بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

الثقافة والفكر السياسة التاريخ والحضارةعلوم وتكنولوجيا | الاقتصاد والتنمية


سيد قطب.. قراءة تاريخية

المستشار طارق البشري**

21/06/2004 

المستشار طارق البشري

حينما ارتجت أبواب التعمير عن الموقف الإسلامي من حيث هو نظام شامل ومصدر للشرعية لنظم الحياة والمجتمع، كانت الاستجابة داعية للمفاصلة مع النظم السائدة، وهذا ما نلحظه في فكر المودودي وقطب، وبوجه خاص في فكر سيد قطب.

ونحن عندما نتحدث عن فكر سيد قطب إنما نقصد بوجه خاص ما أنتج هذا المفكر في الخمسينيات والستينيات دون ما صدر له من أعمال قبل ذلك. فإن ما يميز هذا الفكر في هذا المقام مما كان له أثر خاص في تاريخ الفكر والحركات السياسية الإسلامية الحاضرة، هو ما ورد في الصياغة الأخيرة لتفسيره "في ظلال القرآن"، وفي كتابه الذي شعر بخطره أنصاره وخصومه على السواء "معالم في الطريق".

في الخمسينيات والستينيات كانت الحركة الإسلامية مضروبة في رجالها وتنظيماتها، وكان الفكر السياسي الإسلامي مستبعدا عن المشاركة في تحديد المفاهيم السياسية والاجتماعية ورسم السياسات. ورغم كل تحفظات قيادة الدولة في مصر وحذرها مما أسمته "استيراد الأفكار"، وحرصها وحرص دعاتها على الترويج لما سمي بالنظم المنبثقة عن واقع المجتمع وتاريخه، رغم ذلك فقد غلب الطابع العلماني في صياغة مجمل الأفكار والمؤسسات والنظم ورؤى المستقبل، واكتسب "المثال" الغربي قدرا كبيرا من السيادة في القيم السياسية وفي العادات وأساليب العيش. وفي هذه الظروف ظهر من تحت الرماد وميض ما عرف بفكر سيد قطب.

فكر قطب.. نهج فارق وفاصل

كان قطب يؤكد على مفهوم الحاكمية لله وحده، في جميع مجالات حياة البشر، ويؤكد على أن عقيدة الإسلام لا تتحقق بمجرد القيام بالعبادات؛ لأن طاعة الله مطلوبة في شؤون الحياة كافة، والصلاة لا تؤدي وظيفتها إذا لم تنه عن الفواحش، والتشريع لا ينفصل عن الإيمان، والشريعة لا تنفصل عن ذكر الله.


الاعتدال والتطرف حكمان ينسبان إلى وضع خاص. والفكرة الواحدة يتغير وصفها ومؤداها بتغير الظرف الذي تعمل فيه؛ لأن الحكم يتعلق بمدى الملاءمة مع واقع الحال.


إن مجمل هذه الأفكار سائد في الفكر الإسلامي عامة، ولكن سيد قطب أقام هذا الفكر على نهج فاصل وفارق، فهو فيما يؤكد عليه لا يتعامل مع الأفكار المغايرة ولا يقيم معها جسورا، ولا يتوجه إليها بحوار، فهو فكر صيغ على وجه يهدف إلى المجانبة وليس إلى التغلغل والانتشار. وقطب يبدأ بمقولة صحيحة لا ينكرها مسلم، وهي أن الحكم لله وحده، ولكنه يستخلص من ذلك أن كل تشريع وأي قانون نضعه إنما يتضمن معنى الشرك بالله سبحانه، ومن ثَم فهو مسلك جاهلي، واعتبر دعوته إنما تقوم لإنشاء الدين إنشاء، أي إنها دعوة لاعتناق عقيدة الإسلام، حتى لو كانت بين قوم يدعون أنهم مسلمون، واعتبر موضوع التجديد في الفقه الإسلامي موضوعا مرجئا؛ لأن شرط التجديد أن يوجد الإسلام أولا.

لا صعوبة في بيان وجوه المغالاة في هذا الفكر الذي يحصر المسلمين في نطاق "طليعة" محدودة، ويحسر هذا الوصف عن جمهور الأمة المطلوب إنشاء الدين فيها إنشاء، على أننا لا نريد هنا أن نحاكم فكرا، ولا يكفينا أن نصف أي فكر أو حركة بالاعتدال أو بالتطرف ونسكت. إنما علينا أن نتساءل: لماذا يظهر نهج فكري وحركي معين؟ ولماذا ينمو أو يخبو؟ ثم علينا أن نعرف أن الاعتدال والتطرف هما حكمان ينسبان إلى ظرف معين أو وضع خاص. وإن الفكرة الواحدة يتغير وصفها ومؤداها من حيث التطرف أو الاعتدال بتغير الظرف الذي تعمل فيه؛ لأن الحكم يتعلق في صميمه بمدى الملاءمة مع واقع الحال. بل أكاد أقول: إن وجهي التطرف والاعتدال قد يكونان نافعين في الظرف التاريخي الواحد، وذلك إذا توجه كل منهما إلى ما يسر له. ونحن هنا بصدد الحديث عن فكر وحركة سياسية، وفي السياسة يتوقف النجاح على حسن إعمال كل من سلاحي التشدد والتهاون، كل في مجاله وفي ظرفه.

نحن لا نحاول أن نجري تلفيقا بين فكرين، ولكننا نحاول أن نفهم وظيفة كل صيغة فكرية في إطار أوضاعها وما يلابسها، وخطأ المدارس الفكرية في علاقاتها مع بضعها أن كلا منها لا يدرك وظيفة الأخريات في جوانب معينة من واقع الحال، فهي تتضارب بدلا من أن تتعاون، وهي تضع مقاييس الحكم على أساس من الصواب أو الخطأ المطلقين، رغم أن المعيار هنا نسبي يقاس بملاءمة الاستجابة للأوضاع القائمة، وما قد تقتضيه أحيانا من تعدد الأدوار.

بين قطب والبنا

إن سيد قطب صاحب فكر يختلف كثيرا عن فكر حسن البنا -رحمهما الله- ولكن الأمر لا يقوم بالمقارنة بموازين مطلقة، إنما يجري وصف كل فكر وظروف إعماله، وفكر حسن البنا -لمن يطالعه- فكر انتشار وذيوع وارتباط بالناس عامة، وهو فكر تجميع وتوثيق للعرى. وفكر سيد قطب فكر مجانبة ومفاصلة وفكر امتناع عن الآخرين. فكر البنا يزرع أرضا وينثر حبا ويسقي شجرا وينتشر مع الشمس والهواء، وفكر قطب يحفر خندقا ويبني قلاعا ممتنعة عالية الأسوار، والفرق بينهما هو الفرق بين السلم والحرب.


فكر البنا يزرع أرضا وينثر حبا ويسقي شجرا وينتشر مع الشمس والهواء، وفكر قطب يحفر خندقا ويبني قلاعا ممتنعة عالية الأسوار.


لقد نشأت جماعة الإخوان كتنظيم علني منشور، ثم ما لبث أن ظهر بداخلها ما عرف باسم "النظام الخاص"، وهو تنظيم أكثر إحكاما وأوثق رباطا يمثل كتيبة صِدَام عندما تظهر الحاجة لكتائب الصدام، ولا سيما أن البلاد كانت محتلة. ولكن وجود التنظيمين في بردة واحدة لم يكن له أن يبقى طويلا؛ لأن لكل من التنظيمين تكوينه المتميز والوسط الملائم الذي يحيا فيه، من حيث اختبار الرجال والعلاقات التنظيمية وأدوات العمل ووجوه العطاء المطلوب والمبذول.

والمفروض أن يكون لكل منهما فكر أو "فقه" يلائم وظيفته، الانتشار أو الصدام، والفكر هو ماء الحياة. وماء الحياة الذي يلزم لجماعة مفتوحة تعمل لنشر دعوة بين العامة، ليس هو ماء الحياة الذي يلزم لجماعة أعدت نفسها كتيبة صدام وعضلة امتناع ومحاربة. وليس الفكر اللازم لبناء مجلس نيابي هو عينه الفكر اللازم لبناء جيش مقاتل، ولا الرجال هم هم، ولا علاقات العمل ومستويات النظم هي هي. لذلك فقد حدث بين نظامي جماعة الإخوان ما عرفنا عن وقائع الحركة الإسلامية في نهايات الأربعينيات وبدايات الخمسينيات.

لم يكن سيد قطب في ذلك الوقت من رجال المغالاة في الفكر السياسي الإسلامي، ولم يعرف "النظام الخاص"، ولكن ظروف الخمسينيات والستينيات من بعد، والأوضاع التي خضعت لها تجربته الفكرية وملكاته الوجدانية والعقلية، كل ذلك اجتمع ليخرج من يراع هذا الرجل جوهر الفكرة الأساسية التي تقوم عليها كتائب الصدام. وقدم الرجل حياته ثمنا لهذا الصنيع.

وقد تبلور فكران، فكر الانتشار وفكر الصدام، وقام كل على ساقه ليؤدي الوظيفة التي ترشحها له الظروف في كل حال وتنميها الأوضاع في كل آن. ونحن لا نقول إن السلام أفضل ولا إن الحرب أوجب هكذا على نحو مطلق، إنما الأفضلية والأولوية بينهما تكون منسوبة إلى ظروف الحال، وهكذا الحال في الفكر الذي يغذي أيا من النشاطين. وإن الواقع الحي يعلمنا أنه لا سلام إلا مع القدرة على الحرب، فكلا العنصرين مطلوب في الوقت عينه، وكلاهما يغذي الآخر ويتغذى به، شريطة أن يعرف كل منهما مجاله ومجال غيره، وشريطة أن نعرف القدر المناسب من كل منهما لعلاج الأوضاع العينية في كل عصر ومصر.

الفكر.. استجابة للتاريخ

إن الفكر السياسي الإسلامي في العصر الحديث كما يتراءى لنا الآن هو حصيلة استجابات تاريخية لهذه المرحلة من حياة جماعة المسلمين، وإنه محصلة تراكمت عناصرها لبنة لبنة، بواسطة عدد غير محصور من رجال الفكر والسياسة الإسلامية في عصرنا، ومنها أن الخلافات بين الاتجاهات المختلفة إنما هي خلافات تحسمها الحاجة التاريخية والاجتماعية للأمة الإسلامية في كل حال، وأن الحاسم في الحكم على الجوانب الإيجابية لكل اتجاه إنما يتعلق بمدى الاستجابة للشكل الأساسي الذي يطبع عصرنا كله، وهو مشكل التبعية ومطلب التحرر الإسلامي من هذه التبعية للأجنبي. وهذا ما يحدد وجوه التجديد ووجوه المحافظة وأنماط الوحدة والتنوع وأساليب الاعتدال والغلو وملاءمات كل وجه من وجوه النشاط.

وإن إيجابيات الاتجاهات المختلفة المختبرة يمكن أن يغذي بعضها بعضا لتتراكم في إدراك الأمة كأدوار متنوعة في نسق واحد منتظم. وإن التنوع مطلوب والأكثرية نافعة متى أمكن نظم وظائفها لتجيب على الوجوه المتباينة لواقع الحال بتعقيداته وتنوعاته، فيعين بعضها بعضا ويصوب بعضها بعضا بغير تنافٍ.

وإن الظرف التاريخي وأوضاع التحدي التي تقوم أمام الجماعة هي ما تولد أسلوب المواجهة للدفاع عن الإسلام والنهوض بالأمة الإسلامية بوصفها كيانا حيا، وهي التي تحدد وسائل الدفاع وأدواته. ونحن نحتاج في كل ذلك إلى قدر مقدور من الوحدة مع التنوع بدرجة لا يجلوها إلا التفاعل مع الواقع المعين.

اقرأ في الملف:

اقرأ أيضًا:


(**) مفكر ومؤرخ مصري. والمقال يشكل الجزء الأخير من دراسة للمستشار البشري بعنوان "الملامح العامة  للفكر السياسي الإسلامي في التاريخ المعاصر"، اقتطعنا منها ما يتصل بالحديث عن "سيد قطب" فقط، وهي منشورة ضمن كتاب "الحركة الإسلامية: رؤية مستقبلية" لعدد من المفكرين والباحثين، تحرير د. عبد الله النفيسي.

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 


الثقافة والفكر |  السياسة | التاريخ والحضارة | علوم وتكنولوجيا | الاقتصاد والتنمية

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع