بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

الثقافة والفكر السياسة التاريخ والحضارةعلوم وتكنولوجيا | الاقتصاد والتنمية


تحديث التعليم الديني في الحوزة الشيعية*

عبد الجبار الرفاعي**

07/02/2005 

النجف الأشرف

تناقش هذه الدراسة قضية تحديث التعليم الديني الشيعي في الحوزة العلمية. فتبدأ بتقديم عرض تاريخي لنشأة الحوزة وتطور مناهج التعليم بها، ثم تعرض للأرضية اللازمة للتحديث والفضاء الخاص الذي يساعد عليه، كما تعالج مسارات التحديث التي ارتبطت دائما بالمنعطفات السياسية الكبرى، وتنتهي برصد مستويات التحديث وتركز الاهتمام على المستوى الذي يطال بنية المعارف الإسلامية.

اقرأ في الدراسة:

الحوزة العلمية.. مقدمة تاريخية

يمتد تاريخ الحوزة العلمية في النجف الأشرف إلى ما يقارب ألف سنة، فقد دشن الدراسة فيها الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي المتوفى سنة 460هـ، بعد أن اضطر للهجرة إليها من بغداد عام 448هـ، إثر الاضطهاد الذي تعرض لـه على أيدي السلاجقة. ومنذ ذلك التاريخ أضحت النجف حاضرة علمية تحتضن طلاب العلوم الإسلامية المهاجرين إليها من شتى الأقطار، وكان بعض الوافدين يتوطنون فيها، فيما يعود آخرون إلى مواطنهم لممارسة التبليغ والدعوة والإرشاد، والعمل على تأسيس حلقات للتعليم الديني في المساجد التي يخطبون فيها. وتعرضت الدراسة في النجف لحالات نمو وازدهار في مراحل تاريخية معينة، كما تعرضت في مراحل أخرى لانحسار وضمور، تبعا للتحولات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية في العراق، والمحيط الإقليمي للبلدان التي ترفد النجف بالتلامذة المهاجرين لطلب العلوم الدينية.

وبموازاة ذلك كانت تتوالد وتندثر حواضر علمية أخرى باستمرار، في حلب، والحلة، وجبل عامل في لبنان، وأصفهان، وكربلاء، وقم، وسامراء... وشبه القارة الهندية، وآسيا الوسطى.

ومنذ القرن التاسع عشر أمست حوزة النجف الحاضرة العلمية الأوسع والأهم، لا سيما بعد تبلور مؤسسة المرجعية وتدخلها المباشر في المنعطفات السياسية والاجتماعية في التاريخ القريب لإيران والعراق، مثل نهضة المشروطة وصياغة دستور سنة 1906م في إيران، وقبلها حركة الاحتجاج الشعبي على امتياز شركة التبغ البريطانية، ومقاومة الاستعمار البريطاني 1914ـ1917، وثورة 1920 في العراق.

وبعد هجرة الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي إلى قم تنامت بالتدريج الحوزة العلمية فيها، وبلغت ذروة ازدهارها قبل أكثر من خمسين عاما، بعد أن توطنها علماء كالسيد حسين البروجردي، والسيد محمد حسين الطباطبائي، المفسر وأستاذ الفلسفة والعرفان الذي شيّد حلقة قم الفلسفية سنة 1952.

ثم تعزز الموقع السياسي والديني، وفيما بعد العلمي لمدرسة قم، بعد انتفاضة 1963 التي قادها الإمام الخميني، وانتهت بانتصار الثورة الإسلامية سنة 1979 وإقامة الجمهورية الإسلامية.

وبعد ذلك التاريخ اتسع التعليم الديني في قم، وأخذ ينفتح على عوالم جديدة، ويحرث أرضا بكرا لم يدشنها من قبل، بعد أن انبثقت طائفة من الاستفهامات، وأثير العديد من الإشكاليات، وفجأة بدأ الدارسون في الحوزة العلمية يقرءون ويسمعون بما لم يفكروا فيه، وتفجر السؤال اللاهوتي الذي ظل غائبا عدة قرون.

ولا ريب في أن الهوية الدينية لثورة 1979 ومساهمة الحوزة العلمية في قيادتها، وتعبئتها للجماهير، وما نحتته من شعارات ووعود متنوعة في تحقيق الاستقلال، والحرية، والأمن، والضمان، والرفاهية، والتقدم... وغير ذلك. والقول بأن الفقه وعلم الكلام وسائر المعارف الإسلامية الموروثة كفيلة بالوفاء بالمفاهيم والبرامج اللازمة لإنجاز هذه الوعود، وتجسيد تلك الشعارات في الحياة الاجتماعية، وضع الحوزة العلمية للمرة الأولى في مواجهة مباشرة مع الناس، ومتطلباتهم الحياتية المختلفة، مضافا إلى تصاعد وتيرة التغيير الاجتماعي واشتدادها في العقدين الأخيرين، بفعل مجموعة عوامل تقنية (ثورة الاتصالات) وجيوسياسية (حروب صدام الثلاث) واقتصادية (تراجع عوائد البترول) و(فشل مشاريع التنمية) وديموغرافية (تضاعف عدد السكان) و(الهجرة الواسعة من أفغانستان والعراق بسبب الحروب).

كل ذلك أفضى إلى اختلالات متنوعة، طالت البنى التقليدية الدينية والثقافية للمجتمع، وزحزحت مقولات وآراء ظلت راسخة مئات السنين.

غير أن الحوزة العلمية في النجف لم تتمكن من مواكبة إيقاع التحولات المارة الذكر، فانكفأت وانغلقت على نفسها، ولم يكن أمامها إلا السير في هذا الدرب الموجع، ذلك أن استبداد وطغيان صدام حسين تجلى بأبشع صورة لـه في استئصال أبرز علماء الدين، كالفقيه والمفكر محمد باقر الصدر، واستبعاد نخبة من الدارسين المتميزين قبل ذلك إلى إيران، بذريعة أصولهم الإيرانية، وتفريغ النجف من التلامذة الوافدين من البلاد العربية، وفي طليعتهم جماعة من المتنورين اللبنانيين، الذين كان لهم دور فاعل ومؤثر في إيقاد جذوة التحديث في النجف، وإقفال المدارس وكليات الدراسات الإسلامية، وبالتالي تقويض وتدمير مشاريع إصلاح النظام التعليمي في الحوزة، بإلغاء كلية الفقه في النجف، وكلية أصول الدين في بغداد.

ولم يقتصر ذلك على النجف، وإنما واصل صدام وأجهزته الدموية تفتيت كل مفاعيل التحديث في العراق، فأحال النظام التعليمي إلى حطام، وهكذا حول معظم من تبقى في العراق من الإعلاميين والأدباء والفنانين إلى جوقة من المصفقين... واختصر العراق بمدينته تكريت، ومدينته بقريته وعشيرته في العوجة، وعشيرته في عائلته، وعائلته في شخصه.

ويمكن القول أن الحوزة العلمية في النجف تسعى اليوم بجدية، من أجل استئناف مسارها التاريخي، والوفاء بوظيفتها في تحديث التعليم الديني، والخروج من السياقات المغلقة للفكر الإسلامي، وإن كانت لما تزل غارقة في جراحاتها ونكباتها الموجعة من النظام الفاشستي الدموي السابق في بغداد.

أرضية التحديث في الحوزة الشيعية

يتطلب التحديث أرضية مناسبة يتشكل في محيطها، وعدة عناصر موروثة وحاضرة تتفاعل مع بعضها، لتهيئة فضاء خاص، تتخلق فيه عملية التحديث، وتنطلق فاعلياته المتنوعة.

وقد توافرت مجموعة من هذه العناصر في الحوزة العلمية، بنحو أضحت معه ولادة عملية إصلاح النظام التعليمي ولادة طبيعية، ليست غريبة على السياق الثقافي التاريخي للحوزة. وبوسعنا الإشارة إلى شيء من مكونات فضاء التحديث، والعناصر المولدة لروح التجديد في الحوزة فيما يلي:

1ـ بقايا النزعة العقلانية في التفكير الموروثة من التيارات الكلاسيكية للاعتزال والتشيع، ووحدة أو تقارب المواقف الكلامية في قضايا الحسن والقبح العقليين، وما يرتبط بهما من العدل الإلهي، والتكليف بما لا يطاق، والحرية والإرادة الإنسانية، وغير ذلك من لاهوت العدلية في الموروث الكلامي. كما نلاحظ في آثار الشريف المرتضى المتوفى سنة 436هـ وغيره من الأعلام، الذين طبعت آثارهم عقلانية القرن الرابع الهجري.

وما لبثت آثارهم أن صارت مصدر إلهام لأجيال من الدارسين ممن خلفوهم في عصور لاحقة، وبثت في وعيهم أفكارا وآراء تطلق الكثير من الاستفهامات الحائرة والتشكيكات.

2ـ تواصل تعليم الفلسفة والمنطق وعلم الكلام وأصول الفقه، وهذه المعارف بمجموعها تصنف على العلوم العقلية في التراث، وكان لحضورها الأبدي في الحوزات العلمية بالغ الأثر في إطلاق عملية التفكير وتنميتها، وإن كانت تلك المعارف ما انفكت تتحرك في قوالب المنطق وأشكال القياس الأرسطي، التي ظلت تعمل على كبح العقل، وعدم تجاوز الترسيمات المعروفة في صياغة وتشكيل المفاهيم، وفي المحاججة والاستدلال. لكن آفاق التفكير العقلي لم تنغلق تماما، ذلك أن المنهجية التشكيكية، ونمط الأدوات والمفاهيم المتداولة في المعارف العقلية الموروثة أسهمت في إيقاد جذوة التفكير وتأجيجها باستمرار.

3ـ شيوع دراسة العرفان النظري أو التصوف الفلسفي، خاصة نصوص وتراث المتصوف المعروف محيي الدين بن عربي، وهي نصوص تفيض بنزعة إنسانية ومواقف تصالحية مع الأديان والثقافات، وتعمل على اكتشاف المشتركات، حين تتوغل في جوهر الأديان، وتغوص في عمق التجارب الدينية لاتباع الملل والنحل المختلفة، لترصد تجلياتها وآثارها العامة.

وهذا ما دعا لاهوتيين كبارا مثل العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي أن يتعامل بشفافية واحترام شديدين مع نصوص ديانات آسيوية، يقول المفكر الإيراني داريوش شايغان: (العرفان أول ما يسترعي اهتمامي. أجد انشدادا قويا إلى العرفان، أنا من عشاق المذهب الطاوي، وأهوى «جوانغ تزو» للغاية. قضينا دورة بأستاذية العلامة الطباطبائي، وكان يبدي رغبة أكيدة في الاطلاع على كتاباتهم، ولأنها لم تكن مترجمة، عكفت أنا والدكتور سيد حسين نصر على ترجمتها. كان يفسر شانكارا كأنه أستاذ بالضبط، ويتركنا في حيرة من الأمر، فمثلا في أحد الأوبانشادات عبارة تنطوي على مفارقة «الذي يفهم لا يفهم، والذي لا يفهم يفهم» وقد فسّر الطباطبائي هذه العبارة، وأجلى غشاوتها، وحلل مضمونها، بنحو أدهشني. بعد ذلك ترجمت أنا والدكتور نصر كتيبا صغيرا من تأليف لاوتسه، اسمه «داود جينغ» كله مفارقات.

 نقلناه من النص الإنجليزي إلى الفارسية. وحينما قرأه العلامة الطباطبائي قال: «هذه أهم رسالة قرأتها في عمري» وصار من عشاق «داود جينغ»).[1]

كما أن نصوص التصوف الفلسفي تعمل على خلق مناخ رحب للتأويل وتعدد القراءات وتنوع الفهم، وبالتالي تجاوز ظواهر الألفاظ، ومحاولة اقتناص مداليل لا تحكيها الكلمات بصراحة.

وهذا المنحى التأويلي في التفكير يمثل أحد المداخل المهمة لكل عملية تحديث وإصلاح في تقاليد التعليم الديني ومقرراته.

4ـ تنوع المواطن الجغرافية لطلاب الحوزات العلمية، حيث يتوافدون من إيران، والبلاد العربية، وأفغانستان، وآسيا الوسطى، والهند وباكستان، وغيرها. مما يعني اختلافا في ثقافات هؤلاء، وتقاليدهم، وتمثلهم للإسلام، وتأويلهم للتراث، فينشأ فضاء ثقافي يستقي من روافد عديدة، ويتلون بخبرات تلك الجماعات ومواريثهم وتقاليدهم.

5ـ انفتاح الحوزات العلمية على الجامعات الحديثة، وانخراط جماعة من خريجي تخصصات العلوم الاجتماعية والإنسانية والطبيعية في الدراسات الشرعية، وانتقال بعض الأساتذة المتميزين من الحوزات إلى كليات الإلهيات والدراسات الإسلامية كأساتذة.

6ـ انكماش الحركة الإخبارية في القرنين الأخيرين في الحوزة العلمية. وأصحاب هذا الاتجاه يسمون أنفسهم "الإخباريين والمحدثين" نسبة إلى الأخبار والحديث الشريف، وهو اتجاه يناهض التفكير العقلي في مختلف المعارف الإسلامية، ويتجمد عند المعنى الحرفي للنصوص، ويرفض أية محاولة لتأويل القرآن، والتعاطي مع مداليله بشكل يخترق المفهومات السطحية المبسطة.

وقد تعاظم تأثير هذه الحركة في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الهجري، وانخرط فيها جماعة من المحدثين والفقهاء المعروفين وقتئذ، وهيمنت على الحياة الفكرية في أصفهان وكربلاء، وطبعت الإنتاج الفكري بمواقفها، فازدهر تأليف المجاميع الحديثية، التي استوعبت الكثير من الأخبار والآثار، مما أعرض عنه وأهمله أصحاب الموسوعات الحديثية القديمة.

وأغرقت مصنفات التفسير المدونة بأيديهم بالمأثور، حتى صارت بمثابة المجاميع الحديثية. وشجبوا بضراوة الفلسفة، وعلم الكلام الفلسفي، والتصوف الفلسفي، وأصول الفقه، وزعموا أن الحقيقة كلها في البيان الشرعي.

وانحسر تأثير هذه الحركة بعد القرن الثاني عشر الهجري، بعد أن ناقش منطلقاتها وأفكارها محمد باقر البهبهاني المتوفى سنة 1206هـ، والمعروف بالوحيد البهبهاني، الذي أعاد الاعتبار لعلم أصول الفقه، وعزز مكانته، وأكد دوره المحوري في عملية الاستنباط الفقهي. وبعد هذا التاريخ تراجعت الحركة الإخبارية، وانحسرت بمرور الزمن، واضمحل أثرها في الحوزة العلمية. وبموازاة ذلك تنامى دور الفلسفة، وعلم الكلام الفلسفي، والتصوف الفلسفي، وأصول الفقه.

وباتت صياغة الفقه تمر بسلسلة من العمليات الاستدلالية العقلية المغرقة في التجريد والافتراض.

7ـ مشروع الدولة الإسلامية كان أحد أحلام الدارسين في الحوزة العلمية منذ مدة طويلة، وقد استطاعت الحوزة في خاتمة المطاف تجييش وتعبئة الجماهير، تحت لافتات وشعارات تطبيق الإسلام، وإشادة حكومة الحق والعدل، من خلال إعادة صياغة الحياة الاجتماعية في ضوء الفتاوى والأحكام الوفيرة في التراث الفقهي، فتحقق الظفر بانتصار الثورة، والإعلان عن الدولة الإسلامية.

لكن الكثير من المتحمسين لتطبيق الفقه، والاستناد إليه في تنظيم الإدارة، والاقتصاد والمال، والثقافة، والتربية والتعليم، اكتشفوا غربة حقل واسع من الفقه عن الواقع، وغربة الواقع عن هذا الفقه، لأن الفقه لا يعدو إلا أن يكون معرفة تشكلت في السياقات الثقافية والحضارية للاجتماع الإسلامي عبر التاريخ، وهذه المعرفة مطبوعة بكل مااكتنف الحياة الإسلامية من اختلالات وظواهر اجتماعية وسياسية وغيرها.

وكان عجز الفقه التقليدي عن الوفاء بمتطلبات الدولة والاجتماع الإسلامي المعاصر، باعثا لانبثاق طائفة من الأسئلة الحائرة، التي ظلت غائبة قرونا طويلة.

