 |
|
عبد المنعم أبو الفتوح
|
عبد
المنعم أبو الفتوح عضو مكتب إرشاد جماعة
الإخوان المسلمين بمصر، عرف بآرائه
المثيرة والجريئة. وفي هذا الحوار الحي مع
قراء "إسلام أون لاين.نت" حول الدولة
الإسلامية، يثير عددًا من الأفكار حول
موضوع الدولة؛ فيؤكد على أن الدولة
الإسلامية على مدار تاريخها لها معالم
مميزة لها، ويحدد مفهومها بأنها الدولة
التي أغلب سكانها من المسلمين، وعلى هذا
فهي موجودة بالفعل. ولو حكمت هذه الدولة
بغير الإسلام فهذا الخروج لا يسلب الدولة
جوهرها كدولة إسلامية، وهي لديه دولة مدنية
وليست دينية، يحكمها المدنيون المتخصصون
في مختلف النواحي، لكنها مع هذا إسلامية في
شتى المناحي الاقتصادية أو الأيديولوجية.
ويرى
أن كثيرًا من الحركات الإسلامية بعد
تجاربها الكثيرة أصبح عندها نضج ووعي
وإدراك وخطوط عريضة لمشروع إسلامي يمكن
الحكم به. وليس غريبا أن يفشل الإسلاميون
هنا أو هناك مثل غيرهم؛ فليس هناك عيب أن
يفشل فصيل إسلامي فيأتي فصيل آخر؛ لأن
العبرة بالمبادئ والقيم وليس بالبشر،
وبخصوص الخلافة فهي ليست قضية دينية ولكن
الإسلام يحثنا على الوحدة.
ما
هي الدولة الإسلامية؟
*
هل
الدولة الإسلامية هي التي فيها كثرة من
المسلمين أم التي تحكم بالإسلام؟ وهلا
ذكرتم لنا أسماء بعض الدول التي يصح أن
نسميها دولا إسلامية؟
-
المصطلح
في الأصل يطلق على الدولة التي غالبية
سكانها من المسلمين. أنا أقول: الدولة
الإسلامية هي الدولة التي أغلب سكانها من
المسلمين؛ فلا يتصور أحد أن يكون أغلبية أي
شعب من المسلمين، ثم هذه الأغلبية وطبقا
لقواعد الديمقراطية والحرية ترفض قواعد
الإسلام أو مبادئه، وبالتالي القول بأن
الدولة الإسلامية هي التي تحكم بالإسلام.
أحيانًا
يعرّف البعض الدولة الإسلامية بأنها التي
تحكم بالإسلام، ولكن طبقا لقواعد الحرية
والديمقراطية فإن الأغلبية لا تصادر رأي
الأقلية؛ فأنا أرى في التعريف الحديث
والمحدد أنها الدولة التي أكثر سكانها من
المسلمين.
ولعل
السائل يسأل: ماذا لو حكمت هذه الدولة بغير
الإسلام؟ هذا افتراض جدلي لا يصح أن يكون
موجودا، وأنا أرى أن كل الدول التي أغلب
سكانها من المسلمين هي دول إسلامية سواء
مصر أم الأردن، وذلك لا يعني أننا نوافق أو
نرضى عما لحق بهذه الدولة من فساد وعطب
متمثل في استبداد سياسي أو
الدولة
الإسلامية هي الدولة التي أغلب سكانها
من المسلمين، فهي موجودة بالفعل.
|
|
فساد
اقتصادي أو خلقي. كل هذا خروج عن قواعد
الإسلام يجب أن نسعى لتصحيحه، ولكن هذا
الخروج لا يسلب أصل الدولة ولا جوهرها
كدولة إسلامية. وبالتالي فأنا ضد من
يقول: حين تقوم الدولة الإسلامية سوف نفعل
كذا أو كذا؛ فهي موجودة بالفعل، ولا يمكن
أن نجير أو نهيل على تاريخ الدولة طوال 14
قرنًا التراب، فلن نبدأ من الصفر وكأن كل ما
بناه الإسلام من قيم ومبادئ يعيش بها
المسلمون الآن كأنه يجب أن يهال عليه
التراب. أبدًا نحن ضد الخروج عن المبادئ
الإسلامية، وضد الاستبداد السياسي في
العالم الإسلامي، ونحن مع الإرادة الشعبية
الحرة والحريات، ومع أن الدولة الإسلامية
مدنية وليست دينية فهي يحكمها المدنيون
المتخصصون في مختلف النواحي، إلا أنها
إسلامية في شتى المناحي الاقتصادية أو
الأيديولوجية.
الدولة
الإسلامية هي الدولة التي أغلب
سكانها من المسلمين، فهي موجودة
بالفعل.
|
|
*
سؤالي
له شقان: الأول يتعلق بما تبقى من فكرة
الإسلامية فيما تطرحه من تصور للدولة.
والثاني
عما إذا كانت المشكلة تتعلق بقدرة
الإسلاميين على تقبل الحقيقة دون ديباجات
وشعارات، والحقيقة هي أنه ربما ليست هناك
صورة للدولة الإسلامية، ولكن هناك معايير
ومحددات هي تلك التي تطرحها، وأن الأفضل أن
نتكلم على الأرض وفي الواقع، بعيدا عن
افتعال تميز وشعارات ليست موجودة.
-
القضية
ليست قضية شعارات؛ فابتداء يجب أن نسأل
أنفسنا: هل الإسلام كدين مختلف عن الأديان
التي سبقته مثل المسيحية؟ بمعنى أن
المسيحية كانت تعلن أن ما لله لله وما لقيصر
لقيصر، وأعلنت بوضوح أنها لا دخل لها في
أمور دنيا الناس، وبالتالي لا علاقة لها
بالسياسة أو الاقتصاد. لكن حين جاء الإسلام
كان النبي صلى الله عليه وسلم إلى جانب أنه
نبي مرسل كان قائد دولة؛ لأن النبي
والصحابة بعده كانوا إلى جانب أنهم دعاة
وأصحاب عقيدة كانوا حكامًا ولا يوجد حكم
دون فكار ومرجعية وتوجه وإدراك سياسي.
إننا
نجد أحياناً في كلام بعض المثقفين
والسياسيين أن الدولة الإسلامية ليس لها
معالم محددة، وهذا غير صحيح؛ فالدولة
الإسلامية على مدار تاريخها لها معالم
مميزة لها عن الدول ذات المرجعيات الأخرى.
فالدولة الإسلامية يعلى فيها من قيمة
الحرية، وحرية البشر فيها دين يُتعبد به
إلى الله، ولعلك تسأل فتقول: إن قضية الحرية
شعار مرفوع من جانب الوزارة فما هو الفرق؟
الدولة
الإسلامية على مدار تاريخها لها معالم
مميزة لها عن الدول ذات المرجعيات
الأخرى.
|
|
أظن
أن كل الشعارات التي رفعتها البشرية سواء
الحرية أم احترام حقوق الإنسان أم العدالة
هي نفسها مبادئ الإسلام، إلا أن الإسلام
يحول هذه المبادئ إلى دين يتعبد الإنسان
إلى ربه بالالتزام بهذه المبادئ، وذلك ما
يجعلني أقول: إن المبادئ التي رفعتها
الثورة الأمريكية كان أول ما قضى عليه هو
النظام الأمريكي الذي كان يعطي القدوة
لمفهوم الإنسان وحقوق المرأة، وكل ما صدره
الغرب من شعارات، ولكن اتضح أن هذه
الشعارات حين تتنافى مع المصالح المادية
للناس سرعان ما يأكلونها ويحولونها إلى وهم.
وما تمارسه أمريكا من حرب في العراق يدل على
أن مبادئ حقوق الإنسان بالنسبة للغرب ليست
مبادئ وليست قيمًا، وإنما هي شعارات، ولم
تتحول إلى قيم يعاش بها، وهذا هو الفرق.
نحن
نطبق القيم التي يشاركنا فيها غيرنا من
البشر، ولكن نحن نطبقها كدين نعلم أنه
بجانب الرقابة الشعبية أو الأجهزة
الرقابية هناك رقابة أخرى هي رقابة الله
سبحانه وتعالى.
فالدولة
الإسلامية لها محددات ومعايير؛ في موضوع
الاقتصاد مثلا هي تحرم الربا وتحرم
الاحتكار. وقد يقول البعض في جانب السياسة:
إن تحريم الربا من الفكر الرأسمالي، ولكني
لا أقول: إن ذلك شيء يجب احترامه، إلا أننا
كمسلمين نمارس هذه المبادئ كدين يتقرب به
إلى الله. ونحن على مدار تاريخنا الإسلامي -بما
فيه من تقصير وقصور ومصادمة لهذه المبادئ
الإسلامية- لو قارنتنا بغيرنا من الأمم تجد
أن التاريخ الإسلامي يشهد بأن تقصيرنا أو
عدم احترامنا لهذه المبادئ بسيط جدا إذا ما
قورن بغيره من البشر. وما هذا إلا إيضاح
بسيط للسؤال المذكور حتى نعطي الفرصة
للجميع للإدلاء برأيه.
*
"أقيموا
دولة الإسلام في قلوبكم تقم على أرضكم"..
كيف نقيم دولة الإسلام في قلوبنا؟ (توصيات
عملية).
-
قيام
دولة الإسلام في قلوبنا المقصود به أن يكون
في سلوكنا وأعمالنا مثال لما ندعو إليه،
وهذا ما يفرق مبادئ الإسلام عن غيرها من
المبادئ.
فالإسلام
لا يقبل من أبنائه أن يكونوا أصحاب شعارات
يطرحونها على الجماهير من أجل مصالح ذاتية
أو أهواء شخصية؛ فالإسلام لا يقبل من
أبنائه إلا أن يكونوا في أخلاقهم مثالا لما
يطرحونه على الناس، ومن هنا فإن الله يحذر {يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ
تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ
مَقْتًا عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ
تَفْعَلُونَ} كيف يتصور أن يكون هناك أخ
مسلم يدعو الناس إلى الصدق والأمانة، ثم هو
في سلوكه وأعماله صورة سيئة ضد الصدق
والأمانة؟!.
كيف
يتصور أن أخًا يدعو الناس للالتزام بأخلاق
المسلمين، ثم يجلس مع الناس ويغتاب خيرة
الإخوان؟! إن الله يحرم الغيبة والنميمة {وَلاَ
يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ
أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ
مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ}؛ فهذا ما قاله
الإمام البنا: إننا يجب أن نكون خير مثال
لما ندعو له. فكيف يظلم الأخ أهله وبلده وهو
يدعو للعدل؟! كيف يدعو للحرية وهو مثال
للاستبداد والظلم؟! وكيف يدعو لحقوق
الإنسان وهو يسيء تعامله مع أهله؟!.
*
ما
الخطوات العملية الواجبة على الشعوب
للوصول إلى تكوين الدولة الإسلامية
الشاملة مع مراعاة التطورات الحالية
والمستقبلية على المدى القريب؟ وما المدة
التي تتوقعونها؟
-
ما
يزال يسيطر على فكر وذهنية بعض العاملين في
الحركة الإسلامية بصفة عامة أن أسمى أهداف
هذه الحركة هو الوصول لكرسي الحكم، وللأسف
الشديد هذا مفهوم قاصر؛ لأن أسمى أهدافنا -نحن
الإخوان المسلمين أبناء الحركة الإسلامية-
هو إصلاح أوطاننا؛ فنحن نسعى لإصلاح
الحكم وإصلاح مؤسسات الدولة وإصلاح أنفسنا
وإصلاح شعوبنا.
وبالتالي
فإن ما أنجزناه -كإخوان مسلمين- على مدار 70
سنة نعتز به، ونرى أنه من فضل الله علينا؛
حيث أصبح الإسلام الآن -متمثلا في الصحوة
الإسلامية- ينتشر في كل طبقات المجتمع من
الطبقات العليا إلى السفلى، ومن الطبقات
الغنية إلى الفقيرة، ومن المثقفين إلى
العامة، وصار الإسلام الآن بفضل الله -كمنهج
حياة- يفرض نفسه على كل أجندات السياسيين في
العالم، وصار الإسلام أحد مقومات نهضة
العالم الإسلامي والشعوب الإسلامية، وأحد
أهم أسباب صمود المسلمين في مواجهة محاولة
استلاب استقلالهم وكسر إرادتهم واستعمار
أوطانهم، وهذا ظاهر في المقاومة الوطنية في
العراق وفلسطين.
إنني
أرجو أن ينحي أصحاب الحركة الإسلامية عن
ذهنهم أن مسألة الوصول إلى كرسي الحكم هو
أساس ما قامت به الحركة الإسلامية.
*
موضوع
الدولة الإسلامية الذي تدندنون حوله هو حلم
مفزع، ولو قامت الدولة الإسلامية
الإخوانية وأصبح معكم سلطة فستكون دماء
وأشلاء.. سامحني يا دكتور على صراحتي.
-
أشكر
الأخ على صراحته هذه، وأذكره أولا بأن
أيًّا منا ينتمي إلى المبادئ والقيم، ولا
ينتمي إلى الأشخاص، وهذا الذي حفظ الدين
الإسلامي حينما حدثت فتنة في عهد صحابة
رسول الله وخرجت أفضل سيدات البشر السيدة
عائشة على جمل تحارب في معركة الجمل.
أنا
أدعو الشباب إلى أن لا يعيشوا أو يتصورا أن
الدولة الإسلامية مجموعة من الملائكة؛
فنحن مجموعة من البشر يجري علينا ما يجري
على البشر. والعدل يقتضي أن الإنسان إذا
أراد أن يحكم على منهج فيحكم عليه بكلياته
في مجموعه وليس في جميعه، والعدل والإنصاف
يقتضي أن الإنسان إذا أراد أن يحكم على
شريحة من البشر فيحكم عليها بمجموعها.
*
تتحدث
دائما وأبدا على الفضائيات لتبشر بالدولة
الإسلامية الموعودة، وفي رأيي أنا لن تكون
سوى استنساخ للتجربة الطالبانية، وفي أحسن
الحالات استنساخ للتجربة السودانية التي
انتهت بالترابي –ملهم ثورة الإنقاذ السابق–
داخل السجن يواجه عقوبة قد تصل للإعدام،
وكما صرح رفيقه في انقلاب 1989 الرئيس
البشير، وكما فعل الإخوان السوريون عندنا
سفكوا الدماء.
-
أنا
لا أبشر بالدولة الإسلامية؛ لأنها -كما قلت-
قائمة، بل نحن كإخوان ندعو لإصلاح دولنا
الإسلامية القائمة في كل مكان إسلامي.
وبالتالي نحن لسنا كغيرنا من الفصائل التي
تكفر المجتمع الإسلامي أو الدول القائمة؛ فنحن
نرى أن الدول القائمة الآن كلها إسلامية،
ونحن مثل الفصائل الإسلامية العاملة نتصدى
للاستبداد وضد أي خطأ أو قصور يحدث حتى لو
كان من أقرب الناس إلينا.
التجربة الطالبانية وتجربة حافظ الأسد -رحمه
الله- والترابي كلها تجارب لحكام مسلمين،
فيها ما يتفق ويختلف مع الإسلام، وما يتفق
منها نقبله ونسانده، وما يخالف الإسلام
فنحن ضده، فكما كنا ضد استبداد النظام
السوري أو العراقي أو المصري في معاملته
لشعبه، فكنا أيضاً ضد مصادرة حقوق المرأة
وبعض الأفكار المتخلفة التي مارسها النظام
الطالباني باسم الإسلام.
وكنا
ضد الانقلاب في السودان، وأعلنا ذلك حين
حكم على بعض ضباط الجيش السوداني بالإعدام،
وطالبنا في وقتها بأن يقدموا لمحاكمة عادلة.
فنحن
نجتهد أن نكون مع كل ما يتفق مع الإسلام،
وضد ما يخالف الإسلام. فنحن ننظر إلى كل
المصلحين ونقف معهم لإصلاح أوطاننا في
الداخل والخارج، ونحن دائما ضد المبادئ
الخاطئة ولسنا ضد الأشخاص.
الدولة
الإخوانية!
*
هل
تعتقد أن الدولة الإسلامية بالمفهوم
الإخواني القديم (خليفة وأتباع
وإمبراطورية عابرة للقارات يديرها شخص
واحد) بحاجة لمراجعة؟ وتتحدثون عن الدولة
الإسلامية كثيرا وهناك كثير من الدراسات
الخاصة بهذا الأمر، خاصة للدكتور مصطفى
مشهور، وكنت دائما ما أجد في فكر الرجل -رحمه
الله- دولة إسلامية معقمة ومغلقة؛ فلا
أحزاب يسارية ولا معارضات، والناظر
لتنظيمكم من الداخل يجد أن هناك قادة
وأتباعا؛ فلا لوائح فاعلة ولا لجان قضائية،
وموضوع العضوية يسيطر عليه التنفيذيون
داخل التنظيم، ولا يوجد فصل بين السلطات
داخلكم؛ فالسلطة القضائية والشورية في يد
رجالات التنظيم من التنفيذيين، هل ستكون
الدولة الإسلامية التي تبشرون بها امتدادا
لتنظيم بهذا الشكل؟ أنا قلق جدا من نموذج
بهذا الشكل، وسأسعى ما حييت لعدم وصولكم
للحكم.
-
مفهومنا
عن الدولة الإسلامية ليس كما توقعت، وهذا
مفهوم الإسلام منذ أيام البنا رحمه الله،
وكما قلت فالإخوان منذ البنا يرون أن
الدولة القائمة هي دولة إسلامية لحقَها بعض
العطب بسبب الاستبداد والفساد، وهم يسعون
لمواجهة العطب وإصلاحه، وقضية الخلافة
ليست قضية دينية ولكن الإسلام يحثنا على
الوحدة، وبالتالي لا يلزم -من الناحية
الدينية- اتحاد الدول الإسلامية تحت اسم
الخلافة، فيمكن أن يكون تحت اسم غيره؛
فالمهم هو المبدأ، والمهم أن يكون تحت لواء
الإسلام كما أمرنا الله والنبي صلى الله
عليه وسلم. فوحدة الأمة الإسلامية هدف
ديني، والعالم كله الآن يتحد رغم ما به من
اختلافات في الجغرافيا والتاريخ واللغة.
ودول أوربا خير مثال لنا في دول الاتحاد
الأوربي رغم ما بها من اختلافات دينية
وتاريخية وجغرافية، ورغم ذلك كوَّنوا
اتحادا. ونحن أولى بهذا الاتحاد؛ فالمهم أن
يكون هناك اتحاد للدول الإسلامية.
الدولة
التي ننشدها هي دولة مدنية تقوم على
الحرية والديمقراطية، تسمح بحرية
تكوين الأحزاب وتعتبر هذا حقا.
|
|
فالدولة
الإسلامية -سواء كانت دولة واحدة أم اتحادا
لدول إسلامية- ليست دولة عابرة للقارات
لتعتدي على غيرها من الدول، وليست دولة
غازية تغزو غيرها من الدول، ولكنها دولة
صاحبة رسالة ومبادئ وتنشر هذه المبادئ
والرسالة؛ فهي دولة تتعامل مع غيرها من
الدول التي تختلف معها في المعتقد معاملة
الند للند، تحترم ثقافتها كما تطلب منها أن
تحترم ثقافتها، وتحترم حقوقها كما يتوجب
على الآخر أن يحترم حقوقها. ففكرة الغزو
من أجل نشر الإسلام ما هي إلا أفكار ساذجة
مخالفة لحقوق الإنسان ولا نحملها نحن
كإخوان، ولعل غيرنا يحملها كأفكار شاذة،
وهي ليست واردة في برامجنا ومناهجنا بأي
حال من الأحوال.
أما
القول بأننا حين نصل إلى الحكم بتعبير أدق،
وليس بمعنى أننا حين نقيم دولة إسلامية؛
فالدولة الإسلامية قائمة بالفعل، والأدق
هو الوصول للحكم.. فحينها سوف نعلن بكل وضوح
وحسم كما سبق أن أعلنا في مبادرة الأستاذ
محمد مهدي عاكف في نقابة الصحفيين مارس
الماضي أن الدولة التي ننشدها والتي
نحبها هي دولة مدنية تقوم على الحرية
والديمقراطية، تسمح بحرية تكوين الأحزاب
وتعتبر هذا حقا، وإنشاء التنظيم حق بشري لا
يجوز للدولة التدخل فيه، والجهة الوحيدة
التي تسمح لأي حزب أن يقوم هي القضاء وليست
السلطة التنفيذية.
وأعلنا
أن الإسلام لا يسمح بدولة الفرد الواحد
الذي يعمل قاضيا ورئيسًا ومشرعا، وأن هذا
نظام قَبَلي يجوز في حكم القبائل، ولكن لا
يصح في حكم الدول والشعوب التي أصبح
تعدادها بالمليارات الآن، وأن السلطة في
الدولة الإسلامية يجب توزيعها على السلطة
التنفيذية والقضائية والتشريعية، وليست
بالصورة التي طرحتَها: فرد واحد يدير
الدولة من أولها إلى آخرها.
الذي
ضيع العالم الإسلامي هو حكم الفرد
والاستبداد، ويجب أن نكون -نحن المسلمين-
أول من يتصدى له ويرفضه. ونستدعي هنا قول
الصحابي الجليل للخليفة الراشد حينما أعلن
"لو وجدتم فيّ اعوجاجًا فقوموني،
أطيعوني ما أطعت الله فيكم"، فقام رجل
وقال له: "لو وجدنا فيك اعوجاجا لقومناك
بسيوفنا". فالدولة الإسلامية تقوم على
الحرية ورفض الظلم، وعلى شعبٍ: الحاكمُ فيه
خادم له وليس سيدًا عليه.
لم
يعد الحاكم في الدولة الإسلامية الحديثة
فردا، ولكن الدولة الإسلامية: الحاكمُ فيها
سلطة تتوزع بين ثلاث جهات، وحينما نقول
الحاكم المسلم في مصطلحاتنا فنقصد هنا سلطة
الدولة التي هي في علم السياسة تتوزع بين
سلطات ثلاث، لكن ما يزال بعض الإخوة
يترجمون الحاكم المسلم على أنه فرد، لكن
هذا يصح في الزمن الغابر حينما كانت أي دولة
أو مجموعة من البشر لهم رئيس أشبه ما تكون
بالقبيلة فيجوز له جمع هذه السلطات؛ لأن
العدد قليل والأمور بسيطة والناس في خيام،
لكن بعد الدولة الحديثة المتسعة لا يمكن
تصور أن السلطة تتمثل في فرد، بل يجب أن
ندعم توزيع السلطات في الدولة الإسلامية
بين تنفيذية وتشريعية وقضائية.
وهذا
يتسق مع الإسلام وتاريخه، ونحن لسنا بصدد
أن نقول: إن سيدنا عمر حين اتسعت الدولة في
عهده قسم السلطات بين تنفيذية وتشريعية
وقضائية بعد اتساع الدولة. وكان هذا في فترة
الأمور فيها أبسط مما فيه نحن الآن.
*
ماذا
تبقى من الدولة الإسلامية التي كان الإخوان
يتحدثون عنها؟ أنت تتحدث عن دولة مدنية
ديمقراطية تخضع للشعب، ولا صلة بينها وبين
الجدل الذي كنا نشهده ونحن طلاب بالجامعة
حينما كنتم رموزا للحركة الطلابية.
-
لا
شك أن الثقافة الإسلامية العامة تسرب إليها
بعض الأفكار والآراء التي تختلف عما طرحه
الأستاذ البنا رحمه الله، وتم هذا في غياب
الإخوان في سجون عبد الناصر؛ حيث تسرب إلى
الثقافة الإسلامية في مصر وخارجها أفكار هي
التي تتحدث عنها، ولكن ما يطرحه الإخوان
الآن ومنذ عودتهم في الثلاثين سنة الأخيرة
هو عودة لمنهج الإخوان الأصيل الذي طرحه
الإمام البنا، وبالتالي ما تذكره من
أفكار كانت تطرح في السبعينيات كلها أفكار
وافدة على الحركة الإسلامية، والحمد لله
تخلصت الحركة منها وصححت هذه الأفكار بين
الشباب، وهذا واجبنا جميعا.
وإذا
كان الأخ يقصد أن ثمة مراجعات نقوم بها نحن
الإخوان؛ فإن هذا شيء نشرف به ونجتهد
ونجعله شيئا إيجابيًّا أن تكون هناك مراجعة
لطرحنا البشري أو مفهومنا البشري للإسلام
بين الحين والآخر؛ فنحن لسنا دعاة جمود؛
لأن الجمود والتوقف هو ضرب من التخلف، إن
الإسلام العظيم يطرح القاعدة الأصولية
التي تقول: أينما وجدت مصلحة الناس فثم شرع
الله، وهذا يقتضينا أن نجدد في مفاهيمنا
وفهمنا للإسلام في إطار قواعده الكلية
دائما.
الدولة
الإسلامية.. والخلافة الإسلامية
*
كيف
ترون قيام دولة إسلامية في ظل غياب الخلافة
الإسلامية وسط هذا التكتل العالمي؟
-
أرجو
أن يتضح لدى الإخوة أن مفهوم الخلافة
الإسلامية دليل على وحدة المسلمين،
وبالتالي فإن الدول الإسلامية القائمة
الآن مع دعوتنا لها بأن تكون دولا
ديمقراطية تستطيع أن تتوحد تحت اسم "اتحاد
الدول الإسلامية" مثلما توحدت الولايات
المتحدة الأمريكية وهي 50 ولاية تحت اسم "الولايات
المتحدة".
الدول
القائمة الآن كلها إسلامية ونحن نسعى
لإصلاح الحكم وإصلاح مؤسسات الدولة
وإصلاح أنفسنا وإصلاح شعوبنا.
|
|
وما
الذي يمنع من توحد الدول الإسلامية تحت اسم
"الولايات المتحدة الإسلامية" أو "اتحاد
الدول الإسلامية"، مع ما يملكه العالم
الإسلامي من قوى بشرية واقتصادية وموقع
جغرافي فريد؟ وبالتالي فإن الوحدة مع توافر
كل مقوماتها ستشكل من العالم الإسلامي قوة
سياسية عظيمة يستطيع بها أن ينشر الحرية
والعدل في مواجهة نشر الظلم والطغيان.
إنني
أنبه إلى أن الخلافة ليست قضية دينية في
الإسلام؛ فقد نسمي هذه الوحدة "خلافة
إسلامية"، وقد نسميها "اتحاد الدول
الإسلامية". وأرجو أن يحرر الأخ مفهومه
بناء على أن الخلافة بشكلها القديم أو
الحالي ليست مسألة دينية؛ فهي دعوة لاتحاد
الدول الإسلامية؛ فالوحدة الإسلامية مسألة
دينية، والإسلام يدعو للوحدة، والبشرية
كلها لا يوجد بها إنسان عاقل يقول: "إن
الوحدة ضد مصلحة الناس"؛ فأولى بنا نحن
المسلمين أن نتوحد.
الدولة
الإسلامية القُطرية!
*
هل
تعتقد أن فكرة الدولة الإسلامية القُطرية
مقبولة شرعًا وممكنة واقعا؟ وهل يسعى
الإخوان المسلمون في البلدان الإسلامية
إلى إقامة دول إسلامية في بلدانهم؟ وأين
وصل الإخوان في ذلك؟ وكيف يعلن الإخوان
أنهم يدينون للحاكم بالطاعة، ويقولون إن
معارضتهم هي للحكومة وليس للنظام، مع علمهم
بأن ذلك النظام لا يحكم بما أنزل الله، بل
يتآمر في بعض الأحيان مع الأعداء على
الإسلام والمسلمين؟
-
الدولة
الإسلامية القطرية ليست فكرة، بل هي واقع؛
لأنها -كما شرحنا من قبل- لا تختلف مع
الإسلام، فأن يكون هناك أكثر من دولة
إسلامية لا خلاف عليه. ولكن في الوقت ذاته
يجب على هذه الدول القطرية أن تسعى للتوحد،
وهذا ما ننادي به: التوحد تحت أي شكل من
أشكال الوحدة، سواء سميناها خلافة أم اتحاد
دول إسلامية، أم أممًا إسلامية. كل هذا
الإسلام يفرضه، وهو مصدر قوة للمسلمين.
أما
الكلام الذي ذكرته أن الإخوان في بعض
أقطارهم يعلنون معارضتهم فنحن حينما نعارض
فإنما نعارض سياسات ومبادئ، وبالتالي هذه
السياسات والمبادئ تخرج من أنظمة وحكومات.
أما
القول بأن النظام لا يحكم بما أنزل الله،
فلا يوجد أي نظام الآن أعلن صراحة وبكل
الوضوح أنه يرفض تحكيم شرع الله. وأي نظام
يحكم المسلمين يعلن أنه يرفض الإسلام أو
تحكيم شرع الله؛ فإنه يعلن بذلك أنه نظام لا
يمثل هذا الشعب. وبالتالي فهو نظام يجب على
شعبه أن يسقطه ويزيله لأنه يصادم أفكار
شعبه، ويصادم دين أمته، ويصادم ما يريده
أبناء شعبه.
الدولة..
والأحزاب الإسلامية
*
هناك
من يرفض وجود أحزاب إسلامية في الدولة؛ لأن
السياسة هي اختيار بين البدائل المختلفة،
وطبيعي أن يحدث خلاف بين حزب وآخر، فإذا
استخدم حزب مدافعه الشرعية (قال الله، وقال
الرسول) فقد يفسر أي خلاف بين الحزبين على
أنه خلاف مع الدين ونسمع من يكفر ويفسق. ثم
إذا سمحت الدولة بحزب إسلامي فلتسمح بحزب
مسيحي وحزب صعيدي وحزب بحري... وينقسم
المجتمع إلى طوائف.
-
كما
حددنا من قبل أنه في الدولة الإسلامية يسمح
بالتعددية السياسية التي مظهرها التعددية
الحزبية، والأحزاب كلها في ظل دستور الدولة
الإسلامية لا تنقسم إلى إسلامية وغير
إسلامية، بل لكل حزب منهجه الذي يحترم
دستور الدولة، سواء في السياسة والإصلاح
السياسي أو التعليمي وكافة مناحي الحياة.
الأصل في أحزاب الدول جميعًا أنها تضع
مناهجها محترمة لدستور الدولة، ودستور
الدول الإسلامية دستور يحترم الإسلام
كمرجعية عليا للأمة.
|
|
والأصل
في أحزاب الدول جميعًا أنها تضع مناهجها
محترمة لدستور الدولة، ودستور الدول
الإسلامية دستور يحترم الإسلام كمرجعية
عليا للأمة، وبالتالي فالجميع يعمل في
هذا الإطار، وعلى من يخرج من هذا الإطار أن
يشكل حزبا. ولكن في الوقت ذاته من حقي أنا
كمواطن أن ألجأ إلى القضاء حين أجد أي حزب
قام بإرادة حرة من المؤسسين ودون إذن من أحد
أن ألجأ إلى القضاء لعرض دستور الحزب
الخارج عن دستور الدولة ليحكم في أمره،
سواء بالاستمرار أم الوقف، وهذا من حق
القضاء فقط، وليس من حق السلطة التنفيذية،
وهذا ما يحدث في الدول الديمقراطية.
ومسألة
استخدام حزب إسلامي ليكون فزاعة لوقف
عملية الإصلاح والديمقراطية فهذا شكل من
أشكال الدجل والنصب الذي تستخدمه النظم
الحاكمة لمنع التعددية وتداول السلطة
والحرية ومصادرة حق المواطنين في الاختيار.
ومسألة
القول بأن الحزب ذا المرجعية الإسلامية
يقول: قال الله وقال رسوله فلا يجوز الخلاف
معه.. هذا غير صحيح، فهناك فارق بين الخلاف
مع المقدس وهو كلام الله والرسول، والخلاف
على مفهومنا لهذا المقدس؛ فنحن كأحزاب في
دولة إسلامية أيا كانت توجهاتنا وآراؤنا
نختلف في مفهومنا للإسلام ولا نختلف على
الإسلام نفسه.
أيضا
القول بأنه حين تقوم أحزاب مدنية ذات
مرجعية إسلامية فذلك مقتضاه أن تقوم أحزاب
مسيحية فهذا كلام غير صحيح؛ لأن المسيحية
كدين لا علاقة لها بالدولة، وبالتالي لا
يوجد أي معنى لهذا الكلام، ومع ذلك إن أراد
أي إنسان -كما هو حادث في أوربا- أن يقيم
حزبا ويسميه حزبا مسيحيًّا فلا اعتراض لنا
على هذا؛ فالعبرة ليست باسم الحزب، وإنما
باتفاق مضمون برنامج هذا الحزب مع دستور
الدولة، والحكم في هذه المسألة هو القضاء
فقط وليس أي جهة أخرى.
هل
تملك الحركة الإسلامية مشروعًا للحكم؟
كثير
من الحركات الإسلامية وبعد تجاربها
الكثيرة أصبح عندها نضج ووعي وإدراك
وخطوط عريضة لمشروع إسلامي يمكن الحكم
به.
|
|
*
لو
فرضنا أن الحكم سُلم لأي حركة من الحركات
الإسلامية.. فهل تعتقدون أن أي حركة إسلامية
موجودة على الساحة تمتلك مشروعا متكاملا
للحكم أم أنها ستتعثر وسيصعب عليها إدارة
الأمور؟ وما رأيكم في التجربة السودانية؟
-
أنا
أرى أن كثيرًا من الحركات الإسلامية بعد
تجاربها الكثيرة أصبح عندها نضج ووعي
وإدراك وخطوط عريضة لمشروع إسلامي يمكن
الحكم به. وللحركة في مصر منذ عام 1984 خطوط
عريضة لبرامج ورؤى في مجال السياسة
والتعليم والاقتصاد، وهذا ضمنوه في كل
البرامج الحزبية التي طرحوها ولم تر النور
بعد، مثل برنامج حكم الشورى وحزب الإصلاح
في عهد الأستاذ أبو النصر رحمه الله،
وبرنامج الوسط نفسه الذي وضع في عهد
الأستاذ أبو النصر، وإن كانت كل هذه
البرامج لم تر النور لا على المستوى الرسمي
ولا الحركي.
كثير
من الحركات الإسلامية وبعد تجاربها
الكثيرة أصبح عندها نضج ووعي
وإدراك وخطوط عريضة لمشروع إسلامي
يمكن الحكم به.
|
|
أما
القول: إن الإسلاميين من الممكن أن يفشلوا؛
ففشلهم في الحكم لا يسيء للإسلام في شيء،
وهذا ما قلته في بعض أحاديثي فيما يطرحه
الإسلاميون، وهناك فارق بين ما يطرحه
الإسلاميون والإسلام ذاته؛ لأن طرحنا هو
طرح بشري وهو فهمنا للإسلام نفسه، أما
الإسلام فهو من عند الله مقدس، وبالتالي
فإن طرحنا هو فهمنا لدين الله سبحانه
وتعالى، وهو طرح قابل للرفض والقبول والأخذ
والعطاء.
ولا
يكون غريبا أن يفشل الإسلاميون هنا أو هناك
مثل غيرهم، رغم أنني أختلف مع مصطلح "الإسلاميون"،
فليس هناك عيب أن يفشل فصيل إسلامي فيأتي
فصيل آخر؛ لأن العبرة بالمبادئ والقيم وليس
بالبشر الذين يجري عليهم ما يجري على
البشر، وهذا لا يقدح في دين الله ولا شريعته.
والتجربة
السودانية منذ أن بدأت كتجربة خرجت عن
مبادئ الإسلام في أن الإخوة العسكريين
الذين وصلوا للحكم بعد الانقلاب قالوا
وقتها: إنهم أنقذوا الوطن من السقوط في أيدي
الشيوعيين بعد الصراع مع الفصيل الشيوعي
على الحكم، فسارعوا بالانقلاب حتى لا يثور
الشيوعيون ويسيطروا على الوطن الحبيب،
ولكن كان يجب عليهم بعد هذا إن صدقوا -وأنا
أعتقد صدقهم- أن يعودوا للشعب، ويتركوا
للشعب السوداني حرية اختيار النظام
الحاكم، سواء اختارهم هم أم غيرهم.
وهذا
ما آخذه على الإخوة في السودان، وأنا ما زلت
أنصحهم بذلك؛ فهو وطن عزيز وجزء من الأمن
القومي المصري؛ فأنصحهم بعمل مؤتمر قومي
جامع لكل القوى السياسية السودانية، وأن
يتفقوا على دستور يعرض على الشعب السوداني،
ثم يطرحوا النظام الذي يرتضيه الشعب
السوداني، وليحكم الشعب السوداني من يريده
الشعب السوداني. ولا سبيل للخروج من النفق
المظلم الذي وضعهم فيه الغرب إلا أن يعودوا
لشعبهم.
تابع في الملف: