التأمين
التجاري يقصد به التأمين الذي يلتزم
فيه المؤمن له بدفع أقساط محددة إلى
المؤمن؛ الذي يكون شركة مكونة من
مساهمين آخرين غير المؤمن لهم،
والغرض من إنشائها تحقيق الربح الذي
يستفيد منه المساهمون فقط.
وقد
أثارت
الفتوى الصادرة من دار الإفتاء
المصرية جدلاً واسعا حول حكم التأمين
التجاري، فقد أصدر الدكتور علي جمعة
مفتي جمهورية مصر العربية فتوى
نشرتها شبكة
"إسلام أون لاين.نت" يجيز فيها التعامل مع شركات التأمين،
بل وينادي بأن يكون هذا النظام
إجباريًّا لحث الناس على الادخار،
ويحتج لجواز هذه المعاملة بأنه نوع من
أنواع التبرعات، يساعد على التكافل
الاجتماعي، وقد قاست الفتوى التأمين
على المضاربة وعلى التأمين التبادلي،
واستندت إلى خلو هذا التأمين من
القمار، وهو نوع من العقود وقد جاء
الإسلام بالوفاء بالعقود، كما أن
خطبة الوداع قد خلت من التنويه عليه،
ولم يبينه الرسول صلى الله عليه وسلم،
وعُرْف الناس قد قبل هذه المعاملة،
والمصلحة المرسلة تبيح هذا التعامل.
ثم
عادت الفتوى للتذكير بأن بعض بنود عقد
التأمين غير موافق للشريعة الإسلامية
وأوصت بتصويبها، وهذه الفتوى
وتوصيتها مأخوذة مما كتبه الدكتور
نصر فريد واصل (مفتي مصر الأسبق) بعد
اجتماعه مع المسئولين في شركات
التأمين، والتنبيه على الأخطاء نفسها
وكان هذا في 1997، وعلى الرغم من مرور ما
يقرب من عقد من الزمان ولم تغير شركات
التأمين شيئًا مما أوصى به فضيلة
المفتي الأسبق، لكنها على أية حال
تستفيد من هذه الفتاوى في رفع الحرج
الشرعي لدى الناس الذين يمتنعون عن
التعامل معها خشية الوقوع في الربا
والغرر والمقامرة.
المبيحون
وسبق
الدكتور علي جمعة في القول بإباحة
التأمين الدكتور مصطفى الزرقا رحمه
الله من علماء سوريا، والشيخ علي
الخفيف، والدكتور نصر فريد واصل مفتي
مصر الأسبق، وقد اعتمدوا في إباحة
هذا العقد على ما يلي:
1-
إنه عقد جديد مستحدث لم يتناوله نص
خاص، ولم يشمله نص حاظر، والأصل في
ذلك الجواز والإباحة، وقد أمر الله
بالوفاء بالعقود فقال: "يا أيها
الذين آمنوا أوفوا بالعقود".
2-
إنه عقد يؤدي إلى المصلحة، ولم يكن من
ورائه ضرر، وإذا ثبتت المصلحة فثم حكم
الله.
3-
إنه أصبح عرفًا عامًّا دعت إليه مصلحة
عامة ومصالح شخصية، والعرف من الأدلة
الشرعية.
4-
إن الحاجة تدعو إليه، وهي حاجة تقارب
الضرورة، ومعها لا يكون للاشتباه
موضع إذا فرض، وكان فيه شبهة.
5-
إن فيه التزامًا أقوى من التزام
الوعد، وقد ذهب المالكية إلى وجوب
الوفاء به قضاء.
6-
عقد التأمين نوع من أنواع المضاربة
والمضاربة جائزة شرعًا.
7-
يمكن قياسه على عقود التأمين الجائزة
كالتأمين التعاوني أو التأمين
الاجتماعي أو التبادلي.
المانعون
وقد
منع هذا العقد عدد كبير من العلماء من
أولهم العلامة الحنفي ابن عابدين
رحمه الله، والشيخ جاد الحق علي جاد
الحق شيخ الأزهر السابق رحمه الله،
والدكتور يوسف القرضاوي، والدكتور
حسين حامد حسان، والدكتور عبد الفتاح
إدريس، كما أفتت بالحرمة مجامع الفقه
المعتبرة في العالم العربي والإسلامي
كمجمع الفقه الإسلامي بمكة والمجلس
الأوربي للبحوث والإفتاء وغيرهما، ويمكننا
إيجاز ما اعتمدوا عليه فيما يلي:
الأول:
عقد التأمين التجاري من عقود
المعاوضات المالية الاحتمالية
المشتملة على الغرر الفاحش؛ وقد ورد
في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله
عليه وسلم النهي عن بيع الغرر
.
الثالث:
عقد التأمين التجاري يشتمل على ربا
الفضل والنسيئة، وكلاهما محرم بالنص
والإجماع.
الرابع:
عقد التأمين التجاري من الرهان
المحرم؛ لأن كلا منهما فيه جهالة وغرر
ومقامرة.
الخامس:
عقد التأمين التجاري فيه أخذ مال
الغير بلا مقابل، والأخذ بلا مقابل في
عقود المعاوضات التجارية محرم.
السادس:
في عقد التأمين التجاري الإلزام بما
لا يلزم شرعًا.
وردوا
ما استدل به المبيحون للتأمين
التجاري مطلقًا أو في بعض أنواعه بما
يلي:
(أ)
الاستدلال بالاستصلاح غير صحيح، حيث
إن عقود التأمين التجاري فيها جهالة
وغرر وقمار وربا، فكانت مما شهدت
الشريعة بإلغائه لغلبة جانب المفسدة
فيه على جانب المصلحة.
(ب)
الإباحة الأصلية لا تصلح دليلا هنا؛
لأن عقود التأمين التجاري قامت
الأدلة على مناقضتها لأدلة الكتاب
والسنة.
(ج) "الضرورات تبيح المحظورات" لا
يصح الاستدلال بها هنا، فإن ما أباحه
الله من طرق كسب الطيبات أكثر أضعافًا
مضاعفة مما حرمه عليهم.
(د)
لا يصح الاستدلال بالعرف، فإن العرف
ليس من أدلة تشريع الأحكام، وقد دلت
الأدلة دلالة واضحة على منع التأمين،
فلا اعتبار به معها.
(هـ)
الاستدلال بأن عقود التأمين التجاري
من عقود المضاربة، أو قياسه على ولاء
الموالاة، والوعد الملزم، وضمان
المجهول، وضمان خطر الطريق، ونظام
العاقلة، وصور التأمين المشروعة
كالتأمين الاجتماعي والتأمين
التعاوني كل ذلك قياس مع الفارق.
محل
الخلاف
وهذا
الخلاف الجديد القديم يرجع في -رأيي-
إلى النظر إلى طبيعة هذا العقد؛
فالذين أجازوا العقد نظروا إلى عقد
التأمين بمعناه العام أي إلى فكرة
التأمين نفسها من حيث المبدأ لا من
حيث التطبيق، ونظروا إلى النظرية لا
إلى الممارسات والتطبيقات العملية؛
حيث إن التأمين من حيث النظرية هو:
تعاون منظم تنظيمًا دقيقًا بين عدد
كبير من الناس معرضين جميعًا لخطر
واحد، حتى إذا تحقق الخطر بالنسبة إلى
بعضهم تعاون الجميع على مواجهته
بتضحية قليلة، يبذلها كل منهم
يتلافون بها أضرارًا جسيمة تحيق بمن
نزل الخطر به منهم لولا هذا التعاون.
أو
هو (قواعد قانونية موضوعة يقصد بها في
التشريع فسح المجال للتعاون على
تفتيت آثار المخاطر وإزالتها عن عاتق
المصاب، وذلك بطريق التعاقد بين
جهتين: مؤمن يلتزم بتعويض المصاب عن
الأضرار التي تلحقها الحوادث المؤمن
منها، ومستأمن يلتزم بقسط من المال
يدفعه للجهة المؤمنة لقاء التزامها
بالتعويض عليه إذا وقع الحادث أو
الخطر الاحتمالي).
والذين
حرموا العقد ومنعوه نظروا إلى عقد
التأمين من حيث التأصيل الفقهي
والقانوني، ومن حيث التطبيق
والممارسات العملية فهو (عقد يلتزم
المؤمن بمقتضاه أن يؤدي إلى المؤمَّن
له، أو إلى المستفيد الذي اشترط
التأمين لصالحه مبلغًا من المال أو
إيرادًا مرتبًا، أو أي عوض مالي آخر
في حالة وقوع الحادث، أو تحقق الخطر
المبين في العقد، وذلك في نظير قسط أو
أي دفعة مالية أخرى يؤديها المؤمن له
للمؤمن).
فالقانون
واضح وصريح في أن عقد التأمين من عقود
المعاوضات، لا من عقود التبرعات،
وإذا كانت عقود التبرعات مبنية على
التسامح فيغتفر فيها الغرر والجهالة،
فإن عقود المعاوضات مبنية على
المشاحنة والتنازع، ومن ثَم لا يقبل
فيها الغرر ولا الجهالة.
وقبل
الدخول في تفصيلات المانعين
والمجيزين وأدلتهم يحسن بنا أن نضع
أيدينا على هذه النقاط الموجزة أشد
الإيجاز:
أولاً:
إن التأمين باعتباره نظرية ونظامًا
غير منظور فيه إلى الوسائل العملية
لتحقيق النظرية وتطبيق النظام أمر
يتفق مع مقاصد الشرعية العامة، وتدعو
إليه أدلتها الجزئية؛ ذلك أن نظرية
التأمين -كما يقول أحد شراح القانون-
"ليست إلا تعاونًا منظمًا تنظيمًا
دقيقًا بين عدد كبير من الناس معرضين
جميعًا لخطر واحد، حتى إذا تحقق هذا
الخطر بالنسبة إلى بعضهم تعاون
الجميع على مواجهته، بتضحية قليلة
يبذلها كل منهم، يتلافون بها أضرارًا
جسيمة تحيق بمن ينزل به الخطر منهم،
لولا هذا التعاون".
ونحن
لا نظن أنه قد ثار خلاف في جواز
التأمين بهذا المعنى (أعني التعاون
والتضامن على تفتيت آثار المخاطر،
وتوزيعها على عدد من الناس)، وإنما
ثار الخلاف في بعض الوسائل العملية
التي ظهرت في العمل لتحقيق النظرية
وتطبيق النظام، وأعني بذلك العقود
التي تبرمها شركات التأمين التجارية.
ثانيًا:
إن مشروعية الغاية والمقصد لا يلزم
منها حتمًا جواز كل وسيلة تؤدي إلى
هذه الغاية، أو تحقق ذلك المقصد، فمن
الأصول المسلمة في الشريعة الإسلامية
أن الغايات والمقاصد الشرعية يجب
الوصول إليها وتحقيقها بالوسائل
الشرعية دون المحرمة؛ لأن الوسيلة
المحرمة إذا حققت مقصدًا شرعيًّا
فوتت مقصدًا شرعيًّا آخر، والشارع
الحكيم قاصد بشرعه تحقيق جميع
مقاصده، ولقد سنّ سبحانه من الأحكام،
وشرع من المعاملات ما يكفي لتحقيق
جميع مقاصده، وإذا سدت الشريعة
طريقًا أو منعت وسيلة تؤدي لمقصد
شرعي، فإنها تشرع وسائل وتفتح طرقًا
أخرى ليحقق هذا المقصد دون تفويت
لغيره.
فجمع
المدخرات واستثمارها مقصد شرعي، ولكن
يجب تحقيقه بوسائل مشروعة لا تقوم على
نظرية الفائدة الربوية. وتبادل
الأموال مقصد شرعي، يجب تحقيقه
بوسائل لا تنطوي على غرر أو قمار أو
ربًا؛ فالتعاون والتضامن على ترميم
آثار الأخطار، وجبر ما يثمره على
الناس من أضرار أمر يتفق مع مقاصد
الشريعة، ولكن هذا الترميم وذلك
الجبر يجب أن يكون بالوسائل المشروعة
التي لا تنطوي على غرر وقمار وربا.
ثالثًا:
إن الصيغة العملية التي شرعها
الإسلام للتعاون والتضامن وبذل
التضحيات هي عقود التبرع، حيث لا يقصد
المتعاون والمضحي فيها ربحًا من
تعاونه وتضامنه، ولا يطلب عوضًا
ماليًّا مقابلاً لما بذل، ومن ثَم
جازت هذه العقود مع الجهالة والغرر،
ولم يدخلها القمار والمراهنة والربا،
ذلك أن محل التبرع إذا فات على ما أحسن
إليه به بسبب هذه الأمور، لم يلحقه
بفواته ضرر؛ لأنه لم يبذل في مقابل
هذا الإحسان عوضًا، بخلاف عقود
المعاوضات، فإن محل المعاوضة إذا فات
على من بذل فيه العوض، لحقه الضرر
بضياع المال المبذول في مقابلته، وما
قيل بشأن الجهالة والغرر والقمار
والمراهنة يقال مثله في الربا؛
فالمرابي يعطي القليل ويأخذ الكثير
بعد الأجل، والمتبرع يعطي ولا يأخذ،
فلا يتحقق الربا في التبرع.
رابعًا:
إن كلا من التأمين التعاوني والتأمين
الاجتماعي يحقق الصيغة العملية التي
شرعها الإسلام للتعاون والتضامن وبذل
التضحيات، فهذان النوعان من التأمين
يقومان على قصد التعاون والتضامن
والتبرع دون الرغبة في استثمار
الأموال وطلب الربح، فيعدان تطبيقًا
سليمًا لنظرية التأمين؛ لأنهما ليسا
إلا تعاونًا منظمًا تنظيمًا دقيقًا
بين عدد كبير من الناس معرضين جميعًا
لخطر واحد، حتى إذا تحقق الخطر
بالنسبة إلى بعضهم، تعاون الجميع على
مواجهته بتضحية قليلة يبذلها كل منهم
يتلافون بها أضرارًا جسيمة تحيق بمن
ينزل به الخطر منهم لولا هذا التعاون.
خامسًا:
إن التأمين بقسط ثابت، وهو الذي تقوم
به شركات التأمين لا يحقق الصيغة
العملية التي شرعها الإسلام للتعاون
والتضامن وبذل التضحيات؛ لأن العقود
التي تبرمها هذه الشركات معاوضات
مالية دخلها الغرر والقمار والربا،
وعقود المعاوضات إذا دخلتها هذه
الأمور بطلت.
ولقد
بُذلت محاولات كثيرة من بعض الباحثين
لنفي هذه الحقيقة، تارة بإدخال
التأمين في عقود التبرع، واعتباره
تعاونًا بين المستأمنين الذين
يتعاملون مع شركة التأمين المعنية،
بدعوى أن هذا العقد ينشئ علاقة بين
طائفة المستأمنين أساسها التعاون
والتضامن، ويكون دور شركة التأمين في
هذا التعاون دور النائب والوسيط الذي
ينظم تعاونهم.
وتارة
أخرى بنفي الغرر في جانب شركة
التأمين، بدعوى أن عقد التأمين ينشئ
علاقة بين شركة التأمين ومجموع
المؤمن لهم، وأن هذه الشركة تستطيع
بواسطة حساب الاحتمالات، وقانون
الكثرة، وقواعد الإحصاء أن تحدد على
وجه يقرب من الدقة مقدار ما تعطي
لمجموع المؤمن لهم وما تأخذ منهم.
وتارة
ثالثة بدعوى انتفاء الغرر والقمار في
جانب المستأمن على أساس أن المعاوضة
في عقد التأمين إنما هي بين الأقساط
التي يدفعها المستأمن والأمان الذي
يحصل عليه، وأن المستأمن يحصل على هذا
الأمان من وقت العقد ودون توقف على
وقوع الخطر وعدم وقوعه، فهو إذا وقع
حصل على الأمان بقيام مبلغ التأمين
بإحياء ما هلك من أمواله وحقوقه
ومصالحه، وإذا لم يقع فإنه يحصل على
الأمان ببقاء أمواله وحقوقه ومصالحه
سليمة، وهذه المحاولات جميعًا لم
تؤدِّ الهدف المنشود؛ لأنها تقوم على
مجرد الفرض والتقدير، ولا تعتمد على
واقع هذه العقود.
سادسًا:
إن التطبيق الكامل للشريعة الإسلامية
يحقق التعاون والتضامن والتكافل على
أساس محكم لم يسبق له نظير، وأن
توسُّع الدول الإسلامية في التأمينات
الاجتماعية حتى تشمل جميع طبقات
الشعب التي تعجز مواردها عن مواجهة
الأخطار.. أمر لازم لا بد منه، فإن
الدولة الإسلامية في نظر الإسلام
تلتزم بتأمين فرصة عمل لكل قادر على
العمل، وبتأمين العاجز عن العمل
بإعطائه ما يكفيه مأكلاً ومشربًا
وملبسًا ومسكنًا ومركبًا كما يقول
بعض الفقهاء، ولها في موارد الزكاة ما
يقوم بذلك، وإلا كان لها أن تفرض من
الضرائب على الأغنياء ما يسد حاجة
الفقراء.
سابعًا:
إن الصيغة المشروعة المتاحة للأفراد
حتى الآن لتحقيق أهداف التأمين
ومقاصده من التعاون والتضامن على
توقي آثار المخاطر هي التأمين
التبادلي الذي تقوم به الجمعيات
التعاونية، إذا قامت دراسات جادة
للتوسع في هذا النوع من التأمين،
واستخدام الوسائل العلمية لتنظيمه
على الوجه الذي يحقق به هذه الغايات
والمقاصد، وهناك تجارب مفيدة في هذا
المجال قامت بها بعض الدول الإسلامية
يمكن الاستفادة منها.