بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

الثقافة والفكر |  السياسة | التاريخ والحضارة | علوم وتكنولوجيا | الاقتصاد والتنمية


الحرب الجائرة على العراق.. دراسة شرعية 

أ. محمد أحمد الراشد

20/03/2003 

أ. محمد أحمد الراشد

بين يدي هذه الرؤية الشرعية:

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على أول المجاهدين نبينا محمد سيد العرب والعجم، وعلى آله وصحبه الميامين أجمعين، الذين قاتلوا تحت لوائه ونصروا دين الله، وعلى التابعين لهم بإحسان، ممن كانوا لهم جنوداً في فتح الفتوح، وعلى من اهتدى بهديهم وعمل مثل عملهم الجهادي إلى يوم الدين.

أما بعد،،

فإن القضية العراقية قد أصبحت شديدة التعقيد بعد قبول العراق لقرار الأمم المتحدة بالتفتيش عن أسلحته وسجلاته وكشف أسرار المتعاملين معه، ومع أن حيثيات القرار الذي يسعون لاستبداله ونصوصه شديدة القسوة والانحياز إلى الرؤية الأمريكية وتؤدي إلى نتائج الحرب نفسها من استسلام الحكومة العراقية التام للرغبات الأمريكية، وفقدان الاستقلال وتدمير الأسلحة.. فإن أمريكا تبنت وتيرة عنيفة من الدعوة للحرب وتصعيد الأمور والتعبئة النفسية لشعبها وتكثيف الدعاية والحملة الإعلامية التي تهدف إلى غسل أدمغة جميع الشعوب وإقناعها بحق موهوم لأمريكا في التوكل عنهم للتدخل في تدمير أي دولة تشاء، ومع خطاب الرئيس الأمريكي في السابع عشر من مارس 2003 بات من المرجح تمامًا تحرك الولايات المتحدة وحليفتها بريطانيا لضرب العراق، تحت غطاء من القرار الدولي المنتزع بطريقة ملتوية عبر تأثير إرهاب جميع الدول وتهديدها، أو بدون غطاء دولي.

وهذه الدراسة الشرعية السياسية لا تحاول أن تضيف جديدًا إلى الفتاوى الصريحة المتكاملة لكبار علماء الإسلام في العصر الحاضر، أصحاب الفضيلة الشيوخ الأساتذة: عبد الكريم زيدان، ويوسف القرضاوي، وعبد الله قادري الأهدل، وفيصل مولوي، ومَن جرى مجراهم وأفتى بمثل ما أفتوا به من حرمة التعاون مع الحملة الأمريكية، وإنما تحاول تقريب فتواهم من نيل الإجماع بإضافة صوت آخر، وحث مَن لم ينطق بعد من علماء الشرع على إفتاء مثيل يحصل به الإجماع، فيتأكد المعنى، ثم تجديد إسماع قول الشرع لجمهور المسلمين مرة بعد مرة، وبصيغات عديدة، ليرسخ في القلوب، والاستشهاد بشواهد واقعية طرأت على القضية خلال الشهور الثلاثة الأخيرة بعد صدور الفتاوى المذكورة، ورد شبهات المتأولين الذين يجوِّزون لأنفسهم التعاون، مع إضافة لمسة عراقية خاصة إلى المنطق الفقهي والسياسي المتداول، مستمدة مما نعلم من طبيعة العراقي وخصوصية بعض جوانب القضية العراقية، ربما تغيب عن غير العراقي.

ثم في هذه الورقة زيادة حوار صريح مع المعارضة العراقية يؤسس الكثير من المعاني الخاصة النسبية في منطق التحريم والاحتياط تحتاجه المعاني المطلقة التعميمية الواردة في فتاوى العلماء، وتكون تفسيرًا لها يوضحها ويؤكدها. وذلك هو الذي حركني للقول والمشاركة رغم وفرة القول المبارك الذي ورد في فتاوى شيوخي الأفاضل، ولذلك فإني سوف لا أكرر إيراد النصوص الشرعية التي وردت في إفتاءات شيوخي، وإنما أركز على بيان الموازنات الشرعية وعلى الأحوال العراقية.

وواضح أن السبب الذي تتستر وراءه أمريكا من زعمها إزالة صدام يختلط بالمصالح الأمريكية المحضة الهادفة إلى فرض هيمنتها وسيطرتها العسكرية والأمنية والسياسية والثقافية والاقتصادية على المنطقة العربية كلها وبقية العالم الإسلامي، تبعًا لخططها الإستراتيجية التي حددت مفهومها للنظام العالمي الجديد والعولمة ذات القطب الواحد، وبذلك تظهر خطورة الأمر في الميزان الشرعي، بل وفي الميزان الإنساني العام، وموازين القانون الدولي: أنه عدوان ُأمة على ُأمة، ودولة على دولة، وقوي على ضعيف، ويزيد الوصف الشرعي على ذلك أنه عدوان بلد كافر على بلاد إسلامية، وفيه تحريض لدول كافرة أخرى على فرض هيمنتها الاستعمارية بدورها على شعوب إسلامية ترزح تحت سطوتها.

فعندما بدأت المسيرة نحو الحرب سارعت روسيا إلى الإعلان عن تدابير قمعية جديدة في الشيشان، وبدأت الهند التحرش بباكستان وبالمسلمين وقادتهم في كشمير وغيرها، كل ذلك تحت غطاء التحرش الأمريكي، وهو ما يجعل الفتوى ظاهرة الأدلة وتامة المنطق في حِل وتسويغ دفاع دولة العراق عن نفسها، ووجوب مساعدة دول العالم الإسلامي لها بحدود الاستطاعة، وتحريم تعاون أي دولة إسلامية أو فرد مسلم مع أمريكا في حربها هذه.

ويزيد الأمر وضوحًا أن هدف أمريكا المعلن هو إزالة الأسلحة العراقية الهجومية المتقدمة، والتي تشكل تهديدًا لإسرائيل، وهو ما يكشف عن قيام أمريكا بهذه الحرب، في جانب منها، وكالة عن إسرائيل، خوفًا من احتمالات المستقبل. والذي نفهمه أن امتلاك هذه الأسلحة إنما هو حق من حقوق أمة الإسلام مثلما هو حق الأمم الأخرى، وارتباطها بالمصالح الشخصية لحاكم يصنعها هو ارتباط وقتي لا يلغي ملكية الأمة لها، كما أن سوء استعمال الحاكم لها إنما هو سوء قليل في مقابل فوائد جزيلة يمكن أن تجنيها الأمة في صراعها مع إسرائيل.

ولا تطمع هذه الفتوى أن تغيّر الموقف التحالفي لتركيا مع أمريكا، فإن قرارها لا تغيره موعظة، ولا في الموقف الرخو لكل دول العالم العربي والإسلامي التي تمشي على استحياء وتنكر بنبرة خفيضة؛ إذ الأمر أكبر منها، وقد أبدت الولاء لأمريكا في الأول وفتح بعضها للجيش الأمريكي القواعد، فما تستطيع البراء في الآخر، ولكن مطمح هذه الفتوى أن توقظ بعض الحميّة في رجال مجموعتين اختلط عليهما الأمر اختلاطًا شديدًا مزج الحق بالباطل، فصعب التمييز:

المجموعة الأولى:

رجال المعارضة العراقية الشيعية ومَن حالفهم من العلمانيين العرب عبر مؤتمر لندن، فإنهم ارتضوا العمل المشترك مع أمريكا لإزالة صدام، وذلك خطأ كبير، ويستبدل ظلمًا بظلم، والظلم الأمريكي سيكون مرهقًا للعراق، وطويل المدى بالقياس إلى سيطرة صدام، والطريق الإسلامي الأصيل في التغيير السياسي يكمن في تعليم الشعب طريق التضحية ونيل حقوقه وإن طال الوقت، وشأننا مع الحاكم شأن داخلي، وإن كانت الاستعانة ضرورة فأحرى أن تكون بحكام بلاد الإسلام وجمهور المسلمين، وليس عبر دولة كافرة تهمها مصالحها الاستعمارية.

فلعل هذه الفتوى تكون فيها ذكرى لهذه المعارضة فتنتبه إلى مخاطر التعاون مع دول استعمارية، فتكون إفاقة، ويحصل استيعاب لتجارب في بلاد أخرى جثمت أمريكا فيها على صدور الشعوب، محتجة بالنجدة، بل ليس في خطب الرئيس بوش ما يشير إلى أنه ينجد أهل العراق ويغير الحكم برؤية ديمقراطية تنتظرها المعارضة، وإنما هو يركز على خلع صدام وتنصيب جنرال أمريكي ويواصل منع صناعة السلاح العراقي المتطور، وما كان الأمر خافيًا على قادة المعارضة؛ لأنهم في غمرة التعاون غير المتحفظ مع أمريكا أعلنوا استعدادهم، إذا استلموا الحكم من اليد الأمريكية، لتحجيم قدرات العراق العسكرية، وإبرام الصلح مع إسرائيل، وأن يطبقوا سياسات التطبيع، وتلك أخطر نتائج هذه الحرب، لأنها توفر الغطاء الأمني الذي تحتاجه إسرائيل عبر تحجيم الجيش العراقي وإلغاء صناعاته للسلاح المتطور والدخول في خطة السلم.

المجموعة الثانية:

الإخوة الأكراد في المعارضة العراقية، من الحزبين العلمانيين ومن حالفهم من بقية العلمانيين وحتى التجمعات الإسلامية الكردية، عبر مؤتمر لندن أيضًا، فإنهم في غمرة عشقهم لاستقلالهم، وفي ثنايا استذكارهم لبطش نالهم من صدام: أذنوا أن تكون أرض كردستان منطلقًا للجيوش الأمريكية وقاعدة ارتكاز لاستعمار العراق، وهذا قرار سياسي يحفه الخطأ من جميع وجوهه، وأخطر ما فيه أنه مجازفة تؤدي إلى انفصام العلاقات الاجتماعية داخل كتلة الشعب العراقي بعد الانفصام السياسي مع الحكومة، وسيكون ذلك شرخًا اجتماعيًا يتعمق بمستوى ما للجوانب النفسية والمعنوية من عمق في تكوين ذاكرة الشعوب، ومَن وافق من قادة الأحزاب الكردية على الحرب ورحّب بها فقد ارتكب مخاطرة تنال المستقبل الكردي قبل غيره.

هذا فضلاً عن أن توقيت الخطوة الاستقلالية يأتي في الزمن غير المناسب، وبوسيلة حربية استعمارية تدمر كل العراق وتقتل وتعيق الملايين من أبناء الشعب، والثمن بشع وضخم جداً وأكبر بكثير من سلعة الاستقلال المشتراة من الأمريكان، والنشيد القومي الكردي سينشد على أنغام آهات ملايين الأيتام والمعوقين والمرضى بأمراض مزمنة، أو أنين الفقراء الجائعين الذين سيحرمون الزراعة وأموال النفط معاً، والقومي الكردي الذي يرى في ذلك انتقاماً لما جرى من ظلم حكومي في كردستان، ويتشفى بذلك، لن يكون مصيباً، إذ المؤمن يربأ بنفسه عن مثل هذا الشعور الثأري، والخطأ لا يعالج بالخطأ، وهو إحساس طارئ في الساحة الكردية، فللأكراد تاريخ ناصع البياض مليء بصفحات الشرف في الوفاء لقضايا الإسلام العامة، بها نلهج ولها نذكر وننشر قبل الأكراد أنفسهم، وهي من مفاخرنا الإسلامية العامة التي رفعت رؤوسنا من قبل، ومنها نستمد ضوابط المواقف الصحيحة أمام الهجمة الأمريكية الحاضرة.

لكن جوانب الباطل والظلم مهما اتضحت في هذه الحرب فإنها عندي لا تحمل على الفتوى بفرضية حمل كل مسلم للسلاح والمشاركة في الدفاع عن العراق، كما ذهب المفتون، وذلك لعدم توفر جانب الأمن الجهادي، ووقوع المجاهد بين محنتين إذا جاهد: محنة ملاقاة العدو الأمريكي، ومحنة التصرفات غير الموزونة ولا المنضبطة بمعيار أو خطة، التي يمكن أن يبديها صدام نفسه وأعوانه من منتسبي حزب البعث والمخابرات، فإن الغوغائية هي الغالبة، والقياس على السوابق يشير إلى احتمال المجازفة، والعدوان على شخصية المجاهد المنجد الحُر الذي تحركه المحركات الإسلامية للدفاع عن أرض الإسلام ومصالح المسلمين ومكتسبات الأمة، ويأبى الغوغائيون إلا أن ينحرفوا بها نحو تمجيد الاستبداد، وقد يلقى المجاهد رَهَقاً ويصادف التفافًا عليه.

ولرجحان توقع ذلك أرى تجويز مشاركة المسلم متطوعًا في هذه الحرب في الصف العراقي، من دون إيجاب ذلك، وتسويغ تأخر مَن يتأخر، والاستسلام للقدر الرباني إذ هو يجري في مجاريه، أينما ستستقر، لانعدام "الأمن الجهادي"، ثم يكون لواذ الخطباء والوعاظ والكتّاب السياسيين بالإنكار القولي إذا استطاعوا، واعتصام سواد المسلمين المستضعفين بالإنكار القلبي على أمريكا ونظامها العالمي ومَن يحالفها ويعينها، وليس ذلك مما نزهد فيه أبداً، فإن هذا الإنكار أولى خطوات الاستدراك الواعي والرد المخطط الطويل النَفَس على الظلم الأمريكي وعلى الحكام المستبدين معا، والتربية الفردية على موجب عقيدة التوحيد وأصول الشرع المبين هي نقطة الانطلاق، وعلى أساسها يكون العمل الإسلامي الدعوي الجماعي المنظم، والتحالف العريض من أجل التغيير، والمؤمن يفتأ يرنو إلى الحرية، ويسير نحوها، لكنها لن تُهدى إليه من دولة تنافس من أجل النفط، ولا عبر استخذاء لإسرائيل في صورة سِلم، ولا عبر طموحات رئيس أمريكي يغامر بمستقبل بلاده ويدخل حرباً من أجل رشاوى وعمولات بليونية تغدقها عليه وعلى فريقه الأمني شركات النفط ومعامل السلاح.

والجهاد العيني الذي أفتانا به السادة العلماء أراه يكون بعد الحرب، لدفع الاحتلال وإجلاء المستعمر عن بلادنا إذا انتصرت أمريكا ولم يستطع الجيش العراقي وأهل العراق المقاومة، وأما أثناء الحرب فإني أخشى أن تكون مزاجية صدام أخطر على المجاهدين من نوايا الجنرالات الأمريكيين، أو أن تكون فوضوية الحزبي البعثي أو العميل المخابراتي أضر من حقد الجندي الأمريكي، ويشهد لصواب اجتهادي هذا في التوقف عن القول بعينية الجهاد على غير أهل العراق أننا لا نعلم استجابة جمهرة للفتوى العينية وذهابها للجهاد حتى الآن، وهو ما يدل على أنهم يعلمون ما في ذلك من مجازفة، بينما الإيمان ما يزال عامرًا في قلوب كثير من الناس والاستجابة للجهاد الواعي ممكنة، قياسًا على ذهاب الألوف إلى الجهاد الأفغاني الأول.

تابع بقية محاور الدراسة 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 


الثقافة والفكر |  السياسة | التاريخ والحضارة | علوم وتكنولوجيا | الاقتصاد والتنمية

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع