|
درست
بعض المجامع الفقهية وبعض المنظمات
الإسلامية الطبية وكثير من علماء
المسلمين قضية القتل الرحيم،
وكانت آراؤهم في معظمها متشابهة من حيث
النتيجة برفض الجميع القتلَ الرحيم
الفعال وقبول القتل الرحيم غير
المنفعل.
وبما
أن الأمر في اللجوء إلى القتل غير
المنفعل يعتمد بالدرجة الأساسية على
اعتبار أن المريض في حالة ميئوس
منها أو بحكم الميت؛
فكان لا بد من التحدث مسبقا عن نهاية
الحياة الإنسانية، أو بتعبير آخر: ما
هو الموت الحقيقي؟
كانت
هذه القضية وما زالت محلّ اهتمام علماء
الشريعة والطب نتيجة للزيادة المطردة
بين مصابي الحوادث ومرضى الغيبوبة
العميقة الذين يُطلق
عليهم اسم "ميتو
المخ".
ومما
لا ريب فيه أن الموتَ نقيضُ الحياة،
ولهذا فإنهما لا يجتمعان في بدن واحد،
ولا يرتفعان عنه في نفس الوقت، وإذا
كان الموت هو مفارقة الروح للجسد؛
فإن هذه المفارقة لا تُدرك بالحس؛
لأن الروح عَرَض ولا يمكن إدراكها
بالحواس. إلا أن لمفارقتها البدن
بالموت علاماتٍ استدلّ بها الفقهاء
على موت من ظهرت عليه.
وللأخ
الأستاذ الدكتور محمد هيثم الخياط
دراسة حول نهاية الحياة الإنسانية
أقتبس منها ما يلي:
لم
يرد في القرآن الكريم أو السنة المطهرة
نصٌّ على علامات يعرف بها انتهاء
الحياة الإنسانية، بل تُركَ ذلك -والله
أعلم-
للتطوّر مع ما يستجد للناس من معارف.
ولكننا نجد في القرآن الكريم تعريفا
دقيقا للموت. إذ يُعَرَّفُ الموت بأنه
لحظة "اللاعودة"؛ فيقول عزّ
من قائل: {حَتَّى
إذَا جَاءَ أحَدَهُمُ المَوتُ قالَ
ربِّ ارجِعُونِ لعلّي أعمَلُ صَالِحًا
فيما ترَكتُ
* كلا}
[المؤمنون:
100]،
ويقول سبحانه وتعالى: {اللهُ
يَتَوفَّى الأنفُسَ حينَ مَوْتِهَا
والتي لمْ تَمُتْ في مَنَامِهَا
فَيُمْسِكُ التي قَضَى عليْهَا الموت}
[سورة الزمر: 42].
فما
هو العضو الذي يؤدي توقفه عن العمل إلى
مرحلة "اللاعودة"؟ أهو القلب
أم الرئتان،
أم الكلى،
أم الدماغ؟
أما
القلب فيمكن أن يقف بضع ثوانٍ، يعود
بعدها إلى النَّبَضان بعد تدليك القلب
أو إحداث صدمة كهربائية له. وقد
يُوقَفُ عن العمل عدة ساعات في أثناء
جراحة القلب، ويستعاض عنه بمضخة
اصطناعية، ثم يعود إلى النبضان.
وأما
الرئتان فيمكن أن تقِفَا عن العمل، ثم
تعودا إليه بعد إجراء التنفس
الاصطناعي، أو يُستعاض عنهما بأجهزة
الإنعاش الاصطناعي التي يمكن أن يظلَّ
المرءُ مُتَنَفِّسا بها مدة تطول أو
تقصر.
وأما
الكليتان فيمكن أن تفشلا؛
فيقوم مقامَهُما "الدِّيَال"
(Dialyze)
أو جهاز الغسيل
الكلوي، ريثما يُستعاض عن إحداهما
بكلية مزروعة.
وأما
الدماغ فإذا توقف عن عمله 4
دقائق
على الأكثر من جرّاء نقص توارد الدم -بما
فيه من أكسيجين وسكر-
إليه فإنه سرعان ما يتحلل ويتخرّب إلى
غير عودة، ولا يمكن أن يُستعاض عنه
بشيء. ويحدث له مثل ذلك إذا تَعَرَّضَ
إلى إصابة أو أذيّة نتيجة حادثة من
الحوادث، أو أصيب بنزف جسيم أو ورم.
فموت
الدماغ إذن يمثل الموت الحقيقي؛
لأنه يمثل اللاعودة. ومتى مات الدماغ
-قِشْرُهُ
وجِذْعُهُ-
تَوَقَّفَ القلبُ والتنفس بما أن
مركزيهما الناظمَيْن لهما يستقران في
جذع الدماغ. ولا تفلح أجهزة الإنعاش
الاصطناعي عندئذ إلا في إطالة مظاهر
حياةٍ انتهت إلى غير رجعة بتحلل الدماغ.
فإذا
لم يكن المرء موضوعا على أجهزة الإنعاش
الاصطناعي؛
فإن في وُسعِ الطبيب أن يستدل على موته
من توقف القلب عن النبضان، أو توقف
الرئتين عن التنفس، أو غير ذلك من
العلامات
التي تدل على موت الدماغ من اتّساع
الحدَقَتَيْن وعدم تفاعلهما للنور، ثم
من برودة جسم الميت، وشحوب وجهه،
وانخساف صُدغَيه، وميل أنفه،
وانفراج شفتيه، واسترخاء رجليه
وامتداد جلدة وجهه، وتقلص خصيتيه إلى
فوق مع تدلي الجلدة، إلى غير ذلك مما هو
مذكور أيضاً في كتب الفقه.
أما
إذا كان موضوعا على أجهزة الإنعاش
الاصطناعي، وعُلِمَ موتُ دماغه أو جذع
دماغه من إحدى القرائن التي أجمع عليها
الأطباء؛
فإن وقفَ أجهزة الإنعاش هذه وعدم عودة
المرء إلى التنفس التلقائي بعدها يؤلف
أمارةً إضافية تضاف إلى تلك القرائن.
وأصدق هذه القرائن توقّف الدم عن
الدماغ، ويُعرف ذلك بتصوير الشرايين
الأربعة التي توصل الدم إلى الدماغ بعد
حقن الشرايين أو الأوردة بمادة ملونة،
أو بتحري دوران الدم في الشرايين
الدماغية بواسطة الأمواج فوق الصوتية،
أو بالرنين المغناطيسي، أو بحقن مواد
مشعة في الدورة الدموية،
ثم البحث عنها في النسيج الدماغي.
أما
الأمارات الظاهرة فهي:
1- انعدام
الإبصار والحركة الاختيارية، أما
الحركة الاضطرارية كحركة المذبوح فقد
تبقى،
بل قد تشتدّ بعد موت الدماغ؛
لأن مصدرها النخاع الشوكي،
وقد زالت سيطرة الدماغ الذي كان يكبحها.
2- انقطاع
النَّفَس انقطاعا تاما.
3- توسع
الحدقتين وعدم تفاعلهما للنور.
4- انعدام
منعكس قرنية العين.
5- انعدام
المنعكس العيني الدماغي.
6- عدم
حصول الرأرأة (اهتزاز مقلة العين) عند
التنبيه الحراري للأذن.
7- انعدام
المنعكسات التي تدل على سلامة الأعصاب
القحفية.
8- انخفاض
متزايد في درجة حرارة الجسم.
ولا
بد لتشخيص توقف وظائف الدماغ وجذعه
توقفا كاملا لا رجعة فيه مما يلي:
1-
غيبوبة
عميقة مترافقة بانعدام الإدراك
وانعدام الاستجابة.
2-
العلامات
السريرية (الإكلينيكية) لتوقف وظائف
جذع الدماغ.
3-
انعدام
قدرة المرء على التنفس التلقائي
بالاختبار المعتمد أثناء توقف مضخة
التنفس فترة محددة.
ونعني
بالغيبوبة حالة من فقد الوعي لا يمكن
إيقاظ المريض منها،
وهي تنجم عن أسباب متعددة،
منها السموم التي يتناولها المرء من
الخارج أو التي تتولد في جسمه بسبب
المرض، ومنها بعض الأمراض والإصابات.
لذلك كان لا بدّ من التأكد من أن سبب
الغيبوبة العميقة هو حدوث تلف شديد في
بنية الدماغ بسبب إصابة شديدة (مثل رضّ
شديد على الرأس أو نزف جسيم داخل
الدماغ)، أو في أعقاب جراحة على الرأس،
أو ورم كبير داخل الجمجمة، أو انقطاع
التروية الدموية عن الدماغ لأي سبب
كان، وتأكيد ذلك بالوسائل التشخيصية
اللازمة. كذلك لا بدّ من أن تكون قد مضت
ست ساعات على الأقل من دخول المرء في
غيبوبة،
وألا توجد لدى المصاب أي محاولة للتنفس
التلقائي.
ولا
بدَّ
كذلك من استبعاد كون المرء تحت تأثير
المهدئات أو المواد المخدرة أو السموم
أو مُرْخِيَات العضلات، وكذا استبعاد
هبوط حرارة الجسم إلى ما دون (33
ْ) درجة
مئوية، أو أن يكون المصاب في حالة صدمة
قلبية وعائية لم تعالج. كما أنه لا بدّ
كذلك من استبعاد الاضطرابات
الاستقلابية (الأيضية) أو الغديّة التي
يمكن لها أن تؤدي إلى تلك الغيبوبة.
ثم
ينبغي التأكد من استمرار التوقف الكلي
في وظائف الدماغ فترة من الزمن يبقى
المرء فيها تحت الملاحظة والمعالجة،
وهي 12 ساعة منذ تشخيص
غيبوبة
اللاعودة، أو 24 ساعة حين يكون سبب
الغيبوبة هو الانقطاع الشامل في
الدورة الدموية (كما يحدث في توقف
القلب مثلا)، أو أطول من ذلك في الأطفال
دون السنة الأولى من العمر.
ويشترط
في الفريق المخوّل إليه تقرير موت
الدماغ أن يتكون من طبيبين مختصين على
الأقل، من ذوي الخبرة في تشخيص حالات
موت الدماغ، ويفضل استشارة طبيب ثالث
مختص في الأمراض العصبية عند الحاجة.
كما ينبغي أن يكون أحد الطبيبين على
الأقل مختصاً بالأمراض العصبية أو
جراحة الدماغ والأعصاب أو العناية
المركزة.
ودرءا
لأي شبهة أو مصلحة خاصة قد تؤثر على
القرار يُستبعد من هذا الفريق أيُّ فرد
من فريق زرع الأعضاء، وأيّ فرد من
عائلة المصاب، وأيّ فرد آخر له مصلحة
خاصة في إعلان موت المصاب (كأن يكون له
إرث أو وصية مثلا)، وكلُّ من ادعى عليه
ذوو المصاب بإساءة التصرف المهني تجاه
المصاب.
هذا
وقد انعقدت ندوتان بالمنظمة الإسلامية
للعلوم الطبية بالكويت:
الأولى عام 1985
عن "الحياة الإنسانية..
بدايتها ونهايتها"،
والثانية عام 1996 عن "التعريف الطبيّ
للموت"،
وكلتاهما اعتبرت الإنسان ميتًا إذا
توقفت وظائف دماغه بأجمعها نهائيًّا،
بما في ذلك جذع المخّ، وهو ما قرره مجمع
الفقه الإسلاميّ الدولي المنعقد بعمان
/ الأردن 1986م.
تابع
معنا في هذا الملف:
اقرأ
أيضًا:
|