بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

الثقافة والفكر السياسة التاريخ والحضارةعلوم وتكنولوجيا | الاقتصاد والتنمية


برنارد لويس: الحرية والعدالة في الشرق الحديث

"فورين آفيرز" – برنارد لويس* 
ترجمة حرفية: شيرين حامد فهمي** 

12/06/2005 

برنارد لويس

"إن التحدث عن الديكتاتورية الشرق أوسطية على اعتبارها ظاهرة لها جذور وأصول تاريخية ليس إلا افتراء على الحقيقية، إذ هو يعكس مدى الجهل بتاريخ العرب، ومدى الازدراء بواقعهم، ومدى الاستهزاء بمستقبلهم. صحيح أن إيجاد نظام سياسي ديمقراطي في العراق أو في أي بقعة أخرى بالمنطقة ليس بالمهمة السهلة، إلا أنه ممكن وجائز، خاصة بعد ظهور علامات كثيرة تبشر بالأمل الموعود".

تلك الكلمات أطلقها المستشرق البريطاني-الأمريكي "برنارد لويس" Bernard Lewis أثناء خطبته التي ألقاها بجامعة "جورج واشنطون" الأمريكية في إبريل 2004. وعلى قدر ما عكست تلك الخطبة من جوانب إيجابية عديدة في حق الإسلام والمسلمين -وهو أمر غير معهود في كتابات "لويس"- فإنها عكست أيضا انتماءاته وتحيزاته الصهيونية المعروفة، وهو ما سيلحظه القارئ في ثنايا النص الأصلي الذي تم نشره في صورة مقال بمجلة "فورين آفيرز" الأمريكية، في عددها الأخير (مايو/يونيو 2005)، تحت عنوان "الحرية والديمقراطية في الشرق الأوسط الحديث".

ومن ضمن تحيزاته التي لحظناها تلك المقارنة الخاطئة التي عقدها بين مفهوم "المواطنة" من المنظور الإغريقي-الغربي وبين مفهوم "الولاء" للأمة من المنظور الإسلامي، وذلك الخلط أو اللبس الساذج الذي افتعله بين الحركة الوهابية وبين الحركة الأصولية السُنية، وأخيرا فهمه الناقص للإسلام حينما اتهمه باستثنائه المرأة والعبيد والكفار من مبدأ المساواة. هذا غير تشبيهه للتجربة الديمقراطية الأمريكية "الرائدة" في العراق -وما ستحدثه في المنطقة من تحولات إيجابية- بحملة "نابليون بونابرت" على مصر في عام 1798 وما خلفته على المصريين من عواقب "حميدة"، كما يرى "لويس"، مما يعكس تشبثه بذلك الافتراض القائل بأن المنطقة لن ينصلح حالها إلا عبر الدفعة الليبرالية الغربية من الخارج.

اقرأ معنا النص الحرفي للمقال:

تغيير المفاهيم

يحظى التاريخ على أهمية واضحة لدى المسلمين، كما يحظى لدى غيرهم، إلا أن اقتراب المسلمين نحو التاريخ يتسم بحساسية خاصة وبإدراك خاص. إن مسيرة الرسول محمد، وإيجاده لمجتمع إسلامي، وإقامته لدولة إسلامية مرتكزة على الشريعة الإسلامية... كلها أحداث شهدها التاريخ، وشهد عليها المؤرخون من واقع الذاكرة التاريخية، ومن واقع ما سُجل وما حُكي منذ أمد بعيد، بل وأيضا من واقع ما تم الجدل بشأنه والتعارك بصدده.

فحتى هذه اللحظة، يمكن للمرء أن يلحظ سجالات طاحنة ومناقشات ساخنة -تُدار من قبل المؤرخين المسلمين- حول أحداث مر عليها أكثر من قرن، حيث ترتكز نقاط الجدل حول ماهية الحدث وأهميته، وعلاقته بالواقع المعيش الآن.

ويمكننا القول: إن إدراك مسلمي اليوم للتاريخ -وخاصة مسلمي الشرق الأوسط- قد اكتسب أبعادا جديدة، ففي ظل الحقبة الحديثة الراهنة، خاض المسلمون -بل عانوا- من تجارب غريبة وجديدة عليهم كان لها الأثر العميق في تغيير نظرتهم لذاتهم وللعالم من حولهم، وبالطبع في إعادة تشكيل مفاهيمهم ومصطلحاتهم.

في عام 1798 أتت الثورة الفرنسية إلى مصر؛ أتت في صورة حملة استكشافية صغيرة العدد، تحت ولاية جنرال صغير السن.. اسمه "نابليون بونابرت". قامت هذه الحملة باختراق مصر، ثم احتلالها، وأخيرا حكمها لسنوات طويلة... هكذا بمنتهى السهولة وبمنتهى البساطة. أما الجنرال "بونابرت"، فقد أعلن بفخر واعتزاز أنه لم يأت إلا تحت "اسم الجمهورية الفرنسية المتأسسة على قواعد الحرية والمساواة"؛ وهو ما تم نشره باللغتين، العربية والفرنسية، فلم ينس "بونابرت" أن يجلب معه طاقما من المترجمين المتقنين للعربية، وهو ما تغافل عنه الكثيرون من زائري المنطقة فيما بعد.

وإذا تحدثنا عن مبدأ المساواة، فإنه يجوز القول بأنه قد لاقى ترحيبا واسعا لدى المصريين، مثلهم مثل جميع المسلمين. لقد اقتنع المسلمون المؤمنون بهذا المبدأ منذ لحظة ميلاد الإسلام في القرن السابع الميلادي؛ اقتنعوا به كمبدأ أساسي وأصيل في الإسلام.

لقد أقر الإسلام به في وقت كان يعج بالظلم، سواء كان هذا الظلم متمثلا في نظام الطبقات بالهند caste system، أو متمثلا في نظام الأرستقراطيات والامتيازات بالعالم المسيحي آنذاك.

لا شك في تشديد الإسلام على مبدأ المساواة؛ ولا ريب في قيام المسلمين بجهد كبير وبنجاح أكبر من أجل تمكين هذا المبدأ وإنزاله على أرض الواقع. صحيح أن وقائع الحياة الإسلامية قد أوجدت حالات كثيرة من الظلم وعدم المساواة -خاصة الحالات الاقتصادية والاجتماعية، يعقبها الحالات الإثنية والعرقية- إلا أنها كانت في تعارض تام وتناقض مطلق مع المبادئ الإسلامية؛ بالإضافة إلى كونها لم تتدن أبدا إلى مستوى الظلم الذي كان يشهده العالم الغربي حينذاك.

صحيح أن الشريعة الإسلامية قد استثنت ثلاث فئات من قانون المساواة -العبيد والنساء والملحدين- إلا أن استثناءهم لم يكن ملحوظا بهذه الدرجة. وهذا على عكس ما كان يحدث في الولايات المتحدة -على مدار أعوام عديدة- حينما كان الرجال البيض البروتستانت يُنظر إليهم على اعتبارهم الفئة الوحيدة التي "ولدت بحرية ومساواة"؛ وهو أمر إن كان ضد المبادئ الأمريكية، فإن الممارسات قد صدقته وأثبتته.