ومنها: هل الفقه صناعة بشرية أم تشريع إلهي؟ بل هل هناك تشريع إلهي يحكيه الإنسان، أم أن ما يكتبه الفقهاء هو تعبير عن مكوناتهم الذهنية ومفروضاتهم وقبلياتهم ورؤيتهم الكونية؟ وهل الدين والفقه مسئولان عن إدارة وتنظيم كل ما يجري في الحياة البشرية؟ وما الذي يبقيه الدين والفقه من دور للعقل والخبرة البشرية؟ أليس نظام المعاملات الفقهي سوى إمضاء وتهذيب للمعاملات والتشريعات السائدة في المجتمع العربي عصر البعثة؟ وهل تتسع تلك الأطر التشريعية الخاصة بمجتمع رعوي بدائي لمجتمعات تجارية وصناعية تسودها الكثير من المعاملات المركبة غير المعروفة للإنسان من قبل؟

وهل كمال الدين بمعنى استيعابه وشموله لكل شيء في الدنيا والآخرة، أم أنه بمعنى أن الدين لا يعوزه أو ينقصه شيء فيما يرتبط بأهدافه وغاياته؟

وهكذا ظهر عجز الفقه التقليدي عن استيعاب تطلعات الثوار، وإنجاز أحلامهم، وتحقيق وعودهم وآمالهم، فاستفاق جماعة من النخب ليحاكموا التراث الفقهي ويسائلوا اللاهوت التقليدي، ويغربلوا مفاهيمهم ومقولاتهم، فلم تعد قناعاتهم الماضية يقينيات، وإنما تحول شيء منها إلى شكوك، وما انفك بعضهم يرزح في ارتيابه ولايقينه.

8ـ في نصف القرن الأخير حدث انزياح واسع للغة العربية في الحوزة العلمية في قم، فأصبحت بالتدريج لغة ثانية، بعد أن عبرت اللغة الفارسية إلى الحلقات الدراسية والنقاشية، وأصبحت تحتل مواقع العربية في المقررات الدراسية والتعليم والتأليف.

وتغير لغة التعليم الديني يعني تغيرا في الرموز الدلالية، وأسلوب بيان المفاهيم، والتعبير عن الرؤى والأفكار. ولا ريب في أن صياغة المفاهيم والرؤى والآراء والمعارف الدينية بشفرة لغوية أخرى، سيفضي إلى تشكيل حقل دلالي بديل، وانبثاق فضاء ثقافي، يستمد مكوناته وعناصره من ميراث هذه اللغة وآدابها، وأساليبها البيانية والتعبيرية، ذلك أن لكل لغة معجمها الخاص، وتراكيبها، وبنيتها، ومواضعاتها، وملابسات نشأتها وتحولاتها.

ومن المعلوم أن نصوص كل دين عندما تنقل من لغة إلى أخرى، تعاد صياغتها في آفاق اللغة الجديدة، وطبيعة ثقافة الشعب الذي يتحدث بها. مما يمنح النص فاعليات وإمكانات مختلفة، لم يمتلك شيئا منها في عوالم اللغة السابقة.

وبوسعنا ملاحظة تحولات الفكر الديني المسيحي عندما عبرت نصوص هذه الديانة من الآرامية إلى اليونانية، فاللاتينية، وأخيرا اللغات الأوربية بعد حركة الاصلاح الديني ودعوة مارتن لوثر لترجمة الكتاب المقدس للألمانية والإنجليزية والفرنسية.

هذه إشارات عاجلة لمجموعة عوامل شكلت أرضية مناسبة لتحديث التعليم الديني في الحوزة العلمية.

على أن هناك عوامل أخرى لم نشأ الوقوف عندها، لضيق الوقت، ومن أهمها الإكراهات السياسية والعقائدية، والاضطهاد الذي تعرض لـه التشيع والدارسون في الحوزة في معظم العصور. والاضطهاد والإكراهات الفكرية تنتج قراءات متنوعة للنص، وتعمل على استئناف القول في الموروث، وإعادة تأويل المفهومات والاعتقادات في إطار الواقع الشديد الالتباس والتعقيد، وترسخ إشكاليات تظل حية في إنتاج استفهامات متنوعة.

مسار التحديث في الحوزة الشيعية

ارتبط التاريخ الديني للحوزة العلمية في النجف بتوجيه وقيادة المنعطفات السياسية في إيران، مثلما نلاحظ في حركة المشروطة ودستور سنة 1906؛ إذ كان كل واحد من جناحيها يقوده واحد من مراجع النجف؛ فالشيخ محمد كاظم الهروي المعروف بالآخوند الخراساني كان منحازا إلى الدستور الحديث، وقائدا لحركة المطالبة به، فيما كان السيد محمد كاظم اليزدي قائدا للتيار الآخر الذي عرف في التاريخ السياسي الحديث بـ «المستبدة».

كذلك ألفت أهم الأدبيات السياسية عن الدستورية في الحوزة النجفية، مثل كتاب «تنبيه الأمة وتنزيه الملة» للشيخ محمد حسن النائيني، تلميذ الآخوند الخراساني.

كما قاد الميرزا حسن الشيرازي من الحوزة العلمية في سامراء ما عرف بانتفاضة التنباك «التبغ» في إيران قبل ذلك.

وهكذا كانت النجف حاضرة بكثافة في أخطر الأحداث السياسية في العراق، كما في مقاومة الاستعمار البريطاني، بدءا من سنة 1914 عندما دخل الإنجليز جنوب العراق، ومراوحتهم وتقهقرهم بفعل المقاومة، وعدم تمكنهم من بسط سيطرتهم على العراق بأسره إلا بعد مضي ثلاث سنوات، أي سنة 1917.

وفي ثورة 1920 ضد الاستعمار البريطاني المعروفة في تاريخ العراق القريب بثورة العشرين، كان للنجف الدور الأهم في تعبئة الجمهور وإشعال الثورة وفي زعامتها، والتي أفضت إلى تشكيل الدولة العراقية في السنة نفسها. وبعد حركة الاحتجاج الدستوري سنة 1924، ونفي مجموعة من المراجع من النجف إلى إيران، تقلص الدور السياسي للحوزة العلمية في الحقبة التالية، حتى استفاق بعد ثلاثة عقود من ذلك التاريخ، فبدأت النجف تنخرط من جديد في الحياة السياسية.

كما تعرف الدارسون في الحوزة العلمية قبل أكثر من قرن على شيء من مكاسب العلوم الطبيعية والإنسانية في الغرب، عبر ما كان يصل إلى النجف من مطبوعات ودوريات القاهرة وبيروت.

بالإضافة إلى تأسيس المدارس وتدشين النظام التعليمي الحديث في العراق، ومغادرة أسلوب التعليم التقليدي في الكتاتيب.

هذه العوامل وغيرها من تحولات تمدينية، واجتماعية، وثقافية، واقتصادية في المجتمع، جعلت الدارسين في النجف في مواجهة عالم مختلف، يضج بالحركة والتغيير، لا تكرر الحياة فيه نفسها، مثلما كانت في الأيام الماضية، بل تتسرب كل يوم مفاهيم وآراء وأسئلة متنوعة، لم يألفها تلامذة الحوزة قبل ذلك.

في ظل هذه المعطيات نشر للمرة الأولى بعض الطلاب ملاحظات نقدية على المقررات المتعارفة للدراسة في النجف، فمثلا يقول أحدهم ـ الذي رمز لاسمه بـ«النجف عراقي» ـ في مقال نشره سنة 1913 «المطول: عبارته أشكل من معناه، وفيه من النحو وفلسفته، والمنطق وأدلته، وغيرها من العلوم، أكثر مما فيه من علمي المعاني والبيان، وكتاب كفاية الأصول: عبارته مغلقة للغاية».[2]

ويكتب تلميذ آخر «وصلت في دراستي الحوزوية على الطريقة القديمة في الدراسة إلى كتاب كفاية الأصول الذي صدمني بتعقيده ورموزه وسوء تعبيره، مما يولد في نفسي رد الفعل عن مواصلة دراسة هذا العلم».[3]

وكان السيد محسن الأمين العاملي من الرواد الأوائل لحركة الاصلاح في تقاليد التعليم الديني، وقد لخص رؤيته في مقالة تحت عنوان «إصلاح المدارس الدينية» شدد فيها على ضرورة استبدال الكتب الدراسية.[4]

كما أصدر السيد هبة الدين الشهرستاني مجلة «العلم» في النجف، في 29 آذار 1910، وكانت تعنى بالدعوة إلى تبني الأساليب العلمية ونبذ ما سواها.

وتألفت عدة جماعات، ظل معظمها يباشر عمله بتكتم وسرية، ويوجه خطابات إلى العلماء البارزين آنذاك تطالب بإصلاح الحوزة العلمية[5]. وكانت هذه الجماعات ـ حسب ما ذكره الشيخ محمد رضا المظفر، أبرز رواد حركة الإصلاح في النجف ـ الذي يصفها بأنها «أشبه بجمعيات سرية أو مجالس تمهيدية في طريق الإصلاح... وأتذكر جيدا ـ والكلام للمظفرـ أني اشتركت في إحداها، وكنت كاتبها، وأعضاؤها كلهم من الشباب الديني ذلك اليوم... وما أزال أحتفظ بمحاضر جلسات جماعتي الأولى تلك، وبمذكراتي الخاصة عنها وعن غيرها، وهي على بساطتها تمثل لي مقدار التكتم والخوف الذي كان يساورنا، وكان عملنا وتفكيرنا مقتصرا على تفقد المفكرين من أصحابنا، الذين يحسون بالداء مثلنا، وبالرغم من مواصلة الجلسات والتفكير طيلة عام واحد، لم نستطع أن نخرج صوتنا من غرفتنا إلا بعض الشيء».[6]

وتمخضت جهود الشيخ المظفر وجماعته عن إنشاء «جمعية منتدى النشر» وميلاد «كلية الفقه» في فترة لاحقة، والتي صارت أهم مشروع تحديثي في النجف.

وقبل أكثر من مئة عام أسس الشيخ محمد جواد الجزائري «نقابة الإصلاح العلمي» في الحوزة العلمية، سنة 1323هـ، وقد تبنت النقابة صيغة تستند إلى الشورى في بناء هيكلها وقيادتها، وشددت على ذلك في أكثر من مادة في ورقة عملها، وألزمت المنتسبين إليها بكتمان اسرارها، وعدم الإفصاح عن أسماء الأعضاء الآخرين، كإجراء احترازي لتفادي الشائعات والتهم، وما تفضي إليه من مخاطر أمنية تجتث النقابة في مهدها.[7]

ولسنا في مقام التأريخ لمسار الإصلاح في النجف؛ لأن في هذا المسار طائفة من الأعلام، ومجموعة من المنتديات، وعددا من المدارس، وبعض المطبوعات والنشرات، ينبغي أن نلم بها، ونقف عندها وقفة تقويمية، نقرأها في إطار المتغيرات ومجمل الملابسات السائدة ذلك الوقت.

أما مديات التحديث فيمكن الإشارة إليها من خلال بعض الرؤى النقدية لعلماء معاصرين، من أعلام مدرسة النجف، وتحليلهم لظاهرة الانكفاء، ومناهضة أية عملية تطوير، وطغيان الحالة السكونية على الحياة العلمية في الحوزة، والعلاقة بين هذه الحالة ونمط المفاهيم التي يدرسها التلامذة. يقول السيد الشهيد محمد باقر الصدر: «الاستصحاب الذي قرأناه في علم الأصول، طبقناه على أساليب العمل، وطبقناه على حياتنا، فكنا نتجه دائما إلى ما كان، ولا نفكر أبدا في أنه هل بالإمكان أن يكون أفضل مما كان؟ لا بد أن نتحرر من النزعة الاستصحابية، ومن نزعة التمسك بما كان حرفيا بالنسبة إلى كل أساليب العمل، هذه النزعة التي تبلغ القمة عند بعضنا، حتى أن كتابا دراسيا مثلا ـ أمثل بأبسط الامثلة ـ إذا أريد تغييره بكتاب آخر في مجال التدريس ـ وهذا أضأل مظاهر التغييرـ حينئذ يقال: لا ليس الأمر هكذا، لا بد من الوقوف، لا بد من الثبات والاستمرار على نفس الكتاب الذي كان يدرس فيه الشيخ الأنصاري رضوان الله عليه، أو المحقق القمي رضوان الله عليه. هذه النزعة الاستصحابية التي تجعلنا دائما نعيش مع أمة قد مضى وقتها، مع أمة قد ماتت وانتهت بظروفها وملابساتها؛ لأننا نعيش بأساليب كانت منسجمة مع أمة لم يبق منها أحد، وقد انتهت وحدثت أمة أخرى ذات أفكار اخرى، ذات اتجاهات أخرى، ذات ظروف وملابسات أخرى...».[8]

ولم يتوان الشيخ محمد مهدي شمس الدين من أن يتحدث بصراحة عن قصور أسلوب التعليم التقليدي في الحوزة، وفشله في مواكبة إيقاعات الحياة ومتغيراتها، فيكتب: (يكفي للدلالة على عدم واقعية النظام الدراسي القائم فعلا، أنه نظام لا يفشل فيه طالب، ولا يرسب فيه طالب، وأن جميع المنتسبين إليه يتخرجون علماء. هذا النظام لا يزال حتى كتابة هذه الكلمات على الحال التي كان عليها منذ مئات السنين، فهو يقوم على لا نظام. إنه فوضى. ففيما عدا الكتب المقررة ـ بقوة التقليد، وليس لأنها أصلح الكتب ـ لا يوجد أي نظام يحكم الحياة الدراسية على الإطلاق، وإنما هي الفوضى الكاملة الشاملة، وما أكثر «المشايخ» الذين يكتسبون صفتهم الدينية «والعلمية؟!» من عدد السنين التي قضوها في النجف دون أن يكتسبوا منها شيئا سوى بعض الحذلقة الكلامية. وكثيرا ما ينادى بأن هذا النظام «الدراسة الحرة!!» ـ وأحرى أن يسمى الدراسة السائبة ـ لـه فضيلة كبيرة، هي إتاحة الفرصة أمام الطلبة للمناقشة والبحث. ولكن أي فضيلة هي هذه التي بسبب ما يدعى من المحافظة عليها تتسيب مؤسسة تدريسية بكاملها. إن هذه الفضيلة الأفلاطونية لا تساوي التضحية المبذولة من أجلها، على أنه ليس ثمة ما يمنع أبدا من المحافظة على هذه الفضيلة مع الأخذ بأسباب النظام).[9]

وربما لم تتراكم مكاسب جدية واستثنائية لحركة الإصلاح في الحوزة العلمية فيما مضى، باعتبار أن دعوات هذه الحركة لم تتوغل في بنية اللاهوت الكلاسيكي، ولم تطاول مرتكزات المعارف الدينية التقليدية، واقتصرت في الغالب على دعوات مطلبية آنية، تتمحور حول استبدال كتاب بكتاب، وأسلوب تعليمي بآخر، والخروج من تلغيز عبارات المصنفات القديمة وإغلاقها إلى مصنفات تعبر عن الأفكار بجلاء، وتختزل الاستطرادات، والمباحث المتطفلة على موضوعات العلوم.

غير أن مردودات قرن كامل من محاولات تحديث التعليم الديني في الحوزة العلمية وضعتنا على أعتاب مرحلة جديدة، نلمح فيها إرهاصات انبثاق سؤال ميتافيزيقي ولاهوتي مختلف، وبذور جنينية لميلاد لاهوت جديد، لا يخشى من توظيف معطيات العلوم الراهنة في قراءة النص والتراث، ويعمل على تجاوز يقينيات المنطق الأرسطي، وتفكيك مقولاته وأدواته الجزمية الراسخة.

مستويات التحديث في الحوزة الشيعية

لا ريب في أن محاولات إصلاح التعليم الديني في الحوزة العلمية تفاعلت في عدة مستويات، ومهدت السابقة منها لما يليها، وكلما ارتقت إلى مديات أقصى، صعودا من درجة إلى أخرى، أضحت الدرجة الأدنى من التحديث مألوفة، وانحسر خصومها بالتدريج، بل طالما انخرط جماعة من الخصوم ـ فيما بعد ـ فيها، وحاولوا تبني مطالباتها بحماس وحرص شديدين. فبينما كانت الدعوة لاستبدال الكتب القديمة، وتجاوز الأسلوب التقليدي في التعليم، يطرحها الرواد بحذر وخشية في مطلع القرن العشرين، باتت اليوم دعوة عادية غير مثيرة، ولا تستفز أحدا، وأخذت تتفشى في أكثر مدارس الحوزة العلمية.

وهكذا يرتاب الناس من كل فكرة جديدة، وربما كانت الأفكار المهمة في التاريخ فضيحة في حينها، إلا أنها بعد أن تحتل موقعها في النسق المعرفي، وتدخل في السياقات الثقافية للمجتمع، تغدو لا غنى عنها.

وفيما يلي عرض موجز لمستويات ودرجات تحديث التعليم في الحوزة:

أولا: تحديث شكلي:

وهو أول أنماط التحديث، وغالبا ما يقتصر على الأطر والأشكال، ولا يطمح في ملامسة المضامين إلا بصورة محدودة جدا، ويسود هذا النمط دعوات التحديث في النصف الأول من القرن العشرين، وقد انحسرت الاتجاهات المناهضة لـه بمرور الزمن، وأمسى اليوم لا يثير أحدا، فتعامل معه الدارسون كأمر واقع، ولم يشعروا بأنه يتقاطع مع الأساليب والمقررات التعليمية الموروثة.

وقد تجلى هذا النمط التحديثي في الأشكال التالية:

أـ إعادة تدوين المقررات والكتب المتعارفة للدراسة، بأسلوب حديث، يتخلص من الصياغات الكلاسيكية لتلك الكتب، المشبعة بالإبهام والغموض، واستيعاب طائفة من الموضوعات الهامشية، والتوسع فيما ينبغي الاختصار، والاختزال والتكثيف فيما ينبغي التوسع، والاضطراب المنهجي في ترتيب المسائل. فاهتمت الكتب البديلة بإعادة ترتيب المسائل وفق منهجية أحدث، وتهذيب واستبعاد ما هو هامشي، والتدوين بأسلوب واضح، يبتعد عن الاختزال والغموض. ومن أبرز هذه المؤلفات:

1ـ المنطق للشيخ محمد رضا المظفر

2ـ أصول الفقه للشيخ محمد رضا المظفر

3ـ دروس في علم الأصول للسيد الشهيد محمد باقر الصدر

4ـ بداية الحكمة للسيد محمد حسين الطباطبائي

5ـ نهاية الحكمة للسيد محمد حسين الطباطبائي

ب ـ تنظيم البرامج والفصول الدراسية، والسعي لتدشين تخصصات في المعارف الإسلامية، وتعزيز طريقة الامتحانات والاختبارات التحريرية والشفوية، واعتماد الدرجات والرتب العلمية، ومحاولة منح التلامذة إجازات وشهادات معادلة للإجازات والشهادات الممنوحة في الجامعات اليوم.

ثانيا: محاكاة الصيغة الحديثة للتعليم الجامعي

كلية الفقه في النجف أول مؤسسة تعليمية في الحوزة العلمية توظف صيغة التعليم الجامعي، وتقرر مساقات تستوعب علم الاجتماع، وعلم النفس، والفلسفة الغربية، والقانون، والتاريخ... وغيرها من العلوم الإنسانية الحديثة، بجوار المعارف الإسلامية المدروسة في الحوزة العلمية، مع تأليف كتب اخرى، غير ماهو متعارف، تتضمن المباحث ذاتها، بإسلوب يحاكي المقررات الجامعية، أو انتخاب أبواب أو أجزاء من المؤلفات التي تدرس في الحوزة.

ثم استعادت كلية أصول الدين في بغداد تجربة كلية الفقة بعد سنوات، وربما كان لموقعها الجغرافي، وابتعادها عن النجف أثر في اقترابها من نمط الدراسة الجامعية أكثر من الحوزوية.

وفي العشرين سنة الأخيرة ظهرت في قم وطهران عدة كليات وجامعات للإلهيات والدراسات الشرعية، وتجسد هذا النمط في تحديث التعليم الديني. منها «جامعة الإمام الصادق» و«جامعة الشهيد مطهري» في طهران، و«جامعة الشيخ المفيد»، و«جامعة الإمام الخميني» في قم، و«الجامعة الرضوية» في مشهد.

ونمط التحديث في هذا المستوى يتجاوز الأطر والأشكال إلى حد ما، ويهتم بترسيم تقاليد جديدة للتعليم الديني، ويسعى للامتداد إلى آفاق أرحب، عبر الانفتاح على معارف العصر، والارتقاء بالبرامج الدراسية إلى مساقات التعليم الجامعي، وإحداث تخصصات متنوعة في المعارف الإسلامية، باستعارة الحقول المختلفة للعلوم الإنسانية، أو تدشين تخصصات في العلوم الإنسانية، مع تركيبها أو مزاوجتها بالمعارف الموروثة، بعملية استيعاب ودمج، ربما تبدو جوهرية وشاملة أحيانا، فيما تبدو صورية ومبسطة في أغلب الأحيان، بمعنى أنها تستغرق في استعارة شكل الصيغة الحديثة في الجامعات، لكنها تتعثر وتضطرب في القدرة على تمثل القديم، وإعادة إنتاجه في سياقات العصر.

ثالثا: تحديث يطاول بنية المعارف الإسلامية ويمهد لانبثاق السؤال اللاهوتي الجديد

منذ عشرين عاما بدأت تتشكل في طهران حلقات دراسية ونقاشية، تهتم بالتفكير باستفهامات لاهوتية لم يعرفها المهتمون بالدراسات الإسلامية في إيران قبل هذه الفترة. تدور حول: ما يترقبه الإنسان من الدين، وجدل العلم والدين، والعقل والمعتقدات الدينية، وطبيعة التجربة الدينية، ومجال الدين وحدوده في حياة الإنسان، وهكذا حقل الفقه ومدياته، ومشروعية الدولة الدينية، وإمكانية توظيف المناهج والأدوات المعاصرة للعلوم الإنسانية في دراسة التجربة الدينية والتراث والنص... وغير ذلك، مما يعرف اليوم بمباحث «فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد» في إيران.

وبالتدريج حفلت مجموعة من الدوريات الناطقة بالفارسية بهذه الموضوعات، واهتمت دور النشر بطباعة عدد وفير من الدراسات المترجمة عن الإنجليزية والألمانية والفرنسية، التي تتناول قضايا فلسفة الدين، واللاهوت الكنسي الحديث، والتعددية الدينية، والهرمنيوطيقا والتأويل، وفلسفة اللغة، والألسنيات، وفلسفة العلم... وغيرها.

وكانت الحوزة العلمية في قم أول محطة لهجرة هذه النقاشات والكتابات من طهران، فقبل عشر سنوات افتتح الدكتور عبد الكريم سروش، وهو أحد أبرز المفكرين في هذا الحقل، حلقة لدراسة علم الكلام الجديد في قم، وظل يديرها بنفسه أكثر من سنة، وكان يختلف إليها نخبة من تلامذة الحوزة العلمية.

واستعر السجال بين الدارسين في إيران حول مشروعية توظيف مناهج العلوم الاجتماعية الغربية، وهكذا أدوات ومقولات اللاهوت الجديد، في الدراسات الإسلامية، بل مشروعية الاشتغال على بعض المباحث، وتأجيج أسئلة، وإثارة إشكالات من شأنها أن تزعزع إيمان الناس وتعصف بمعتقداتهم.

وبالرغم من هذه الاعتراضات وازدياد مظاهر الاحتجاج على هذا اللون من الأبحاث، فإن عدد المنخرطين في السجال اتسع، فاستوعب النخبة في الحوزة العلمية والجامعات، وصار من أهم مشاغل المنتديات الثقافية ومراكز البحوث، والدوريات الفكرية.

ثم توغلت هذه المباحث في أقسام دراسات الفلسفة وعلم الكلام وغيرهما في كليات الإلهيات والشريعة.

ومع أن هذا النمط من التحديث لم يزل في خطواته الأولى، إلا أنه يطمح لإحداث إصلاح عميق في بنية المعارف الإسلامية، والإفلات من التقاليد الموروثة، والجرأة في نقد التراث، وعدم الخشية من استعارة الأدوات المنهاجية من العلوم الاجتماعية الغربية، بل ومن اللاهوت المسيحي الجديد، وتوظيف المكاسب العلمية في قراءة وتقويم الموروث، والعمل على تدشين رؤى ومفاهيم بديلة، والدعوة لإعادة بناء العلوم الإسلامية، والتخلص من فرضياتها وقبلياتها ومرجعياتها التقليدية، فعلم الكلام مثلا يغدو "علم كلام جديدا" يتحرر من مقولات الكلام القديم، وينفتح على الجغرافيا الراهنة للمعرفة البشرية، ويتعاطى مع نتائجها بلا وجل، ويعيد صياغة الهندسة المعرفية للعقائد بنحو مغاير لما مضى.

وعلم "أصول الفقه" يطمح أن ينتقل إلى فضاء معرفي آخر، يبحث القبليات الثاوية في لاوعي الفقيه، ويتوغل لاكتشاف العناصر المستترة في ذهنه، والمرجعيات المدفونة في عقله، التي تنتج الفتوى، فيرتقي "أصول الفقه" إلى "فلسفة الفقه"... وهكذا "معارف اللغة العربية وآدابها" تعمل على توظيف العلوم "الألسنية" وعلوم "التأويل والهرمنيوطيقا" وغير ذلك.

وأصبح يعمل بعض الدارسين على إعادة تدوين تاريخ المعارف الإسلامية في ضوء مقارنتها بالأديان والمواقف الفلسفية واللاهوتية، فبرز اهتمام بدراسة الأديان الآسيوية إضافة إلى الأديان السماوية المعروفة، وتأسيس أكثر من مركز للبحوث، وعدة دور للطباعة والنشر، متخصصة بدراسة الأديان والحوار بين الثقافات والحضارات، ونشطت حركة نشر وترجمة المؤلفات المهتمة بذلك من اللغات الإنجليزية والألمانية والفرنسية، واللغات الآسيوية (الصينية والهندية) أحيانا. ومن الواضح أن الدراسة المقارنة تضيء كل الأبعاد والعناصر المبحوثة وتوضحها بجلاء، بخلاف ما لو درست المسائل في داخل جدرانها وسياجها الخاص.

ويدعو هذا الاتجاه إلى تحرير الإيمان وتطهيره من التشوهات التاريخية، من خلال التمييز بين إسلام الحقيقة وإسلام الهوية، أو إسلام الرسالة وإسلام التاريخ، أو إسلام الوحي ومصدره الإلهي وإسلام الشروح والحواشي والتفسيرات والتجربة التاريخية للمسلمين ومصدرها البشري، أو التمييز بين الدين ومعرفة البشر بالدين، أو الوحي المقدس وما قدسه الناس بفعل تراكم الزمان.

كذلك يسعى إلى استخدام الأدوات المنهاجية للعلوم الإنسانية وعدتها المعرفية، في تفكيك وتشريح ونقد التراث، ومحاولة التخلص من الطابع الأيديولوجي التبجيلي في دراسة المعارف الإسلامية، والتفتيش عن وسائل وسبل أخرى توصلهم للدراسة الأبستمولوجية التاريخية النقدية.

اقرأ في ملف "مؤسسات التعليم الديني":

اقرأ أيضا:


* فصل من كتاب (مقدمة في السؤال اللاهوتي الجديد) يصدر في بيروت عن مركز دراسات فلسفة الدين (سلسلة فلسفة الدين والكلام الجديد)، والعنوان الأصلي: تحديث التعليم الديني في الحوزة العلمية والتمهيد لانبثاق السؤال اللاهوتي الجديد. مع تصرف يسير.

** كاتب عراقي - أستاذ في الحوزة العلمية في قم.

[1] مجلة لغة العرب (بغداد) س2: ج10 (ربيع الأول 1331هـ/ شباط 1913). [2] مقال «كتب القراءة وطريقة التدريس عند الشيعة في العراق».

[3] الخاقاني، علي. شعراء الغري. ج7: ص351.

[4] الأمين، محسن. معادن الجواهر ونزهة الخواطر. ص 40-46.

[5] مجلة العرفان، مج23: ج3 (شعبان 1351ـ كانون أول 1932) ص688.

[6] الآصفي، محمد مهدي. مدرسة النجف وتطور الحركة الإصلاحية فيها. ص113.

[7] الرفاعي، عبد الجبار. منهج الشهيد الصدر في تجديد الفكر الإسلامي. ص48-49.

[8] الصدر، الشهيد محمد باقر. المحنة. ص76-79.

[9] شمس الدين، الشيخ محمد مهدي. مواقف وتأملات في قضايا الفكر والسياسة. ص216-217.

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 


الثقافة والفكر |  السياسة | التاريخ والحضارة | علوم وتكنولوجيا | الاقتصاد والتنمية

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع