كثرت
الأحاديث النبوية حول ذكر بعض الأدوية التي
تشفي من بعض الأمراض أو من جميعها بحسب بعض
الروايات، ولكن يبقى تساؤل مفاده: إلى أي مدى
قد تبنى النبي r
شخصية الطبيب ليصف للمرضى الأدوية؟. بمراجعة
عدد من أحاديث الطب النبوي، نجد أن ثمة
اختلافًا فيما بينها يصل في بعض الحالات إلى
التناقض، فضلا عن الإشكالات التي تحيط
بمحتواها إذا ما قورن بالمعلوم من الطب
والممارسة النبوية، وهذا الأمر أوقع شراح
الحديث في كثير من الاضطراب أثناء سعيهم
للتوفيق بين الأحاديث فيما بينها، وبينها
وبين علم الأطباء. وهذا ما سنعرض له لاحقا.
حول
ضوابط ما يُرَدُّ من الأحاديث
إن
بعض العلماء -كابن القيم- قد تنبه إلى كثرة
الأحاديث الطبية التي نسبت إلى النبي r
فاتخذ ضابطًا لمعرفة ما يُرَدُّ من الأحاديث
الطبية وهو: أن يكون الحديث بوصف الأطباء
أليق وأشبه، ومنها تكذيب الحس له، ومنها أن
يكون الحديث باطلا في نفسه[1]،
ومنها أن تقوم الشواهد الصحيحة على بطلانه[2].
وقد
يصلح أن يكون ضابطًا في ذلك، ما نص عليه
الخطيب البغدادي إذ قال: "... وأما الضرب
الثاني وهو ما يُعلم فساده، فالطريق إلى
معرفته أن يكون مما تدفع العقول صحته
بموضوعها، والأدلةُ المنصوصة فيها.."[3].
وقال
الشيرازي أيضا: "إذا روى الخبرَ ثقةٌ
رُدَّ بأمور: أحدها أن يخالف موجبات العقول
فيعلم بطلانه؛ لأن الشرع إنما يرد بمجوزات
العقول"[4].
وأما
الشافعي فقد صرح بكل وضوح أن الأصل في صدق
الخبر وكذبه، هو صدق المخبر وكذبه، وقد
استثنى من تلك القاعدة بقوله: "إلا في
الخاص القليل من الحديث، وذلك أن يُستدل على
الصدق والكذب فيه بأن يحدث المحدث ما لا
يجوز أن يكون مثلُه أو ما يخالفه ما هو أثبت
وأكثر دلالات بالصدق منه"[5].
إن
هذه الأقوال إذا دلت على شيء، فإنها تدل على
قواعد المحدثين في نقد المتن، والذي يتصل
تماما بنقد السند، وأن علاقة عدم التلازم
بينهما قد ردها ابن الصلاح[6]،
وإلا لأدى بنا الخوض في هذه المسألة إلى
نتيجة خطيرة، وهي أن النبي r
قد خالف العلم في كثير من الأحاديث، وهو ما
تبناه بعض العلماء، وأخرج تلك الأحاديث من
ساحة الوحي كما سيأتي تفصيله بعد قليل.
ولكن
لو تأملنا تعقيب الحافظ العراقي على تعريفه
للحديث الصحيح، لما لجأنا إلى هذا الاحتمال،
إذ يقول: "حيث يقول أهل الحديث: هذا حديث
صحيح، فمرادهم فيما ظهر لنا، عملا بظاهر
الإسناد، لا أنه مقطوع بصحته في نفس الأمر؛
لجواز الخطأ والنسيان على الثقة، هذا هو
الصحيح الذي عليه أكثر أهل العلم خلافا لمن
قال: إن خبر الواحد يوجب العلم الظاهر"[7]
.
وهذا
يعني أن احتمال الخطأ والنسيان على الراوي
وارد في بعض الأحاديث التي وسمت بالصحة
ظاهرًا، ولا مانع من تفعيل هذه القاعدة في
بعض الأحاديث التي خالفت العلم وكان هناك
تعسف في تأويلها أو لا دليل عليها؛ لأن الأصل
توافق العلم مع الحديث الشريف.
فمن
خلال ما سبق يمكن أن نخلص إلى أن ما نسب إلى
النبي r من
أحاديث طبية قد خالفت العلم وظاهرها الصحة؛
يحكم عليها بعدم الصحة حسب استثناءات
المحدثين، فهي خرجت عن نطاق الوحي والسنة،
أما ما صح منها ولم يخالف العلم فيمكن أن
تنسب إلى النبي r
وإلى الوحي.
إلا
أن ابن خلدون قد سلك منهجًا مغايرًا لما نص
عليه المحدثون في أحاديث الطب، فإنه صح عنده
نسبتها إلى النبي r
، ولكنها -عنده- ليست من الوحي في شيء، وإنما
هي أمر عادي للعرب، ووقع ذكرها في ذكر أحوال
النبي r
من نوع ذكر أحواله التي هي عادة وجبلة، لا من
جهة أن ذلك مشروع على ذلك النحو من العمل،
فإنه r إنما
بُعث ليعلمنا الشرائع، ولم يُبعث لتعريف
الطب ولا غيره من العاديات، وقد وقع له في
شأن تلقيح النخل ما وقع، وبناء على ذلك لا
ينبغي أن يحمل شيء من الطب الذي وقع في
الأحاديث المنقولة على أنه مشروع إلا على
جهة التبرك[8].
ولقد
لاحظ بعض علماء الغرب الذين أسلموا -وهو
موريس بوكاي- الفرق بين دقة المعلومات في
القرآن ودقتها في الحديث فقال: "لقد قمت
بالمقارنة بين الملاحظات التي خرجت بها من
دراسة الأحاديث وبين الملاحظات التي عرضتها
من قبل فيما يختص بالقرآن والعلم الحديث،
وكانت نتيجة هذه المقارنة مهمة جدًّا؛ لأن
الفرق قد ظهر واضحًا ومدهشًا بين دقة
المعلومة القرآنية وصحتها في حالة مقارنتها
بمعطيات العلم الحديث، كلما كانت المعلومة
راجعة إلى العلوم الكونية، وبين قابلية
النقد الواضحة لبعض معلومات الحديث
المتعلقة بموضوعات تدخل في صميم الميدان
العلمي"[9].
وفي
موضع آخر تبنى بوكاي مذهب ابن خلدون، أو
اجتهد من عند نفسه، ليقرر أن ما كان من
أحاديث في أمور الدنيا مما لا علاقة لها
بالدين، فهي قد تكون أحاديث صحيحة، ولكن ما
دامت أمرًا من الأمور الدنيا، فلا فرق عندئذ
بين النبي r
وبين غيره من البشر[10].
وقد
اقترح أحمد أمين ضابطا للأحاديث الطبية،
وذلك بعرضها على العلم التجريبي والتحليل
الكيماوي مع الاستقراء، كوسيلة للنقد
الداخلي للحديث، إلى جانب النقد الخارجي[11].
وقد
اعترض بعضهم على هذا الضابط، رافضًا أن
يحاكم الحديث لمعرفة صحته إلى التجربة
معتمدا على صدق الراوي وضبطه؛ لأن التجربة
قد تتخلف بعض شروطها، فيظن أن النبي r
قد كذب، ومن ثم غاية ما تدركه التجربة أن
الكلام معناه صحيح، ولا يعني أنه قول النبي r[12]،
ومقتضى كلامه صحيح لولا احتمال جواز خطأ
الرواة ونسيانهم، ونحن نؤمن بعصمة النبي r
وتنزيهه عن الكذب، ولكن لا تشمل تلك العصمة
الرواة، فالسؤال الذي يطرح هنا هل قاله
النبي r
أم لا؟.
وهذا
السؤال يرد أيضا على ما نقله ابن حجر عن ابن
أبي جمرة إذ قال: "تكلم الناس في هذا
الحديث - وهو: "الحبة السوداء..." وسيأتي
ذكره بالتفصيل - وخصوا عمومه وردوه إلى قول
أهل الطب والتجربة، ولا خفاء بغلط قائل
ذلك، لأنا إذا صدّقنا أهل الطب، ومدار
علمهم غالبا على التجربة التي بناؤها على ظن
غالب، فتصديق من لا ينطق عن الهوى أولى
بالقبول من كلامهم"[13].
إن
هذا الكلام يقتضي أمرين: الأول أن الحديث
مقدم على التجربة، والثاني أن كل كلام النبي r
هو وحي.
أما
الأمر الأول: فيُعترض عليه بأن الحديث،
ونقصد خبر الواحد، لا يفيد إلا غلبة الظن عند
كثير من المحدثين، والتجربة كذلك بناء على
كلام ابن أبي جمرة، وبالتالي لا بد من مرجح
يرجح أحدهما، وهنا نُحكّم علم مختلف الحديث،
ولا يجوز إطلاق القول بتقديم الحديث. ومن جهة
أخرى إذا كانت التجربة قد تتخلف بعض شروطها
ولها حكم النادر، فكم هي نسبة أخطاء الرواة
في الأحاديث المدرجة والمضطربة والمروية
بالمعنى، وغيرها -على سبيل المثال- على
اعتبار أنهم ثقات، ومع ذلك فإن نسبة غلبة
الظن إذا لم تصل إلى درجة القطع في التجربة
فإنها تفوق كثيرا نسبة غلبة الظن بالحديث.
أما
الأمر الثاني: فإن ابن خلدون مثلا قد أخرج
جميع أحاديث الطب عن نطاق الوحي والتشريع،
وأخذ بها من باب التبرك.
الأمثلة
التطبيقية
لو
أخذنا نموذجا، كتاب الطب من صحيح البخاري[14]،
فقد حوى أحاديث أثارت جدلا في فهمها
وتوجيهها، فقد تصادمت مع بعضها من جهة، ومع
العلم الحديث من جهة أخرى، وعمد بعض الشراح
إلى تأويل تلك الأحاديث وتقييد مطلقها أو
تخصيص عمومها للتوفيق بينها:
1-
الحبة السوداء:
فمن
ذلك ما روته عائشة t عن النبي r
قال: "الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا
الموت"[15]، فقدّر ابن
حجر قوله r
"كل داء" أي يقبل العلاج بها، ويخصص
الحديث بالأمراض الباردة، أما الحارة فلا،
وينقل ابن حجر عن الخطابي قوله: (قوله "من
كل داء" هو من العام الذي يراد به الخاص؛
لأنه ليس في طبع شيء من النبات ما يجمع
الأمور التي تقابل الطبائع في معالجة
الأدواء بمقابلها، وإنما المراد أنها شفاء
من كل داء يحدث من الرطوبة)، وينقل عن ابن
العربي: "العسل عند الأطباء أقرب إلى أن
يكون دواء كل داء: من الحبة السوداء، ومع ذلك
فإن من الأمراض ما لو شرب صاحبه العسل لتأذى
به"، ونقل ابن حجر عن بعض العلماء ما
خلاصته أن النبي r
كان يصف الدواء بحسب ما يشاهده من حال
المريض، فلعل قوله الحبة السوداء وافق مرض
من كان مزاجه باردًا، فيكون معنى قوله: شفاء
من كل داء، أي من هذا الجنس الذي وقع فيه،
والتخصيص بالحيثية كثير شائع[16].
