 |
|
أحد الرهائن الأمريكان في العراق |
من
المشاكل المزمنة التي يواجهها الخطاب
الإسلامي بصورة عامة والشرعي منه
بصورة خاصة موضوع التداخل بين ما هو
شرعي وما هو سياسي في كثير من الوقائع
الجارية التي يفزع فيها إلى أهل الحل
والعقد الشرعيين لمعرفة رأيهم الفصل
فيها، والعجيب أنه لا "فصل" في
هذا نوع من الوقائع، وثوابت التشريع
وقواعد التعامل معها صريحة في ذلك،
فما دام السياسي وهو يقوم في الغالب
على المصلحة قد تطرق إلى الشرعي، فلا
يمكن إذن لأحد أن يدعي أن قوله هو "الفصل".
والأعجب من ذلك أن بعض علمائنا مع
معرفتهم بهذه "الخبرة"
التشريعية فإنهم ينساقون –أحيانا-
بفعل دوافع سلبية يأتي في مقدمتها
الدفاع عن "بيضة" صورة الإسلام
إلى تلبية رغبات السائلين –وهم في
الغالب إعلاميون أو سياسيون- من غير
شعور منهم. وغالبا ما تكون هذه
الرغبات "مسيسة" تهدف إلى العلم
"المغشوش" لا العلم "الصحيح"؛
فهم في واد، والصواب والحق في واد آخر.
ومن
هذه القضايا التي تمسك بتلابيب الناس
وترغمهم على الانغماس في بحرها اللجي
إرغاما قضية الرهائن الفرنسيين
والإيطاليين في العراق، التي جعلتها
الأبعاد السياسية والإعلامية لها
قرينة لأحداث 11/9 في نيويورك التي
تزامنت ذكراها السنوية مع هذه
الأحداث، والجامع بين الحديثين هي
علة غير منضبطة عند أهل الفقه في أصول
التشريع المعاصر وهي "المحافظة على
صورة الإسلام النقية" وهذا وصف غير
منضبط، وفيه الكثير من النسبية التي
أخرجت بعض المتحدثين في الموضوع عن
فقه الموازنات، وأبقته عند فقه
الأولويات، ولا نختلف في ذلك،
فالمحافظة على نقاء صورة الإسلام هي
أولويتنا، ولكن أين الموازنة بين هذا
"الهم" العظيم الذي تهون في
سبيله كل المصاعب، وبين "هم"
إعلام العالم بحجم المعاناة التي
تعيشها بعض أجزائه المسلمة سواء
أكانت في فلسطين أو العراق أم غيرهما
من مواقع الألم الممض والجرح النازف
الذي لا يبدو أن زمان التئامه قد قرب.
بديهيات
لا يمكن إنكارها
لقد
تجاوز هؤلاء بديهيات موضوع الرهائن
في العراق الذي تكفيه الكلمات الآتية
بكل اختصار:
1-
حق العراقيين في مقاومة عدوهم
ومقارعته مشروع شرعا وقانونا وعرفا،
ولا مجال للنقاش في هذا.
2-
أساليب المقاومة العراقية من حيث
المبدأ لابد لها أن تنضبط بضوابط
الشرع حتى وإن لم يلتزم العدو بأي
ضابط خلقي أو قانوني، وحق الإنكار على
الأخطاء مكفول وفق أصوله المعلومة
لكل طالب عالم.
3-
وقعت بعض فصائل المقاومة العراقية في
أخطاء أعطت انطباعا غير سليم عن
المقاومة كلها. وليس هذا غريبا، ولكن
الغريب هو توقع كمالها التام،
وخلاصها من الأخطاء، وهو ما لم تنجح
فيه أي حركة مقاومة في التاريخ قديمه
أو حديثه.
4-
كم هو حجم الخطأ إلى الصواب من أعمال
المقاومة العراقية؟ هذا سؤال هام،
ينبغي لكل متصدر لهذا الموضوع أن
يسأله، وأن يحاول الوصول إلى إجابة
مقنعة، ولا أظنه سيتعب كثيرا،
فإحصاءات الجيش الأمريكي عن العمليات
التي تجري يوميا معلومة، وحالات
الاختطاف منذ أن بدأت إلى الآن
معلومة، والشاطر من يستطيع أن يقدم
على المقارنة "بدون أن يخشى تهمة
الإرهاب".
حين نطرح الموضوع هكذا سنعي – تماما-
كم أن هذه القضية بسيطة ومركبة في
الوقت نفسه؛ فهي ليست شرعية بحتة تدخل
في دائرة النص الشرعي الجزئي
التفصيلي نص "آية أو حديث"،
وإنما هي قضية شرعية سياسية تخضع
لميزان المصالح والمفاسد، فاذا كان
الاختطاف مؤصلا شرعا للمجرمين في
الحرب، بفعل الرسول "صلى الله عليه
وسلم" مع أحد هؤلاء، فإن سحب هذا
التأصيل إلى زماننا الحاضر، وإنزاله
على الواقع العراقي فيه نظر، ويحتاج
إلى سياسة تدرس المصلحة وتحقق في
المفسدة، وتغلب الراجحة منهما. ولكن
أنى "للمختطفين" ليلا ونهارا في
أرض "السواد"، "وهذا هو اسمها
القديم اللائق بواقعها المعاصر" من
جلسة هادئة يبحثون فيها هذا، وطائرات
العدو تلاحقهم مع أسرهم وتخلط بثرى
الأرض أشلاءهم، وعيون الجواسيس
ترصدهم وتعد أنفاسهم عدا، وتقبض
بعدها "أوراقا خضرا" ولسان حالها
يقول: "كل نفس ذائقة الموت" بـ
"100" دولار... أو أقل من ذلك! ولا
حول ولا قوة إلا بالله.
أهل
مكة أدرى بشعابها
هذا
هو واقع العراق الآن الذي تفرض
الأمانة الشرعية قبل الأمانة العلمية
أن ننقله كما هو، وإن كنا نختلف مع
القائمين بتلك الأمور في بعض ما قاموا
به، وننكر عليهم هذا، ولكننا نعي
خطورة الإنكار الشديد الواسع الذي قد
يدفعهم إلى أفعال غير مسئولة تحت ضغط
رد الفعل، ونسلك لذلك طريق الإنكار
الذي يقوم على أساس تفهم مشاعر هؤلاء،
ودوافعهم التفرقة بينها وبين بعض
أفعالهم "الخاطئة".
ولعل
هذا هو أصعب أنواع الفقه كما هو مشهور
عن شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله-
فإن معرفة خير الخيرين، وشر الشرين هو
الفقه بعينه، وهو ما تمارسه الآن بعض
الجهات الشرعية داخل العراق، على
الرغم من سهام الاتهام وحراب التشكيك
التي تحيط بها من كل حدب وصوب.
والمشهد
العراقي المضطرب الآن هو الدليل
المقنع الذي جعل الكثيرين يؤمنون حقا
بمقولة "أهل مكة أدرى بشعابها"
فبعد أن نافح الكثيرون في كون قضايا
الأمة لا يختص بها أهل قُطرٍ أو مِصرٍ ما
إلا أن التجارب أثبتت أن هذه المقولة
صادقة كل الصدق، وأن الشعاب هي من
اختصاص أهل مكة ودرايتهم، أما مكة
كقرية فيعلمها الحجيج كلهم مكيين كانوا أم غير ذلك..
وكذلك
الأوضاع في العراق التي يستوي الجميع
في معرفة أخبارها العامة والجهات
المختلفة فيها، ولكنهم يجهلون تماما
طبيعة الظروف التي يجري فيها هذا
الخلاف سياسيا كان أم عسكريا غير
سياسي.
ولا عتْب على أحد من عامة الأمة،
وإنما العتْب على بعض علمائها الذين
اكتفوا بالعام من المعلومات والشائع
من التوصيفات والمشهور من التحليلات،
دون الغوص في لجة الحقيقة؛ فوقعوا
فيما كنا نتمنى ألا يقعوا فيه، فصبوا
الزيت على نار بعض المقاومين،
وأعطوْا عدوهم زادا ما كان متوقعا،
وعتادا ما كان مرصدا. فلو أنهم توجهوا
بخطابهم "الهادئ" الذي لا يتعارض
مع الاستنكار، إلى من بيده الأمر
وترفقوا بالقائمين عليه ترفقا لحققوا
ما لم يحققه غيرهم من تأييد ثقة الأمة
بهم، وكسب تفهم المخطئين، وإطلاق
سراح المخطوفين. وكلها مصالح تأتي
بطريق هين لين من غير استنكار مطلق،
ولا شجب عام.
بين
الإعلام "المدجج" والإعلام "المدجن"
وفيما
أقول هذا القول: أعلم علم اليقين أن
بعض شيوخنا وأساتذتنا الأفاضل قد
استجابوا لنداء الفطرة الإنسانية
الصافية، والواجب الشرعي الذي تفرضه
عليهم مكانتهم العلمية وقيادتهم
الفكرية، ولكنهم كانوا بحاجة ماسة
إلى معرفة واقع الحرب العراقية
الأمريكية على أرض العراق كما هي، لا
كما يظهرها الإعلام "المدجج"
بالعداء لكل قيم المقاومة سلمية كانت
أم غير ذلك، أو كما يظهرها الإعلام
"المدجن" الذي يتباكى على
المشروع الأمريكي في العراق تحت
لافتة "مشروع السلام في العراق"؟!
إلى آخر هذه الألاعيب الإعلامية التي
لا نتوقع أن تنطلي على أحد.
كنت أتمنى ويتمنى معي الكثيرون أن
يحسب المتكلمون في هذا الموضوع حساب
التأثيرات السلبية لتصريحاتهم
وبياناتهم و"فتاويهم"، خشية أن
يصب اندفاعهم هذا في مصلحة الأمريكان
ومن معهم من غير أن يقصدوا، ولعل بعض
هذا حدث مع الأسف. وهاكم دليلا من ذلك
في مجال نقص المعلومات.
* النيباليون في العراق هم من أكثر
معاوني الاحتلال؛ فهم يعملون لديهم
حراسا لمؤسساتهم ونقلة لإمداداتهم،
ومن يزرْ ما يسمى "المنطقة الخضراء"
ير بكل وضوح انتشارهم الكبير،
وحراستهم للمداخل والمخارج، الأمر
الذي يؤهلهم للدخول في وصف "المتعاونين
مع الاحتلال" بكل جدارة، ويجعلهم
هدفا مشروعا في نظر المقاومة، ولكن
رسالتنا للمقاومين: أن أسْر هؤلاء
ضمان لحياتهم، فما داموا أسرى وجب
الإبقاء عليهم، أما جرمهم بحق
العراقيين فمصلحة الاقتصاص به تتعارض
هنا مع مفسدة الخروج عن ضوابط الحرب
في الإسلام، وإذا تعارضت المصلحة
والمفسدة، قدم درء المفسدة وجوبا
قولا واحدا.
بالله
عليكم ماذا يمكن أن يفعل هذا الخطاب
في قلوب –وأضعها أولا- وعقول مجموعات
الشباب التي ترفع السلاح في وجه
الأمريكان سعيا إلى التحرير وطمعا في
تحقيق الواجب الشرعي؟
إن هذا الخطاب قد يسهم إلى حد كبير -إنْ
وصل إلى هؤلاء- في زرع روح التشدد في
أنفسهم ويدفعهم نحو "الغلو".
ولعل هذه هي الإستراتيجية التي تفتقت
عنها ذهنية الاحتلال في العراق من أجل
دفع مجموعات المقاومة نحو جدار "الإرهاب"
وضربها ضربا شديدا لها تحت الحزام،
ولا من معترض، إسلاميا كان أم غير ذلك
شرعيا أم غير شرعي. فمن يجيب
للاستغاثة؟ ومن يتجرأ على نجدة "الإرهابيين"..
وهكذا تمر الأيام سريعا.. وتأتي
الانتخابات، وتمضي من غير أن يلتحق
بها منْ يمثلهم هؤلاء بحجة اضطراب
الأوضاع، ونقرأ على العراق السلام
وينعم المشروع الأمريكي فيه بالأمان..
وبعض من أسهم في ذلك هم نحن بلا أسف
هذه المرة!!
وختاما..
تبقى كلمة أدخرها لمن يتكلم الجميع
باسمهم.. فيفخرون بفعلهم أحيانا كثيرة-
وينزوون خجلا أحيانا قليلة.. إلى من
بيدهم فضْح الكل أو سترهم.. أقول لهم:
الاعتراف بالخطأ شجاعة، فكيف إذا كان
في هذا الاعتراف ترغيم لأنف العدو،
وقطع لألسنة المرجفين وإبرار بعهود
المسلمين، وتمكين لنصر العراقيين
وإرجاع لرشْد بعض المسلمين، وحفظ
لمكانة بعض علماء الدين.. الذين تطاول
عليهم بعض الأقزام، وأحرجوهم في
مواطن عدة .. فالله –الله- فيكم وفينا.
*
نقلا
عن موقع الإسلام اليوم.
**
الأستاذ بكلية العلوم الإسلامية،
جامعة بغداد، وعضو هيئة علماء
المسلمين.
|