إن التاريخ يشهد بأنه حتى نهاية القرن التاسع العشر، بل حتى بداية القرن العشرين، لم يكن للرجل المسيحي الذي يعيش في العالم المسيحي -بما فيه فرنسا بعد الثورة والولايات المتحدة- من الفرص التي تمكنه من الوصول إلى السلطة مثلما كانت تلك الفرص متاحة للرجل المسلم الذي يعيش في الشرق الأوسط. بمعنى آخر، إن الرجل المسلم الفقير ذا الأصول غير المعروفة كان لديه فرصة أكبر -للوصول إلى السلطة- من نظيره المسيحي الذي كان يعيش في أوربا والولايات المتحدة.

لقد كانت المساواة إذن مبدأ مفهوما ومحترما إلى أقصى درجة في أوساط المسلمين، ولكن ماذا عن الكلمة الأخرى التي ذكرها "بونابرت".. "الحرية"؟ الحقيقة، إن هذا المصطلح قد تسبب في إحداث بعض التشتت لدى المصريين. فالاستخدام العربي للمصطلح في ذلك الوقت -وفيما بعد- لم يكن استخداما سياسيا، بل كان استخداما قانونيا شرعيا.

وفي هذا الصدد، يصير المرء حرا إن لم يكن عبدا، ومن ثم فإن تحرير المرء يعني عتقه من العبودية. هذا بالإضافة إلى أن العالم الإسلامي -على عكس العالم الغربي- لم يجعل من "العبودية" دلالة على سوء الحكم وسلبيته، كما لم يجعل من "الحرية" دلالة على جدارة الحكم وإيجابيته.. اللهم إلا مؤخرا.

استمر هذا التشتت فترة طويلة إلى أن طل علينا عالم مصري فذ، ليفك لغز ذلك التخبط، مُقدما الحل بعد طول انتظار. إنه الشيخ "رفاعة رافع الطهطاوي" الذي كان يعمل أستاذا بجامعة الأزهر في أوائل القرن التاسع عشر. تلك الجامعة التي لم تنلها أيادي التحديث حتى يومنا هذا.

فقد أرسله حاكم مصر في صحبة أول بعثة مصرية إلى باريس في عام 1826؛ وذلك في ضوء ما ارتآه الحاكم المصري حينذاك من ضرورة وحتمية اللحاق بالغرب. وفي تلك البعثة -التي اشتملت على 44 طالبا- كانت مهمة الشيخ تتمثل في القيادة الروحية والإيمانية للطلاب المصريين، حتى لا يزيغوا عن الصراط المستقيم؛ وهي لم تكن بالمهمة السهلة في ذلك الوقت.

وفي خلال فترة مكوثه بالعاصمة الفرنسية -من 1826 حتى 1834- أظهر الشيخ ولعا غير عادي بالعلم ربما أكثر من الطلاب أنفسهم؛ فألف كتابا مبهرا، يتحدث في صفحاته عن انطباعاته حول فرنسا ما بعد الثورة. وقد تم نشره في القاهرة عام 1834، ثم ترجم إلى التركية في عام 1839.

ظل كتاب "الطهطاوي" -على مدار عقود عديدة- النافذة الوحيدة التي يطل منها القارئ المسلم الشرق أوسطي على دولة أوربية حديثة (فرنسا)، فيتعرف عليها وعلى ملامحها دون مشقة لغوية. وقد أفرد الشيخ فصلا كاملا عن الحكومة الفرنسية، مشيرا فيه إلى مدى اهتمام الفرنسيين بمسألة الحرية، ومدى انكبابهم عليها.

في البداية، تعرض "الطهطاوي" إلى نفس ذلك التشتت الفكري -الدائر حينذاك- حول العلاقة غير المفهومة بين وضع الحُر الذي لم يعد عبدا وبين السياسة. إلا أنه أدرك بعد ذلك حقيقة اللغز، فأوضح مُلخصا: "حينما يتناول الفرنسيون قضية الحرية، فهم يعنون ما يعنيه المسلمون حول قضية العدالة".

والحقيقة أن الشيـخ قـد أصـاب بالفعل، حينما خرج بهذه الخلاصة. فكما يرى الفرنسيـون -والغربيون بصفة عامة- الحكومة الإيجابية في الحرية والحكومة السلبية في العبودية، فإن المسلمين يرون الحكومة الإيجابية في تمكين العدل والحكومة السلبية في تمكين الظلم.

إن هذه الرؤى المتناقضة تسهم في تسليط الضوء على الجدل السياسي الذي دق باب المسلمين منذ الحملة الفرنسية في عام 1798.. ذلك الجدل الذي نراه مستمرا حتى هذه اللحظة، في صور مختلفة وأشكال متنوعة.

العدل للجميع

الإسلام والغرب كتاب آخر من كتبه

إن المثل الأعلى للحكم الإيجابي المحمود يتحقق إسلاميا -كما يرى "الطهطاوي"- من خلال "العدل"؛ وهو مفهوم له دلالته في اللغة العربية، وله أيضا معان وتفسيرات مختلفة، إلا أن التفسير العربي الشائع للعدل هو "العدل التابع للشرع" (ويقصد هنا بالشرع شرع الله، أي الشريعة التي أوحى بها الله إلى رسوله محمد وإلى المجتمع المسلم).

ولكن ما هو المعنى المناقض أو المعاكس للعدل؟ وما هـو النظام الذي لا يعمل بمبادئ العدل؟ إن الحاكم العادل -حسب المنظومة الإسلامية التقليدية- لا بد أن يكون قد حقق أمرين: أولا أن يكون قد وصل إلى السلطة بطريقة مشروعة صحيحة؛ وثانيا أن يكون ممارسا للسلطة بطريقة مشروعة صحيحة أيضا.

بلغة أخرى، لكي يرقى الحاكم إلى مرتبة العدل في الإسلام، يجب ألا يكون معتديا على السلطة أو ديكتاتوريا في ممارستها. وإنه لمن الممكن طبعا، أن يحقق الحاكم صفة واحدة دون الأخرى، إلا أن التجربة قد أثبتت تحقيق الصفتين في نفس الوقت.

إن الرؤية الإسلامية للعدل موثقة منذ وقت الرسول محمد، حيث كانت حياته -كما هو ظاهر في نص الكتاب والحديث- مقسمة إلى مرحلتين مهمتين. الأولى تمثلت في فترة مكوثه ببلدة مكة -موطنه الأصلي- إذ كان مسخرا كل جهوده لمعارضة النظام الحاكم حينذاك، وهو نظام الكفر والشرك الذي كان يقابله ويعارضه ذلك الدين الإسلامي الجديد.