وإذا
كانت الحبة السوداء شفاء من كل داء، فإنه قد
جاء حديث آخر يحصر الشفاء في ثلاثة دون ذكر
الحبة السوداء، فمن ذلك حديث ابن عباس، فقد
حصر الشفاء في ثلاثة: "الشفاء في ثلاثة:
شربة عسل وشرطة محجم وكية نار، وأنهى أمتي عن
الكي"[17]، قال ابن حجر:
"وقد قيل: إن المراد بالشفاء في هذا الحديث:
الشفاء من أحد قسمي المرض؛ لأن الأمراض كلها
إما مادية أو غيرها، والمادية كما تقدم حارة
وباردة، وكل منهما وإن انقسم إلى رطبة
ويابسة ومركبة فالأصل الحرارة والبرودة،
وما عداهما ينفعل من إحداهما، فنبه بالخبر
على أصل المعالجة بضرب من المثال.."[18]،
إذًا مرة أخرى يخصص ابن حجر هذه الحديث بأحد
قسمي المرض؛ لأن الحس والمشاهد أن هناك بعض
الأمراض لا تعالج بهذه الأشفية الثلاثة،
فضلا عما روي عن أنس y:
إن أمثل ما تداويتم به الحجامة والقسط
البحري، وقال: لا تعذبوا صبيانكم بالغمز من
العذرة وعليكم بالقسط.."[19]،
ومع ذلك لو تتبعنا أحاديث البخاري، فإننا
نجد النبي r
قد أرشد بعض المرضى لا إلى الأشفية السابقة
الذكر، وإنما إلى دواء آخر، وهو حديث أنس y:
"أن ناسا اجتووا في المدينة فأمرهم النبي r
أن يلحقوا براعيه يعني الإبل فيشربوا من
ألبانها وأبوالها.."[20]
-الجوي داء يأخذ من الوباء-[21]
ومع ذلك فقد أشكل على ابن حجر وجمهور الفقهاء
كيف يأمر النبي r
بشرب النجاسة؟ فحملوا الحديث على الضرورة[22]،
والقصد من هذا المثال تعدد وسائل الاستشفاء
مع حصرها سابقا.
إضافة
إلى ما سبق فإن النبي r
قد خصص لبعض الأمراض أدوية تختلف عما سبق،
كما في حديث عائشة: "إن التلبينة تجم فؤاد
المريض وتذهب ببعض الحزن"[23]
وحديث أم قيس: "عليكم بهذا العود الهندي
فإن فيه سبعة أشفية يستعط به من العذرة ويلد
به من ذات الجنب"[24]،
ومع العلم أن النبي r
في الحديث لم يذكر إلا اثنتين من تلك السبعة[25].
2-
حديث العجوة:
لكن
الذي أشكل أكثر على شراح الحديث والذي يخالف
العلم التجريبي -بحسب كلام العلماء النقاد
قديما- هو حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي r:
"من تصبح بسبع تمرات عجوة لم يضره سم ولا
سحر"[26] قال المازري:
"هذا مما لا يُعقل معناه في طريقة علم
الطب، ولو صح أن يخرج لمنفعة التمر في وجه من
جهة الطب لم يقدر على إظهار وجه الاقتصار على
هذا العدد الذي هو سبع، ولا على الاقتصار على
هذا الجنس وهو العجوة، ولعل ذلك كان لأهل
زمان النبي r
خاصة أو لأكثرهم، إذ لم يثبت عندي استمرار
وقوع الشفاء بذلك في زمننا غالبا، وإن
وجد ذلك في الأكثر حُمل على أنه أراد وصف
غالب الحال"[27].
إن
المازري اكتفى بتخصيص الحديث في زمن النبي r،
أما ابن حجر فقد ذكر عدة خصوصيات عن العلماء،
منها ما ذكره عن القاضي عياض أن ذلك خاص
بعجوة العالية، وبما بين لابتي المدينة،
وأنه خاص بأهل المدينة في ذلك الزمن[28]،
ومنهم من خصص معالجته بعض السموم، وأما
القرطبي فقد خصصه بتمر المدينة، ومعالجة
السموم والسحر، ولكن أشكل عليه هل هو خاص
بزمن النبي r؟
فكان جوابه "ويرفع هذا الاحتمال
التجربة المتكررة فمن جرب ذلك فصحّ معه، عرف
أنه مستمر وإلا فهو مخصوص بذلك الزمان"[29]،
واستشكل ابن حجر لماذا سبع تمرات؟ وكان
الجواب لسرٍّ فيها، ومنهم من عالج ذلك طبيا
بأن التمر يرفع حرارة الجسم والسم يقتل
الإنسان بفرط برودته، ويعترض القرطبي على
هذا المبرر؛ لأنه يحذف جميع الخصوصيات التي
ذُكرت، رغم أنه لا دليل عليها، ويصلح بكل تمر
في كل زمان[30]، وعلّل ابن
القيم بعلة أخرى، فجعل لبعض عجوة المدينة
منافع من حيث قوتها وليونتها ولذتها، ومع
ذلك يطلق الحكم في التمر، ويقول: "هو من
أكثر الثمار تغذية للبدن، بما فيه من الجوهر
الحار الرطب، وأكله على الريق يقتل الدود،
فإنه مع حرارته فيه قوة ترياقية، فإذا أديم
استعماله على الريق، جفف مادة الدود وأضعفه
وقلله أو قتله"[31]. ومن
ثم يرجح ابن القيم أن العدد سبعة هو من باب
الوحي، وهو تقدير إلهي، فقد جعل السماوات
سبعة والأرضين سبعة، والأيام سبعة...".[32]
وهذا
الكلام أيضا ينقض جميع تلك الخصوصيات، بل
ويخصص معالجة التمر لبعض السموم الناتجة عن
ديدان إذا صح تسميتها سما أصلا، وهذا خلاف
ظاهر الحديث، ومع ذلك فإن ابن حجر لم يرجح
قولا على عادته، وقد استنكر على ابن القيم
وغيره تلك الاحتمالات، وينهي شرحه للحديث
بسؤال محرج: "وعلى تقديم التسليم في السم
فماذا يصنع في السحر؟"[33].
أما
في العصر الحديث فقد انهالت الشتائم على من
تسرع برد هذا الحديث بالحس والطب[34]
واحتج من دافع عنه بانتظار المستقبل، ليكشف
لنا أن التمر يعالج السم والسحر؛ لأنه إلى
اليوم لا توجد مخابر راقية تكشف خواص
العجوة، وكان ردهم على من رد الحديث، بأنه هل
ثبت له بالتجربة أن معنى الحديث باطل؟ وهذا
السؤال يجب أن يكون عكسيًّا، إذ إن من رد
الحديث عن طريق التجربة لا يؤمن به حتى
يجربه، أما من سلّم بصحته، فبدل أن ينتظر
المخابر الراقية لمعرفة خواص العجوة، عليه
أن يثبت لكل من تراوده نفسه أن يكون هذا كلام
النبي r
، بأن يباشر ويتصبح بعجوة المدينة ويحتسي
سما قاتلا، ويظهر النتيجة المعجزة![35].
ولكن
المفارقة أن النبي r -ضمن
أحاديث الطب عند البخاري- قد اخترق الساحرُ
عصمته التي أثبتها نص القرآن ]وَاللَّهُ
يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ[ {المائدة: 67}
وسحره لبيد بن أعصم[36]،
وكانت علامة سحره كما نُسب إلى عائشة t أنه
كان يُخيل إليه أنه يأتي النساء وفي الحقيقة
لا يأتيهن! إلا أن محل الشاهد أن النبي r
لم يعمل بمقولته ليحترس من سحرته، أو لم يؤثر
به تمر المدينة حيث كان غذاءهم الرئيسي[37].
إن
هذه الأمثلة وغيرها كثير؛ قد تدعو للتساؤل:
كم كان النبي r
يمارس مهنة الطب مع أصحابه؟ إذا كانت مهمته
تبليغ الرسالة؟.
3-
أحاديث العدوى:
ولكن
هل يمكن أن ننسب للنبي r
بعض الأحاديث التي قد تبرأ منها رواتها من
الصحابة، وقد وقع تنافر فيما نُسب إلى النبي r مستخدمين
سلاح التأويل الذي قد فقد كثيرا من شروطه عند
استعماله، ومثال ذلك:
ما
رواه أبو هريرة وابن عمر y
وغيرهما "لا عدوى ولا طِيرة ولا هامة ولا
صفر"
والثاني
ما رواه أبو هريرة أيضا: " لا يُورِدنَّ
مُمرِض على مُصِحّ" .
أما
الحديث الأول فمروي عن عدد من الصحابة، ففي
الصحيح: مروي عن أبي هريرة، وعبد
الله بن عمر، وأنس بن مالك، وجابر y[38]،
أما الحديث الثاني فهو مروي فقط عن أبي هريرة[39].
ومحل
الشاهد هنا هو أن الحديث الأول ينفي أن يكون
هناك عدوى، بينما يثبت الآخر العدوى وقد رفع
ابن الصلاح وغيره هذا التناقض بأن وجه الجمع
بينهما، أن هذه الأمراض لا تعدي بطبعها،
ولكن الله تعالى جعل مخالطة المريض بها
للصحيح سببا لإعدائه مرضه، ثم قد يتخلف ذلك
بسببه كما في سائر الأسباب، وأن النبي r
قصد نفي ما كان يعتقده أهل الجاهلية من أن
ذلك يعدي بطبعه، أما في الحديث الثاني فقد
أعلم النبي r
أن الله جعل ذلك سببا لذلك وحذر من الضرر
الذي يغلب وجوده بفعل الله سبحانه وتعالى[40].
هكذا
ارتأى ابن الصلاح الجمع بين هذين الحديثين،
دون النظر إلى اختلاف الروايات واضطرابها،
ولو كان الأمر كما ارتأى؛ لوجب على النبي r
أن يوضح للصحابة أن كل شيء عبارة عن سبب
ومسبب، وقد يتخلف السبب عن المسبب إذا شاء
الله عز وجل، فقد جعل النار بردًا وسلامًا
على إبراهيم، إلا أن تخصيص العدوى بتلك
الحكمة لا دليل عليها، وخصوصا قد رُوي حديث
أبي هريرة وحده من عدة وجوه بين زيادة ونقص،
منها: "لا عدوى ولا صفر ولا هامة"،
ومنها "لا عدوى ولا هامة ولا نوء
ولا صفر"، ومنها "لا عدوى ولا طيرة ولا
هامة ولا صفر وفر من المجذوم كما تفر من
الأسد"، وهذه الرواية الأخيرة ينقض
آخرها أولها، إذ أول الحديث يثبت لا عدوى،
ونهايته يأمر بالفرار من المجذوم خشية
العدوى[41].
وللحديث
شواهد أخرى لا تقل اضطرابا عن حديث أبي
هريرة، فرواية ابن عمر هي أن رسول
الله r
قال: "لا عدوى ولا طيرة والشؤم في ثلاث
في المرأة والدار والدابة"، وأما
رواية جابر فقال قال رسول الله r:
"لا عدوى ولا طيرة ولا غول"، وأما رواية
أنس أن نبي الله r
قال: "لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل:
الكلمة الحسنة الكلمة الطيبة" .
مع
كل هذا الاضطراب في هذه الروايات، وخصوصا ما
روي عن أبي هريرة t ، فإن للحديث علة أخرى
اعتد بها المحدثون وغيرهم، وهي جحود أبي
هريرة لحديثه الأول "لا عدوى ولا طيرة.."
واستنكرها أصلا، قال أبو سلمة بن عبد
الرحمن وهو راوي الحديث "وأنكر أبو
هريرة الحديث الأول. قلنا: ألم تحدث أنه لا
عدوى؟! فرطن بالحبشية. قال أبو سلمة: فما
رأيته نسي حديثا غيره"[42]
.
"وقال
الحارث بن أبي ذباب وهو ابن عم أبي
هريرة: قد كنت أسمعك يا أبا هريرة تحدثنا مع
هذا الحديث حديثا آخر قد سكت عنه، كنت تقول:
قال رسول الله r
"لا عدوى"، فأبى أبو هريرة أن يعرف ذلك،
وقال: "لا يوردنّ ممرض على مصح"، فما رآه
الحارث في ذلك حتى غضب أبو هريرة فرطن
بالحبشية، فقال للحارث: أتدري ماذا قلت؟ قال:
لا ، قال أبو هريرة : قلت أبيت، قال أبو سلمة:
ولعمري لقد كان أبو هريرة يحدثنا أن رسول
الله r
قال: "لا عدوى" فلا أدري أنسي أبو هريرة
أو نسخ أحد القولين الآخر"[43].
واللافت
للنظر أن أبا هريرة قد ذُكّر مرتين في حديثه
لا عدوى، مرة من أبي سلمة، ومرة من الحارث،
وقد كان جوابه لهما بأن رطن بالحبشية فقط،
وكان الأولى في كلتا الحالتين هو حل الإشكال
وبيان ما وقعا به من وهم، وذلك بناء على صحة
الحديث، وقد حمل أبو سلمة إنكار أبي هريرة
على أنه إما نسي أو أنه نسخ، أما أنه نسي فهذا
لا يصح بحقه عند المحدثين لكون النبي r
دعا له بالحفظ وألا ينسى أبدا[44]،
وأما النسخ فإنه لا يقبل في مجال الطب
والعلم، ولا يثبت بالاحتمال -كما سيأتي- ،
ويشترط به معرفة التاريخ وقد تعذر ذلك، وقد
رواهما بعد وفاة النبي r
، وفي الحديث إشارة إلى أن الرواة لم يحاجوا
أبا هريرة أو يذكّروه بالشواهد الأخرى التي
رويت عن ابن عمر وجابر وأنس y
، ولفتة أخرى فقد ورد أنه نُقل إلى عائشة t
حديث الشؤم على لسان أبي هريرة t فقط،
واستنكرته وغضبت غضبا شديدا وقالت: "ما
قاله، وإنما قال: إن أهل الجاهلية كانوا
يتطيرون من ذلك"[45]،
واللافت هنا أنه قد نسب إلى أبي هريرة وحده ،
رغم ما ذكرنا من شواهد أخرى عن بقية الصحابة
والتي قد تشفع له أمام عائشة.
أما
ابن قتيبة فقد حمل نفي العدوى على من يعتقد
أنه أصابه مكروه من المرأة أو الدار لكونها
تعدي بالشؤم، فيقول: "أعدتني بشؤمها"،
إلا أنه في نفس الوقت ينكر حديث أبي هريرة
"الشؤم في المرأة والدار والدابة"
ويتهم أبا هريرة بالغلط، وأنه لم يعِ كلام
النبي r[46]،
ويرد عليه أن حديث الشؤم مروي عن ابن عمر وهو
بنفسه أيضا يناقض آخره أوله إذ قال: "لا
عدوى ولا طيرة والشؤم في ثلاث في
المرأة والدار والدابة"، فالشؤم هو
التطير، فهو يثبت التطير في ثلاث وينفيه
بالإطلاق من جهة أخرى، مع العلم أن جابرًا
يثبت الشؤم بأمور أخرى إذ يخبر عن رسول الله r
قال: "إن كان في شيء ففي الربع والخادم
والفرس" فخرجت المرأة والدار"[47]،
وحديث جابر جاء على سبيل الافتراض أي إن وقع
ففي هذه الثلاث، وكذا رواية عن ابن عمر أيضا
عن النبي r
أنه قال: "إن يكن من الشؤم شيء حقا ففي
الفرس والمرأة والدار"[48]،
وهذا ما ذهب إليه الطحاوي فقال: "فلم يخبر
أنها فيهن، وإنما قال: إن تكن في شيء
ففيهن، أي لو كانت تكون في شيء لكانت في
هؤلاء فإذا لم تكن في هؤلاء الثلاثة فليست في
شيء"[49]، وهذا التأويل
يصان عنه النبي r
لما فيه من نسبة العبث إليه، ويدحض هذا
التأويل الروايات الأخرى المثبتة "إنما
الشؤم..." ، وهي تفيد الحصر والتأكيد.
وذهب
ابن حجر إلى أن الأولى في الجمع بين الأحاديث
أن يقال: إن نفيه للعدوى باقٍ على عمومه،
بدليل قوله "فمن أعدى الأول؟"[50]،
يعني أن الله تعالى ابتدأ ذلك في الثاني كما
ابتدأه في الأول، وأما الأمر بالفرار من
المجذوم فمن باب سد الذرائع!، لئلا يتفق
للشخص الذي يخلطه شيء من ذلك بتقدير الله
تعالى ابتداء لا بالعدوى المنفية، فيظن أن
ذلك بسبب مخالطته، فيعتقد صحة العدوى[51].
ولكن يرد عليه ما ورد على دليل ابن الصلاح،
فالعدوى سبب من الأسباب التي جعلها الله
للمرض، وليست العدوى حتمية لكل من خالط
المريض، ولكن العادة والأعم الأغلب تشهد
لذلك، ومن ثم كيف أن الأصل لا عدوى، وقد ثبتت
بالحس والمشاهدة والعلم؟[52].
وقد
وجد ابن قتيبة مخرجًا آخر في الجمع بين
الحديثين، بأن نفى العدوى على العموم،
وأثبتها في الجذام ونحوه، وأثبت الجذام من
باب المخالطة وطول المجالسة لا من باب
العدوى، وأن الأطباء لا يريدون معنى
العدوى عندما يأمرون بعدم مجالسة المسلول
والمجذوم، وإنما يريدون به تغير
الرائحة التي قد تسقم من أطال اشتمامها،
ولكن هذا يتنافى مع قوله r:
"وفِرّ من المجذوم فرارك من الأسد"
فتخيل كم تكون سرعة من يهرب من أسد متوحش، مع
العلم أن كلامه لا يستقيم مع الطب؛ لأن
كثيرًا من الأمراض حاليا تعدي لمجرد اللقاء
ولو لحظة، وما الفرق بين الرائحة التي تسقم
فيعل بها، والمرض الآخر الذي يعدي؟ إلا إذا
جاز عنده: أنه تصح العدوى إذا اختلفت العلة،
ولا تصح في نفس العلة! ونلاحظ أن ابن قتيبة في
جميع هذه التأويلات والاحتمالات، لم يراعِ
جميع الروايات، ربما لصعوبة ذلك وعسرها.
الأحاديث
بين مناقضة بعضها ومناقضة العلم
وأخيرا:
إن التسرع في رد الأحاديث من جهة مخالفة
العلم: فيه تعسف ولا شك، ولكن ما ذكرناه
من أمثلة لا يحمل على مخالفة العلم فحسب، بل
على تضارب الأحاديث مع بعضها من جهة،
ومخالفتها للعلم من جهة أخرى، وما ذكره
الشراح من تخصيص وتقييد للأحاديث يفتقر إلى
دليل، وما لجأ الشراح لذلك إلا بعد أن خالف
الحديث الحس المشاهد والعلم التجريبي،
وبالتالي لا بد من أن نعيد النظر فيما نسب
إلى النبي r
من بعض ذلك، وتنزيهه عن أن يتكلم بما يناقض
العلم، وقد أخذت بعض تلك الأحاديث الطبية
صفة اللزوم والعقيدة ولا يمكن إخراجها من
دائرة الوحي كما أراد ابن خلدون مثلا، وإن
منهج الصحابة في الاحتياط وسد الذريعة في
تقليل الرواية عن النبي r من
أجل عدم نسبة ما لا يجوز بحقه إليه لهو
الأكمل والأحوط والأورع في حق نبينا r
.
طالع
أوراق الملف: