|
الحمد
لله رب العالمين، والصلاة والسلام
على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله
وصحبه ومن اتبع هداه إلى يوم الدين،
وبعد..
فإن
طابع العصر يقتضي التيسير على الناس
في كل ما يتعلق بشئون دنياهم؛ نظرا
لتعقد أمور الحياة عن ذي قبل، والفتوى
في النوازل المختلفة من هذه الأمور.
ومما
يزيد من أهمية الفتوى في شئون الدين
في عصرنا وجود كثير من النوازل
والقضايا التي لم يكن للسلف علم بها،
لعدم حدوثها في زمانهم، وضيق وقت كثير
من الناس عن محاولة القراءة في كتب
السلف مما عُلم للسلف رأي فيه، يضاف
إلى هذا شيوع التخصص الدقيق في هذا
العصر، واقتصار عامة الناس على ما يمس
تخصصاتهم الدقيقة حتى بالنسبة
للمثقفين ثقافة شرعية، تاركين المجال
فيما لا يدخل في تخصصهم الدقيق لأهل
الذكر في ذلك، إيثارا للسلامة والأمن
من الخوض في دروب قد لا يكون لهم سابق
عهد بها، ولا يملكون آلية الإبحار في
محيطها اللجب.
ولما
كانت السرعة هي طابع العصر، واعتماد
كثير من الناس في شرق الدنيا وغربها
على الإنترنت، كوسيلة سهلة ميسورة
للتواصل، كانت الفتوى عن طريق
الإنترنت هي المتعينة بالنسبة لقطاع
كبير من المسلمين، ولقد كان للمواقع
الإسلامية المختلفة وخاصة موقع "إسلام
أون لاين.نت" دور هام في تلقي كثير
من أسئلة المستفتين في شتى أمور
الشريعة، والإجابة عنها، وإشباع حاجة
المستفتين فيما سألوا عنه، وهذا يبرز
ما للفتوى على الإنترنت من جوانب
إيجابية، وإن كانت لا تحجب جوانب أخرى
هي في جانب السلب، وأعدد طرفا من
هذه وتلك:
أولا:
مزايا الفتوى عن طريق الإنترنت:
1-
سرعة إيصال المسألة التي يستفتى فيها
وسرعة إيصال الجواب عنها، ويسر ذلك
على المستفتي والمفتي، وإن تباعدت
المسافات بينهما، ومثل هذا لا يتيحه
عرض المسألة عن طريق الرسالة
البريدية أو عن طريق الفاكس أو
المكالمة التليفونية، أو عن طريق
التلفاز أو الراديو أو الوسائل
الأخرى المسموعة أو المقروءة أو
المرئية.
2-
يتيح طرح السؤال عن طريق الإنترنت
للمستفتي بذل وسعه في طرح أبعاد
القضية المطلوب الفتوى فيها،
وتداعيات هذه القضية على الشأن الخاص
أو العام، واستفراغ ما عنده في صياغة
المسألة، بحيث لا يدع جانبا من
جوانبها من وجهة نظره إلا وعرضه، ومثل
هذا قد لا يتاح له عن طريق اللقاء
المباشر بين المفتي والمستفتي، أو عن
طريق الوسائل الأخرى، لضيق الوقت
غالبا عن سماع أو تلقي هذه التفصيلات
من قبل المفتي، أو الرغبة في الاختصار
من قبل وسائل الإعلام التي تأخذ على
عاتقها الإجابة عن أسئلة المستفتين.
3-
طرح السؤال والجواب عنه عن طريق
الإنترنت يمكن المفتي من الاطلاع على
تفاصيل السؤال مكتوبا، بحيث إذا أراد
الوقوف على السؤال المرة تلو الأخرى
لم يفتقر إلى إعادة السؤال من
المستفتي، وكذلك الحال بالنسبة
للمستفتي فإنه إذا أراد أن يطلع على
الفتوى أو يطلع غيره عليها لم يحتج
إلى المفتي في كل مرة ليكرر عليه نفس
الفتوى، ومثل هذا وإن كان متاحا عن
طريق الوسائل المكتوبة الأخرى غير
الإنترنت، إلا أنها ليست في مثل يسره
وسهولته.
4-
ما توفره الفتوى عن طريق المواقع
المختلفة من إحالات على فتاوى سابقة
فيها إفاضة في معالجة المسألة
المطلوب الفتوى فيها، مما يتيح
للسائل نوعا من الثقافة الشرعية في
موضع مسألته، قد لا تتيحه الوسائل
الأخرى المقروءة أو المسموعة أو
المرئية.
5-
توفر الفتوى عن طريق الإنترنت وسيلة
لا يتحرج منها المستفتي عند طرح
مسألته رجلا كان أو امرأة، ويمكنه
حفظها عمن لا يريد إطلاعه عليها، وهذا
لا تتيحه الوسائل الأخرى.
6-
تتيح الفتوى عن طريق الإنترنت تصنيف
الفتاوى بنوعها، بحيث يكون لصاحب
مسألة ما أن يطلع على الجواب عن نظير
مسألته إن وجد لها نظيرا، وإلا سأل عن
حكم ما لم يجد له نظيرا، كما يتيح له
التعرف على أحكام كثير من النوازل،
فيكون له بذلك ثقافة شرعية مبسطة قد
لا تتيحها له بنفس اليسر المصادر التي
استقيت منها هذه الأحكام.
7-
تعد الفتوى عن طريق الإنترنت البديل
المشروع المتاح لكثير من الناس، بعد
أن بدأ البعض يتخذ الفتوى طريقا
للارتزاق، والذي بمقتضاه صنف
المستفتون صنفين: صنف قادر على دفع
نفقات الفتوى، فيكون له الحق في طرح
مسألته أيا كان الوقت الذي يستغرقه
السؤال والجواب عنه، وصنف غير قادر
على دفع هذه النفقات، وهذا الصنف إن
لم تتح له وسيلة مشروعة ميسرة في
مقدوره لعرض مسألته ومعرفة الجواب
عنها، حرم من معرفة الحكم الشرعي
فيها، ولا تتاح له وسيلة هي في مقدوره
تحقق له حاجته في معرفة الحكم الشرعي
باستفاضة مثل الإنترنت.
8-
من المعروف أن أكثر الفتاوى التي ترد
عن طريق وسائل الإعلام المقروءة أو
المسموعة أو المرئية غير الإنترنت
فتاوى مغرضة أراد بها أصحابها عرض
الحياة الدنيا، والأمثلة الواقعية
على هذا أكثر من أن تحصي، كما أن نماذج
هذه الفتاوى أصبحت معلومة حتى لعوام
المسلمين، والفتوى عن طريق الإنترنت
ليست بهذه المثابة، فإن أكثر من
يتولون الجواب على أسئلة المستفتين
لا ينتهجون ذلك، ومن يتولون الإشراف
على هذه المواقع لا يسمحون بتبعيتها؛
لأن الإنترنت لا يتبع دولة معينة، حتى
لا يتم تسيس الفتاوى به؛ رغبة في عرض
زائل. ولذا فإن الأصل في الفتاوى التي
ترد بمواقع الإنترنت الموضوعية
والحيدة وعدم الانحياز، والبعد عن
الغلو والتطرف واسترضاء الآخرين.
ثانيا:
عيوب الفتوى عن طريق الإنترنت:
1-
بعض الأسئلة تحتاج إلى استيضاح من
المستفتي في بعض الجوانب قبل الجواب
عنها، وهذا وإن كان يتيحه الالتقاء
المباشر بين المفتي والمستفتي عن
طريق الهاتف أو الحضور أو نحوهما، إلا
أنه لا يتيحه الاتصال عبر الإنترنت،
ولهذا فلا يجد المفتي أمامه إلا أن
يجيب عدة إجابات عن نفس السؤال وفقا
لما يحتمله، وهذا يطيل من الجواب،
ويثقل على المفتي ويضيع الكثير من
الوقت والجهد عليه في سؤال واحد.
2-
قد يستغل البعض استتار شخصه عن طريق
هذه الوسيلة، فيعمد إلى طرح أسئلة لا
يفتقر إلى معرفة الجواب عنها، وإنما
يقصد من طرحها أمرا آخر، ولذا فإنه
ترد أحيانا أسئلة من بعض المستفتين لا
يراد بها الجواب عن حكم شرعي يجهله
السائل، وإنما يراد بها الجواب عن
سؤال في مسابقة رصد لها جائزة، أو
الإجابة عن جزئية في بحث علمي يعده
السائل، ولا يريد أن يحمل نفسه عناء
البحث في الكتب الحاوية لمحتواه، أو
اختبار المفتي من بعض المتنطعين
الجهال، لمعرفة مذهبه الفكري أو
ميوله أو معتقده، أو لعقد مقارنة بين
ما يفتي به وما يفتي به غيره، أو
لمحاولة تخطئته إن أفتى بمذهب غير
الذي يقلده السائل، أو نحو ذلك مما
حدث ويحدث غالبا.
3-
استغلال بعض المستفتين سهولة طرح
المسألة وجهالة أشخاصهم، لطرح
المسألة عدة مرات على عدة مفتين، علّ
السائل يجد عند أحدهم ما تهوى نفسه
فيلتزم به، وهذا يضيع الكثير من الوقت
والجهد على المفتين، وغالبا ما يكون
الجواب عند جميعهم واحد.
4-
ورود أسئلة المستفتين ناقصة في بعض
أجزائها، إما لعدم إجادتهم استخدام
الإنترنت، أو لعدم مراجعتهم ما كتبوه
في أسئلتهم، ومثل هذا النقص يؤثر في
الجواب عن السؤال؛ لأنه لما كان الحكم
على الشيء فرعا عن تصوره، فإن التصور
الخاطئ لا ينتج إلا حكما خاطئا كذلك.
5-
بعض الأسئلة الواردة تكون من القصور
والاختصار أحيانا؛ بحيث لا تعطي
تصورا واضحا لدى من يجيب عنها، ولذا
فإن الإنترنت أحيانا لا تكون هي
الوسيلة المناسبة للجواب عن مثل هذه
الأسئلة.
6-
من المعروف تغير الفتوى بتغير الزمان
والمكان والأحوال والأشخاص، فما يكون
سائغا من الفتاوى في زمان أو مكان
معينين لا يكون بهذه المثابة في
غيرهما، وما يكون سائغا في حال أو
لشخص معين لا يكون كذلك في حال غيره،
أو لشخص آخر. وأسئلة المستفتين عن
طريق الإنترنت ترِد مجردة، لا يُعرف
منها أحيانا شخص المستفتي إن كان
مريضا أو مسافرا أو يقيم بين مسلمين
أو بين كفار، كما لا يعرف منها ظروف
البيئة التي يعيش فيها، ولا حاله إن
كان به ما يقتضي الترخص أو لا، وكل هذا
يضع المفتي في حيرة أحيانا بحيث لا
يجد أمامه إلا أن يجيب عن السؤال وفقا
لهذه الاحتمالات التي تستوحى من
السؤال.
7-
من المعاملات ما يشيع في بلد بعينه
دون غيره، أو يكون له مسمى يختلف
مسماه في بلد آخر، أو يكون له قواعد أو
نظم يطبق بها في بلد بخلاف تلك التي
يطبق بها في بلد آخر، وكثيرا ما يفتقر
المفتي إلى استيضاح ذلك من قبل
السائل، حتى يكون الجواب واقعا على
التكييف الشرعي للمسألة وفقا لما
تصوره المفتي.
8-
بعض الأسئلة الواردة عبر الإنترنت
تكون من الوضوح والبدهية المعرفية،
بحيث لا يسع أدنى المثقفين ثقافة عامة
أن يجهلها، وربما كانت سهولة إيصال
السؤال عن طريق الإنترنت مدعاة لمثل
هذه الأسئلة التي لا يمكن لأحد أن
يسأل عنها لو كلفه إيصالها إلى من
يستفتيه بعض النفقات.
9-
ترد بعض الأسئلة في صيغة قصة مطولة،
كأنما أراد صاحبها أن ينفث عن نفسه
ويوصل بثه وما يعتمل في نفسه إلى غيره
ليستريح، ثم لا تنتهي قصته بسؤال بل
بنصح له أو لغيره، أو قد تنتهي بسؤال
لا يفتقر إيصاله إلى كل هذه المطولة،
وفي هذا إضاعة للجهد في القراءة
والتركيز ومحاولة معرفة المطلوب من
هذا العرض المسهب.
ثالثا:
تجربة إسلام أون لاين.نت:
وقد
انتهج موقع "إسلام أون لاين.نت"
نهجا متميزا في الفتوى عن طريق
الإنترنت، ويتمثل بعض ذلك فيما
يلي:
1-
عدم انتهاج العصبية المذهبية فيما
يعرض من فتاوى، حيث تعرض به الفتاوى
وفقا للمذاهب الإسلامية المختلفة، لا
فرق في هذا بين مشهور وغيره، ولا بين
سنة أو غيرهم، بالإضافة إلى عدم
التعصب لفتوى مفتٍ بعينه دون غيره، مع
إتاحة الفرصة للمستفتين في مراجعة
المفتين في فتاواهم إن كانت غير معبرة
عن واقع المسألة التي سألوا عنها.
2-
تصنيف الفتاوى وفقا لموضوعها،
وفهرستها، ليسهل على كل مطلع على
الموقع الوصول إلى مبتغاه بسهولة
ويسر، مع تمكين المسلمين من الإلمام
بالثقافة الدينية التي يحتوي عليها
الموقع.
3-
تنويع مصادر الفتوى، واستقطاب أكبر
عدد من علماء الأمة المشهود لهم
بالكفاءة في مجال الفتوى للرد على
أسئلة المستفتين.
4-
إتاحة الفرصة الدائمة للمستفتين في
أرجاء الأرض لعرض ما يعن لهم من أسئلة
بلغاتهم المختلفة، ومعرفة الجواب
عنها بذلك أيضا.
5-
انتهاج هذا الموقع الموضوعية في
الطرح والمعالجة، والبعد عن الشطط
الفكري والتطرف، والنأي عما يفرق
كلمة المسلمين وجهودهم.
6-
طرح المعالجات الشرعية للقضايا التي
تهم قطاعا كبيرا من الناس، واستقراء
آراء العلماء فيها، وإن أوردت هذه
القضية في صورة مسألة من أحد السائلين.
والله
يقول الحق وهو يهدى السبيل..
تابع أوراق الملف:
اقرأ
أيضا:
* أستاذ
الفقه المقارن بكلية
الشريعة والقانون بجامعة
الأزهر
|