|
كلمة
العنف تتضمن معنى الشدة والغلظة. وقد
جاءت بعض الأحاديث النبوية تقابل
الرفق بالعنف؛ فقال صلى الله عليه
وسلم: "إن الله رفيق يحب الرفق،
ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف".[1]
وقد اشتهرت كلمة (العنف) في عصرنا،
وأصبحت مصطلحا شائعا مجرَّما
ومذموما، وهو يشمل مجالات عدة، وأكثر
ما اشتهر العنف في عصرنا في المجال
السياسي، وهو المقصود بالحديث عند
الإطلاق. وقد اشتد النكير عليه،
والتجريم له في الآونة الأخيرة، وإن
لم يحدده من أطلقوه وجرموه.
وأكثر
من يُتَّهم بالعنف المسلمون، وأكثر
من يتهمهم به الغربيون. والواقع يقول:
إن الغربيين هم أكثر الناس عنفا، وإن
المسلمين في العالم كله هم ضحايا هذا
العنف، ودماؤهم وحرماتهم مستباحة في
كل مكان.
مفهوم
العنف
العنف
في المفهوم الشائع هو: استخدام القوة
المادية أو العسكرية لقهر الخصوم بلا
ضابط من شرع أو خلق أو قانون، وبلا
مبالاة بما يحدث من جرائها من أضرار.
وقد يحدث هذا العنف من الأفراد، أو من
الجماعات، أو من الحكومات. ولكنا
نلاحظ -عند التطبيق- أن بعض الجماعات
تتهم بالعنف، وهي منه براء.
ولكن
العنف -فيما أرى- هو استخدام الشدة
والغلظة في غير موضعها، أو في غير
أوانها، أو بأكثر مما يلزم، أو بغير
حاجة إليها، أو بدون ضوابط استعمالها.
وإنما
قلت: (الشدة)، ولم أقل: استخدام القوة
المادية أو العسكرية كما هو الشائع
والمقصود لدى الكثيرين؛ لأن العنف -في
نظر الإسلام- لا يقتصر على القوة
المادية أو العسكرية؛ بل العنف يشمل -فيما
يشمل- الكلام والجدال، والإسلام يرفض
العنف بلا مبرر، سواء كان في القول أم
في الفعل.
ولهذا
كان منهج الدعوة في الإسلام قائما على
الرفق لا على العنف، كما قال تعالى: {ادْعُ
إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ
بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ
الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ
بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (النحل: 125).
وقال تعالى: {وَقُل لِّعِبَادِي
يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ
بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ
كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا
مُّبِينًا} (الإسراء: 53).
فأمر
عباده المؤمنين أن يتحروا في خطابهم
لغيرهم الكلمة التي هي أحسن، وليس
مجرد الكلمة الحسنة، فإذا كانت هناك
كلمتان أو عبارتان إحداهما حسنة،
والأخرى أحسن منها، فعلى عباده أن
يختاروا التي هي أحسن.
وهكذا
يجب أن يتحرى المسلم (الأحسن) في خطابه
وفي جداله، وفي دفعه لسيئة غيره، كما
قال سبحانه: {وَلاَ تَسْتَوِي
الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ
وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ
وَلِيٌّ حَمِيمٌ} (فصلت: 34).
وكان
رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو
الأسوة الحسنة التي تتجسد فيها
المعاني والمثل العليا التي جاء بها
القرآن، فقد كان خلقه القرآن.
روى
البخاري في صحيحه عن عائشة -رضي الله
عنها- قالت: "استأذن رهط من اليهود
على النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالوا
(أي في تحيتهم للنبي): السام عليك (أي
الموت والهلاك عليك) قلت: بل عليكم
السام واللعنة! فقال: "يا عائشة؛ إن
الله يحب الرفق في الأمر كله" قلت:
أولم تسمع ما قالوا؟! قال: "قلت:
وعليكم".[2]
فهؤلاء
اليهود الخبثاء لم يراعوا أدب الخطاب
مع الرسول الكريم، بل لوّوا ألسنتهم،
وحرفوا الكلم عن مواضعه، فبدل أن
يقولوا: السلام عليكم يا محمد، قالوا:
السام عليك! أي الهلاك والموت. ولكن
الرسول الكريم لم يشأ أن يجعل من ذلك
معركة، ورد عليهم قائلا: وعليكم؛ أي
الموت يكون علينا وعليكم، وعلَّم
زوجه عائشة الشابة المتحمسة الرفق في
الأمر كله.
وإذا
كان الإسلام يرفض العنف في القول،
فأولى أن يرفض العنف في الفعل، بمعنى:
استخدام القوة المادية أو العسكرية
في غير موضعها، أي بالحق والباطل، وفي
العدل والظلم.
بين
العنف والإرهاب
هل
العنف والإرهاب شيء واحد أم بينهما
فرق؟ بعض الذين تحدثوا في الموضوع لم
يجعلوا بينهما فرقا. ورأيي: أن بينهما
عموما وخصوصا، كما يقول أهل المنطق؛
فكل إرهاب عنف، وليس كل عنف إرهابا؛
إذ العنف -فيما رأينا- أن تستخدم فئة
من الناس القوة المادية في غير
موضعها، وتستخدمها بغير ضابط من
خُلُق أو شرع أو قانون.
ومعنى
(في غير موضعها): أن تستخدم القوة حيث
يمكن أن تستخدم الحجة أو الإقناع
بالكلمة والدعوة والحوار بالتي هي
أحسن، وهي حين تستخدم القوة لا تبالي
من تقتل من الناس، ولا تسأل نفسها:
أيجوز قتلهم أم لا؟ وهي تعطي نفسها
سلطة المفتي والقاضي والشرطي، هذا هو
العنف الذي نجرمه.
أما
الإرهاب، فهو أن تستخدم العنف فيمن
ليس بينك وبينه قضية، وإنما هو وسيلة
لإرهاب الآخرين وتخويفهم وإيذائهم
بوجه من الوجوه، وإجبارهم على أن
يخضعوا لمطالبك، وإن كانت عادلة في
رأيك. ويدخل في ذلك: خطف الطائرات،
فليس بين الخاطف وركاب الطائرة عادة
أية قضية، ولا خلاف بينه وبينهم، إنما
يتخذهم وسيلة للضغط على جهة معينة؛
مثل: حكومة الطائرة المخطوفة، أو
حكومة الركاب المخطوفين لتحقيق مطالب
له؛ كإطلاق مساجين أو دفع فدية، أو
نحو ذلك، وإلا قتلوا من قتلوا من ركاب
الطائرة، أو فجروها بمن فيها.
كما
يدخل في ذلك احتجاز رهائن لديه، لا
يعرفهم ولا يعرفونه، ولكن يتخذهم
وسيلة ضغط لتحقيق مطالبه أو يقتل منهم
من يقتل، كما تفعل جماعة أبو سياف في
جنوب الفلبين وغيرهم من الجماعات
المماثلة.
ومن
ذلك: قتل السياح في مصر، كما في مذبحة
الأقصر؛ لضرب الاقتصاد المصري، للضغط
على الحكومة المصرية.
ومن
ذلك: ما حدث في 11 سبتمبر 2001 في نيويورك
وواشنطن، من اختطاف الطائرات المدنية
بركابها من المدنيين الذين ليس بينهم
وبين خاطفيها مشكلة أو نزاع،
واستخدامها (آلة هجوم) وتفجيرها بمن
فيها؛ للضغط والتأثير على السياسة
الأمريكية.
وكذلك
ضرب المدنيين البرآء في برجي مركز
التجارة العالمي في نيويورك، وهم
أناس ليس بينهم وبين ضاربي البرجين
مشكلة، ولا علاقة لهم بصنع القرار
السياسي، وكلهم موظفون عاديون يؤدون
عملهم اليومي الذي يعيشون منه، ومنهم
مسلمون وغيرهم.
وإذا
كنا ندين العنف بصفة عامة، فنحن ندين
الإرهاب بصفة خاصة؛ لما فيه من اعتداء
على أناس ليس لهم أدنى ذنب يؤاخذون به.
والقاعدة التي جاء بها القرآن وكتب
السماء: {أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ
وِزْرَ أُخْرَى} (النجم: 38)، ولما فيه
من ترويع البرآء الآمنين، وترويعهم
في نظر الإسلام ظلم عظيم.
وقد
أصدرت فتوى -منذ بضعة عشر عاما- بتحريم
خطف الطائرات، وذلك بعد حادثة خطف
الطائرة الكويتية، وبقاء ركابها فيها
محبوسين ستة عشر يوما، كما قتلوا
واحدا أو اثنين من ركابها.
كما
أفتيت بتحريم حجز الرهائن والتهديد
بقتلهم؛ إنكارا على ما اقترفته جماعة
(أبو سياف) في الفلبين، فهؤلاء
الرهائن لا جرم لهم، إلا أن القدر
أوقعهم في أيديهم.
وكذلك
أصدرت بيانا عقب أحداث الحادي عشر من
سبتمبر أدنْتُ فيه هذا العمل
ومقترفيه، أيا كان دينهم، أو جنسهم أو
وطنهم.
وليس
هذا موقفا شخصيا مني، ولكني استمددته
من الإسلام ومصادره؛ من قرآنه وسنته،
وفقه شريعته على اختلاف مذاهبه.
محاور
الدراسة:
اقرأ
أيضًا:
[1]
رواه مسلم في صحيحه، من حديث عائشة
برقم: (2593).
[2]
رواه البخاري في كتاب الأدب (6024)،
ومسلم في كتاب السلام (2165) عن عائشة.
|