بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

الثقافة والفكر السياسة التاريخ والحضارةعلوم وتكنولوجيا | الاقتصاد والتنمية


حول الدين والمعرفة
ملامح البنية الأساسية للتفكير الإسلامي*

طارق البشري**

05/09/2004 

المستشار طارق البشري

حاولت هذه الورقة- بإيجاز وتركيز- أن ترسم الصورة العامة لما تظنه التضاريس الكلية للموقف الثقافي الإسلامي، بالنسبة لصلة المعتقد بالواقع وبالعقل وبالتربية البشرية، وبالنسبة لمظان البحث في هذا الشأن عقليا ووجدانيا.

يقوم الفكر العقيدي على مسلمات أولية، ولفظ "عقيدة" يرد من عَقَدَ عقدة، والعقدة هو ما تنضم أجزاؤه بعضها إلى بعض فتتماسك، والعقيدة هي ما انعقد في النفس أو العقل، أي ما تراصت أجزاء فكرته فصار بعضها يشد بعضا ويوثقه، ونحن نسميها عقيدة؛ لأن دليلها يدور في داخلها، وبعبارة أخرى هي مسلمة؛ لأنها تحتضن دليلها في ذاتها وتستمده من ذاتها وتدور معه.

والفكر الفلسفي عامة لا يخرج عن هذا الإطار، إلا أنه يطرح بدائل مستجدة أو مستحدثة أو يعرض للبدائل القائمة، وهو إما "يفترض" مسلمات جديدة أو يتحدث ويعرض للمسلمات القائمة. وهو في كل الأحوال ينشغل بما تنشغل به العقائد من حيث أصل الوجود أو صلة الإنسان بالكون وموضعه فيه وغير ذلك، وهو في النهاية يعرض "مسلمات" بديلة أو مقترحة.

والدين يعتمد على الاعتقاد بوجود الذات الإلهية الغيبية، أي التي لا يمكن العلم بكنهها، ولكن يمكن إدراك آثارها مع الاعتقاد بأنها مطلقة القدرة ومطلقة القوة ومطلقة في تنزيهها عن الشبيه والمثيل، وأنها واجبة الطاعة والعبادة بالطريقة التي رسمها للبشر. والدين بذلك يرد من المطلق ليحكم النسبي، ويأتي من الثابت ليحكم المتحرك، ويأتي من الدائم ليحكم المؤقت.

وإن البعض من مفكري الإسلام يعرفون الدين بأنه وضع إلهي يرشد إلى الحق في الاعتقادات وإلى الخير في السلوك والمعاملات. ومن هنا ترد الصلة بين الدين بوصفه معتقدا يتصل بالمطلق والثابت والدائم والمنزه، وبين الدين بوصفه حاكما لأوضاع الواقع المتغير والتحول. ومن هنا أيضا ترد مسألة صلة المعتقد بالمعرفة وكسبها، أي صلة المعتقد وتعاليمه بالتعامل مع الواقع.

ولا أريد أن أستطرد كثيرا، ولكن فارقا أساسيا هنا بين أصول الاعتقاد في المسيحية وأصولها في الإسلام، فالمسيحية حسبما تبلورت لدى المسيحيين في القرون الأولى التالية للسيد المسيح، صُنع معتقدها على نحو يقبل القسمة والتمييز بين الرؤية الاعتقادية وبين ممارسة الواقع ومعايشته.

وبهذه المكنة أمكن بعد ذلك زحزحة مجالات النشاط عن بعضها البعض على ما يتابع من بعد في العصر الحديث في أوروبا، فوجد الدين، وبجواره ليس متصلا به ولا متفرغا عنه، وُجِد النظر المعرفي الوضعي. وساعد على ذلك أن السيد المسيح لدى مسيحيي القرون التالية كان هو ذاته ذا الوضع الإلهي، وهو الكلمة، وقد رفع فلم يبق في الأرض.

أما في الإسلام فالتصور العقيدي مختلف، إن ما يقابل مسيح المسيحيين في إسلام المسلمين هو القرآن، لأن القرآن هو كلمة الله، وقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن باقٍ على الأرض، وهو لا ينظم المعتقد الإسلامي فقط من حيث صلة الإنسان بالله، ولكنه يحكم سلوك المسلم ومعاملاته، بما أورد من أحكام تشريعية وبما أحال إليه من أحاديث وسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم التي بقيت بالرواية ثم بالتدوين.

النص والعقل والواقع

ومن هنا ثارت مسألة كيف يمكن للنص الثابت الذي يشكل وضعا إلهيا أن يحكم الواقع المتغير للبشر؟، وكيف يمكن للنص المحدد في إطار ألفاظه المعدودة أن يحكم الواقع المتنوع على مدى الزمان؟؛ من هنا جاءت جهود التفسير لتضبط مناهج النظر المعرفي إلى الواقع المتغير وموقف الإنسان تجاه هذا الواقع المتغير، موقفه تجاهه من خلال النصوص الإيمانية الثابتة.

وكان ذلك مما شغل علم الفقه من أول قرون الإسلام، إذ انتشر الإسلام في الأمصار والأصقاع وصارت أحكامه واجبة التطبيق على أقوام شتى وشعوب متعددة وبيئات متنوعة، وصار مطلوبا أن تحل المشاكل المستجدة في هذا المجال، ثم لما تعددت حالات التطبيق وتكاثرت الحلول واختلفت أساليب التفسير، صار مطلوبا أن تتحدد وتتعين مناهج للتفسير تضبط تلك الأساليب، وصار ذلك ما عرف بعلم "أصول الفقه".

ثم جاءت مسألة أخرى هي حدود معرفة الإنسان في أي زمان ومكان، إن ما يعرفه تتولى مناهج أصول الفقه استخراج الأحكام بشأنه، ولكن ما هو الضابط النفسي والسلوكي الذي يضبط الحدود بين المعلوم والمجهول، وما كان أكثر المجاهيل التي تحيط بالإنسان على مر قرون عديدة، وهنا ظهرت محاولات علم التصوف وممارساته للتمييز بين الأمر المدرك الذي يمكن للإرادة الإنسانية أن تدبر الشأن فيه، وبين غير المدرك وغير المعلوم الذي تكله الإرادة البشرية على المعبود سبحانه.


علم أصول الفقه اقترب من المجال الإيماني بمنهج عقلي معرفي.


وبالنسبة لأصول الفقه، فقد عُني أول ما عُني بإيضاح ما هي مصادر التشريع الإسلامي، وأن مصدريه الأساسيين المجمع عليهما هما القرآن الكريم والسنة النبوية، والركيزة الأساسية للتصديق بهما هي ركيزة إيمانية، ولكن علم أصول الفقه اقترب من هذا المجال الإيماني بمنهج عقلي يتعلق "بالثبوت" والثبوت مسألة معرفية، فقالوا: إن القرآن الكريم ثابت بطريق "التواتر"، وعرفوا التواتر بأنه ما يقول به جماعة يستحيل اتفاقهم على كذب، وهذا منهج عقلي أشد صرامة مما نقول به الآن عن "المعرفة الاجتماعية" التي تصل للفرد منا ويصدق بها بغير أن يختبر بنفسه أدلة صوابها وثبوتها، مكتفيا بأنها تنتقل إليه من مصادر شتى، مثل دوران الأرض حول نفسها ودورانها حول الشمس، ومثل وجود أية بلدة لم يرها الشخص بنفسه.

ثم أجروا معايير التحقيق العقلي على الأحاديث الشريفة التي لا تتوافر لثبوتها درجة التواتر، وهي من حيث الضبط والتحقيق أكثر صرامة في نسقها العقلي من أساليب تحقيق الوقائع التاريخية، وهنا نلحظ أن النصوص الأساسية هذه، وهي إيمانية في التصديق بها، قد صارت عقلية في ثبوتها، وقد تخللها العقل من هذا الوجه المعرفي، ثم بدأ هذا التخلل يفرض سلطانه على ما يتلو هذين المصدرين من مصادر أخرى ومن مجالات أعمال.

ومن المعروف أن النصوص محدودة، سواء نصوص القرآن الكريم أو نصوص السنة النبوية الشريفة، فظهرت مصادر أخرى تالية، وفي غالبها نلمس دورا ناميا وفعالا للعقل في تفاعله مع الواقع المعيش.

فمثلا "القياس" الذي قال به الإمام الشافعي منذ اثني عشر قرنا وصار مهما وواسع التطبيق، هو يتعلق بإدراك وجه الشبه الفعال بين الظواهر التي وردت عنها أحكام في القرآن أو السنة، والظواهر التي لم ترد عنها أحكام فيهما، والمهم هنا هو المنهج المعرفي الذي وُضع لإدراك الشبه الفعال، وهو منهج يُعمل الاستقراء لإدراك خواص الظواهر التي تعتبر "علة" الحكم، أي سببه، وهو ما أسموه "المناط". وهنا نلحظ وجوه تجريب واستقراء وملاحظة، ثم استخلاص للصفة العلة وبلوغ المشترك الحاكم لما يمكن أن نعتبره متماثلا.

ومثلا "الاستصحاب" وهو منهج عقلي معرفي، ومؤداه هو بقاء الحال على ما كان حتى يقوم دليل يغيره، فهو يتعلق "بالإدراك" البشري للواقع، ومؤداه أنه عند التيقن من وجود أمر ما، فنحن نتصرف على أساس أنه موجود بعد ذلك حتى يتبين لنا أن ثمة تغييرا أو تعديلا حدث. وما ثبت باليقين من ذلك لا يزول إلا بيقين مغاير. وقد سمى الفقهاء هذا الأمر أنه مصدر تشريعي، وفي الحقيقة هو منهج معرفي مكمل للإدراك البشري، يسد الفجوة بين تيقن حدث وتيقن آخر طرأ بعد مدة.

ومثلا "الاستصلاح" أو المصالح المرسلة، وهي التصدي المباشر للواقع الحادث والعمل بما فيه مصلحة الناس، وذلك فيما ليس فيه أمر ديني أو نهي ديني ورد بالقرآن أو السنة. والنظر في هذا الشأن يكون بملاحظة أن كل الأوامر الدينية والنواهي الدينية هي مقررة من الله سبحانه لنفع الناس ولإصلاح شؤونهم أيضا.

وفي مجال الخلاف في مدى كل من الأوامر والنواهي التي مصدرها القرآن والسنة؛ فإن الخلاف يكون في غير الأحكام ذات الدلالة القطعية، يكون فيما هو ظني، وهو ينقسم بين رأي راجح ورأي مرجوح، وهذا الانقسام إنما يكون بالدليل العقلي والواقعي، ويحسمه ما تتقبله الجماعة وترضى به، ويحسمه أيضا ولي الأمر فيما يراه.

وتنبغي ملاحظة أنه عندما يقال: إن لولي الأمر أن يحسم خلافا وينفذ رأيه فيه، فإن ذلك لا يعني تجرده من المسؤولية والتبعة، ولكن معناه أن الأمر ينتقل من مجال المشروعية الدينية إلى مجال المسؤولية السياسية عن إدراك صوالح الناس بمعايير واقعهم المعيش. وشأن ذلك أيضا شأن ما يسمونه "السياسة الشرعية" وهي أوامر ولي الأمر ونواهيه التي قصد بها صلاح الأمة فيما ليس فيه أمر ولا نهي في الشريعة الْمُنَزلة، فإن هذه السلطة لولي الأمر لا تنفلت عن الشرعية؛ ولكنها تخضع لاعتبارات المصالح.

وأنا لا أريد أن أستطرد أكثر من هذا في هذه النقطة، إنما قصدت سوق الأمثلة للأساليب والمناهج التي يتفاعل بها الفكر الديني بنصوصه الثابتة، مع مناهج إعمال العقل من ناحية ومع أساليب التعرف على الواقع ومناهجه من ناحية أخرى.

وما أريد أن أوضحه أن هذه الأمثلة وغيرها، لم تحتج مني إلى إسناد بالمراجع؛ لأن المادة التي اعتمدت عليها هي من المعروف المشتهر لدى المطالعين والعارفين بهذا الأمر، وما سقته إنما كان جهدي فيه هو الربط والاستخلاص للدلالة التي تُستفاد في صدد الموضوع المعروض. وهذه الأسس هي مما يشكل البنية التحتية للتكوين الفكري الفقهي بالنسبة للإسلام.

سلوك الإنسان بين المعلوم والمجهول

وبالنسبة للضابط الخاص بسلوك الإنسان بين المعلوم والمجهول لديه، فإننا هنا نجد جهود نفر من ذوي الفكر الصوفي تحدثوا في هذا الشأن وشاع حديثهم وتعاليمهم حتى وجدت لها بين العامة مكانها وانعكست في سلوكهم. وإن النظر الذي ساد في كتابات وأحوال ذوي الأثر في البنيان الفكري والمعرفي الذي ذاع بين الناس، ليس هو إنكار الحقائق الواقعية أو البعد عن التعرف عليها، ولكنه يتعلق بكيفية بناء الإنسان على أساس من القدرة على البذل والعطاء وإنكار الذات وعدم تعلق القلوب بمغريات الحياة.

وبالنسبة للنظر إلى القدر، فهو نظر يتعلق بما وراء المعرفة الكسبية والعلم الكسبي، فما نعرفه من حقائق الحياة نتعامل معه بما صيغت به النفس والوجدان من ترويض ومن بذل وعطاء. وما لا نعرفه هو ما يدبر الإنسان أمر نفسه فيه على التقبل والرضا، وهذه المعاني نراها بصياغات كثيرة وأساليب تعبير شتى في الكتابات الذائعة لكبار مفكري هذا المجال مثل الجنيد والقشيري وابن عطاء الله وغيرهم.

وقد أكتفي في بيان الموقف الفكري الإسلامي بهذين المجالين، مجال الفقه الإسلامي وأصوله، ومجال التصوف. وذلك لأنه في تصوري أن هذين المجالين هما أكثر مجالات الفكر التي صيغت بها العقلية الإسلامية، منظورا في ذلك إلى مثقفيهم ذوي الثقافة الإسلامية، وإلى العامة أيضا.


الفقه وأصوله، والتصوف هما أكثر مجالات الفكر التي صيغت بها العقلية الإسلامية.


وبالنسبة للفقه، فإن المفكرين الاجتماعيين المحدثين وباحثيهم ومؤرخيهم، لا يهتمون بهذا الجانب اهتمامهم بالجوانب الأخرى الاقتصادية والأدبية والتعليمية وغيرها. رغم أنه من أكثر الجوانب التي تعكس أوضاع المجتمعات واقعا وفكرا، ولا أقصد بذلك الفقه الإسلامي فقط، ولكني أقصد أيضا الفقه الوضعي، إنه بالنسبة لفروع علم الاجتماع مثل فن العمارة بالنسبة لفروع الفنون التشكيلية؛ لأنه الفرع الأكثر مساسا بالناس في حياتهم اليومية، والفقه لا يستطيع إلا أن يكون واقعيا لأنه يحكم أوضاع الناس ومعاملاتهم ويتصدى لمشاكلهم المعيشة يوما بيوم.

والمجال الثاني هو الصوفية، وقد كان حتى الوقت الحاضر القريب يمثل أكثر المجالات أثرا في الصناعة الدينية للوجدان الشعبي، وكان يقوم بنظراته الإنسانية مقام علوم النفس الآن، وكان يقوم في تشكيله للوجدان الشعبي بما تقوم به فنون الأدب والقصة والمسرحية، وله إنتاجه الأدبي في الشعر والحكم والدعاء، وفيه وجدت الموسيقى والغناء الديني موضعها.

سبل الإصلاح .. ذاتيا

ذكرت من قبل الملامح العامة لتضاريس ما أظنه البنية الأساسية للتفكير الديني الإسلامي في بلادنا. وهذا لا يخل طبعا بما وجد ويوجد من وعورة تعوق السير، ومن طرق مسدودة وغير ذلك. إنما ما قصدت إظهاره أن البنية التحتية الأساسية تبقى في توصيفها الأخير على الصورة العامة التي ذكرتها، وأن ذلك من شأنه أن هذا الفكر مهما اعتراه من جمود أو غيره فإن في بنائه الذاتي ما يمكنه من إصلاح شأنه في تصديه للواقع المحيط في كل ظرف، وذلك بمراعاة ما يلي على سبيل التمثيل:

أولا: إذا كان منهج الاعتبار بالمصالح ومنهج اتصال النص مع الواقع واستخراج الحكم، إذا كان كل ذلك من الأمور المقررة، فإن المشكل يحدث لا من افتقاد القدرة المنهجية المتاحة لرؤية الواقع وإدراك المصالح، ولكنه يحدث من جهة القدرة الذاتية على رؤية الواقع، أو من جهة تنوع المصالح وتعارضها وصياغة الواقع في إطار نظرة محددة ومسبقة للواقع، أو الرغبة في عدم الاعتراف بواقع حادث استبقاء لأوضاع قائمة، وكل ذلك تعرفه العلوم الاجتماعية، وهو يرد في تحليله لا إلى افتقاد المنهج المعرفي، ولكن إلى عجز الرائي عن الرؤية لعدم تقديم الواقع إليه من خلال الخبرات والبيانات والمعلومات الدالة، أو إلى عدم رغبة الرائي في الاعتراف بواقع حادث.

ثانيا: إن مؤسسات الفكر الديني كانت ذات استقلال نسبي، أو بعبارة أدق كان لها تميزها الذاتي وحركتها الذاتية ودرجة لا بأس بها من التعبير عن الذات. وكان ذلك على مشارف المرحلة المعاصرة التي بدأت في القرن التاسع عشر في بلادنا، وكان الفكر الديني يتصف بقدر ملحوظ من الجمود، ولكن جموده في ظني كان يتأتى من جمود حركة الواقع وحركة المجتمع، لم يكن في مجتمعاتنا حتى نهايات القرن الثامن عشر دفع بالواقع الاجتماعي السياسي إلى شيء من التجديد أو التغيير، فلم تكن ظهرت مستجدات ولا تحديات تتطلب استجابات مستحدثة وتطرح على الفكر أن ينفتح لها وأن ينظم ما تستدعيه من أنماط تعامل وقيم سلوك ملائمة.

ثم لما ظهرت هذه الحاجات على مدى القرن التاسع عشر، وواكبها التفاعل الفكري وتحديات الاحتكاك بالحضارة الأوربية والأطماع الغربية، ظهرت محاولات الانتعاش الفكري وظهرت دعاواه ورجاله، ومتابعة التطورات الفكرية في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين تظهر وتكشف عن هذا الأمر، ولكن ظهرت مسألتان عقدتا هذا المسار.

ثالثا: المسألة الأولى أن حركة التجديد تواكبت زمنيا مع الوفود الأجنبي الغربي في صوره الاقتصادية والسياسية والعسكرية والثقافية، وكان الوفود الثقافي الأجنبي المؤيد بوقائع الغزو والسيطرة مما جعل المحافظة الدينية الفكرية ذات وظيفة فعالة في المقاومة واستدعاء روح الصمود والتصدي، كما أن هذا الوفود الأجنبي في المجال الفكري والسلوكي قد استنفر مشاعر الخصام ودعم الفعل المتحصن في روح المحافظة.

قويت المحافظة في مواجهة حركة التجديد بما أسبغته على الناس من روح التحصن ضد الغريب الوافد، وبما صار لها من وظيفة إيجابية في التصدي ودعم الصمود والمقاومة على المستوى السياسي والاجتماعي. وضعفت حركة التجديد لأنها لم تستطع في هذا الوقت المبكر لها أن تميز نفسها وقضاياها الجادة عن حركة التغريب الوافدة.

رابعا: المسألة الثانية تتعلق بالمؤسسة الدينية، وهي على مدى القرن العشرين على نحو خاص، قد فقدت ما يمكن أن نسميه تميزها المؤسسي الذاتي أو استقلالها النسبي، وذلك في مواجهة الدولة المركزية الحديثة التي أُرسيت جذورها في عهد النصف الأول من القرن التاسع عشر، وأخذت في النمو والتوسع على حساب هيئات المجتمع الديني والمؤسسات ذات الاستقلال النسبي أو التميز الذاتي، وذلك من منتصف القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين. ثم طفرت طفرة واسعة في السيطرة والهيمنة في النصف الأخير من القرن العشرين.

وبهذه الطفرة الأخيرة اكتمل للدولة المركزية الحديثة أن تكون هي التنظيم الأوحد، وأن تتعامل مع الوحدات الأهلية مثل الجمعيات والأوقاف والطرق الصوفية، ومع الهيئات ذات الاستقلال النسبي مثل الجامعات والأزهر، سواء منها الحديث كالجمعيات والجامعات، أو التقليدي كالأوقاف والأزهر، أن تتعامل مع ذلك كله، إما بالإلغاء كالأوقاف، أو بالهيمنة والوصاية على التكوين المؤسسي كالجمعيات، أو بالإلحاق كالجامعات والأزهر.


هيمنة "الدولة" على "المؤسسات" جعلت التغيرات الفكرية تجري في إطار التعبير عن سياسات الدولة.


ومع ذلك فقد صارت المؤسسات الدينية إما تابعة للدولة كالمساجد التي أتبعت جميعها لإدارة الدولة على مدى السنوات العشرين الماضية بصفة خاصة، أو ألحقت بالدولة مثل الأزهر والمعاهد الدينية وكذلك الطرق الصوفية. وصارت التغيرات الفكرية في هذا المجال تجري في إطار التعبير عن سياسات الدولة، وصارت الدولة وأجهزتها الأخرى هي من يمد المؤسسات الدينية بالرؤية الخاصة بالواقع الاجتماعي أو السياسي، وهي الرؤية التي يتعامل معها فقه الأحكام وتصدر بها التفسيرات.

ولذلك فإن الفكر الديني غير المعبر عن سياسات الدولة، صارت له منابره الأهلية البعيدة عن هذه السيطرة، وذلك في حركة المجتمع الفكرية والثقافية والسياسية الاجتماعية غير المتمأسسة، وهي بتلقائياتها وزخمها صارت الأبعد أثرا وأنفذ إلى قلوب الناس وتشكلاتهم الدينية في المجال الوجداني أو الفكري الثقافي. وكل ذلك يستقى من البنية التحتية التي سبق أن أشرت إليها، ومن الرؤى الواقعية السياسية والاجتماعية للحركة التلقائية للأهالي ولمفكريهم وذوي الأثر فيهم.

اقرأ أيضا:


* المقال هو الورقة الخلفية التي قدمها البشري لواضعي تقرير التنمية الإنسانية العربية لسنة 2003م. ونشرتها مجلة "وجهات نظر" عدد 63 أبريل 2004م ص70-72، بمناسبة الجدل الذي دار حول التقرير، وقال البشري: "أظن أن التقرير لم يستفد واضعوه مما كتبت. أو أنهم لم يوافقوا عليه"، وتساءل: "هل سيكون من الملائم أن يذكر اسم شخص في تقرير دون أن ينشر ما قدمه، ودون أن يظهر لما قدمه أثر فيما نُشِر؟". ونحن نعيد نشر الورقة عن "وجهات نظر" بتصرف يسير وتحرير.

** مفكر ومؤرخ مصري.

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 


الثقافة والفكر |  السياسة | التاريخ والحضارة | علوم وتكنولوجيا | الاقتصاد والتنمية

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع