 |
|
عناصر
من فتح أثناء التدريب |
ماذا
بعد الحصار الصهيوني الذي فرضته قوات
الاحتلال على
الفلسطينيين: سلطة
وشعبًا؟ وماذا بعد
المذابح الصهيونية؟
هذا السؤال يتردد على
كل لسان، ويُقرأ في كل
عين، ويتقاول به الناس
في كل مجلس؛ وقد بهرتنا الشدائد
وأجهدتنا المفاوز، وفدحتنا
الضحايا، وبتنا
كالقافلة المكروبة تتخبط منذ زمن
طويل في مجاهل الأرض وخوادع السبل،
وأدلاؤها الغواة
يلتهمون زادها مع الوحش، ويقتسمون
مالها مع المغير، ويغتنمون
ضلالها مع الحوادث!!
وماذا
بعد الحصار؟! لقد أيقظت الانتفاضة
المباركة روح الجهاد
في الأمة، وفجرت العربدة الصهيونية
وما ارتكبته من مجازر بشعة
في أرض المعراج براكين
الغضب في أعماق كل من يؤمن بالله
واليوم الآخر، وربما في
أعماق بعض من لا يؤمنون
كذلك! فقد تجاوزت كل حد، وفاقت كل
خيال، وسوف تظل جرحًا
نازفًا في ضمير أجيال
كاملة، إلى أن يمنَّ الله على هذه
الأمة بتأييده، ويرفع عنها
مقته وغضبه، وترتوي
أرض الإسراء بدماء الجاحدين
المفسدين، كما ارتوت بدماء المؤمنين
الصابرين!
لقد
تجاوب الحس الإسلامي العام مع ما جرى
ويجري على
أرض المعراج من أحداث،
وعبَّر عن ذلك –باستمرار- في صورة تلك
المسيرات الحاشدة التي طوَّفت
أرجاء العالم
الإسلامي، تُرسل رسالة سخط ولعنة إلى
الطغاة، وترسل رسالة حب وتأييد
إلى المجاهدين
والمرابطين، كما تجاوبت إلى حد ما بعض
القيادات العلمانية
المتنفِّذة.
وبدا
الإعلام العربي متجاوبًا إلى حد كبير
مع تلك
الأحداث؛ لأن عواصفها
لم تستهدف أهل الإيمان وحدهم، بل
استهدفت معهم كرامة هذه
النظم وشرعيتها،
وأوشكت أن تأتي على بنيان بعضها من
القواعد، بالإضافة إلى ما خلفته
من تشويه بالغ لصورة
هؤلاء أمام شعوبهم وحلفائهم.
ولكن هذا الوضع - فيما يبدو
- لن يستمر طويلاً.
ويبقى
السؤال جذعًا: وماذا بعد
الحصار والإجرام؟!
لقد
تعودنا على ردود الأفعال الموقوتة،
التي
سرعان ما تفتر
وتتلاشى، وتصبح هشيمًا تذروه الرياح.
إننا نجد اليوم حماسًا وتجاوبًا
وتهيؤًا للبذل
والتضحية، لبشاعة المذابح من ناحية،
ولتجاوب الإعلام في عرضها وتعريف
الناس بها من ناحية
أخرى. لكن أخوف ما أخافه أن يفْتُر هذا
الحماس وأن تذهب شرارته،
وأن تضطرب الأولويات،
وأن يشتغل كل منا بخصوصياته
وأولوياته بعد حين؛ فينفضُّ
السامر ويهجع السُّمار!
والأمر
جد خطير، ومسيس الحاجة فيه إلى الصبر
والمصابرة والمرابطة،
وتجهيز الأمة لرحلة طويلة من البذل
والمعاناة لا يخفى على
متأمل!
إننا
لا نجد جوابًا على هذا إلا قول الله -جل
وعلا-: (يا أيها الذين
آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من
عذاب أليم؛
تؤمنون
بالله ورسوله
وتجاهدون في سبيل الله
بأموالكم وأنفسكم
ذلكم خير لكم إن
كنتم تعلمون) (الصف: 10 –
11)، وقوله تعالى: (إن الله اشترى من
المؤمنين أنفسهم
وأموالهم بأن لهم
الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون
ويقتلون وعدًا عليه حقًا في
التوراة والإنجيل
والقرآن ومن أوفي بعهده من الله
فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به
وذلك هو الفوز العظيم) (التوبة:
111).
فالجهاد
هو ذروة سنام الإسلام، وهو الذي لا
يعدله
عمل من الأعمال. فعن
أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ قَالَ: "جَاءَ رَجُلٌ
إِلَى رَسُولِ اللَّهِ
-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
فَقَالَ: دُلَّنِي
عَلَى عَمَلٍ يَعْدِلُ
الْجِهَاد،َ قَالَ: لا أَجِدُهُ،
قَال:َ هَلْ تَسْتَطِيعُ
إِذَا خَرَجَ
الْمُجَاهِدُ أَنْ تَدْخُلَ
مَسْجِدَكَ فَتَقُومَ وَلا
تَفْتُر،َ
وَتَصُومَ وَلا
تُفْطِر،َ قَالَ وَمَنْ يَسْتَطِيعُ
ذَلِكَ؟! قَالَ أَبُو
هُرَيْرَةَ: إِنَّ
فَرَسَ الْمُجَاهِدِ لَيَسْتَنُّ
فِي طِوَلِهِ فَيُكْتَبُ لَهُ
حَسَنَاتٍ" (متفق
عليه).
ومعنى
قوله "لَيَستَنُّ": أي يمرح
بنشاط، من
الاستنان وهو العدْو.
ومعنى "طوله": أي حبله الذي يشد
به من طرف ويمسك طرفه الآخر،
ثم يرسل في المرعى،
ومعنى قوله: "فيكتب له حسنات": أي
يُكتب مرحه ورعيه حسنات
لصاحبه. وما ترك قوم
الجهاد إلا ضربت عليهم الذِّلة
والمسكنة، ونزعت مهابتهم من
قلوب أعدائهم، وأكلتهم
الفتن، واكتووا بنيرانها!.
على
أنه ينبغي أن يؤخذ الجهاد بمفهومه
الواسع:
جهاد
السيف، وجهاد الكلمة، وجهاد المال، (مجاهدة
المشركين بالأيدي والألسنة
والأموال)، فكل هذه
مجالات تستوعب طاقات الأمة، وتوظف كل
إمكاناتها في هذه
المواجهة، وتفسح لكل
صاحب جهد مجالاً لكي يدلي بدلوه،
ويشارك في دعم جهاد أمته، وفي
إنهاضها وإقدارها على
الرباط والمصابرة، في هذه الرحلة
الطويلة المضنية.
فإذا
عجز الناس في مرحلة من المراحل عن
إقامة
الجهاد بمفهومه الخاص (جهاد
السيف) على وجهه كما أمر الله -عز وجل-؛
لنقص في العدد
أو في العتاد، أو لعدم
ملاءمة في التوقيت أو غير ذلك؛ فإن
لهم في مفهومه العام من
جهاد الكلمة وجهاد
المال منادح ومتسعًا تبقيهم على نية
الجهاد بمفهومه الخاص من
ناحية، وتتيح لهم
المشاركة في تعبيد سبله وتهيئة
أسبابه من ناحية أخرى. وإذا كان
العبد لا يزال في صلاة
ما دامت تشغله الصلاة ويتجهز لها،
فإنه لا يزال في جهاد ما
دام يشغله الجهاد،
ويعد له العدة، ويهيئ له الأسباب.
تابع
في هذا الملف:
**
مدير الجامعة الإسلامية المفتوحة
بواشنطن
|