|
ليس
أسوأ من الحرب التي تقودها أمريكا على
العراق إلا تلك الفتاوى اللاهثة وراء
الحرب، المتضاربة على ميولها، التي
يحرض أغلبها على الجهاد باعتباره فرض
عين على كل مسلم ومسلمة؛ لأن فرض العين
يطلب من جميع المسلمين -حكامًا
ومحكومين، جيوشًا وعامة، رجالا ونساء-
ترك بلادهم، والتوجه إلى العراق؛ حيث
أرض المعركة بين الكفر والإيمان، أو
بين الإسلام والشرك.
والفتاوى
بهذا التفكير تدل على يأس قاتل يعيش
فيه علماء الأمة، فضلا عن عامتها. يأس
قاد إلى السقوط في تكرار فتاوى تبرئة
الذمة أكثر مما يواجه واقع التفرقة.
وهذا اليأس المميت استلزم العودة إلى
مفردات فقهية تراثية تجاوزها العصر؛
لأن فرض العين يتنافى مع الجيوش
النظامية: المدربة، والمحكومة بسياسات
الدول وأهدافها.. فمن غير المنطقي
إخراج العامة للحرب من دون إعداد مسبق،
وإلا كان إلقاء للنفس في التهلكة.
وفرض
العين أيضًا يستوجب البحث في قضايا
أخلاقية كبيرة؛ مثل: الولاء والبراء،
وأرض الحرب وأرض السلم، أو مثل حديث
"أن من قتل قتيلا فله سلبه".. فرغم
أنه حديث صحيح فإن الزمن تجاوزه، بعد
أن أصبحت الحروب بالطائرات والدبابات
والقنابل التي لا تترك على ضحايا
الحروب من سلب قد ينتفع به العدو،
والبحث في هذه القضايا في الحالة
العراقية مرتبك.
فالعراق
دولة مسلمة تواجه عدوًّا غير مسلم،
ولكن هذا العدو له شركاء عرب ومسلمون
غير عرب. ولهؤلاء الشركاء جميعًا ماض
يؤرقهم مع النظام العراقي وحروبه
المتعددة، ولهم مفتون وعلماء دين
يأخذون بنصوص دينية تفيد بحتمية
الجهاد ضد الظالم المستبد الذي خاض
حروبًا ضد مسلمين، وأفتى له علماؤه
بأنه على صواب، وحدثت فوضى الفتاوى منذ
حرب العراق مع إيران.
فالمؤتمر
الشعبي الإسلامي الذي كان يعقد جلساته
في بغداد برئاسة الدكتور معروف
الدواليبي، خرج بفتوى تقول: إن إيران
هي الفئة الباغية التي يجب على كل
المسلمين محاربتها حتى تفيء إلى أمر
الله، وهي الفتوى التي عارضها علماء
آخرون لا يقلون قيمة، مثل: محمد
الغزالي، وعبد الحميد كشك، والشعراوي،
بل ذهبوا إلى أن العراق هو الذي بدأ
الحرب ضد الثورة الإسلامية في إيران؛
ربما خشية من أفكار الثورة، أو نيابة
عن أمريكا التي توعدت إيران الخارجة عن
طاعتها. وهكذا اختلط السياسي غير
المسلم بالديني المسلم، واستمرت
الفتاوى المتعارضة بعد غزو العراق
للكويت واحتلالها، واستدعاء أمريكا
لتحريرها.
فالعلماء
الرسميون للدول المتضررة من الحرب
أفتوا بجواز الاستعانة بالمشرك لدرء
خطر المسلم، واستدلوا في فتاواهم
باستعانة رسول الله صلى الله عليه وسلم
بعبد الله بن أريقط عندما كان دليله في
هجرته الشريفة من مكة إلى المدينة،
وقابل علماء دول الضد بفتوى تحرم
الاستعانة بغير المسلم ضد المسلم بأي
حال، وقالوا: إن موالاة غير المسلمين
على المسلمين يخرج المسلم عن الإسلام.
ويدفعنا
ذلك إلى التفكير في مدى جدوى تلك
الفتاوى، طالما أنها غير ملزمة لسياسة
الدول، وطالما لا توجد مرجعية دينية
توحد الفتاوى؛ لتخرج بفتوى واحدة تلزم
الحكام قبل الشعوب، وتستلهم الواقع
بقدر ما تستند إلى الموروث الفقهي،
وتدرك أن معظم شعوب العالم معنا، وأن
طرح قضية الجهاد يؤثر في علاقاتنا مع
هؤلاء البشر.. فالحرب على العراق هي حرب
"صدام بوش"، وطلب الجهاد لحماية
صدام الذي اختفى وطلب من المساكين أن
يتحولوا إلى قنابل أو دروع بشرية
يتنافى مع أبسط قضايا العدالة، ويزيف
حقائق كثيرة.
فإذا
كنا بحاجة إلى طرح الخلافات؛ فعلينا
التفكير بعقل واحد: سياسي وديني، وطرح
كل ذلك في برنامج واحد وبأطر مشتركة:
تنبذ الظلم أيًّا كان مصدره وأيًّا
كانت دوافعه، مع الأخذ في الاعتبار
أحقية كل دولة في الدفاع عن نفسها في
مواجهة أي ظلم: عربيًّا أم أمريكيًّا،
وإذا لم يسعفنا هذا الفكر المغالي في
المثالية والقطرية في آن؛ فعلينا
الارتقاء بمستوى الفقهاء سياسيًّا؛ لا
على مستوى كل دولة فقط، ولكن على مستوى
العالم الإسلامي بأسره لجبر هذا الكم
من التناقض بين ما هو فكري سياسي وما هو
ديني دنيوي، وحتى يمكننا جبر التفسير
اللاعقلي بين الذين يذهبون بأسامة بن
لادن إلى جعله ممن يستلهمون مواقف
الصحابة الكرام، ويلقبونه بالشيخ
أسامة، أولئك الذين لا يرون فيه سوى
مارق من الدين مفارق للجماعة مخرب
للديار.
وهذا
ينطبق على الذين ذهبوا إلى أفغانستان
لمحاربة الروس الكفرة، وهم لا يدركون
أنهم لعبة في يد أمريكا.. إن علماءهم
أفتوا لهم بأحقية الجهاد وهي فكرة
جميلة، ولكنها غير رشيدة.
وما
يحدث على الساحة العراقية الآن له مثيل
مما قبل، عندما حارب إيران والكويت.
المفتون يتسارعون لإعلان الجهاد، ونحن
نعتقد صدق سريرتهم. ولكن هذا الصدق
يرتبط بالسذاجة. فإذا كان الجهاد فرض
عين.. فأين يكون فرض العين؟ داخل
العراق؟ أم الامتناع عن المساهمة في
الجهود العسكرية للقوات الأمريكية؟
وهل هذا الامتناع يرتبط بحرية الملاحة
في الطرق البحرية: قناة السويس، ومضيق
باب المندب، ومضيق هرمز، أم يرتبط
بقواعد القوات المتحالفة؟ وإذا كانت
فتوى القرضاوي تقول بذلك.. فكيف تلزم
الحكومات؟ ثم كيف نربط فتواه بما حدث
في مقولته "سلطان غشوم خير من فتنة
تدوم"؟ أو الأقوال التي يقولها هو
وغيره عن ضرورة مقاتلة الفئة
الممتنعة؟ ثم كيف يمكن الاستهانة
بعلماء كويتيين لا يرون هذا الرأي
والأرض الكويتية تنطلق منها القوات
الأمريكية للدار التي يحرص العلماء
على جعلها بؤرة مناطق الجهاد.
وعلينا
أيضًا أن نوفِّق بين فتوى آية الله
السيستاني في النجف الأشرف، التي
أذاعها بعد بدء الحرب على العراق،
والتي اعتبر فيها الغزاة كفارًا يجب
مجاهدتهم، وفتوى سابقة للسيد باقر
الحكيم تحتم الجهاد ضد صدام. الأمر
يتطلب مرجعية دينية تأخذ في الاعتبار
الموروث الفقهي وما يرتبط بالسياسة
العربية والدولية بدلاً من هذه
الفتاوى المتعارضة، والتي تضر أكثر
مما تنفع.
اقرأ
أيضًا:
وشارك
بالحوار حول هذه القضية في ساحة
الحوار:
**
كاتب مصري، نقلاً عن صحيفة الحياة اللندنية.
|