|
ترددت كثيرًا في التعرض أو الاقتراب من مجال الفتيا كحالة دراسية، ورغم
أنني لا أفتي فإنني سأتجرأ بمجال الدراسة على مجال الفتوى.
ولقد
تمثلت قول الله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ
لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ
قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ}،
واستشعرت الخطر من حديث النبي صلى الله
عليه وسلم "أجرؤكم على الفتيا
أجرؤكم على النار"؛ حيث إن التجرؤ
على الفتوى أنواع، ولا يقتصر على من
يفتي فقط.
ضرورة
البحث في هذا الموضوع
استدعى الأمر دراسة بحث وفحص موضوع فتاوى الأمة خاصة بعد حرب الخليج
الأولى والثانية، ورغم أن هناك مجموعة من الدواعي البحثية الدافعة
للقيام بهذا العمل، فإن هناك أمورًا عدة تمنع من دراسة هذا الأمر الذي
يجعل الباحث مترددًا في وصف هذه الحالة الإفتائية أو التعامل معها،
وذلك لخطورة الشأن الإفتائي في هذا المجال؛ الأمر الذي يصيب الباحث
الدراسي والمثقفين والمستهدفين والأمة بالتردد وزيادة الحيرة والدخول
في حلقة مفرغة من فتاوى الحيرة وحيرة الفتوى، حتى أصبحنا أمام حالة
تسييسية للفتوى أو ظاهرة إفتائية في الظاهر وظاهرة مسيسة في العمق.
وأصبح
هناك زيادة غير مسبوقة على طلب الفتوى،
إن صح التعبير، حتى أصبح الرد على
المسائل كالطوفان!! خاصة مع تواتر
أزمات الأمة، وأصبحت هناك فتاوى
الإنترنت وفتاوى الفضائيات وغيرها من
الفتاوى، واختلطت أنواع الفتوى بين
الشخص والذات والعام والخاص والمؤسسات
والأمة.
فتاوى
الأمة وفتاوى الأفراد
هناك فروقًا جوهرية بين فتاوى الأمة وفتاوى الأعيان والأفراد.
حيث
إن فتاوى الأفراد والأعيان تمتلئ بها
كتب الفقه ولها علماؤها الثقات، أما
فتاوى الأمة فالأمر فيها مختلف تمامًا
حيث تنقسم إلى:
-
فتاوى مزمنة تتعلق بقضايا المسلمين،
وهي القضايا التي تتعلق بالتحديات
الحضارية والإستراتيجية الممتدة
للأمة، ويجب على المفتي أن يتصدى لها
دون استفتاء.
-
فتاوى مزمنة تتعلق بالدراسات
المستقبلية في مجال الفتوى وفتوى
المآل والفتاوى الوقائية.
-
فتاوى الوقائع وبناء المواقف التي يجب
على المفتي فيها أن ينظر إلى الفتوى في
إطارها العام فيربطها بتلك الفتاوى
الإستراتيجية. أما الفتاوى الحادثة
فيجب على المفتي أن يجعلها فرصة لبناء
المواقف الممتدة والحركة
الإستراتيجية، لكن في كل الأحوال فإن
ذلك أنتج حالة من فتاوى الحيرة أو حيرة
الفتوى.
وهناك
بعض الحقائق المهمة حول فتاوى الأمة هي:
1-
فتاوى الأمة لا تنتظر المستفتي
والاستفتاء، كما أنها تستدعي فقهاء
وعلماء الأمة.
2-
فتاوى الأمة ليست مصلحة فرد أو فئة
أو حاكم معين لكنها مصلحة الأمة.
3-
حصانة فتاوى الأمة مرتبطة بمصالح
الأمة، وقضاياها مجتمعة بما فيها
القضايا الواقعة والمتوقعة والآلية
والممتدة.
4-
فتاوى الأمة هي التي تجمع الأمة
ولا تفرقها.
5-
ضرورة ألا تتحول فتاوى الأمة إلى
أمة فتوى.
خصائص
فتاوى الأمة وكيف تتكون؟؟
الحالة الإفتائية في فتاوى الأمة تتميز عن غيرها من الفتاوى بالذيوع
والانتشار والتراكم والجدل على المستوى الشعبي والرسمي، كما أنها تتكون
من حدث يحدث نوعًا من تعدد الآراء وتتداعي القضايا وحالة من فتنة،
وتتحول الفتوى لحالة رأي عام.
الحالة
الإفتائية بعد 11 سبتمبر
حينما ضرب
أمن أمريكا في الصميم نشأت وتجمعت جملة
من الفتاوى برؤية معينة وضاغطة على
الأمة وعلى المفتي تمحورت حول قضايا
تُعنى بالحدث، مثل: فتاوى التفجير،
وفتاوى الحرب على أفغانستان والعمليات
الاستشهادية، وفتاوى الأقليات
والمظاهرات، وفتاوى خاصة بالشيشان
وأسامة بن لادن، وفتاوى قتل الأجانب في
بلاد العرب والمسلمين، إضافة لفتاوى
الحرب على العراق.
دراسة
الحالة الإفتائية
ويجب أن نؤكد على أن فتاوى الأمة لا بد أن تكون صادرة من هيئات جماعية
مهما كانت درجة المفتي ومقامه، ولا بد من مراعاة الصياغات والأدلة ومآل
الفتوى عند الإفتاء.
ولا
بد للمفتي أن يستشعر كل قضايا الأمة
ومصلحتها قبل وأثناء الفتوى، ولا مانع أن يقوم
المفتي بتعديل السؤال إن لزم الأمر حتى
يعلم المفتي المستفتي كيف يسأل وما
يفترض أن يسأل فيه في نفس الموضوع الذي
سأل عنه وعليه، ولا بد للمفتي من
مراعاة ما يلي في فتوى الأمة:
تحديد
المصالح – أطراف الفتوى – تنزيه
الفتوى – المقاصد والوسائل – الأضرار
والأخطار – مآلات الفتوى، على أن
يراعى في بنية الفتوى (تشريح الفتوى –
ترشيح الفتوى).
موازين
القسط لفتاوى الأمة
ولا بد أن تتوافر في
فتاوى الأمة الموازين القسط الواجبة
فيها، وقد حدد من خلال كلمته الموازين
التالية:
1-
ميزان المقاصد
2-
ميزان الوسائل
3-
ميزان مصالح الأمة
4-
ميزان الأدلة
5-
ميزان الواقع
6-
ميزان المآلات
على أن تتكامل الموازين ضمن منظومة الشريعة الكلية وبما يحقق المصلحة والرحمة والعدل.
ويجب
أن تتميز فتاوى الأمة بالصدق في المحتوى والعدل في الآن (التوقيت)،
كما يجب الحرص على عدم تحويل القضايا الجوهرية إلى إفتاءات من أقصر
طريق، مع ضرورة أن تأخذ الفتاوى وقتها في البحث حتى لو كان موضوعها
صغيرًا؛ لأنها مهمًا كانت فإن لها حيثياتها مهمة.
وكذلك
لابد
أن يستعين المفتي قبل إصدار الفتوى بمتخصصين في مختلف التخصصات، وفي
ضوء ذلك يستطيع أن نصدر الفتوى المناسبة والحقيقية المعبرة عن الواقع؛
لأنه لا معنى من أن يقوم المفتي بإصدار فتوى عن واقع ليس له دراية به،
على أن تضطلع المجامع الفقهية من بلاد المسلمين بإصدار الفتاوى
السياسية في شكل جماعي. مع ضرورة تخلص الفتوى من تبعية أي مؤسسة رسمية.
كلمة
ختامية
وفي
الختام يجب أن نؤكد
على:
1-
أن مقام الفتوى يعتبر غاية في الخطورة
والمسئولية، خاصة أن المفتي يقوم بدور
الموقع عن الله سبحانه وتعالى في شرعه
وأحكامه.
2-
أن فتاوى الأمة فتاوى ناقدة ومقومة
لكثير من أحوال العالم الإسلامي
وقضاياه وتحدياته، ولا بد لها من ذلك
النقد والتقويم لكل المقصرين
والمخذلين والرسميين، وكل الأمراض
المزمنة التي لم تعد تتحمل النفاق حول
قضايانا وتحدياتنا.
3-
أن فتاوى الأمة يجب أن تكون رافعة
حضارية ووظيفة كفاحية وقيادة رأي
وعملية بحثية واستثمار؛ لأنها صارت
ضمن الفاعلين الدوليين.
4-
أن فتاوى الأمة ميزت وفرقت بين فتاوى
التأصيل وفتاوى التخديل التي يصدرها
هؤلاء الذين أطلقوا فتاوى ضمن مناخ
ثقافي مصطنع لا أساس له حتى أصبحوا
ينخرون في قوى الأمة ويمنعونها من
العمل.
5-
أن فتاوى الأمة وحدها هي القادرة على
الخروج من حالة التفاتي المصنوع
والمصطنع.
وفي
النهاية نوصي
بضرورة ألا ندع لحصن الفتوى أن يسقط أبدًا، وأن حصانة الفتوى تنبع من
فاعليتها في كيان الأمة.
تابع أوراق الملف:
اقرأ
أيضا:
**
أستاذ بكلية السياسة والاقتصاد جامعة القاهرة
|