 |
|
ملصق فيلم محمد تركة نبي
|
التمثيل
إحدى الأدوات الفنية التي لم يعرفها السلف
الصالح، ولهذا فهو يعد من المستجدات العصرية
التي يجب أن نعمل فيها آلة الاجتهاد
بأدواته، خاصة أنه ليس فيه نص، وليس هناك ما
يقاس عليه، وليس فيه إجماع من علماء الأمة في
عصرنا بشكله العام، وهناك اجتهادات كثيرة في
حكم تمثيل الأنبياء والصحابة، وهذا يدل على
مكانة هذا العمل في حياتنا، وأهميته، وأنه
وسيلة لا يمكن لنا أن نغفلها لما له من تأثير
في حياة الناس.
والمتتبع
لأقوال الفقهاء المعاصرين لا يجد خلافا في
حرمة تمثيل أدوار الأنبياء بأشخاصهم، أو ما
يطلق عليه "الإجماع السكوتي"، "ومُنطلق
التحريم هو أن درء المفاسد مُقَدَّم على جلب
المصالح، فإذا كانت الثقافة تحتاج إلى خروج
على الآداب فإن الضرر من ذلك يفوق المصلحة،
وأن عِصْمَةَ الله لأنبيائه ورُسُله من أن
يتمثل بهم شيطان مانعة من أن يمثل شخصياتهم
إنسان"، وأن تمثيلهم ليس مطابقا للواقع،
فيغلب فيه جانب الضرر، وأن تمثيلهم قد يؤدي
إلى إيذائهم وإسقاط مكانتهم وغير ذلك من
الأدلة التي استند عليها.
ولكن
هذا لا يعني ألا تكون حياة الأنبياء مادة
لأحد أشكال الدراما من الفيلم أو المسلسل أو
المسرحية أو غير ذلك؛ فهذا أمر يدخل في باب
الإباحة أو المستحب على الأقل، ويمكن اتخاذ
التقنيات الفنية المعهودة في إدارة القصة مع
عدم ظهور بطلها، وهو أمر موجود في عالم الفن
بعيدا عن طبيعة المادة الممثلة فيما يتعلق
بحياة الأنبياء.
أما
عن تمثيل الصحابة، فللعلماء المعاصرين فيه
ثلاثة آراء:
الأول:
المنع المطلق، فلا يجوز -عند هذا الفريق-
تمثيل أشخاص الصحابة بالكلية، وهو ما يراه
عدد من علماء الأزهر، منهم الدكتور أحمد عمر
هاشم، والدكتور عبد الصبور مرزوق، والدكتور
عبد العظيم المطعني، والدكتور عبد الفتاح
عاشور، والدكتور محمد سيد أحمد المسير، وهو
ما مال إليه الدكتور أحمد الريسوني من علماء
المغرب، وهو أيضا رأي اللجنة الدائمة للبحوث
العلمية والإفتاء بالسعودية، ومثلها: الشيخ
ابن باز والشيخ عبد الرازق عفيفي، والشيخ
عبد الله بن غديان والشيخ عبد الله بن قعود،
بل صدرت فتوى من هيئة كبار العلماء
بالسعودية بذلك، واستندت لجنة البحوث
والإفتاء إليها في فتواها.
الثاني:
الإباحة المطلقة، وهو مذهب علماء الشيعة،
نقله عنهم الشيخ فيصل مولوي في إحدى فتاواه.
الثالث:
حرمة تمثيل البعض وإباحة تمثيل الآخرين. وفيمن
يحرم تمثيله رأيان:
الأول:
الخلفاء الراشدون وآل البيت.
الثاني:
العشرة المبشرون، ومنهم بالطبع الخلفاء
الراشدون وآل البيت.
ويمثل
هذا الفريق الشيخ القرضاوي، والشيخ فيصل
مولوي، والمفهوم من كلام الشيخ ابن عثيمين،
ودار الإفتاء المصرية، ومجمع البحوث
الإسلامية ولجنة الفتوى بوزارة الأوقاف
الكويتية وغيرهم.
أدلة
القائلين بالتحريم:
ويستند
من يقول بالتحريم مطلقا إلى ما يلي:
1-
أن كل من بُشِّر بالجنة لا يجوز تمثيل
أشخاصهم، لا فرق في ذلك بين درجاتهم؛
فبشارته بالجنة تمنع تمثيله. وهو رأي كثير من
علماء الأزهر ممن قال بالتحريم.
2-
ما قد ينتج عن تمثيل أشخاصهم من الامتهان
والاستخفاف بهم، والنَّيل منهم؛ إذ يقوم
بدورهم -غالبا- أناس بعيدون كثيرا عن التدين
والالتزام بأوامر الله؛ وهو ما قد يولد
السخرية من الصحابة والدين وتعاليمه، مع ما
في ذلك من ظهور سب الصحابة بتمثيل دور
المشركين معهم. وهو ما قالته لجنة الإفتاء
والبحوث وهيئة كبار العلماء بالسعودية.
3-
أن المفاسد المترتبة عليه أكثر من المصالح،
وما كانت مفسدته أرجح فهو ممنوع، فإن قال
البعض: إن في تمثيل حياتهم إظهارا للأخلاق
والسلوكيات الحميدة، فهذا مجرد افتراض
ينفيه واقع التمثيل. وهو ما قالته لجنة
الإفتاء والبحوث وهيئة كبار العلماء
بالسعودية، وعدد من علماء الأزهر.
4-
أن تمثيل الصحابة إنزال لمكانتهم العالية
التي وهبهم الله تعالى إياها في قرآنه، وعلى
لسان نبيه صلى الله عليه وسلم. وهو رأي هيئة
كبار العلماء بالسعودية، والمفهوم من كلام
عدد من علماء الأزهر.
5-
أن غرض التكسب والتربح سيطغى على تقديم
الصورة الصحيحة؛ وهو ما يدفع القائمين
بالإنتاج والتمثيل في التلاعب في سيرتهم،
والتجار بما يناسب الربح والاتجار بعيدا عن
الدقة العلمية. وهو مستند هيئة كبار العلماء
بالسعودية.
6-
ما حدث من قيام البعض من تمثيل الصحابة وسبهم
وقذفهم والاجتراء عليهم، بل استخدام الحبكة
الفنية ومهارات الإخراج في التلفيق
والتشويق بهدف الإقناع والتصديق. وهو ما
قاله الدكتور عبد العظيم المطعني.
7-
أنه لم يتبق لنا في عالم الأسوة والقدوة إلا
الصحابة، فمن الأولى أن نبتعد عنهم، وإن كان
هناك إفلاس في موضوعات جيدة في الفن، فلتكن
بعيدة عن هؤلاء الصحابة.. وهو ما ذهب إليه
الدكتور أحمد عمر هاشم.
8-
أن القدرة على تمثيل الصحابة بأشخاصهم عمل
صعب فنيا؛ إذ إن الله تعالى وهب الصحابة
قدرات خاصة كي يكونوا أهلا لصحبة نبيه صلى
الله عليه وسلم، وهذا لا يمكن تصوره في العمل
الفني.. ولا يجوز التعرض بالتمثيل لهم،
استنادا لقوله صلى الله عليه وسلم "الله
الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا من بعدي.. فمن
أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي
أبغضهم" أخرجه الترمذي. وهو رأي الدكتور
عبد الفتاح عاشور.
9-
أن هؤلاء الكتاب والفنانين ينقصهم أدنى
فنيات وأدوات كتابة التاريخ، فضلا عن كتابة
السيرة التي لا يمكن معالجة حياة هؤلاء
بعيدا عنها؛ فهم جزء لا يتجزأ من السيرة
النبوية الشريفة التي لا يصح كتابتها أو
الخوض فيها بعيدا عن التزود بأدوات علم
الحديث من جرح وتعديل، وهو مستند الدكتور
عبد الفتاح عاشور أيضا.
10-
أن فن السينما متأثر بالفكر الكهنوتي
والكنسي الذي بزغ المسرح والسينما في أحضانه
من تقديس للأشخاص ولعب أدوار الآلهة في
المعابد، بل وعبادة لها من دون الله.. والفن
في الإسلام متحرر من هذه المادية المغرقة،
بعيد عن التوثين والتجسيد وعبادة الفرد
للفرد.
11-
وإذا كنا في زماننا هذا نفزع من تهمة تسمى
الازدراء برمز الحكم.. فكيف بالازدراء برموز
الإسلام؟!. وهو رأي بعض علماء الأزهر.
12-
القول بتحريم تمثيل الصحابة مستند على قاعدة
درء المفاسد، واتقاء الشبهات؛ فالقول
بتجسيد حياتهم تمثيلا قول محفوف بالأخطار
العظام، وإذا سلمت شخصية فلن تسلم أخرى،
وإذا وجدنا من يفهم ويعلم سيرتهم اليوم، فلن
نجده غدا، بل وستظل تصورات الفنانين
لأشخاصهم نهبا لكل شارد ووارد؛ فمن اتقى
الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه. وهو ما
استند إليه الدكتور المسير.
أدلة
من يحرم تمثيل بعض الصحابة دون غيرهم:
ويستند
من يفرق بين العشرة المبشرين، أو الخلفاء
الراشدين وآل البيت إلى:
1-
أن كبار الصحابة لهم مكانة أكبر من غيرهم
تمنع من أن يقوم بدورهم أحد، ولكن يشترط فيمن
يقوم بتمثيل غيرهم أن يكون حسن السيرة
والاستقامة. وهو ما اشترطه الشيخ القرضاوي.
2-
إن كان الأولى عدم تمثيل أشخاص الصحابة،
فإنه إن كان التمثيل لن يقلل من شأنهم فلا
يمكن الحكم عليه بالحرمة، وليس في قيام شخص
بدور آخر فيه نوع من الكذب؛ لأنه معلوم أنه
ليس هو الشخص، وهذا هو المفهوم من كلام الشيخ
ابن عثيمين -رحمه الله-.
أما
الشيعة فمن الواضح أنه ليس عندهم دليل
للتحريم، كما أن منزلة الصحابة عندهم ليست
كما يرى أهل السنة، فلم يجدوا حرجا في تمثيل
أشخاصهم، بل إنهم لم يمنعوا تمثيل الأنبياء،
بشرط أن يظلل وجه الممثل ضوء بحيث لا يظهر
شكله فقط، أما صوته وحركاته فلا بأس بها
عندهم.
تحليل
الآراء
كان
هذا عرضا لآراء الفقهاء المعاصرين فيما يخص
تمثيل أشخاص الأنبياء والصحابة من خلال
الأعمال الدرامية، ويلاحظ أن تمثيل
الأنبياء فيه "إجماع سكوتي"، و"لا
تجتمع أمتي على ضلالة" كما ورد عن النبي
صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه ابن عاصم
والترمذي وابن ماجه بمعناه، ومكانة
الأنبياء الذين اصطفاهم الله تعالى وكونهم
شهداء الله على الناس، والمساس بشخصيتهم
مرفوض شرعا، وكذلك الشأن بالملائكة، فإنه لا
يمكن تشخيصهم في الأعمال الدرامية.
أما
الصحابة، فالأمة مختلفة في شأن تمثيل
أدوارهم، والحكم يقف على الأدلة التي
يستندون إليها، ومن الضوابط التي يجب
مراعاتها حداثة المسألة، يعني أنها ليست
مسألة قديمة لها سابقتها، فيجب اعتماد أدلة
جديدة أو صور من الأدلة حتى تتماشى مع
الاجتهاد المعاصر.
ومن
الأمور التي يستند إليها القائلون بالتحريم
أن كل من بُشِّر بالجنة لا يجوز تمثيله، ولا
أدري أيعد هذا دليلا للتحريم؟ بل إن عددا من
القائلين بالتحريم عابوا على مجمع البحوث
الإسلامية في استثناء العشرة المبشرين
بالجنة دون غيرهم، وذلك أن البشارة هنا كانت
في موطن خاص، ولكن المبشرين بالجنة آلاف من
الصحابة، فأهل بدر كلهم مبشرون بالجنة بنص
حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "وما يدريك
لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما
شئتم، فإني قد غفرت لكم"، متفق عليه،
وأصحاب بيعة الرضوان، كما في قوله تعالى: {لَقَدْ
رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ
يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ
فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ
السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ
فَتْحًا قَرِيبًا}
(الفتح: 18)، وأمهات المؤمنين مبشرات بالجنة،
وقد ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم عددا من
الصحابة أنهم من أهل الجنة، ولكن العشرة
جاءوا في حديث واحد، وحصر العشرة بأنهم
مبشرون وحدهم خلل علمي كبير، وهو ما قاله
علماء الأزهر ممن عقبوا على قرار مجمع
البحوث الإسلامية، وإن ذهبوا إلى تحريم
تشخيص أدوار الصحابة بالكلية.
أما
الاستناد إلى الاستخفاف والتقليل من شأن
الصحابة، فيصح أن يكون ضابطا لا مانعا،
بمعنى أنه يحرم تمثيل أدوار الصحابة إن كان
فيه استخفاف بهم، أو تقليل من شأنهم، أو
الطعن فيهم، والضابط لا ينقلب دليلا، ويقاس
على هذا أن معظم من استند إليه في التحريم،
فتصح أن تكون ضوابط لا أدلة، فكل ما كان فيه
مفسدة يحرم، والكذب التاريخي والطعن في
الصحابة ليس دليلا خاصا؛ فالكذب التاريخي
والطعن في الناس بلا بينة محرم بعيدا عن
كونهم صحابة أم لا، وإن كان الكذب والطعن في
الناس بلا صدق حراما؛ فإنه في حق الصحابة آكد
وأشد، ومن المعلوم عند الفقهاء أن درجة
الحرام ليست واحدة؛ فالزنى حرام، وزنى
العالم أشد حرمة، والزنى بالمحارم أشد، بل
إن الطاعات ليست كلها في درجة واحدة أيضا.
وعلى كل.. فالكذب في حق الصحابة والافتراء
عليهم يعد من كبائر الذنوب، ولكن الفعل في
ذاته محرم من البداية، فلا يمكن تخصيصه إلا
أن يؤكد عليه لشدته معهم.
والطعن
في أن في تمثيلهم مصالح مرجوة وأنه مجرد
افتراض ليس دليلا شرعيا، ولكن المسألة يختلف
تكييفها من عقل لآخر، فما زالت الجهة الأخرى
من أن هناك مصالح مرجوة في تحويل حياة
الصحابة إلى أعمال درامية أمرا معتبرا عقلا،
وله مصالح شرعية عند من يرى تلك المصلحة.
والاستناد
إلى أن تمثيل أدوار الصحابة صعب فنيا؛ لأن
الله تعالى وهبهم ما يهب غيرهم، فهذا من باب
الجملة وليس من باب التفصيل، فمن الصحابة من
أخطأ أخطاء لم يخطئها بعض من جاءوا بعدهم؛
فهم مكرمون على سبيل الإجمال، والأفضلية في
الأمة على الدوام، كما ورد: "مثل أمتي مثل
المطر: لا يدرى أوله خير، أم آخره" قال
السيوطي: رواه أحمد في مسنده والترمذي عن أنس
أحمد في مسنده عن عمار أبو يعلى في مسنده عن
علي الطبراني في الكبير عن ابن عمر، وعن ابن
عمرو، وقال ابن حجر في الفتح: وهو حديث حسن له
طرق قد يرتقى بها إلى الصحة، وكما جاء في
الأثر "الخير في وفي أمتي إلى يوم القيامة"
أورده السيوطي في الدرر المنتثرة، وأورد
الإمام ابن حجر حديث: "لا تزال طائفة من
أمتي قوامة على أمر الله"، وقال: وهذا معنى
الأثر: "الخير في وفي أمتي"، كما أن
صعوبة تمثيل أدوار الصحابة لقدراتهم هذا لا
يعني أننا سننشئ مجتمعا مثل مجتمع الصحابة
يقوم الناس بتمثيله بكل تفاصيله، فهذا مما
لا يتصور، وإنما هو نقل لصور من حياتهم،
للاستفادة منها.
والقول
بعدم امتلاك الأدوات الفنية، والمعرفة
بالجرح والتعديل يمكن أن يكون ضابطا يراعى،
بل واجب على الأمة أن تخرج من يمتلك هذه
الأدوات حتى تراعى في الأعمال الفنية، وأن
يدركوا قدر الصحابة -رضوان الله عليهم- وأن
يقصد إبراز محاسنهم، والسعي لتقديم صورة
طيبة لهم.
أما
تأثر القائمين بالأعمال الفنية لحياة
الصحابة بالفكر الكهنوتي الذي يميل إلى
التجسيم غالبا، فهذا كلام من حيث المبدأ
صحيح؛ فالثقافة الكهنوتية تميل إلى التجسيد
والرسم وغيرهما من صور الفنون، ولهذا ظهر
عندهم تجسيد لشخصيات كثيرة، ولم يكن هذا
موجودا في صدر الإسلام، غير أن التجسيد في
الفكر الكهنوتي كان منصبا على التجسيد في
التماثيل وغيرها، ولهذا يجنح جمهور الفقهاء
إلى حرمة تصنيع التماثيل الكاملة، وإن
خالفهم البعض، وربط الحكم بعلته وهي التقديس
والعبادة، ولكنه لا يمكن أن ننكر أن ثقافتنا
الإسلامية لا تميل في خصوصيتها إلى التجسيد
الممثل في التماثيل، غير أن التشخيص "التمثيل"
ليس تجسيدا، ولكنه محاكاة، فيكون الاستناد
على التجسيد في تحريم التمثيل أمرا في غير
محله، لأن صورة الدراما صورة جديدة.
والحكم
على أن الضرر قائم من حيث إن المنتجين لا
همَّ لهم إلا التربح والتكسب، فإن كان هذا
التربح والتكسب سيأتي على حساب الأمانة
العلمية في العرض وتشويه التاريخ فهو محرم
بلا شك، ولكن لا يمكن الحكم على أن كل من ينتج
ومن سينتج سيكون مثلهم، فقد دخل في ميدان
الدراما وغيرهم من يحبون الإسلام ويريدون أن
يخدموه، وعندهم الاستعداد في أن ينفقوا
الملايين من أموالهم لخروج عمل محترم يخدم
دينهم وسيرة سلفهم الصالح، بل هناك من غير
المسلمين من يحرصون على المهنة والحرفة قبل
أي شيء، ويرون أن هذه سبيل للتربح، وما دام
الفن يعرض الحقيقة، فلا بأس أن ينظر إلى
التربح، وإن كان الفقهاء أجازوا التربح من
تعليم القرآن والإمامة وغيرها، فلا بأس من
التربح من الأعمال الفنية، بل إن التكسب
والتربح قد يساعد على استمرار المسيرة
الفنية الصادقة، بشرط أن تحافظ على القيم
العليا والمثل التي يجب الامتثال بها في
العمل الذي يقومون به.
أما
من يرى أنه يجوز تمثيل أدوار الصحابة
باستثناء العشرة، فقد رد عليهم عدد من علماء
الأزهر بأن الاختصاص هنا ليس له دليل شرعي،
كما أن القائلين بإباحة تمثيل أدوارهم جميعا
يجب أن يكون مرتبطا بالتزام الضوابط الشرعية
من صدق النية، وعدم الكذب التاريخي،
وإبرازهم بالصورة اللائقة بهم، وأن يلتزموا
الصدق في كل ما يكتب مهما كان، وهذا يعني أنه
قد يظهر بعض الأخطاء التي وقعوا فيها، بشرط
عدم التزايد؛ فالصحابة ليسوا ملائكة لا تخطئ
مع الاعتراف بقدرهم، وأن تحمل على الوجه
الحسن، كضابط لفهم سلوك البشر بشكل عام،
وغيرها من الضوابط، غير أن هذا القول بإباحة
تمثيل كل الصحابة يقف دونه حائل، وهو إن كانت
الأمة أجمعت على تحريم تمثيل الأنبياء، فإن
الخلفاء الراشدين يلحقون بهم من حيث عدم
الجواز، ومستند ذلك ما يلي:
1-
أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل حياة
الخلفاء الراشدين جزءا من سنته، فهو ألحق
أفعالهم بسنته، وذلك في حديثه الترمذي وأحمد
وأبي داود: "وعظنا رسول الله صلى الله
عليه وسلم يوما بعد صلاة الغداة موعظة
بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها
القلوب فقال رجل إن هذه موعظة مودع فماذا تعهد
إلينا يا رسول الله قال: أوصيكم بتقوى
الله والسمع والطاعة وإن عبد حبشي فإنه من
يعش منكم يرى اختلافا كثيرا وإياكم ومحدثات
الأمور فإنها ضلالة فمن أدرك ذلك منكم
فعليه بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين
المهديين عضوا عليها بالنواجذ". فإن كان
يحرم ظهور شخص النبي صلى الله عليه وسلم، وهو
ما لم يحدث حتى الآن، فإنه يلحق به الخلفاء
الراشدون لجعل النبي هديهم من هديه، وسيرتهم
من سيرته.
2-
أن الأمة أجمعت على مكانة هؤلاء الأربعة بلا
خلاف بينها، وجعلتهم متمايزين عن غيرهم، وفي
إجماع الأمة على مكانتهم ما يسهم في تدعيم
القول بحرمة تمثيل أدوارهم، وقد زكاهم
الرسول صلى الله عليه وسلم بما لم يزك به
غيرهم.
3-
أنه يلحق بهم أيضا زوجات النبي وبناته
وأولاده صلى الله عليه وسلم، لارتباطهم
بحياته صلى الله عليه وسلم، ولاصطفاء الله
تعالى لهم، وجعلهم زوجاته وأولاده، فتكون
العلة في التحريم واحدة، تنسحب من الرسول
صلى الله عليه وسلم إلى أزواجه وأولاده.
4-
كما أنه يجب أن تراعى بعض الضوابط الشرعية،
التي استند إليها القائلون بالتحريم،
فإدراك ما للصحابة من فضل يجب أن يظهر في عرض
أعمالهم، وأن يكون هناك صدق تاريخي فيما
يكتب، وأن تكون هناك هيئة استشارية من علماء
التاريخ الإسلامي، لاعتماد الروايات
وترجيحها على روايات أخرى، فمن المعلوم أن
التاريخ الإسلامي شابه بعض الدخل الذي غير
بعض حقائقه؛ فالرجوع إلى أهل الذكر مهم جدا،
وأهل الذكر هنا هم علماء التاريخ والفقهاء،
كما يجب أن يراعى أن الحبكة الفنية لا تطغى
على حقيقة الواقع، مع اعتماد التقنيات
الفنية، وأن يخرج عمل فني محترم بمراعاة
الأدوات الفنية، فيظهر فيه الاحتراف مع
التصوير الصادق، وأن يراعى ألا يكون في
العمل الفني أضرار تعود على المجتمع، فإن
الأمة تحتاج إلى إظهار محاسنها، والتعلم من
أخطائها، غير أن التعلم من الخطأ ليس شرطا أن
يكون مكانه الدراما إلا إذا ظهر بشكل يتعلم
منه الأخطاء الواقعة في التاريخ، ومن أهم
الضوابط التي يجب أن تراعى حسن سيرة
واستقامة القائم بالتشخيص، ويمكن عمل
تغييرها في وجهه ونبرة صوته إن كان الممثل
على كفاءة عالية، والغرض من ذلك ألا ترتبط
الصورة الذهنية بين الممثل والصحابي الذي
تقوم مادة الدراما عليه، للأثر السلبي لسيرة
بعض الممثلين من غير ذوي الاستقامة، وغير
ذلك من الضوابط الشرعية التي ذكرت في أدلة كل
فريق.
وخلاصة
الرأي أنه لا يجوز تشخيص أدوار الأنبياء
جملة وتفصيلا، ولا أولادهم وأزواجهم
الصالحات، كما يلحق بهم الخلفاء الراشدون،
وما سواهم فيجوز تشخيصهم في الدراما بالشروط
المذكورة، على أن هذا هو ما يغلب على الظن من
حيث الحكم الشرعي، أما الفعل من عدمه،
والنظر في جدواه فلهذا حديث آخر، فقد يرى
المتخصصون من أهل الفن أن الأولى عدم ظهور
هذه الشخصيات العظيمة، غير أن الحكم بالأولى
غير بيان الحكم في أساسه، والقول هنا أقرب
للحكم الشرعي وليس للفتوى؛ لأن الفتوى لها
ارتباط بالحال والمآل والزمان والمكان وغير
ذلك من الملابسات الواقعية التي تفرق بين
الحكم الشرعي الذي يشبه المرجعية
التأسيسية، والفتوى التي تمثل الحالة
الخاصة المستمدة من الحكم، ليبقى الحكم
دائما هو جانب التنظير، وتبقى الفتوى هي
الحالة الحيوية للفعل المسئول عنه.
اقرأ
أيضا:
**باحث شرعي بكلية دار العلوم وموقع إسلام أون لاين.