|
ظننت
أن طرح "مساءلتي" لفتاوى الجهاد
بعد سقوط نظام صدام سوف يساعد على تفهم
الأسئلة التي طرحتها في مقالي: "فتاوى
الجهاد في الحرب على العراق.. وقفة
للمساءلة"، وكنت قد توقعت أن
يختلف معي الكثيرون؛ ذلك أن المساءلة
ليست حول مسألة هامشية، غير أن ما كُتب
عليها من ردود، وما أثارته من نقاش،
وما تعرضت له من سوء الفهم -وأحيانًا
الإساءات- اضطرني لإعادة الكتابة في
الموضوع لزيادة بيان ما قلته، وتوضيح
ما استشكل، ولا يفوتني شكر من ساهم في
إثراء النقاش.
لم
أكن في المساءلات أقصد إهمال منظور
الأمة لمفهوم "الجهاد" وتفاعلها
معه، ونحن نعلم ذلك الفصام السياسي
الحاد بين الأنظمة وشعوبها، لكن
مساءلاتي انشغلت بالجانب السياسي
للفتوى (الرسمية)، وشكّل توظيف الدين
في السياسية منطلقًا للمساءلة، وذلك
لا يعني أن النظر إلى علاقة الأمة
بالأحكام الشرعية بخصوص الجهاد ليس
واقعًا ولا كليًا، وعلى هذا
فالتساؤلات لا تهدف إلى "شَرْعنة"
الواقع الذي أفرزته الدولة القُطرية،
بل إلى فهم هذا الواقع، وكيف تتنزل هذه
الفتاوى الرسمية عليه، وحتى لا نتحول
في إطار اللعبة السياسية إلى
مستغَلَّين، ولنتمكن من إدارة هذه
القضية -كمسلمين- على ضوء معرفة أعمق؛
فخطاب الإسلاميين السياسي يحتاج إلى
تعميق لإعادة بناء الوعي السياسي على
أرضية أكثر صلابة.
إن
غياب هذا الإطار الكلي الحاكم
لمساءلتي دفع إلى كثير من الإشكالات في
الردود والمناقشات، فضلا عن أن الدفع
بالظنون -في حال غياب هذا الإطار- إلى
أقصاها دفع إلى كثير من سوء الظن، الذي
حمل على تقويلي نقيض ما أقول!
ومما
يجب التنبه له أنني لا أريد من تلك
التساؤلات أن أعيد الاجتهاد في مفهوم
"الجهاد" ذاته -على الرغم من
مشروعية ذلك- ولكنني كنت مشغولا
بالتطبيقات، ومَوْضعها في السياق
السياسي على أرض الواقع الذي نعيشه
بتعقيداته المؤدية إلى طرفي الإحباط
والثورة، بحسب الطرف الذي سيتم الدفع
باتجاهه.
ما
طرحته سابقًا وصفته بالـ"مساءلة"
بهدف الحوار وإعادة النظر وإعمال
الفكر، (ومن هنا لا أوافق على عنوان "مفهوم
الجهاد أصبح قديمًا وبحاجة إلى تجديد"
الذي أُلحق بالمقال لصالح ساحة الحوار!!)
ومع ذلك لم أُخلِهِ من اتخاذ موقف
وتبني رأيٍ، وهذا حق للكاتب.
انطلقت
مساءلتي في إطارها العام من فكرة توظيف
الدين في السياسة (على طريقة السياسي)،
ومن هنا شكك المقال في مصداقية المفتي
الرسمي ومصداقية فتواه، وكان الحديث -كما
قلت في بداية المقال- عن (بعض القيادات
الدينية الفقهية)، واعتبرت هذا
محدِّدًا رئيسيًّا يجيز لي إطلاق لفظ (الفقيه
/ المفتي) في باقي المقال. ومع ذلك أكدت
على أن بعض المواقف كانت صادقة ولم
أشكك في النوايا (خصوصًا مع المفتي
المستقل، كالقرضاوي ومولوي مثلا).
وبعيدًا
عن المفتي -رسميًّا كان أم مستقلا- راحت
المساءلة تلح على "واقعية" الفتوى
نفسها (بمعنى إمكانية تحقيق مضمونها)،
و"نفعها" (بمعنى تحقيق الأهداف
والمصالح).
وهنا
سنجد أن ثمة بعدًا آخر يضاف إلى "توظيف"
-بالمعنى السلبي- الدين في السياسية،
وهو المتغيرات السياسية التي ألقت
بثقلها على المفهوم وتطبيقاته من خلال:
اعتبارات القُطْرِية، وعلمانية
الدولة، ومن ثم توزع الأدوار بين رئيس
الدولة (الذي حلَّ محل "الإمام"،
ولم يساوِهِ) والمفتي الرسمي الذي يحيط
بوظيفته كثير من الإشكاليات في
امتلاكه للحكم الشرعي ووساطته بين
السلطة والشعب.
ومن
هنا أعدت طرح أسئلة قد تبدو لبعض
البسطاء (كما في تعليق الأخ رجب في ساحة
الحوار) قديمة، وأنها قد أُجيبَ عليها،
نحو:
-
من يعلن الجهاد؟
-
وعلى من يجب الجهاد أولا؟
قد
يقال: إن الجهاد الدفاعي ليس بحاجة إلى
إعلان، لكن هذا الكلام مع الدولة
القُطْرية ينطبق على العراقيين فقط،
ونحن نتكلم على من هم خارج العراق،
والذين توجهت إليهم الفتاوى، وهنا
يكون السؤال أصلا لاختبار مصداقية
المفتي من جهة، وللسؤال عن دور السياسي
حيال الأمر من جهة ثانية. ففي حالة
سوريا مثلا: هل يقتصر دور السلطة على غض
الطرف عن العابرين عبر حدودها إلى
العراق من المدنيين؟ ثم ماذا لو ذهب
المتطوعون من طريق الكويت؟ هل كان
سيسمح لهم بالانخراط؟ وماذا عن الجيش
الذي يقع عليه الوجوب أصلا في ظل
الدولة القُطرية؟ (أؤكد أنني أتكلم على
من هم خارج العراق).
ثم
تركت أمر الجهاد من دون "إعلان" (والإعلان
يتضمن الإلزام ووسائله في حالة الجيش)
مع وجود الفتاوى القائلة بالوجوب
العيني؛ فكم كان عدد المتطوعين من
البلاد؟ وهل كان كافيًا؟
إن
الكلام عن أن المجاهدين نهضوا من
أنفسهم دون حاجة لفتوى المفتي ودون
حاجة لإعلانِ معلِن يطرح تساؤلا
جوهريًّا، مفاده: لماذا لم يعد يحدث
الشيء نفسه تجاه فلسطين؟ لا شك أن
الأمر سيعود إلى دور الإعلام،
والمفتي، وفتح الحدود (أي اعتبارات
سياسية)، وبالطبع لا يعني هذا أن
الجهاد يجب أن يتوقف، وأن المسلمين يجب
أن يتوقفوا عن الاعتقاد بوجوب الجهاد
في فلسطين؛ فتكفي متابعة لنبض الشارع
الإسلامي حين يتأزم الوضع الفلسطيني
وتزداد كثافة الجرائم الصهيونية
للوقوف على حجم فاعلية الشارع
الإسلامي الذي لا يقف بينه وبين الجهاد
إلا فتح الحدود، وهذا يعني أن الواقع
السياسي يقف عائقًا أمام تحقق مفهوم
الجهاد.
الأمر
الذي نود قوله أن تحقيق الفتوى مرتهن
بإرادة السياسي، وهو ما سيأخذ صورة "معلِن
/ مقرِّر" الجهاد في الواقع الحالي (أنا
هنا أوصّف لا أشرِّع)، وهنا ندرك كيف أن
من راح يخوض في جدل فقهي حول: متى يجب
الإعلان؟ ومتى لا يجب؟ ومن يعلنه؟ إنما
يخوض في جدل لا يمت إلى الواقع بصلة!
وإذا
كانت إرادة السياسي مرتهنة لاعتبارات
منفصلة تمامًا عن اعتبارات المفتي
وفتواه، فالسؤال الجدير هنا: ماذا
تبقَّى لنا من ممارسة الجهاد؟ هنا نجد
أن الوجوب العيني في مثل هذه الظروف
والتعقيدات يفرض النظر في مفهوم "القدرة"
وشروطها حتى يتحقق هذا الوجوب العيني
على كل فرد، ويصير آثمًا حين يترك
الجهاد المطالَب به (وهنا لا نتكلم على
العراقيين)، والأهم هنا أن "المدني"
هو الذي سيجاهد.. فكيف سيجاهد من دون
سلاح وإعداد؟! (طلب "الشهادة" لا
يعني التقصير في حماية النفس وحسابات
جدوى الفعل).
إن
الاعتبارات السابقة جميعًا تشتمل على
مخاطرة جسيمة -ولا شك- في تحقيق الجهاد
الواجب عينيًّا؛ الأمر الذي يفرض
تساؤلا على قدر كبير من الأهمية حول
أهداف الجهاد في الشريعة الإسلامية.
لننظر في واقع الحالة التي نبحثها (العراق)
وما تنطوي عليه من خصوصية ربما تجعل
لها نوعًا من الفَرَادة في تطبيق مفهوم
الجهاد؛ إذ تطرح إشكالية
الموقف بين الديكتاتور والمستعمر.
الجهاد..
بين المفتي والفتوى:
وبالعودة
إلى مقالي السابق "فتاوى الجهاد..
وقفة للمساءلة" نجد أنه تناول ثلاثة
محاور أساسية، نزيدها بيانًا هنا، وهي:
-
تناقضات المفتي الرسمي خاصة.
-
فقدان مصداقية فتوى الجهاد في حالة
العراق.
-
إشكاليات تواجه مفهوم "الجهاد"
الآن.
المفتي
الرسمي.. سلسلة من التناقضات:
بالنسبة
للمحور الأول فقد تلخص موقف المفتي
الرسمي في التبعية لتوجيهات السياسي،
حتى أكاد أقول: إن إحدى الفتاوى صيغت في
وزارة الخارجية؛ وهو ما يتفق مع دوره
بوصفه موظفًا حكوميًّا، وتناقضه ظهر
في الأمور الآتية:
-
توجيه وجوب الجهاد العيني إلى الشعب
دون الحكومة والجيش، وهو من يقع عليه
الوجوب أولا، فإن لم يفِ توجه إلى
الأمة كلها.
-
تجاهل التسهيلات المقدَّمة للغزو من
الدول المجاورة، في الوقت الذي يطالب
فيه بالجهاد العيني (أؤكد أنني أستثني
الفتاوى المستقلة كالقرضاوي ومولوي
مثلا).
-
السكوت على الاتفاقات العسكرية سابقًا
التي بموجبها يتم تقديم التسهيلات
العسكرية. وكنت قد سألت أحد كبار علماء
إحدى الدول عن حكم إقامة قواعد عسكرية
أجنبية في دولة مسلمة. أثناء مؤتمر
مجمع الفقه الإسلامي الأخير، فأجابني:
أنا لا أتدخل في السياسة!!
-
الاعتداء على العراق (وهي جزء من دار
الإسلام الكبيرة) ليس وليد اليوم؛ فهو
بدأ من حرب الخليج الثانية وطيلة فترة
الحصار، وكان القصف الأمريكي
البريطاني قائمًا خلال الحصار.. فهل
يجب الجهاد فقط في صورة "الجيش
الغازي"؟
-
تجاهل المفتي حال النظام العراقي الذي
يطلب الجهاد معه، والفتوى وإن لم تكن
تأييدًا له، لكنها في النهاية تصب في
مصلحته بإبقائه وتقوية شوكته، ومن
المتيقن أنه لا يمكن إزالته إلا بهذه
الطريقة، مع إيماني بأنها اعتداء وظلم
وبغي من الخارج، وأعترف بأن هذه القضية
محل اختلاف.
-
تكلم بعض المفتين عن "السيادة" و"التحرر
الوطني"، وهذا أصلا غير متحقق في
الحالة المذكورة كما شرحناه في "المساءلة".
-
إن شريعة الإسلام كما نصت على الجهاد
ضد العدو، نصت كذلك على أن "أعظم
الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر"..
فلماذا نأخذ جزءًا ونترك آخر؟!
-
إننا يوميًّا نسمع ونرى ما يحدث في
فلسطين مما ينطبق عليه ذات المنطق الذي
أوجب الجهاد العيني.. فلماذا ننطق في
حالة العراق ونصمت تجاه فلسطين؟!
-
مشهد آخر بالغ التناقض، في حالة خطبة
الحرم المكي المشار إليها، والتي تجعل
من المحنة دواء، ومن الصبر على مُرها
الحل الناجع مع الصمت عن الحاكم وإحسان
الظن به!
-
تناقض فتاوى الدول صاحبة المصالح "القُطْرية"
المتناقضة بين آمر بالجهاد وناه عنه
تبعًا لموقف حكومته (سوريا والكويت
مثلا).
هذا
كله دفع بي إلى القول بعدم مصداقية
كثير من المفتين -وليس كلهم- وبكون
تصريحاتهم للترضية.
الفتوى..
تبحث عن شروط تحقيقها:
المحور
الثاني تعلق بالفتوى نفسها، ولعل ما
حدث في العراق يبين أن الجهاد في ذلك
الوقت الذي انطلقت فيه الفتاوى لم يكن
مجديًا ولا واقعيًّا، بل شهدنا بعد
الحرب بعض من يرى التعاون مع الاحتلال!!
وإذا
كان كثير من المفتين قد فقد المصداقية،
فإن فتاوى الجهاد افتقدت المصداقية؛
بمعنى عدم إمكان التطبيق على الشكل
المتصور، وذلك للأسباب التالية:
-
أن من يتحدث عن الوجوب العيني لا يبين
ما صفات هذا الذي يجب عليه الجهاد؛
بحيث يصير آثمًا إذا تركه، وبالبحث في
شروط استحقاق "الوجوب العيني"
بتقدير الفقيه سنجد أننا سنختلف معه في
تقديرها، مع ملاحظة أن الحالة هل تصل
إلى وجوب خروج المسلم والمسلمة والشيخ
والشاب؟
-
اختلاف مفهوم الحرب ووسائلها
وأدواتها؛ ما يعني أن خروج الناس
المدنيين العاديين للجهاد فيه فوات
النفوس دون مصلحة معتبرة (بالنسبة لدول
الجوار) و"فوات النفوس إنما جاز لما
فيه من المصلحة".
-
فقدان أمن الطريق، وأمن العودة،
والتسلح والعدة والإعداد.
-
فقدان أمن الانخراط في النظام العراقي
(وهو ما قرره الشيخ
الفاضل محمد أحمد الراشد وجعل
منه مسوغًا لعدم القول بوجوب الجهاد
العيني).
مفهوم
الجهاد.. وأسئلة جديدة:
المحور
الثالث والأخير تعلق بالمفهوم نفسه،
وهو يواجه هذه الإشكاليات التي هي
بحاجة إلى بحث وحوار:
*
كيف يكون تطبيق صورة الجهاد القتالي -وخصوصًا
العيني منه- في الدول العلمانية التي
تعادي الدين، دون الوقوع فيما سماه
الفقهاء قديمًا "الفتنة"
والاحتراب مع السلطان؟ وهذا التطبيق
يتناول الإعداد، والحصول على السلاح،
وتجاوز الحدود، والتنظيم، وغير ذلك.
ومن المفيد هنا الإشارة إلى أن تنظيم
"القاعدة" يشكل أبرز أنموذج
لتجليات مفهوم الجهاد المنظم خارج
حدود الأنظمة هذه، وأنه أحد إفرازات
هذه الإشكالية، ومع أنني كتبت في: خطأ
ممارسات هذا التنظيم وتطبيقاته لمفهوم
الجهاد فأنا هنا أضع هذه
الإشكالية موضع البحث.
*
تعقيدات الواقع التي تحاصر تطبيق
المفهوم نفسه بصورته الواسعة ليبقى
محصورًا في فلسطين وما شابهها (يعني
أنها أصبحت مسألة قُطرية داخلية)، جعلت
من مفهوم "الجهاد الهجومي" جزءًا
من التاريخ، خصوصًا مع وجود القانون
الدولي، ولذلك لم نتعرض لهذا النوع، لا
جهلاً به كما توهم بعضهم، ولم يتنبه
للقيد الذي وضعته في "مساءلتي"
حين قلت: (الجهاد بمفهومه الدفاعي..)
فضلاً عن أن الكلام على الحالة
العراقية، فكيف نتكلم على الهجومي
ونحن لسنا قادرين على تحقيق الدفاعي
إلا إذا كانوا يقرون طريقة بن لادن؟!
*
غياب "الإمام" -بمعناه الفقهي- في
الجهاد، ولست هنا في جدل فقهي حول
توقيت وجوب إعلان الجهاد ومتى لا يجب،
كما حاول بعض المعلقين في "الحياة
اللندنية" جَرِّي إليه في بيان "مدرسي"!.
هذا الغياب يفرض علينا إشكالية تحديد
من يحق له ضبط موضوع الجهاد القتالي:
متى يبدأ؟ ومتى يقف؟ وغياب "الإمام"
هذا كان أحد الأسباب التي دفعت إلى
ظهور حالة "القاعدة" وغيرها من
التنظيمات التي تمارس الجهاد هنا
وهناك على طريقتها الخاصة، وتدفع بمن
يخالفها إلى الصف المعادي للجهاد أو
القاعد عنه.
وغياب
"الإمام" ليس مقصورًا على قضية
"الإعلان" وتنظيم أمور الجهاد
فقط، بل هو لصيق بغياب "الخلافة"
كنظام جامع لدار الإسلام؛ ما يعني أن
ثمة تطابقًا بين "الخلافة" و"دار
الإسلام" (مع ملاحظة استكمال تقسيم
العالم إلى: دار كفر ودار عهد)، ومع
ظهور "الدولة" القُطرية وجدنا
أنفسنا أمام نظام سياسي مختلف كليًّا،
مبدؤه البراجماتية / النفعية، وسقفه
المصالح القُطرية على حساب المبادئ
الإسلامية العليا، حتى في حالة "الدولة
الإسلامية" (إيران والسعودية مثلا)،
وهنا فقدت فكرة "الدار" مغزاها من
جهة استحقاقاتها اللازمة لها، وبقيت
جزءًا من التاريخ. وأبرز استحقاقات دار
الإسلام: وجوب النصرة ورد العدوان، دار
أمن، إقامة الحدود الشرعية.. وهذه كلها
تجعل للمفهوم في نظري بُعدًا
قانونيًّا وسياسيًّا لازمًا، خصوصًا
مع ارتباطه بمفهوم "الخلافة".
فمفهوم
دار الإسلام في لحظة تطابقه مع "الخلافة"
يشكل فضاء قيميًّا وحضاريًّا (وليس
عقديًّا خالصًا) ذا بُعد رسالي يريد
بسط سلطانه على العالم أجمع كنظام لا
كعقيدة (لاحظ تقسيم العالم إلى دار:
إسلام، حرب، عهد؛ فالجهاد بمعنييه
الدفاعي والهجومي قائم هنا) يجسد وحدة
الوجود الإسلامي، ووحدة النظام
الإسلامي.
-
إن دار الإسلام مفهوم اجتهادي، وثمة خلاف
في تحديده بين الفقهاء، ومع ذلك
تجوّزنا بإطلاق "دور إسلام" -بالجمع-
توصيفًا لما هو واقع لاعتبارات متعددة:
-
أن دار الإسلام بمعاييرها الفقهية (ظهور
أحكام الإسلام، أو يسكنها المسلمون
وإن كان معهم غيرهم، أو فتحها المسلمون
وأقروها بيد الكفار..) متحققة في كل
الدول العربية والإسلامية، ولكنها مع
ذلك فقدت في سياساتها وممارساتها تجاه
بعضها استحقاقات المفهوم نفسه، من
وحدة النظام والقيم والوجود، ومن ثمّ
لم يعد الاعتداء على أي دولة من دول (دار
الإسلام الكبيرة) اعتداء على الكل!
-
أن النظام الدولي الحالي بعثر هذه
الدول، وفرض كثيرًا من المفاهيم
والنظم التي لم يكن لها اعتبار في
صياغة مفهوم "دار الإسلام" بدءًا
من السيادة والجنسية والتنقل، وكل
مستتبعات "القُطرية" التي جعلت
المبادئ تدخل في إطار النسبية بحسب
أولويات وثوابت كل دولة قُطرية، وهذا
دفع في حالات متعددة إلى اصطدام
المصالح، وقيام تحالفات بين بعض دول
الإسلام مع العدو الإسرائيلي المغتصب (وهو
نفسه دفع إلى تقديم بعض الدول
التسهيلات لغزو العراق)؛ الأمر الذي
يُوجب مفهومُ "دار الإسلام" (بمعنى
تطبيق الشريعة) حُرمتَه، بل ويجرِّمها
ويجعل منها "خيانة" للأمة
الإسلامية، وللنظام الإسلامي الذي
يوحد الأقاليم التي يجمعها وصف الدار.
كل هذا سوَّغ -من وجهة نظري- إطلاق
تعبير "دور الإسلام"، ومع ذلك
فأنا لا أسوِّي بين مفهومي "الدار"
و"الدولة" كما توهم أحدهم، لكن
أقول: إن مفهوم الدولة القُطرية تصادم
مع مفهوم "دار الإسلام" المتطابق
مع "الخلافة" بما هي نظام سياسي.
سيُقال:
إنني في بياني السابق أركز على النظام
لا على الأمة، والدولة مفهوم سياسي،
بينما دار الإسلام مفهوم ثقافي مرتبط
بالأمة؟ والجواب أن مفهوم "الدار"
بتقسيماته الثلاثة ذو بعد سياسي لازم،
وهو مع ذلك لا ينفك عن مفهوم "الخلافة"،
ويبدو أن هذا دفع بعض الفقهاء
المعاصرين إلى اعتبار المفهوم جزءًا
من التاريخ.
*
ولعل نظرة واحدة إلى موقف الدول
الإسلامية من غزو الكويت، وحرب الخليج
الثانية، والعقوبات الظالمة على
العراق، ثم حرب الخليج الثالثة، كافية
لبيان أن مفهوم "الدار" لم يعد
واحدًا كما يتصوره بعضهم.
*
ومن الإشكاليات بالغة الأهمية هنا
التي يجب بحثها في موضوع الجهاد ما
يتعلق بمفهوم "العدو"، وقد كنت
كتبت قديمًا في مقال: "الجهاد
والحرب.. بين المبادئ والمصالح":
"أن العدو يكون ظاهرًا (القتال وهو
محل اهتمام الفقيه)، ويكون الشيطان،
والنفس (وهو مجال اهتمام الداعية
والواعظ). وهذه الثلاثة (العدو الظاهر -
الشيطان – النفس) يشملها في الإسلام
وصف (عدو)".
غير
أن الذي تنبهت له في مساءلة فتاوى
الجهاد، وهو مما يضاف إلى مفهوم "العدو"
الواسع.. هو ذلك التداخل الواقع بين
الداخل والخارج بالنسبة لموضوع اهتمام
الفقيه، فلم يعد الاستعمار ذلك "الظاهر"
الذي يأتي بجنوده وجيشه، بل إنه يشمل
التدخل الأجنبي واستتباع الدول
القُطرية (وهي حصيلة مرحلة الاستعمار
أصلا) سياسيًّا واقتصاديًّا وغير ذلك،
بل معلوم أن قيام أي حكومة داخلية
بحاجة إلى دعم خارجي، وذلك أنها تأتي -في
الغالب- عن طريق الانتخاب الديمقراطي
الحر!!
هذا
التداخل بين السيطرة الخارجية
والاستبداد العلماني (المعادي للدين)
الداخلي، وتلاقي المصالح بين القوى
الدولية والنخب الحاكمة.. أَلاَ يجعل
من الضروري إعادة النظر في مفهوم "العدو"،
ومن ثم تداخل الجهاد ضد الداخل والخارج
معًا؟ (نحن نثير إشكالا، ولا ندعو إلى
الجهاد المسلح ضد الحاكم كما توهم
بعضهم!).
*
في حالة العراق -وثمة عراقـ(ات)- هناك
إشكالية بالغة الأهمية، وهي كيف يحقق
الجهاد أهدافه دون أن يصب في مصلحة
النظام الإجرامي الذي يشكل عدوا
وعدوانًا مساويًا إن لم يكن زائدًا -وهو
ما اعتقده العراقيون فيما بدا من
تصرفهم- للعدوان الخارجي؟! وكيف يمكن
التضحية بكل الضروريات الخمس التي
جازف بها النظام العراقي، وبها قوام
الحياة، واعتبارها ضررًا أخف، ومفسدة
أقل من مفسدة الغزو الجائر؟!
إن
المشكلة في حسابات "الجهاد مع كل بر
وفاجر"، و"لا صوت يعلو فوق صوت
المعركة" أنها حسابات لا تعتبر "الحريات"
فقط مسألة ترف، بل حتى الضروريات؛
فالكل رأى المقابر الجماعية، فضلا عن
تحول العراق إلى مقبرة دفن فيها
العراقيون أحياء على مدى سنين طويلة،
وبعد هذا يتساءل الكثيرون: لماذا لم
يقاوم الشعب العراقي مع وجود صدام
ونظامه؟! لكن الأمل الآن معقود بميلاد
جهاد مسلح لطرد المحتل، وأنه واجب
وجوبًا عينيًّا (كما رأى ذلك الشيخ
الراشد بعد أن رفض القول بوجوب الجهاد
عينيًّا قبل سقوط النظام).
هذه
الإشكاليات جميعًا جعلت من القضية
مركَّبة ذات أبعاد سياسية ودينية
وعسكرية؛ وهو ما دفعني إلى القول بأن
المسألة لم تعد تقف عند مجموعة من
النصوص يتم استنباط الحكم منها؛ لأن
القضية في تنزيل هذه الأحكام على واقع
بهذا التعقيد، فتأمل بعد هذا فهم أحدهم
وما نسبه لي مما لا أعلمه ولم أقله، وهو
أني "أحلت عدم تضمن الفتاوى محاربة
النظام إلى قصور في آلية استنباط
الفقيه بأنها آلية نصية"، وبعد أن
يفهم هذا الفهم يحكم عليه بأنه "تبسيط
مخلٍ ووعي مبتور"!
قراءات
متعجلة.. ووعي مبتور:
هذا
الطرح الجديد بوصفه بيانًا لمساءلتي
السابقة كافٍ وحده لإيضاح سوء الفهم،
وحجم الاستشكال الذي لفَّ الردود
الموجهة إليَّ، كما أنه يبين بوضوح أين
تدور مساءلتنا، وأنها لا تتناول
الجهاد الفلسطيني المقدس، لأن نظرة
بسيطة لمحاور المناقشة كافية لبيان
أنها تدور حول الجهاد بوصفه مسألة "عابرة
للحدود" وليس بوصفه مسألة داخلية،
وهو ما يحدث في فلسطين وغيرها. ومن ثم
فلا معنى للمساءلة الثانية التي نشرها
كاتب فلسطيني في الحياة (3-5-2003) ليقول:
إنني أغفلت "العامل الجهادي المسلح
في فلسطين"، ومن عجبٍ أنه يتهمني "بالخلط
بين الفتوى كحكم شرعي والتطبيق"،
وما تقدم طرحه كافٍ لبيان عدم وقوفه
على مرادي من المساءلة.
غير
أن ما يستحق التوقف عنده، باعتباره
نموذجًا "طريفًا" في القراءة
والفهم والكتابة، هو ما كتبه الجزائري
"عبد القادر قلاتي" في "الحياة"
23-5-2003 (وأرسل نصه لـ"إسلام أون لاين"،
وعن هذه النسخة نقل) بعنوان: "فتاوى
الجهاد ومنطق المساءلة الحداثوية"؛
إذ يجعل من مقالي / مساءلتي "صورة
لخطاب ديني بدأت معالم أدبياته تسفر عن
وجه حداثوي يستبطن أصولية مقهورة"،
ومقولات هذا الخطاب الذي يزعم "قلاتي"
أنه جديد، وأن مقالي يمثله، هي: (التجديد
معطى حديث وليد اللحظة التاريخية التي
تحياها الأمة، وبالتالي: إزاحة كل ما
هو خارج هذه اللحظة - القول بمفاهيم
الحداثة - الديمقراطية هي الشورى -
والتعددية السياسية هي الاختلاف في
الرأي - وحقوق الإنسان هي حقوق العباد -
والمهمة ليست سوى تأصيل ما عندهم فيما
كان عندي - الحداثة خير كلها، والتراث
شر كله لا بد أن يزول - صاغ إشكالية النص
والواقع) ثم يخلص ببساطة إلى أن هذا
الخطاب "المزعوم" تشكل في "لحظة
إعجاب دون تروٍّ أو حتى قراءة للغرب
وحداثته.
لعل
أطرف ما في هذا الكلام أنني أنا الذي
أمثل -بزعم "قلاتي"- هذا الخطاب
المزعوم لا أعلم عنه شيئًا، ولا أدري
من حدَّثه عن خطاب بهذه المواصفات
ليكون أول ما يفعله حين يصادف مقالي أن
يجعل منه ميدانًا تطبيقيًّا. وبعيدًا
عن "الأصولية المعلنة" التي يقدم
فيها "قلاتي" نفسه، وبعيدًا عن
أحكامه التبسيطية النهائية القطعية،
ومع غض الطرف عن أنه لم يقرأ لي إلا
مقالاً واحدًا جعله يكتب كل ما كتب!..
دعنا نسأل الآتي:
من
أين عرف أنني أقول بكل هذه المقولات
التي نسبها لي ما دام مقالي لا يتناول
شيئًا منها، وما دمت لم أدون كلمة
فيها؟
ولعله
لم ينتبه إلى أنه في اللحظة التي
يتهمني -ظلمًا- بتبني مقولات الحداثة
يستمد مقولته الرئيسية في رده علي من
الحداثة نفسها، حين يستنبط من مقالي -بما
يشبه الكشف الصوفي- كل المقولات
السابقة، متعلقًا بأهداب مفهوم "قراءة
المسكوت عنه" متجاهلا أنه بطريقته
هذه ينسف مفهومًا إسلاميًّا أصيلا،
وهو أننا نأخذ بالظاهر ولا نشق عن قلوب
الناس لنحكم على سرائرهم، ولا شك أنه
يجهل أن من يعتقد أن "التراث شر كله
ويجب أن يزول" يُخشى على إسلامه؛ لأن
التراث هذا يشمل كل العلوم الإسلامية،
ولا يقول بهذا مسلم، فضلا عن الاعتقاد
بأن الحداثة خير كلها. إن قراءة عجلى
لكتاباتي في موقع "إسلام أون لاي.نت"
وحده كفيلة ببيان حجم المغالطات في
كلام السيد "قلاتي".
وحداثة
"قلاتي" غير الواعية لا تقف عند
حدود المفهوم فقط، بل تتعداه إلى لغته
المارقة من قانون اللغة كالحداثوية،
والخطاب المحدثن.. بالرغم من أنه يقدم
نفسه على أنه "أصولي" أصيل.
الخطاب
الذي اخترعه "قلاتي" واعتبر مقالي
يمثله، يزعم –بتعبيره- أنه "سيلقى
القبول عند النخب الحاكمة والمثقفة
المتحالفة ضمنيًّا مع أي مشروع غربي
قادم إلى المنطقة، المشروع الأمريكي
تحديدًا"، ومع أنه يحكم بهذا الحكم
العمومي، يورد بعد أسطر مما فهمه من
كلامي: أنني أدعو إلى الجهاد المدني ضد
أمريكا، والجهاد المسلح ضد الحكام!!
فكيف سيلقى القبولَ من يفعل هذا؟ يبدو
أن قلاتي لم يقرأ ما كُتبَ، وقرأ شيئًا
آخر غير ما كتبتُ!
اللهم
علمنا التنزيل وفقهنا التأويل.
|