|
اشتهر
في العقود الأخيرة في عدد من البلاد
العربية والإسلامية: تكوين جماعات
إسلامية الوجهة، أطلقت على نفسها (جماعة
الجهاد). ويعنون بالجهاد -أول ما يعنون-
جهاد السلطات والحكومات الظالمة التي
تحكم بلاد المسلمين، ولا تقيم شرع
الله الذي فرض الله على الأمة أن
تحتكم إليه في شؤونها كلها: الدينية
كالعبادات، والدنيوية كالمعاملات.
وكما قال تعالى: "يا أيها الناس كتب
عليكم الصيام" (البقرة: 183) قال في
نفس السورة: "يا أيها الذين آمنوا
كتب عليكم القصاص في القتلى" (البقرة:
178)، فتنفيذ القصاص كتنفيذ الصيام،
كلاهما فرض فرضه الله على المؤمنين.
وكما
قال تعالى في سورة المائدة: "يا
أيها الذين آمنوا إذا قمتم الصلاة
فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق
وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين"
(المائدة: 7). قال في نفس السورة: "والسارق
والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما
كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم"
(المائدة: 38)، فلماذا نأخذ بآية
الطهارة، ونجمّد آية حد السرقة،
وكلتاهما أمر من الله جل وعلا؟
قامت
جماعات الجهاد في مصر وفي الجزائر وفي
غيرهما، لمقاومة الحكام الجائرين، بل
الكافرين في نظرهم، بعد أن فشل منطق
الوعظ والإرشاد مع هؤلاء، ولم يَعُد
يجدي معهم غير القوة التي يستخدمونها
بعنف وقسوة ضد خصومهم. قالوا: ولو كان
الحوار مع هؤلاء الحكام يجدي
لحاورناهم، ولكن هيهات لا يقاوم
السيف بالقلم، ولا السنان باللسان!.
كيف
نواجه جماعات العنف في ديارنا؟
لقد
بحث الكثيرون في (ظاهرة العنف) واجتهد
من اجتهد في تشخيص الداء، وفي وصف
الدواء. وقد تبين من الدراسات الجادة:
أن العنف ليس ظاهرة إسلامية، بل هو
ظاهرة عالمية؛ وجد في أمريكا ذاتها،
ووجد في أوربا (في بريطانيا وإيطاليا
وأسبانيا)، ووجد في آسيا (في الهند
واليابان)، ووجد في إسرائيل نفسها،
كما وجد في بلاد إسلامية شتى.
والذي
يهمنا هنا هو علاج العنف في داخل
بلادنا العربية والإسلامية: وذلك
بالنظر بعمق إلى الأسباب التي أدت
إلى هذه الظاهرة، ومنها:
الظلم
الواقع على بلادنا من القوى العظمى،
وأجلى ما يتمثل: في قضية فلسطين، قضية
الشعب الذي اغتصبت أرضه، وأخرج من
دياره، وشتت في الآفاق، وفرض عليه
كيان دخيل مغتصب، وحتى حين أرغمته
الظروف الإقليمية والدولية على
الاعتراف بهذا الكيان الظالم، احتل
ما بقي من أرضه في الضفة والقطاع،
وغدا يتحكم في رقبته، في مأكله
ومشربه، في مائه وهوائه، ويحاصره
ويجوعه، ويضرب شعبه بالطائرات من
فوق، والدبابات والمجنزرات من تحت.
وأمسينا نشاهد بأعيننا من خلال
الشاشات: مئات المنازل تدمر بما فيها
من متاع وأثاث وأسباب للحياة، ويترك
أهلوها في العراء، حقيقة لا مجازًا.
والعالم يتفرج على هذه المهزلة أو
المأساة، ومجلس الأمن لا يحرك
ساكنًا، والعرب صامتون صمت القبور،
والحكام -مع هذا كله- على صلة وثيقة
بأمريكا التي هي وراء هذا كله. فهو يتم
بإذنها ورضاها وعونها ومشاركتها
الإستراتيجية. وهناك مظالم أخرى
تراها كل عين في أفغانستان وفي العراق.
ومن
أسباب العنف: ما يقوم به الحكام في
ديارنا العربية والإسلامية من
مظالم وانحراف عن النهج القويم الذي
يحقق رضا الله تعالى بتطبيق شرعه،
وإقامة عدله في الأرض، وإحلال حلاله
وتحريم حرامه، ويحقق آمال الشعوب في
حياة الحرية والكرامة، ورعاية
الحقوق، وتوفير العيش الكريم الذي
يليق بالإنسان المستخلف في الأرض.
كل
هذا من أسباب العنف التي لا يرتاب
فيها، ولكنا لا نراها كل الأسباب، ولا
أهم الأسباب، كما يرى بعض الدارسين.
فإن
الذي يتعمق في واقع هذه الجماعات
الإسلامية التي اتخذت العنف سبيلاً
لها: يجد بوضوح: أن وراءها أسبابًا
فكرية -هي الأكبر تأثيرًا- هي
التي دفعت هؤلاء الشباب اليوم إلى ما
اندفع إليه أسلافهم من قبل من الخوارج
الذين عُرِفوا بأنهم كانوا صوّاما
قوّاما قرّاء للقرآن، ومع هذا
استحلّوا دماء المسلمين من غيرهم؛ إذ
كانت آفتهم في عقولهم وأفهامهم،
وليست في ضمائرهم ونياتهم.
هناك
خلل فكري في رؤيتهم للدين، ورؤيتهم
للناس، ورؤيتهم للحياة. والخلل
الفكري لا يواجه بالسجون والتعذيب
والتنكيل، فإن هذا قد لا يزيدهم إلا
تشددًا وتعصبًا لأفكارهم.
أجل،
المواجهة الأمنية لا تكفي هنا، بل لا
بد من مواجهة فكرية علمية معهم، يقوم
بها رجال ثقات في علمهم، ثقات في
دينهم، غير متهمين بأنهم من علماء
السلطة، أو عملاء الشرطة.
وقد
بعث سيدنا علي رضي الله عنه إلى
الخوارج الذين ثاروا عليه: سيدنا عبد
الله بن عباس حبر الأمة وترجمان
القرآن، ليحاجهم ويحاورهم، وما زال
يحاورهم ويجادلهم بالحجة والإقناع،
حتى رجع منهم عدة آلاف، وبقي بعضهم
مصرين على باطلهم.
وهذا
ما ينبغي أن نفعله مع هذه الجماعات
التي ارتكبت ما ارتكبت في مصر
والجزائر والمملكة السعودية والمغرب
وغيرها. وأن نصبر على محاجتهم، ونطيل
الوقوف معهم؛ لنعذر إلى الله، ونقيم
الحجة، ويهلك من هلك عن بينة، ويحيا
من حيّ عن بينة.
مناقشة
فقه جماعات العنف
لا بد أن نعرف أن العنف الذي تمارسه
بعض الجماعات التي تنسب للإسلام،
إنما هو إفراز لفلسفة معينة، تتبناها
هذه الجماعات، وثمرة لفقه خاص له
وجهته ومفاهيمه وأدلته التي تستند
إليها هذه الفئة من الناس.
ومن
نظر إلى جماعات العنف القائمة اليوم
في عالمنا العربي مثلاً (جماعة الجهاد..
الجماعة الإسلامية.. السلفية
الجهادية.. جماعة أنصار الإسلام..
تنظيم القاعدة): وجد لها فلسفتها
ووجهة نظرها، وفقهها الذي تدعيه
لنفسها، وتسنده بالأدلة من القرآن
والسنة، ومن أقوال بعض العلماء، ومن
الواجب: أن نناقش فقههم هذا ونرد عليه[1].
صحيح
أنها كثيرًا ما تعتمد على
المتشابهات وتدع المحكمات، وتستند
إلى الجزئيات وتهمل الكليات، وتتمسك
بالظواهر وتغفل المقاصد، كما تغفل ما
يعارض هذه الظواهر من نصوص وقواعد،
وكثيرًا ما تضع الأدلة في غير موضعها،
وتخرجها عن سياقها وإطارها، ولكن
-على أي حال-: لها فقه مزعوم يبرر
العنف، ويستند إلى التراث، ويروج لدى
بعض الأغرار من الشباب، والسطحيين من
الناس الذين يقفون عند السطوح، ولا
يغوصون في الأعماق، أساسه فقه
الخوارج قديمًا الذين كانوا يقرءون
القرآن لا يجاوز حناجرهم.
مبررات
العنف الداخلي
بدأت
هذه الجماعات العنف في داخل أوطانها
أنفسها، أي العنف ضد الأنظمة الحاكمة.
فعلى أي أساس بررت ذلك وأجازته من
الوجهة الشرعية، في نظرها على الأقل؟
تكفير
الحكومات القائمة:
إن
فقه جماعات العنف، يقوم على أن
الحكومات المعاصرة: حكومات كافرة؛
لأنها لم تحكم بما أنزل الله،
واستبدلت بشريعته المنزلة من الخالق:
القوانين التي وضعها المخلوق، وبهذا:
وجب الحكم عليها بالكفر والردة،
والخروج من الملة، ووجب قتالها حتى
تدع السلطة لغيرها. إذ كفرت كفرًا
بواحًا عندنا فيه من الله برهان.
ويؤكد
فقه هذه الجماعات كفرَ هذه الأنظمة
الحاكمة بأمر آخر، وهي: أنها توالي
أعداء الله من الكفار الذين يكيدون
للمسلمين، وتعادي أولياء الله من
دعاة الإسلام الذين ينادون بتحكيم
شرع الله تعالى، وتضطهدهم وتؤذيهم.
والله تعالى يقول: "ومن يتولهم منكم
فإنه منهم" (المائدة: 51).
والحكومات
المعاصرة: تعارض هذه التهم بدعاوى
مختلفة، منها: أنها تعلن أن دينها
الرسمي هو الإسلام، وأنهم ينشئون
المساجد لإقامة الصلاة، ويعينون
الأئمة والخطباء والمؤذنين، ويؤسسون
المعاهد الدينية، والكليات الشرعية،
ويوظفون الوعاظ ومدرّسي الدين في
المدارس وغيرها، ويحتفلون برمضان
وعيدي الفطر والأضحى، ويذيعون تلاوة
القرآن في الإذاعات والتلفازات، إلى
غير ذلك: من المظاهر الدينية التي
تثبت إسلامية الدولة بوجه من الوجوه.
كما
أن بعض دساتير هذه البلاد يعلن: أن
الشريعة مصدر رئيس، أو المصدر الرئيس
للتقنين، وبعضها: يعتذر عن عدم تحكيم
الشريعة بضعفه أمام قوى الضغط
الغربي، وبعضها وبعضها.
فتوى
ابن تيمية:
كما
تعتمد جماعات العنف على فتوى الإمام
ابن تيمية -في قتال كل فئة تمتنع عن
أداء شريعة ظاهرة متواترة من شرائع
الإسلام-، كالصلاة أو الزكاة، أو
الحكم بما أنزل الله: في الدماء
والأموال والأعراض، أو الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى آخره.
وهو ما اعتمد عليه كتاب (الفريضة
الغائبة) لجماعة الجهاد، وجعل هذه
الفتوى الأساس النظري لقيام جماعته،
وتسويغ أعمالها كلها.
ويستدلون
هنا بقتال أبي بكر ومن معه من الصحابة
رضي الله عنهم، لمانعي الزكاة. فكيف
بمن يمتنعون عن تطبيق أكثر أحكام
الشريعة، برغم مطالبة جماهير الناس
بها، بل هم أشد الناس خصومة لهؤلاء،
وتضييقًا عليهم، ومعاداة لهم؟!
ونسي
هؤلاء، أن الذي يقاتل هذه الفئة
الممتنعة: ولي الأمر، كما فعل سيدنا
أبو بكر، وليس عموم الناس، وإلا أصبح
الأمر فوضى!.
حكومات
مفروضة على الأمة قسرًا:
وتعتمد
جماعات العنف أيضًا على أن هذه
الأنظمة غير شرعية؛ لأنها لم تقم على
أساس شرعي من اختيار جماهير الناس
لها، أو اختيار أهل الحل والعقد،
وبيعة عموم الناس، فهي تفتقد الرضا
العام الذي هو أساس الشرعية، وإنما
قامت على أسنة الرماح بالتغلب والسيف
والعنف، وما قام بقوة السيف يجب أن
يقاوم بسيف القوة، ولا يمكن أن يقاوم
بسيف القلم!.
ونسي هؤلاء ما قاله فقهاؤنا من قديم:
أن التغلب هو إحدى طرائق الوصول إلى
السلطة، إذا استقرّ له الوضع، ودان له
الناس. وهذا ما فعله عبد الملك بن
مروان، بعد انتصاره على ابن الزبير
رضي الله عنه، وقد أقره الناس، ومنهم
بعض الصحابة مثل ابن عمر وأنس
وغيرهما، حقنًا للدماء، ومنعًا
للفتنة، وقد قيل: سلطان غشوم، خير من
فتنة تدوم. وهذا من واقعية الفقه
الإسلامي، ورعايته لتغير الظروف.
حكومات
تقر المنكر وتحل ما حرم الله:
وترى جماعات العنف كذلك أن هذه
المنكرات الظاهرة السافرة -التي
تبيحها هذه الحكومات- من الخمر،
والميسر، والزنى، والخلاعة والمجون،
والربا، وسائر المحظورات الشرعية:
يجب أن تغير بالقوة لمن يملك القوة،
وهي ترى أنها تملكها، فلا يسقط الوجوب
عنها إلى التغيير باللسان بدل اليد،
كما في الحديث الشهير: "من رأى منكم
منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع
فبلسانه".[2]
ويغفل
هؤلاء الضوابط والشروط اللازمة
لتغيير المنكر بالقوة التي قررها
العلماء.
وبعض
هذه الجماعات تنظر إلى المجتمع كله:
أنه يأخذ حكم هذه الأنظمة التي والاها
ورضي بها، وسكت عنها، ولم يحكم
بكفرها، والقاعدة التي يزعمونها: أن
من لم يكفّر الكافر: فهو كافر!.
وبهذا
توسعوا وغلوا في (التكفير)، وكفّروا
الناس بالجملة.
وعلى هذا لا يبالون من يُقتل من هؤلاء
المدنيين الذين لا ناقة لهم في
الحكومة ولا جمل؛ لأنهم كفروا فحلت
دماؤهم وأموالهم.
كما
يرون بالنظر إلى الأقليات غير
المسلمة أنهم نقضوا العهد، بعدم
أدائهم للجزية، وبتأييدهم لأولئك
الحكام المرتدين، وأنظمتهم الوضعية،
ولرفضهم للشريعة الإسلامية. وبهذا لم
يَعُد لهم في أعناق المسلمين عهد ولا
ذمة، وحل دمهم ومالهم. وبهذا استحلوا
سرقة محلات الذهب من الأقباط في مصر،
كما استحلوا سرقة بعض المسلمين أيضًا.
وهم
يرون أن السياح وأمثالهم الذين
يدخلون بلاد المسلمين بتأشيرات
رسمية، وترخيصات قانونية والذين
يعدّهم الفقهاء (مستأمنين) ولو كانت
دولهم محاربة للمسلمين، يرون هؤلاء
مستباحي الدم؛ لأنهم لم يأخذوا الإذن
من دولة شرعية، ولأن بلادهم نفسها
محاربة للإسلام، فلا عهد بينهم وبين
المسلمين. والواجب: أن يقاتل هؤلاء
ويقتلوا، فلا عصمة لدمائهم وأموالهم!!
وكذلك
يقول هؤلاء عن الدول الغربية -التي
يقيم بعض هؤلاء فيها- وقد أعطتهم حق
الأمان، أو حق اللجوء السياسي لمن
طردوا من بلادهم الأصلية، فآوتهم هذه
الدول من تشرد، وأطعمتهم من جوع،
وآمنتهم من خوف.
يقول
هؤلاء بكل جرأة وتبجح: إن هذه الدول
كلها كافرة، محاربة للإسلام وأمته،
ويجب أن نقاتلهم جميعًا حتى يُسلموا
فيَسْلَموا، أو يعطوا الجزية عن يد
وهم صاغرون. ولما سُئل بعضهم عن
إقامته في هذه البلاد، قال: إنها
كدورة المياه، نستخدمها للضرورة، رغم
نجاستها. وهؤلاء الكفار دماؤهم حلال،
وأموالهم حلال للمسلمين، بنصوص الدين.
ويذكرون هنا آيات وأحاديث يضعونها في
غير موضعها، فإذا واجهتهم بغيرها من
الآيات والأحاديث التي هي أكثر منها
وأظهر وأصرح، قالوا لك: هذه نسختها
آية السيف!.
وإن
كنت لاحظت نوعًا من التطور في (فقه
القاعدة) ظهر في المبادرة الأخيرة
التي أطلقها زعيم القاعدة أسامة بن
لادن في شهر إبريل 2004 يدعو فيها
الأوربيين أن يتعهدوا بالتخلي عن
أمريكا وعدم التصدي لقتال المسلمين،
وهو يعهد لهم -في مقابل ذلك- ألا يتعرض
لهم بأذى لا في بلادهم ولا في
سفاراتهم ولا في مصالحهم في الداخل أو
الخارج.
وهذا
يعتبر نقلة مهمة في فقه زعيم القاعدة
وجماعته، فقد كانوا من قبل يرون قتال
اليهود والنصارى جميعًا، حتى يعطوا
الجزية عن يد وهم صاغرون. وهم في هذه
المبادرة يكفّون أيديهم عمن كفّ يده
عن المسلمين، ولم يساند أمريكا في
حربها على العالم الإسلامي.
هذا هو فقه جماعات العنف باختصار الذي
على أساسه ارتكبوا ما ارتكبوا من
مجازر تشيب لهولها الولدان، وتقشعر
من بشاعتها الأبدان ضد مواطنيهم من
مسلمين وغير مسلمين، وضد السياح
وغيرهم من الأجانب المسالمين. وهو
بلا ريب: فقه أعوج، وفهم أعرج، يعتوره
الخلل والخطل من كل جانب. ويحتاج من
فقهاء الأمة إلى وقفة علمية متأنية
لمناقشتهم في أفكارهم هذه، والرد
عليهم فيما أخطئوا فيه في ضوء الأدلة
الشرعية من القرآن والسنة وإجماع
الأمة.
فهناك
خلل في فقه الجهاد والنظرة إلى غير
المسلمين، واعتقادهم وجوب قتال
كل الكفار، وهذا ناقشناه باستفاضة في
كتابنا (فقه الجهاد).
وهناك
خلل في العلاقة بأهل الذمة من
النصارى والأقباط وغيرهم، وما لهم من
حقوق مرعية، وحرمات مصونة.
وهناك
خلل في فقه تغيير المنكر بالقوة،
وما له من شروط يجب أن تراعى.
وهناك
خلل في فقه الخروج على الحكام،
وما صح فيه من أحاديث وفيرة تقيده
وتضبطه، ولا تدع بابه مفتوحًا على
مصراعيه لكل من شاء.
وعلينا
أن نناقش ذلك كله في ضوء الأدلة
الشرعية.
لقد
تبين أن آفة هؤلاء في الأغلب في
عقولهم، وليست في ضمائرهم، فأكثرهم
مخلصون، ونياتهم صالحة، وهم متعبدون
لربهم، شأنهم شأن أسلافهم من الخوارج
الذين كفروا عامة المسلمين، وكفروا
أمير المؤمنين علي بن أبي طالب،
واستحلوا دمه، ودماء المسلمين معه،
وصحت الأحاديث في ذمهم من عشرة أوجه،
كما قال الإمام أحمد.
قالت الأحاديث في الصحيحين: "يحقر
أحدكم صلاته إلى صلاتهم، وقيامه إلى
قيامهم، وقراءته إلى قراءتهم، يقرءون
القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من
الدين كما يمرق السهم من الرمِيَّة".[3]
فهم: صوّام قوّام، قُرّاء عُبّاد،
ولكن قراءتهم للقرآن لا تجاوز
حناجرهم، أي لم تدخل إلى أعماق قلوبهم
وعقولهم: ليفقهوه حق الفقه، ويتعرفوا
على أسراره ومقاصده، دون أن يجعلوا
همهم: الوقوف عند ألفاظه وظواهره.
وقد
أدى بهم هذا الفقه الأعوج إلى استباحة
دماء المسلمين الآخرين وأموالهم، حتى
استباحوا دم فارس الإسلام وابنه
البكر، علي ابن أبي طالب، وقال شاعرهم
يمدح قاتله:
يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ
من ذي العرش رضوانا
إني لأذكـره يومـًا
فـأحسـبه أوفـى
البرية عند الله ميزانا
حسن
النية لا يبرر الأعمال الطائشة
ولقد
حذر رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم
من الأعمال الطائشة، والتصرفات
الرعناء التي قد يقوم بها بعض الناس
الطيبين، بنوايا حسنة، وبواعث نبيلة،
دون أن ينظروا في مآلاتها، ويفكروا في
وخيم عواقبها؛ وذلك لقصر نظرهم، وضيق
أفقهم، فما لم يتنبه المجتمع لهم،
ويأخذ على أيديهم، ويمنعهم من
الاستمرار في تفكيرهم الأخرق، فإنهم
سيودون بالمجتمع كله، وينتهي بهم
طيشهم -مع حسن نيتهم- إلى هلاكهم وهلاك
الجماعة كلها معهم.
ولذا
حذر الرسل الكريم صلى الله عليه وسلم
الجماعة -ممثلة في أهل البصيرة وأولي
العلم والحكمة- أن تتيقظ لهم، وتأخذ
على أيديهم، وتمنعهم من تنفيذ ما
فكروا فيه، وعقدوا عليه العزم، حفظًا
لوجود الجماعة كلها، وحرصًا على
حياتها وحياتهم معها.
وضرب
الرسول صلى الله عليه وسلم لذلك مثلاً
حيًّا رائعًا ناطقًا، هو مثل ركاب
السفينة الواحدة التي تتكون من
طابقين أو أكثر، وبعض الناس في
أعلاها، وبعضهم في أسفلها. فلو أراد
ركاب الطابق الأسفل أن يخرقوا في
نصيبهم خرقًا، ليستقوا منه الماء
مباشرة من النهر أو البحر، بدعوى أنهم
يخرقون في نصيبهم وهم أحرار فيه،
وأنهم لا يريدون أن يؤذوا من فوقهم
بكثرة المرور عليهم بين حين وآخر.
وليس
أفضل من أن نقرأ هذا الحديث النبوي
الرائع بصيغته كاملاً، كما جاء في
صحيح البخاري: عن النعمان بن بشير رضي
الله عنهما، أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال: "مثل القائم على
حدود الله، والواقع فيها، كمثل قوم
استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم
أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين
في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا
على مَن فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا
في نصيبنا خرقًا، ولم نؤذِ من فوقنا!
فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا،
وإن أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا
جميعًا".[4]
إن
الحديث يبين لنا المسؤولية التضامنية
المشتركة للأمة، وأنها لا يجوز لها أن
تدع بعض أبنائها يتسببون في غرقها
بجهلهم وسوء تصرفهم، وإن كانوا
مخلصين، فالإخلاص لا يكفي وحده، ولكن
لا بد من تحري الصواب مع الإخلاص.
محاور
الدراسة:
اقرأ
أيضًا:
[1]
ناقشنا هذا
الفقه بشيء من التفصيل في الفصل
الأخير من كتابنا (الصحوة الإسلامية
من المراهقة إلى الرشد) وبتوسع أكثر
في دراستنا الموسعة عن (فقه الجهاد)
تحت الطبع.
[2]
رواه مسلم في كتاب الإيمان برقم (49) عن
أبي سعيد الخدري.
[3]
رواه البخاري (3610) ومسلم (1064) عن أبي
سعيد الخدري.
[4]
رواه البخاري برقم (2493).
|