وقد عكست الآيات القرآنية -وبجانبها الأحاديث النبوية والقصص النبوي- تلك "المعارضة"... أو قل تلك المظاهرة، بل تلك الثورة التي كان يشنها الرسول محمد ضد النظام القائم في ذلك الحين.

وأما المرحلة الثانية، فقد تمثلت في فترة مكوثه ببلدة المدينة، بعد هجرته المعروفة إليها. وهي مرحلة تحول فيها الرسول محمد من ضحية للسلطة إلى مستخدم وموجه للسلطة. ففي "المدينة"، صار محمد رئيسا للدولة؛ فبات يتصرف مثلما يتصرف رؤساء الدول، من تنفيذ القوانين إلى فرض الضرائب إلى القيام بالحروب. باختصار صار حاكما.

ولذا، فإن الأفق السياسي لهذه المرحلة لم يكن متمثلا في كيفية معارضة النظام -كما كان الأمر في الحقبة المكية- وإنما كان متمثلا في كيفية إدارة الحكم. ومن ثم، فإنه يمكن القول: إن المسلمين -منذ بداية نزول الوحي- تشكل لديهم رؤيتان سياسيتان متناقضتان؛ الأولى هي ما نسميها بالرؤية السياسية "النشطة" التي تبلورت منذ المرحلة المكية، والثانية هي الرؤية السياسية "الهادئة" التي تبلورت منذ المرحلة "المدينية"... إن جاز القول.

ينص القرآن -على سبيل المثال- ويشدد على واجب الطاعة.. "وأطيعوا الله والرسول وأولي الأمر منكم"؛ وهو أمر قد تجلى وبرز في العديد من الأحاديث المنسوبة لمحمد؛ ولكن على الجانب الآخر نجد الأحاديث التي تحد من ذلك الواجب، مثل "لا طاعة في معصية" أو "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق". وهما حديثان منسوبان إلى الرسول، ومقبولان عالميا لصحة محتواهما ومصدرهما.

فأما الحديث الأول، فهو لا يُسقط فقط واجب طاعة الحاكم الذي يخالف القانون الإلهي، بل يأمر بضرورة عدم طاعته، وواجب الثورة ضده، أو على الأقل معارضة السلطة الحاكمة؛ وهو أمر يتجاوز حق الثورة المنصوص عليه في الفكر السياسي الغربي. وأما الحديث الثاني، فهو يضع حدودا واضحة لسلطة الحاكم، بغض النظر عن ماهية تلك السلطة.

إن هاتين الرؤيتين السياسيتين -الهادئة والنشطة- كانتا مشهودتين طوال التاريخ الإسلامي: تاريخ الدول الإسلامية، وتاريخ الفكر السياسي الإسلامي، وتاريخ الممارسة الإسلامية. فمنذ بداية الإسلام، والمسلمون مهتمون ومشغولون بإشكاليات السياسة وبإشكاليات الحكم: من الوصول إلى السلطة إلى ممارستها إلى تداولها إلى شرعيتها إلى حدودها، وهي ما تهمنا في هذا المجال.

كل ذلك تم تسجيله وتدوينه في كم لا يحصى من الأدبيات الإسلامية الثرية والمتخصصة في تناول القضايا السياسية. فهناك الأدبيات الدينية، وهناك الأدبيات القانونية التي يمكن تسميتها بالقانون الدستوري للإسلام، وهناك الأدبيات التطبيقية -وهي عبارة عن كتيبات مكتوبة بأيدي الموظفين المدنيين عن كيفية إدارة الأعمال الحكومية اليومية- وأخيرا هناك الأدبيات الفلسفية التي ترتكز بثقلها على الأعمال الإغريقية القديمة والتي قامت بترجمتها وبالتقريب بينها وبين الأعمال الإسلامية؛ ما أدى في النهاية إلى إخراج كتابات إسلامية متميزة عن "جمهورية أفلاطون" و"سياسات أرسطو".

وبمرور الوقت، قويت شوكة الاتجاه "الهادئ" -أو الاتجاه السلطوي- وازدادت ضراوته لدرجة أن بات من الصعب الحفاظ على الحدود التي أمر بها النص المقدس والتي شدد عليها القانون الإلهي. ولذا، كانت الأدبيات الإسلامية تنادي دوما بالعودة إلى تلك الحدود التي تحد من سلطة الحاكم، وبإعادة الأمور إلى مجراها الإلهي. وكانت كلمة "الفتنة" من أكثر الكلمات شيوعا واستخداما في تلك الأدبيات؛ وهي تعني "إثارة" أو "استفزازا" أو "تشتتا"، أو حتى "فوضى" في بعض المضامين.

بل إن بعض الكتاب يذهبون إلـى الافتراض القائل بأن ساعة -أو حتى لحظة- من الفوضى شر وأسوأ من مائة عام من الطغيان والديكتاتورية. وهو رأي من ضمن الآراء، وليس بالرأي الوحيد. وقد ساد في بعض الوقت في بعض البلدان الإسلامية، إلا أنه قوبل بالرفض التام في بلدان أخرى.

النظرية مقابل التاريخ

فيما يتعلق بإدارة الحكم من قبل الحاكم، تشدد الرؤية التقليدية الإسلامية على نقطتين في غاية الأهمية. الأولى هي الحاجة إلى الشورى، التي نصح بها القرآن فـي أكـثر مـن موضـع -وبوضوح كامل- بل نصحت بها أيضا أحاديث الرسول.

والثانية هي عكس الأولى الاستبداد despotism، وهي كلمة تحمل معاني ومدلولات سلبية، ويُنظر إليها على اعتبارها شرا وخطيئة. ومن ثم، فإن وصف الحاكم بالاستبداد ليس إلا دعوة صريحة لخلعه من الحكم.

وإذا سلمنا بمبدأ الشورى، فما هي الجهات التي ينبغي على الحاكم التشاور معها؟ إنه بعودتنا إلى الماضي سنكتشف أن الحاكم كان يلتمس المشورة أو الشورى عند زعماء القبائل الذين كانوا -وما زالوا- يمثلون بدورهم أهمية كبرى في بعض البلدان الإسلامية، مثل السعودية وبعض الأقاليم في العراق (وهم لا يمثلون هذه الأهمية في الدول الحضرية مثل مصر وسوريا).

وكذلك تشاور الحكام المسلمون مع أعيان الأرياف الذين كانوا ينتمون إلى أسر وعائلات ذات مستوى عال، والذين كانوا يمثلون مركز ثقل في المجتمعات الإسلامية حينذاك. هذا بالإضافة إلى المجتمعات المدنية المختلفة، مثل تجار "البازار" والطبقات المتعلمة غير المتدينة (وأهمها الموظفون الحكوميون)، والمؤسسة العسكرية، والمؤسسة الدينية.

وتكمن أهمية هذه الجماعات المختلفة -أولا- فيما لديها من قوة حقيقية؛ وثانيا في قدرتها على زعزعة الحاكم وسحب البساط من تحته. ومن ثم، فلا نتعجب حينما نعلم أن قادة هذه الجماعات -سواء زعماء القبائل أو النبلاء أو الشيوخ أو رؤساء النقابات أو قادة القوات المسلحة- لم يكن يتم ترشيحهم من قبل الحاكم وإنما كان يتم ترشيحهم من داخل الجماعات ذاتها.

إن الشورى تمثل جزءا أصيلا من النظام التقليدي الإسلامي، إلا أنها لا تمثل العنصر الوحيد لمحاسبة الحاكم أو الحد من سلطته. فنظام الحكم في الإسلام هو نظام إجماعي تعاقدي؛ وقد أكد الدستور القرآني على أن الخليفة الجديد هو من "يتم اختياره". ولكن "الاختيار" هنا لا يحمل في طياته معنى "الانتخاب" العام الذي نعرفه، وإنما يحمل في طياته معنى "الاختيار" من قبل فئة صغيرة من البشر، المعروفين بقدراتهم وحنكتهم على اتخاذ الرأي الصائب الحكيم في ترشيح الخليفة الجديد.

ومن ناحية المبدأ، فإن التداول الإرثي للسلطة مرفوض رفضا مطلقا من قبل الإسلام، إلا أن الأمر يختلف من ناحية الواقع. فقد كان التداول إرثيا على الدوام، باستثناء الأوقات التي شهدت هبات شعبية أو حروبا أهلية. باختصار، لقد دأب الحاكم المسلم -وما يزال حتى الآن- على ترشيح وتنصيب خليفته من بعده، سواء كان الحكم ملكيا أو غير ذلك.

ونظريا، فإن عنصر "الرضا" -رضا المحكومين على الحاكم- يعتبر عنصرا مهما في الإسلام. فسلطة الحاكم -سواء التي قد حصل عليها أو التي يريد الإبقاء عليها- تعتمد في الأصل على رضا المحكومين.

وفي النصوص الكلاسيكية العربية، نجد كلمة "البيعة" هي المسمى الأصلي الذي يعبر عن تلك الركيزة الأساسية للسلطة، وهو مسمى نطلق عليه بالإنجليزية لفظة homage، أي قيام الرعية بإظهار الولاء لراعيها. أما إذا أردنا تقديم ترجمة أكثر إيضاحا لكلمة "بيعة" -وهي التي تشتق من الفعل الذي يفيد "البيع والشراء"- فإنه بإمكاننا اعتبار "البيعة" صفقة أو عقدا يتم بين الحاكم والمحكوم، يلتزم فيه الطرفان بالتزامات مشتركة.

يصب بعض الناقدين لعناتهم على الواقع الإسلامي -بغض النظر عن النظرية الإسلامية- معتبرين ذلك الواقع مثلا حيا عن نموذج حكومي متسلط استبدادي متحجر. بل يذهبون إلى أبعد من ذلك، فيقولون التالي: "هذا هو حال المسلمين، وهكذا كان حالهم دائما، وليس بمقدور الغرب أن يفعل شيئا حيال ذلك". ولكن هذا ليس إلا قراءة خاطئة للتاريخ؛ إذ على المرء أن يعود قليلا إلى الوراء ليرى كيف وصلت حكومات الشرق الأوسط إلى تلك الحالة التي باتت عليها الآن.

الحقيقة أن تلك الحالة قد حدثت على مرحلتين. الأولى بدأت مع هجمة "بونابرت" المفاجئة، واستمرت حتى القرن العشرين. كان اللاعبون الأساسيون -ساعتها- هم حكام الشرق الأوسط الذي شعروا بمدى حاجة بلدانهم إلى اللحاق بالركب الحديث، ومن ثم أتبَعوا ذلك الشعور المر بالتوجه سريعا نحو تحديث مجتمعاتهم، بدءا بالحكومات نفسها.

هذه التحولات المجتمعية لم يقم بها الحكام الإمبرياليون -الذين كانوا يسعون دوما إلى التزين بالحشمة والوقار- وإنما قام بها الحكام المحليون، من سلاطين تركيا إلى بشوات مصر إلى شاهات إيران.. قاموا بها جميعا بنوايا طيبة حسنة ولكن بنتائج خطرة مفزعة.

كان التحديث modernization حينذاك لا يعني فقط إدخال النظم الغربية في الحكم والحرب والاتصالات، وإنما كان يعني أيضا إدخال أدوات الهيمنة والقمع التي أدت إلى تنامي سلطة الدولة الإسلامية بشكل مهول، لدرجة أضحى فيها الحاكم المسلم في القرن العشرين -حتى ولو كان حاكما لبقعة صغيرة من الأرض أو لدولة لا تُسمى بدولة- يمتلك من أدوات القوة والهيمنة ما لم يتمتع به الخلفاء والسلاطين في الماضي.

بل ما هو أسوأ من ذلك، أن تسبب التحديث في شل القوى المجتمعية الوسيطة -التجار وكبار الأعيان وزعماء القبائل- التي كانت تساهم بفاعلية في تقييد وتحديد سلطة الحاكم، والتي كانت تساعد على حفظ النظام المجتمعي التقليدي. فقد تم إضعافها تدريجيا، حتى أزيل معظمها؛ الأمر الذي أدى من ناحية إلى جعل الدولة أكثر قوة، والذي أدى من ناحية ثانية إلى تقليص الضوابط المفروضة عليها رويدا رويدا.

ومن أبرع الذين وصفوا ذلك الوضع المتحول، هو الضابط البحري البريطاني "أدولفوس سلايد" Adolphus Slade الذي كان يعمل مستشارا بالأسطول التركي، حيث أمضى هناك معظم حياته المهنية. فقد عقد مقارنة بين النبلاء القدامى -وهم أعيان الأرياف والطبقة البرجوازية في الحضر- وبين النبلاء الجدد الذين باتوا يشكلون جزءا من الدولة، وباتوا يستمدون سلطتهم وقوتهم من الحاكم وليس من جماعاتهم التي ينبثقون منها. فوصف "سلايد" عملية ذلك التغير قائلا: "النبلاء القدامى عاشوا على ملكيتهم"، و"الدولة هي ملكية النبلاء الجدد". وهو وصف إنما ينم عن رؤية عميقة للحقيقة، واستشرافية لما سيكون.

وأما المرحلة الثانية، فقد بدأت في عام 1940، حينما استسلمت الدولة الفرنسية إلى ألمانيا النازية، وهو العام الذي فتح على الشرق الأوسط كارثة سياسية بمعنى الكلمة. فبعد الاستسلام الفرنسي، تشكلت حكومة ائتلافية جديدة (حكومة ألمانية فرنسية) في منطقة فرنسية تسمى "فيشي"، والتي انتقل على أثرها المناضل الفرنسي الجنرال "شارل دي جول" إلى بريطانيا، مؤسسا "لجنة حرية فرنسا". فصار حكام المستعمرات الفرنسية مخيرين بين الانتماء إلى "فيشي" -الحكومة العميلة- أو التجمع حول "دي جول".

وكانت النتيـجة أن تـوجه معظمهم -خاصة حكام الانتداب الفرنسي في سوريا ولبنان اللذين يقعان في قلب الشرق الأوسط- نحو خيار "فيشي"؛ الأمر الذي أدى إلى فتح سوريا ولبنان للإعلام النازي الذي دخل في تلك المنطقة بكامل قوته، ساحبا معه آلته الإعلامية إلى قلب المنطقة العربية. ومن ثم، صارت سوريا ولبنان ركيزة أو مصدر انطلاق "البروباجندا" النازية في المنطقة العربية.

وكان هذا هو الوقت الذي ترعرعت فيه البذور الأولى للأيديولوجية البعثية التي تبلورت بعد ذلك لتشكل اللبنة الأولى من الحزب البعثي... الذي قام على أساس الرؤى النازية. صحيح أن أيديولوجية الحزب البعثي قد ارتكزت على أفكار القومية العربية والوطنية والاشتراكية، وصحيح أن الحزب لم يتأسس رسميا قبل عام 1947، إلا أن مذكرات ذلك الوقت -ومعها مصادر أخرى- تشهد على أن التدخل النازي كان هو البداية الحقيقة لنشوء الحزب.

فانطلاقا من سوريا، قام الألمان والموالون للفكر البعثي بتشكيل نظام عراقي موال للنازية، يقوده العراقي المعروف "راشد علي الجيلاني" الذي قُلب نظامه على يد البريطانيين، وذلك بعد حملة عسكرية سريعة في مايو-يونيو 1941؛ الأمر الذي أسفر عن انتقاله إلى "برلين" ليمضي مما تبقى من الحرب العالمية الثانية في صحبة مضيفه "هتلر" وصديقه "الحاج أمين الحسيني" مفتي القدس آنذاك.

بعدها دخلت القوات البريطانية والفرنسية سوريا، لتحولها من تحت هيمنة النازيين إلى هيمنة "دي جول". ولم يلبث أن انفك العقد البريطاني الفرنسي -بعد الحرب العالمية الثانية- ليأتي السوفييت ويحلوا محلهما في المنطقة.

وبسهولة مفرطة، انتقل الحزب البعثي من النموذج النازي إلى النموذج الشيوعي؛ فلم يأخذ الأمر إلا تعديلات طفيفة. لم يسع الحزب البعثي إلى الفوز بالانتخابات والأصوات، كما هو الحال في المنظومة الغربية، وذلك لكونه عمودا أساسيا في الجهاز الحكومي الذي تنصب كل اهتماماته على الغزو الفكري وأعمال الاستخبارات وسياسات القمع، كما هو الحال في المنظومتين النازية والشيوعية. وقد سعى كل من الحزب البعثي في سوريا ونظيره المستقل في العراق على انتهاج ذلك المنوال.

ومنذ عام 1940، ومنذ قدوم السوفييت إلى الشرق الأوسط، والمنطقة لا تكف عن استيراد النماذج الأوربية في إدارة الحكم: النماذج الفاشية والنازية والشيوعية. غير أن التحدث عن الديكتاتورية، باعتبارها ظاهرة لها جذورها وأصولها في ذلك الجزء من العالم، ليس حقيقيا بالمرة. بل إنه يُظهر كم الجهل بماضي العرب، وكم البغض لحاضرهم، وأخيرا كم اللامبالاة بمستقبلهم.

فنظام مثل نظام "صدام حسين" البائد -والذي ما زال الكثير من الحكام المسلمين يتمسكون به- هو نظام حديث وجديد، ولكنه مناقض تماما لمبادئ الحضارة الإسلامية. ومن ثم، فإنه هناك من القوانين والتقاليد القديمة التي يمكن للشعوب العربية الاعتماد والارتكاز عليها.

حبال وزحاليق

أحد كتب لويس

بالطبع توجد هناك الكثير من الموانع الواضحة التي تعيق التطور الحقيقي للمؤسسات الديمقراطية بالشرق الأوسط؛ وأهم هذه الموانع تتمثل في نموذج الحكم الاستبدادي التسلطي المشهود حاليا في المنطقة كلها. وهو حكم غريب على الماضي الكلاسيكي العربي، وغريب على التاريخ الإسلامي، إلا أن عمره قد وصل الآن إلى عدة قرون، فبات متجذرا في المنطقة، ومحميا بقوة ووضوح.

مانع آخر -وهو مانع تقليدي إلى حد ما- يتمثل في غياب فكرة المواطنة عن الفكر السياسي الإسلامي وعن الممارسة السياسية الإسلامية. وهي فكرة تعني مشاركة الفرد بحرية في المجتمع المدني؛ وهي فكرة لها جذورها العميقة في الفكر الغربي، منذ الإغريق حتى يومنا هذا.

إلا أنها على الوجه المناقض، لا تمثل عنصرا أصيلا في الرؤية الإسلامية التي لا تقر فقط بفكرة مشاركة الجماهير في اختيار حكامها، ولكنها لا تقر أيضا بفكرة مشاركتها في إدارة الحكم. ففي العصور الذهبية للخلافات الإسلامية، لم يكن للمدن أي وضع رسمي على الرغم من قوتها وازدهارها، ولم يكن من المقبول وجود حكومات مدنية. فالمدن كانت تتشكل من تجمعات بشرية، تتمحور حول الولاء والهوية. فكانت ترتكز إما على الولاءات الإثنية أو القبلية أو الدينية أو الطائفية أو حتى الوظيفية.

وإلى يومنا هذا، لا توجد كلمة عربية واحدة تتعلق بمصطلح "المواطن" citizen. صحيح أنه يستخدم في جوازات السفر وفي الوثائق الأخرى، إلا أن معناه اللفظي لا يتعدى مفهوم الإنسان الذي ولد في نفس الدولة compatriot. وهكذا أدى غياب المواطنة إلى غياب التمثيل المدني؛ فبالرغم من قيام جماعات مجتمعية مختلفة باختيار قاداتها في الفترة الكلاسيكية العربية الإسلامية، فإن مفهوم اختيار الأفراد المخولين بتمثيل المواطنين في مجلس أو منظمة ما لم يكن معهودا به في الخبرة السياسية للمسلمين.

وإذا فتشنا ونقبنا عن عناصر إيجابية في التاريخ الإسلامي، فسنجد بالتأكيد ما يعيننا ويساعدنا على تنمية الديمقراطية. ومما هو جدير بالملاحظة في يومنا هذا، هو عودة فكرة الحكومة التي تحترم مبادئ الإجماع والتعاقد والحدود. فالرفض التقليدي للاستبداد والظلم بات اليوم أمرا حتميا، مكتسبا زخما جديدا وقوة جديدة.

لقد اكتسب "رفض الاستبداد" زخما هائلا في الكتابات التقليدية... والآن في الكتابات الحديثة. وصار المسلمون ينادون من جديد -إن لم يكونوا يطبقون- بفكرة الشورى. ويعتمد هذا النداء -بالنسبة للمسلمين الملتزمين- على ما نص به الكتاب المقدس وأحاديث الرسول، وكذلك على مجموعة كبيرة من الوقائع التي حدثت في التاريخ الإسلامي.

ويمكن للمرء أن يلاحظ مثل هذا "الاستيقاظ" في أفغانستان على وجه الخصوص، حيث لم يتعرض شعبها إلى مثل هذا الكم الهائل من التحديث -كما تعرضت الشعوب الإسلامية الأخرى- ومن ثم يصير الأمر بالنسبة لها أكثر سهولة وأقل تعقيدا في إحياء التقاليد القديمة من جديد، خاصة تقليد الشورى الذي تقيمه الحكومة مع جماعات المصالح المختلفة؛ وهو ما يمثله "اللويا جرجا" (المجلس التشريعي الأفغاني) الذي يتكون من عدد هائل من الجماعات المختلفة... إثنية وقبلية ودينية وإقليمية ومهنية وأخرى.

هناك أيضا مظاهر مبشرة تطل علينا في بعض الأحيان؛ ولعل أكثرها تأثيرا، ذلك التطور المروع في الاتصالات وانتهاج الشرق الأوسط لأحدث الوسائل الاتصالية، من دور النشر إلى الجرائد إلى التلفزة إلى الراديو؛ كلها أدوات أدت بدورها إلى إحداث تحول في المنطقة، مع العلم، أنها كانت تستهدف في البداية توصيل صوت الديكتاتورية، ليعطي الدولة سلاحا جديدا للبروباجندا والهيمنة.

إلا أن هذا الهدف لم يكن باستطاعته الاستمرار إلى ما لا نهاية، خاصة مع ظهور الإنترنت والقنوات الفضائية والمحمول؛ فإذا بالهدف الديكتاتوري يتحول إلى هدف توعوي إصلاحي. وأكبر دليل على ذلك، ما حدث للاتحاد السوفيتي الذي يعتبر من أسباب سقوطه تلك الثورة التكنولوجية العارمة. فكما نعلم، كان الاتحاد السوفيتي يعتمد أساسا على قدر كبير من السيطرة على قنوات الإنتاج والتوزيع والمعلومات، إلا أنه بتطور الاتصالات لم يعد ذلك ممكنا.

لقد فعلت الثورة التكنولوجية بالاتحاد السوفيتي ما فعلته الثورة الصناعية بالإمبراطوريات العثمانية وغيرها من الإمبراطوريات الإسلامية: إما القبول بتلك الثورة والتوقف عن العيش بالمنهاج البائد، أو رفضها والسقوط خلف بقية العالم. لقد حاول السوفييت حل تلك الإشكالية، ولكنهم فشلوا... وما زالوا حتى الآن يعانون من عواقب ذلك الفشل.

وما نلحظه حاليا، هو حدوث ثورة اتصالية موازية بمنطقة الشرق الأوسط، حيث نجد البرامج التليفزيونية تفتح على شعوب تلك المنطقة نافذة جديدة -لم تعهدها الشعوب من قبل- تطل من خلالها على سجالات حية نابضة، واختلافات في الرأي لم يسمح لها بالعرض سالفا. حتى ولو كانت هناك بعض البرامج التي تتصف بانعدام الضمير والذمة المهنية، والتي تعرض -بطريقة غير مباشرة وغير مقصودة- تلالا من الأكاذيب التي تثير الشك والريب في أذهان المشاهدين، فلن نستطيع أن ننكر ما قدمته تلك البرامج التليفزيونية في الآونة الأخيرة من انفتاح للذهن العربي وتوسيع في إدراكاته.

ففي بعض البلدان الإسلامية، نجد الشباب جالسا يشاهد التليفزيون الإسرائيلي؛ وهم لا يشاهدون فقط شخصيات إسرائيلية معروفة -يهزون الطاولة من أمامهم ويصرخون في بعضهم البعض (كما يصف أحد المشاهدين العرب وهو مندهش مذهول)- بل يشاهدون أيضا العرب الإسرائيليين وهم يجادلون في الكنيست، ويصبون جام غضبهم على الوزراء الإسرائيليين والسياسيات الإسرائيلية.

ملخص القول، لقد تعرضت الجماهير العربية المسلمة -من خلال تطورات التلفزة- إلى جانب حي وصاخب من الديمقراطية الفعلية الواقعية، حيث الآراء غير المكبوتة وغير الموءودة، ولكنها تدار عبر الحجة والمنطق.. ذلك الجانب غير المعهود لدى شعوب الشرق الأوسط صار يكتسب زخما كبيرا.

لقد أسهمت الاتصالات الحديثة في رفع وعي مسلمي الشرق الأوسط تجاه العالم من حولهم، ليروا الواقع المرير الذي يعيشون فيه. ففي الماضي، لم يكن لديهم من الوعي الحقيقي الذي يجعلهم يدركون الهوة الشاسعة بينهم وبين بقية العالم. لم يكونوا يدركون مدى تخلفهم -ليس فقط عن الركب الغربي المتقدم- بل أيضا عن الركب الشرقي المتقدم الذي تمثله اليابان أولا والصين ثانيا والهند ثالثا وجنوب كوريا رابعا وجنوب شرق آسيا خامسا. بل لم يكونوا يدركون مدى تخلفهم عن العالم كله، سواء على الصعيد المعيشي أو على الصعيد التنموي البشري. وما هو أمَر.. الهوة الشاسعة بين الشعوب المسلمة ذاتها.

حتى هذه اللحظة، نجد أن مسألة الديمقراطية تخص العراق أكثر من أي دولة شرق أوسطية أخرى. وهي دولة يمكن لها الاستفادة من خاصيتين مهمتين، يصعب تواجدهما في أي دولة عربية أخرى. الأولى تتعلق بالبنى التحتية والتعليم؛ فدون الدول العربية الأخرى التي استفادت من عوائدها النفطية في العقود الماضية، استطاع العراق ما قبل صدام أن يستفيد أكبر استفادة من عوائده النفطية.

لقد استطاع العراقيون أن يحدثوا تطورا هائلا في شبكات الطرق والكباري والخدمات، هذا غير الشبكات المدرسية والجامعية التي تفوقت بجدارة عن نظائرها في بلدان المنطقة. صحيح أن كل هذا قد تم تدميره على يد الحكم "الصدامي"، فإننا نشهد حاليا الطبقة المتوسطة المتعلمة وهي تحاول كل ما في وسعها لتعليم أبنائها، وهو ما نرى ثماره اليوم في وجوه الشعب العراقي.

أما الخاصية الثانية، فهي مكانة المرأة العراقية التي تعتبر الأفضل على مستوى معظم البلدان الإسلامية. فالنساء العراقيات لا يتمتعن بحقوق كبرى -و"حقوق" هنا كلمة فارغة المضمون والمحتوى- ولكنهن يتمتعن بالقدرة على التواصل والوصول. فقبل "صدام"، كانت النساء العراقيات يحظين بالوصول إلى أرقى درجات التعليم، ومن ثم إلى أعلى المناصب، واللائي لم يوازيهن إلا حالات طفيفة في العالم الإسلامي.

وفي الغرب، استطاعت المرأة -بما أعطي لها من حرية نسبية- أن تكون سببا رئيسيا في نهضة وتطور المجتمع ككل؛ ومن ثم، فإن المرأة العربية المسلمة سيكون لها بالتأكيد -وحتما- دور أصيل في إحداث الديمقراطية المأمولة في الشرق الأوسط.

مخاطر أساسية

إن التحدي الحقيقي للتطور الديمقراطي العراقي -وفي كل البلدان العربية والإسلامية- لا يتمثل في أي خاصية موروثة، بل يتمثل في الجهود الرامية إلى إفشال العملية الديمقراطية. ومناهضو الديمقراطية في العالم الإسلامي مختلفون من ناحية المصدر والهوية والأيديولوجية، ولكنهم يتحالفون جميعا في النهاية ليشكلوا تحالف الانتهازيين.

إحدى تلك الجماعات المناهضة للديمقراطية تسعى سعيا حثيثا لإعادة الديكتاتورية "الصدامية"، والإبقاء على الديكتاتوريات العربية الأخرى التي تخاف على نفسها من السقوط "الصدامي". وهي جماعة تتلقى بعض المساعدات التكتيكية من قوى خارجية -أوربية وآسيوية وغيرهما- ستستفيد حتما من أي نجاح تحققه تلك الجماعة. وتلك القوى الخارجية تتضمن قوى رسمية أو أيديولوجية أو تجارية.

وأكثرهم خطرا هم ما نطلق عليهم "الأصوليون الإسلاميون" الذين يعتبرون الديمقراطية جزءا أصيلا من الشر الأكبر المنبثق من الغرب، سواء كان هذا الشر متمثلا في الشكل القديم للهيمنة الإمبريالية أو في الشكل الحديث للاختراق الثقافي. إنه يمثل الشيطان الذي ذكر في القرآن على كونه "الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس".

إن التحديثيين -كما يرى هؤلاء الأصوليون- ليسوا إلا ضاربين لقلب النظام الإسلامي؛ فبتوجههم نحو المرأة بشكل خاص ونحو الشباب يشكل عام.. يدمرون القلب المتمثل في الدولة، والفصل الدراسي، والسوق، والأسرة.

إن الأصوليين ينظرون إلى حملة الشعلة الغربية، وإلى كل من يساندهم من الحواريين والأتباع المستغربين، على كونهم مثبطين ومعوقين ليس فقط لتقدم الإسلام المحتوم وانتصاره عالميا في نهاية المطاف، وإنما أيضا لتقدم الإسلام وانتصاره في داخل دياره. وعلى عكس الإصلاحيين، يرى الأصوليون إشكالية العالم الإسلامي في النمط التحديثي في ذاته، وفي المزايدة فيه بشكل متطرف. وبالنسبة لهم، تعتبر الديمقراطية دخيلا غريبا كافرا، وجزءا من منظومة كبرى ذات تأثير أكثر ضررا وإيذاء.. إنها منظومة الشيطان الأكبر وأتباعه.

إن رد فعل الأصوليين على الحكم الغربي -وعلى التأثيرات الثقافية والاجتماعية الغربية- اكتسب زخما منذ أمد بعيد، سواء في الأدبيات المكتوبة ذات التأثير الواسع أو في مجموعة الحركات النشطة، ومن أهمها حركة الإخوان المسلمين التي أسست في مصر عام 1928.

ولكن الإسلام السياسي لم يتحول إلى عامل دولي مؤثر إلا بعد اندلاع الثورة الإيرانية في عام 1979. صحيح أن كلمة "ثورة" قد أُسيء استخدامها كثيرا في الشرق الأوسط -وذلك لقيام الثوريين بتبرير معظم انقلاباتهم العسكرية التي استهدفت في النهاية الاستيلاء على رأس السلطة- إلا أن ما حدث في إيران كان بمثابة الثورة الحقيقية التي أدت بدورها إلى تغيير جذري في المنظومة الأيديولوجية، وإلى خلق نقلة نوعية في قاعدة المجتمع الإيراني؛ وهو ما كان له الأثر العظيم على العالم الإسلامي بأكمله، سواء على الصعيد الفكري أو الأخلاقي أو السياسي. باختصار، إن "إيران الثورة" تشبه كثيرا "فرنسا الثورة" و"روسيا الثورة".

وعلى غرار الثورتين الأخيرتين، اجتازت الثورة الإيرانية عدة مراحل من الصراعات والتغيرات الداخلية والخارجية؛ ويبدو أنها قد دخلت بالفعل في مرحلة جديدة... تلك المرحلة "النابليونية" أو بتعبير أدق المرحلة "الستالينية".

لقد جاء النظام الديني في إيران، معتمدا على موجة كاسحة من التأييد الجماهيري الذي كان محتقنا ومخنوقا بفعل سياسات النظام القديم؛ إلا أنه منذ وصول الحكم الجديد إلى السلطة الإيرانية، والحكام "الملا" في تناقض شديد ومتنام مع شعاراتهم ومقولاتهم الغراء؛ لقد أظهروا أنهم لا يختلفون كثيرا عن شلل الفساد التي تحكم دول المنطقة.

ومن ثم، فإن الظواهر الإيرانية الحالية تعكس تضجرا متزايدا. فالبعض يطالب بتغيير جذري من خلال الرجوع إلى الماضي، والبعض -وهم الأكثرية- يأملون في قدوم ديمقراطية حقيقية؛ الأمر الذي جعل المسئولين الإيرانيين شديدي التوجس تجاه التغير الديمقراطي العراقي؛ إذ إن معظم العراقيين ينتمون إلى الشيعة؛ وهو ما سيعني إمكانية تدشين ديمقراطية شيعية عراقية على حدود إيران الغربية، وهو سيؤدي بدوره إلى خلق تحد مميت أمام نظام "الملا" الإيراني. ولذلك نجد الأخير يفعل كل ما في وسعه لمنع أو إفشال ذلك التغيير العراقي.

وما يهمنا حقيقة -في الوقت الحالي- هم الأصوليون السُنة. فالحرب السُنية المقدسة تعتمد اعتمادا أساسيا على نشر الوهابية بالمنطقة، وإن لم يكن تمكينها في بعض البلدان الإسلامية. والوهابية هي مدرسة إسلامية، ظهرت في "نجد" -مركز الجزيرة العربية- في القرن الثامن عشر. كان ظهورها إيذانا بإحداث الكثير من المشاكل والقلاقل للحكام المسلمين، ولكنها انتهت بإخمادها واحتوائها.

إلا أنها عادت إلى البروز في القرن العشرين، حينما قامت "أسرة آل سعود" -وهم زعماء القبائل المحلية المنتمية للوهابية- باحتلال المدن المقدسة (مكة والمدينة) وتدشين المملكة السعودية؛ وهو ما أحدث تغيرين مهمين في المنطقة.

أولا، وصول السعوديين الوهابيين إلى رأس الحكم في الجزيرة العربية، ومن ثم سيطرتهم الكاملة على المدن الإسلامية المقدسة، وهيمنتهم على رحلات الحجاج المسلمين؛ وهو ما أعطى لهم وضعا متميزا وخاصا وسط العالم الإسلامي.

ثانيا، اكتشاف النفط في أراضي السعودية، وسقوطه في أيدي الحكام السعوديين الوهابيين.

والأمر الساخر حقا، هو أن نفس هذه القوى الوهابية التي طعمها النظام السعودي في القرن العشرين، هي ذاتها التي باتت تشكل حاليا خطرا جسيما ليس على العالم فقط بل على "أسرة آل سعود" كلها.

إن الانتصار الأول والكبير للأصوليين السُنة كان إسقاط الاتحاد السوفيتي -كما يعتقدون- والذين يرونه انتصارا منطقيا لهم وحدهم؛ إذ يعتبرون ذلك الانهيار نتيجة مباشرة للجهاد الإسلامي الذي قام به المجاهدون في أفغانستان وليس نتيجة للحرب الباردة التي قام بها الغرب.

وكما قال "أسامة بن لادن": "لقد استطاع المجاهدون هزيمة إحدى القوتين الكافرتين العظميين.. وهي القوة الأكثر ضراوة والأكثر خطرا". فالتعامل مع الأمريكيين "الحمولين" الذين ينتكسون يوما بعد يوم -هكذا يقولون- يعتبر أمرا سهلا بالمقارنة مع السوفييت.

والحقيقة أن الممارسات الأمريكية قد أضعفت كثيرا من ذلك الاعتقاد، إلا أنها قد دعمته في أحيان أخرى.

إذا أجريت انتخابات حرة، فسيكون لهؤلاء الأصوليين -حتما- نقاط قوة لا يمتلكها المعتدلون والإصلاحيون. أولها أنهم يتحدثون بلغة تعتبر مفهومة لدى الجماهير الإسلامية. إن الأحزاب الأصولية تستخدم تلك المفردات التي تنسجم وتتآلف مع الجماهير الإسلامية، وتستثير تلك القيم المعروفة والناقدة للنظام العلماني السلطوي السائد.

ومن أجل توصيل رسالتهم، يستخدمون شبكات في غاية التأثير، تتوافق وتتأقلم مع من هم في المسجد مثلما مع من هم في الكنيسة. وهذا على عكس الأحزاب السياسية العلمانية التي تروج لأيديولوجيات ومفردات تعتبر غير مستساغة وغير مفهومة لدى "الشارع المسلم".

باختصار، إن الأحزاب العلمانية ليس لديها ذلك التأثير الذي تتمتع به الأحزاب الأصولية.

هذا بالإضافة إلى قدرة الثوريين الدينيين -وحتى الوهابيين- على تسخين الجماهير، عبر إلقاء الضوء على معاناة رجل الشارع العادي ومعاناته اليومية؛ وهو أمر لا يلقى أي صدى لدى أصحاب القوة والنفوذ في الشرق الأوسط المعروفين بالأنانية وعدم المبالاة.

صحيح أن الثورة الإيرانية قد عكست مثلا حيا عن المسلحين الدينيين الذين يظهرون الوجه الآخر عند لحظة استلامهم السلطة، وإنهم ليسوا بأحسن حالا من الذين انقلبوا عليهم، إلا أنهم ما زالوا يلقون الثقة من قبل الجماهير.

وأخيرا -وربما الأكثر أهمية- فإن الأحزاب الديمقراطية ملزمة أيديولوجيا بتمكين الأصوليين من حرية الممارسة؛ أما الأصوليون، فهم لا يلزمون أنفسهم بتمكين الإلحاديين بحرية الممارسة؛ ويعتبرون أنفسهم مسئولين عن إجهاض أي كفر أو إلحاد أو انشقاق.

وبالرغم من كل هذه المعوقات المخيبة للآمال، فإن الانتخابات العراقية تلوح بفتح باب من الأمل. والدليل على ذلك، ذهاب الملايين من العراقيين إلى صناديق الاقتراع، ووقوفهم في الصف، وإدلاؤهم بأصواتهم على الرغم من معرفتهم بالمخاطر التي تحيط بهم.

لقد كانت بحق لحظة مبهرة وغير عادية، كان لها الأثر العميق في الدول العربية المجاورة وغيرها. إن الديمقراطية العربية قد كسبت المعركة، ولكنها لم تكسب الحرب بعد. فهي ما زالت تواجه مخاطر كثيرة، سواء من جانب العدو الباطش أو من جانب الصديق المتردد الذي لا يعتمد عليه.

وأما معركة الانتخابات فكانت حاسمة؛ وربما تصير نقطة تحول في تاريخ الشرق الأوسط... فهي ليست أقل أهمية عن قدوم الجنرال "بونابرت" إلى مصر منذ أكثر من قرنين ماضيين.

الخوف ذاته

إن خلق نظام سياسي ديمقراطي في العراق أو في مكان آخر بالشرق الأوسط ليس بالأمر السهل. إلا أنه يصير بالتأكيد ممكنا إذا ما تمت الاستفادة من العلامات المبشرة التي تلوح في الأفق من حين إلى حين.

ولكن هذا لا ينفي مرة أخرى التخوفات السائدة التي تهدد الديمقراطية العراقية. التخوف من فشل تلك التجربة الديمقراطية، وهو ما يخشاه الكثيرون في الولايات المتحدة، وما تخشاه الغالبية العظمى في أوربا. والتخوف من نجاح تلك التجربة الديمقراطية، وهو ما تخشاه الدوائر الحاكمة في الشرق الأوسط.

فمما لا شك فيه، أن إيجاد مجتمع حر في العراق سيكون له عواقب مميتة ومدمرة على كثير من حكومات المنطقة، سواء كانت حكومات معادية لواشنطن أو حليفة لها.

لقد كان انتهاء الحرب العالمية الثانية بمثابة فتح الباب لدخول الديمقراطية في دول المحور القديمة. وكان انتهاء الحرب الباردة بمثابة فتح الباب لدخول الديمقراطية في كثير من مناطق الاتحاد السوفيتي.

والآن -فمع الثبات والصبر- سيمكننا جلب العدل والحرية لأولئك المغبونين والمظلومين في الشرق الأوسط.


* أستاذ متفرغ في الدراسات الشرق أوسطية بجامعة "برينسيتون" الأمريكية. وقد تم أخذ هذا المقال من خطبته التي ألقاها في 29 إبريل 2004 بجامعة "جورج واشنطون" الأمريكية. اضغط هنا لقراءة نص المقال.

**باحثة دكتوراة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 


الثقافة والفكر |  السياسة | التاريخ والحضارة | علوم وتكنولوجيا | الاقتصاد والتنمية

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع