|
مرة
أخرى يسجل الخطاب الديني حضورًا
قويًّا في هذه الحرب الدائرة على
العراق. لقد تميزت الحرب العراقية
الإيرانية بتصادم حاد بين خطابين،
أحدهما مذهبي ذو شحنة ثورية انتصارية
جامحة، والآخر قومي علماني في حال
تراجع كان يحاول يومها تجديد دوره
وطاقاته التعبوية. وقد كان لذلك
التصادم تداعياته الملحوظة على
الخطابين، خصوصًا فيما يتعلق
بالأيديولوجية البعثية.
ثم
جاءت حرب الخليج الثانية ليعاني
الخطاب الإسلامي بكل ألوانه وأطيافه
المذهبية والسياسية حال انشطار حاد
بسبب الغزو العراقي للكويت، وإشكالية
شرعية هذه الحرب، ومدى شرعية
الاستنجاد بالقوى الأجنبية.
أما
اليوم فقد اتسعت الدائرة لتشمل، إلى
جانب الدوائر والحركات الإسلامية،
المؤسسات والمذاهب المسيحية. ورغم أن
دوافع هذه الحرب سياسية اقتصادية فإن
الظروف التي حفت بتبريرها، واقترانها
بالحرب التي تشنها أمريكا ضد ما تسميه
بالإرهاب، وفقدانها، إلى آخر لحظة،
الشرعية الدولية والسند الأخلاقي، كل
هذه العوامل وغيرها أحدثت رجة قوية
للضمير الديني العالمي، وجعلت من
المستحيل تحييد الدين في صراع سيحدد
ملامح العالم في المرحلة المقبلة.
التركيبة
الفكرية / السياسية لجورج بوش الابن
عندما
انتُخب بوش لم يهتم المراقبون كثيرًا
بمكانة الدين في بناء شخصيته، أو بنظرة
عدد واسع من مستشاريه للعالم
والعلاقات الدولية. لكن بعد صدمة 11
أيلول / سبتمبر ظهر هذا الجانب بقوة في
ردود أفعال بوش، وأثر بوضوح في خطابه
السياسي الذي حرص على اعتبار المرحلة
المقبلة مرحلة صراع بين الخير والشر،
حتى اعتبرته الصحافة أكثر الرؤساء
الأمريكيين تدينًا، واعتبرت إدارته،
التي دعمت التحالف بين إسرائيل
والمسيحيين المحافظين، الأكثر
ارتباطًا بالكنيسة. وعندما تورط البيت
الأبيض في الانتقال من مواجهة تنظيم
القاعدة وحركة طالبان إلى فتح ملفات
العالم الإسلامي؛ تأكد التداخل بين
السياسي والديني والثقافي لدى الفريق
الحاكم في واشنطن بشكل أخذ يثير قلقًا
متزايدًا.
وحين
أخذت القوات الأمريكية والبريطانية
تواجه صعوبات ميدانية بسبب المقاومة
العراقية القوية؛ لجأ بوش إلى مزيد من
إضفاء الطابع الديني على هذه الحرب من
خلال دعوته الأمريكيين إلى تخصيص يوم
خشوع وصوم وصلاة. وعكس هذا التوظيف
الأمريكي للدين أزمة قيمية لدى هذه
الإدارة وتشويهًا فظيعًا للفلسفة
الدينية المسيحية التي تقوم على
التسامح واللاعنف والخلاص الروحي.
ردود
فعل المجتمع الكنسي
وفي
مقابل هذا التوظيف السطحي والعدواني
للعقيدة المسيحية اتخذت كنائس عدة
أمريكية بروتستانتية وكاثوليكية
مواقف مناهضة للحرب، وهاجمت قراءة بوش
للرسالة المقدسة، ونشطت في اتجاه
إثبات تعارض ذلك مع القيم التي نشرها
السيد المسيح عليه السلام. وجاء ذلك
تجاوبا مع موقف تاريخي مناهض للحرب
اتخذه البابا، وتجنَّدت مؤسسات
الفاتيكان للدفاع عنه، واعتبر رئيس
المجلس البابوي للعدالة والسلام
والأسقف ريناتو رافاييلي مارتينو أن
الحرب على العراق جريمة سيعاقب عليها
الله، فأعاد بذلك السلام القيمي
المسيحي إلى نصابه؛ بمنع تبرير
الاستعمار باسم المسيح. هذا الموقف
الذي لقي تجاوبًا واسعًا وتقديرًا من
جهات عربية وإسلامية كثيرة، جاء بعد
حال ذهول عاشها المسلمون والمسيحيون
العرب عندما لم تهتز المؤسسة البابوية
حين كانت كنيسة المهد في بيت لحم تقصف
بأسلحة إسرائيلية في إطار محاولة قوات
الاحتلال قنص فلسطينيين لجئوا إليها،
مع العلم بأن هذه الكنيسة الأرثوذكسية
قررت منع بوش ورامسفيلد وبلير من
دخولها إلى الأبد بسبب ارتكابهم جرائم
حرب في العراق.
مواقف
المؤسسات الدينية الإسلامية
إذا
انتقلنا إلى الدائرة الإسلامية يُلاحظ
أن الخلافات الحادة التي شقت صفوف
المؤسسات الدينية الرسمية وأوساط
العلماء والفقهاء والحركات الإسلامية
في مطلع التسعينيات قد اختفت هذه المرة.
ويعود ذلك إلى تغير الإشكالية واختلاف
التحدي.
فالحرب
السابقة نتجت عن غزو العراق للكويت،
وضمها بالقوة. ورغم أن الغالبية
الساحقة لمختلف تلك الأطراف أنكرت
عملية الاجتياح والضم؛ فإنها اختلفت
حول إضفاء شرعية على استعمار بلد مسلم
بحجة تحرير شعبه من سلطة مستبدة.
وبالرجوع إلى البيانات والفتاوى التي
صدرت يلاحظ أن فقهاء السنة كفقهاء
الشيعة أعادوا ترتيب الأولويات مقدمين
حماية الأرض على الديمقراطية التي
يخوض الحلفاء الحرب باسمها.
وحول
هذه المسألة التقت المراجع الشيعية في
قم والنجف مع مشيخة الأزهر وفقهاء
الجزيرة العربية وشيوخ منطقة آسيا
الوسطى وعلماء تركيا ودمشق والمغرب
العربي، وذلك رغم طعن هذه الأطراف أو
غالبيتها في شرعية النظام العراقي
وتحميله مسئولية المأزق الذي تردت فيه
المنطقة منذ التسعينيات؛ إذ إن بعض
المراجع في إيران وجنوب العراق سبق له
أن كفرَّه، وأخرجه من الملة.
ولهذا
السبب، وفي مثل الأجواء الجديدة، وفي
ضوء المنطق الاستفزازي للإدارة
الأمريكية، وحجم الكوارث الإنسانية
الحاصلة في العراق، لم تجد الأصوات
القليلة التي حاولت إضفاء الشرعية على
الحرب الأمريكية على العراق من يتجاوب
معها أو حتى يناقشها.
ما
يلفت الانتباه هنا أن أصحاب الفتاوى
والمواقف المشار إليها لم يقفوا عند
حدود سحب الشرعية عن الاحتلال الأجنبي
للأراضي العراقية، وإنما نادوا
بالجهاد، وطالبوا بمقاومة القوات
الأمريكية والبريطانية، بل إن عالمًا
شرعيًّا عُرف بالحكمة والهدوء، وهو
مفتي الديار السورية، دعا العراقيين
للقيام بعمليات استشهادية؛ معتبرًا أن
مقاومة المحتل بكل الوسائل فرض عين.
وبما أن دعوة الجهاد لم تقتصر على مذهب
دون آخر، وتواترت بشكل واسع أصبح لا
مفر من أخذها في الاعتبار: من حيث
أهميتها ودلالاتها الدينية
والسياسية، وأيضًا من حيث تأثيرها على
تطورات هذه الحرب وتداعياتها، خصوصًا
إذا صدقنا الجهات الرسمية العراقية
التي تحدثت عن تدفق آلاف المتطوعين وما
ذكرته بعض الصحف من أن معظمهم جاءوا
بدافع ديني.
إطلالة
على خصوصية فتاوى الأزمة العراقية
في
هذا السياق نشير إلى الجوانب الآتية:
أ-
دعت بعض هذه الفتاوى أو المواقف إلى
محاربة الأمريكيين والبريطانيين،
وورد ذلك أحيانا بصيغ فضفاضة؛ مما يخشى
أن يأخذها بعض الشباب المتحمس على عموم
لفظها، ويسوغ بها الاعتداء على كل حامل
لجنسية أي دولة مما يسمى بدول التحالف،
وهو من شأنه أن يتسبب في انزلاقات
خطيرة، ويعمق الخلط الحاصل بين الجهاد
والإرهاب، ويخلق مزيدًا من المصاعب
للمسلمين في أماكن عدة من العالم.
ب-
عدد كبير من الفتاوى والنصوص التي صدرت
وصفت هذه الحرب بأنها صليبية، وهو
توصيف خاطئ؛ لأنها حرب اقتصادية
سياسية، وليست دينية. إضافة إلى وقوف
قطاعات واسعة من المؤسسات المسيحية
والرأي العام المسيحي ضدها، وبالتالي
فإن استخدام مصطلح الصليبية يعكس
انحرافًا في فهم طبيعة الصراع، ويضر
بالتحالف العالمي ضد الحرب، مما يخدم
في النهاية الصهاينة وأقصى اليمين
المسيحي في الولايات المتحدة.
جـ-
أوحت تصريحات بعض القياديين في حركات
إسلامية بأن وقت الاعتدال انتهى في
ممارسة الحركات الإسلامية، وأن
المرحلة تقتضي التصدي والاستعداد لضرب
المصالح الأمريكية في كل مكان. إن مثل
هذه التصريحات الحماسية لا تعكس نضجًا
أو وعيًا، يستبطن اعتبار الاعتدال
جريرة يجب ألا تتكرر مرة أخرى. إن
الاعتدال في الساحة الإسلامية يجب أن
يكون سمة متأصلة ونابعة من ثوابت
وأفكار مبدئية.
د-
بما أن غالبية أصحاب هذه الفتاوى
والمواقف لا يهدفون من ورائها إلى
توفير حصانة دينية إضافية لنظام
بغداد، وأن مقصدهم هو حماية أرض العراق
من غزو أجنبي أو وصاية استعمارية، وحتى
تكتسب رؤيتهم مزيدًا من العمق وتشكل
تحولاً نوعيًا في الفكر السياسي
الإسلامي، لا بد أن يقرنوا الجهاد في
الحالة العراقية، وفي كل حالة شبيهة،
بتأكيد ضرورة الشرعية للتحرير
الداخلي، وذلك بكسر القيود التي يعاني
منها العراقيون، وإطلاق الحريات، ودعم
مصالحة وطنية حقيقية ترتكز على
الديمقراطية والاحتكام للشعب واحترام
حقوق الإنسان.
فكما
أن حماية الأرض أصل من أصول الدين فإن
الحرية جوهر الإسلام والهدف الذي خُلق
من أجله الإنسان، وكل محاولة للفصل بين
الأرض والحرية هي خدمة للاستبداد
وتمهيد لافتقادهما معًا.
هكذا
يتداخل الدين والسياسة في موضوع الحرب
الأمريكية ضد العراق، وهو أمر ما كان
بالإمكان تجنبه، خصوصًا في منعطفات
ضخمة وأحداث كبرى من هذا الحجم، إضافة
لطبيعة الدين ومقاصده الحامية للحرية
والاستقلال والسلم.
والسؤال
الذي يطرح نفسه في هذا السياق: هل سترشد
هذه الحرب الفكر الديني، فتجعله يعيد
ترتيب الأولويات، ويرى في القتال
استثناء تفرضه ضرورات الدفاع عن الوطن
ومقاومة الهيمنة؟ أم أن المنطلق الذي
تُدار به هذه الحرب سيفتح الباب مرة
أخرى أمام تحويل الجهاد إلى نمط في
التفكير والحياة؟
للأسف،
إن تهديد الإدارة الأمريكية لسوريا
وإيران وغيرهما، وإعلان باول في هذا
الظرف العسير التزام بلاده حماية أمن
إسرائيل من خلال ضرب العراق وكل من
يهددها في المنطقة، كل هذه مؤشرات تدل
على أن محنة الفكر والدين ستستمر.
اقرأ
أيضًا:
وشارك
بالحوار حول هذه القضية في ساحة
الحوار:
**
كاتب تونسي، نقلاً عن صحيفة الحياة اللندنية.
|