود ممانعة بين الإسلام
والعلمنة، فالإسلام يملك نظاما معرفيا خاصا
به، ولن تؤدي الوفرة الاقتصادية إلى تآكل
الالتزام الديني بل على العكس، ويرى في رؤية
"غيلنر" تلك إظهارا للصراع الخفي
الدائر حاليا بين ضفتي الأطلسي على "القيم
الكونية"، مع التركيز على الرسائل
المتبادلة مؤخرا بين المثقفين الأمريكيين
والألمان والسعوديين، واختلاف القيم
والمفاهيم من ناحية المضمون بين الفرقاء
الثلاثة كما تبدى من خطاباتهم.
ويؤكد
ختاما أنه إذا كان التصدع قد أصاب الثقافة
الغربية ذات الأصل التاريخي المشترك، فإنه
لم يعد مبررا الحديث عن قيم كونية أو ثقافة
كونية؛ فالصراع في جوهره هو اختلاف على
المصالح والرؤى، ومن يملك التفوق والقوة
سيفرض قيمه ومصالحه.
شروط
الوحدة واستئناف الدور
يبحث
المفكر "أبو يعرب المرزوقي" في بحثه،
شروط وحدة المسلمين واستئناف دورهم الكوني،
فيقسم بحثه إلى ثلاث مسائل: الأولى في تشخيص
الأعراض الدالة على فساد الوحدة الروحية بين
المسلمين، والثانية في تحليل مسألة التحريف
والجاهلية كما وردت في سورة آل عمران،
والثالثة في شروط الخلوص من ذلك كما ورد في
سورة العصر.
وفيما
يخص المسألة الأولى يحصر المرزوقي ذلك في
فساد عقل الإنسان العملي بدافع القهر والعسف
الداخلي والخارجي، وفساد عقل الإنسان
النظري بدافع نفس العوامل والتي تقضي
بمجملها على الإرادة الحرة والفكر الحر عند
الفرد والجماعة.
ويرد
سبب ذلك إلى تحريف على المستوى النظري
والعقلي، وجاهلية خلقية على المستوى
العملي، ليستثمر سورة العصر والاستثناء
الوارد فيها لتحقيق إصلاح على مستوى الضمائر
الفردية وإصلاح الوعي الجماعي عن طريق صيغة
جامعة هي "الإيمان والعمل الصالح" على
المستوى النظري أو العقلي، و"التواصي
بالحق والصبر" على المستوى العملي. وهو
التشخيص الذي بسطه ابن خلدون في مقدمته.
لم
تعد الرغبة في التجديد مقصورة على الداخل
المتماوج والمختلف حول (ماهيته)، بل امتدت
ليغدو مطلبا خارجيا وقسريا في كثير من
الأحيان، ورغم الاختلاف في تحديد ماهية
التجديد وقضاياه ومجالاته وأساليبه
ووسائله، فإن الرغبة الصادقة في النهوض
بالأمة من كبوتها تشكل قاسما مشتركا بين
مختلف الاتجاهات، شريطة أن تتنزه عن المآرب
والمصالح السياسية، والإملاءات الخارجية
وخاصة الأمريكية، إلا أن القيام بذلك لن
يكون مذللا ما لم نقتنع بداية بضرورة
التجديد وأهميته داخليا.
اقرأ
أيضا:
**
كاتب فلسطيني.