 |
|
ضحايا
الأمريكان في أفغانستان |
بادئًا
ذي بدءٍ حريٌّ بنا تحرير القول في مواقع
هذه الدول في التقسيم الفقهيِّ
التقليديِّ للدار، ثم تحديد مواقعها
ومواقع المقيمين فيها في منظومة الأمان
في الحسِّ الفقهيِّ، فضلاً عن تبسيط
القول في علاقة تلك الأحداث بالإرهاب
وفق ما أوردناه من تصورٍ.
إنَّنا
نعتقد أنَّ تأصيل القول في هذه النقاط
المذكورة سيقودنا إلى تحديد الحكم
الشرعيِّ المناسب بصورةٍ علميَّةٍ
منهجيَّةٍ منضبطةٍ، كما أنَّ ذلك سيكون
لنا عونًا على تجاوز الفتاوى المجرِّمة
أو المباركة التي أصدرها خلق كثيرٌ في
هذه الأحداث دون التفات إلى هذه
التحقيقات المنهجيَّة الضروريَّة في
المنظور الإسلاميِّ المنضبط والمتزن.
فهلمَّ إلى كشف اللثام عن هذه النقاط
الأساسية:
أولاً:
موقع الدول المذكورة في منظومة التقسيم
الفقهيِّ التقليديِّ للدار:
لئن
قسَّم الفقهاء الدار من حيث الأمان إلى
دار إسلام، ودار عهدٍ، ودار حربٍ،
واعتبروا الدار دار إسلام إذا كانت
الأحكام الظاهرة فيها إسلاميَّة وكان
المسلمون يمارسون فيها شعائرهم بحريَّة
وأمانٍ، وأما دار العهد، فقد عدُّوا
الدار التي تكون بينها وبين دار الإسلام
عهد وميثاق واتفاقيَّات وسوى ذلك، وأما
دار الحرب، فعنُوا بتعريفها بأنَّها هي
الدار التي يسود بينها وبين دار الإسلام
حالة الحرب الطاحنة، ولا يوجد بينها
وبين دار الإسلام معاهدة ولا ميثاق
مطلقا...
بناءً
على هذا التقسيم، فإنَّه يمكن للمرء
القول بأنَّ دولة إسرائيل تعتبر دار
حربٍ بالنسبة لعامَّة المسلمين؛ ذلك
لأنَّ ثمة حربًا ضروسًا معنويَّة
وحسيَّةً قائمةٌ بينها وبين الديار
الإسلاميَّة (=الدول الإسلاميَّة) بشكل
عامٍّ .
وأما
الولايات المتحدَّة الأمريكيَّة،
فإنَّها -إلى عهدٍ قريبٍ- تعتبر وفق ما
أوردناه من تعريف للدار، دار عهدٍ، ذلك
لأنَّ بينها وبين معظم الديار
الإسلاميَّة معاهدات واتفاقيَّات،
فضلاً عن أنَّ المسلمين يمارسون
شعائرهم فيها بأمن وأمان.
وأما
دولة أفغانستان، فإنَّها تعتبر -حسب
التقسيم الفقهيِّ للدار- دار إسلامٍ؛
لأنَّ الأحكام الشرعيَّة ظاهرة فيها،
ولأنَّ المسلمين يمارسون شعائرهم فيها
بأمنٍ وأمانٍ.
ثانيًا:
موقع المقيمين في هذه الدول في منظومة
الأمان في الحسِّ الفقهيِّ:
لقد
أسلفنا القول بأنَّ الإنسان يستحقُّ
الأمان والعصمة في دمه وماله وعرضه بأحد
الأمرين، وهما: الإسلام، والدار، فكل
مسلمٍ معصوم الدم والمال والعرض بحكم
إسلامه، وكل من يقيم في دار الإسلام أو
في دار العهد، يعتبر معصوم الدم والمال
والعرض.
وعليه،
فإنَّه يمكن القول بأنَّ المقيمين غير
المسلمين (=الصهاينة اليهود الحربيِّين)
في دولة إسرائيل لا يعدُّون آمنين لا
بأمان الدين ولا بأمان الدار، ولا تعتبر
دماؤهم ولا أموالهم ولا أعراضهم
معصومة؛ لأنَّهم لا يعتبرون دماءَ
المسلمين وأموالهم وأعراضهم معصومةً،
فكان الواجب أن يعاملوا بالمثل مصداقًا
لقوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ
اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ
وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ
يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ *
وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم
وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ
أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ
مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ
عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى
يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن
قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ
جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} (البقرة: 190-191).
وأما
بالنسبة للمسلمين المقيمين بين ظهراني
اليهود فإنَّ دماءهم وأموالهم وأعراضهم
معصومة بعصمة الإسلام، ولهم أمان الدين
فقط. وأما أمان الدار، فليس لهم، ولذلك،
فمن قتل منهم خطأً أثناء القتال بين
الأعداء وبين المسلمين، لم تجب دية في
قتله، وإنَّما تجب الكفَّارة فقط
مصداقًا لقوله تعالى: {فَإِن كَانَ مِن
قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ
مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ
مُّؤْمِنَةٍ} (النساء: 92). وإنَّما وجبت
الكفَّارة ولم تجب الدية؛ لأنَّ القتل
في هذه الدار ليست ممنوعا، والدية
إنَّما تجب بسبب الدار لا بسبب الدين،
وفي هذا يقول الإمام الشافعي ما نصُّه
".. فكان المؤمن في الدار غير الممنوعة
وهو ممنوع بالإيمان، فجعلت الكفارة
بإتلافه، ولم يجعل فيه الدية، وهو ممنوع
الدم بالإيمان..."[1].
وأما
بالنسبة للمقيمين في دار العهد كما هو
الحال في الولايات المتحدَّة، فإنَّهم
يعتبرون معصومي الدماء والأموال
والأعراض ما داموا فيها، لا يجوز قتلهم
ولا الاعتداء على أموالهم وأعراضهم
وممتلكاتهم، فمن قتل منهم خطأً، وجب على
القاتل الدية والكفارة مصداقًا لقوله
تعالى: {وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ
بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ
فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ
وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ
فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ
شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً
مِّنَ اللهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا
حَكِيمًا}" (النساء: 92)، ويؤكِّد
الإمام الشافعي هذا الأمر، فيقول: "فأوجب
الله بقتل المؤمن خطأً الدية وتحرير
رقبةٍ، وفي قتل ذي الميثاق الدية وتحرير
رقبةً، إذا كانا معًا ممنوعي الدم
بالإيمان والعهد والدار معًا..."[2].
على
أنَّ هذا الأمان والعصمة ثابتة لهم ما
داموا في دار العهد، فإذا تحوَّلوا عنها
-لأيِّ سببٍ من الأسباب- إلى دار حرب،
فإنَّه يزول عنهم الأمان والعصمة،
ويمسي حكمهم كحكم المقيمين في دار
الحرب، فمن قتل منهم خطأً، فلا تجب في
قتله دية ولا كفَّارة مطلقًا.
وأما
بالنسبة للمقيمين في دولة أفغانستان
فإنَّ لهم أمان الإسلام والدار معًا إذا
كانوا مسلمين، ولهم أمان الدار إذا
كانوا غير مسلمين، وهو ما يعني أنَّ كل
مقيم في تلك الدولة يعتبر معصوم الدم
والمال والعرض، ويعتبر آمنًا بأمان
الدين والدار معًا، أو بأمان الدار دون
الدين. وقد وردت نصوص متضافرة من الكتاب
والسنَّة تقرِّر هذا الأمر، وقد سبق أن
أشرنا إلى بعضها من قبلُ.
وعلى
العموم بهذا نتبيَّن من مواقع الدول
الثلاث في منظومة التقسيم الفقهيِّ
للدار، ومنظومة الأمان التي تحدَّث
عنها الفقهاء ذات يومٍ، وأصَّلوا فيها
القول أيَّما تأصيل. وإذ الأمر كذلك،
فحريٌّ بنا الانتهاء إلى تحديد ما نراه
حكمًا شرعيًّا مناسبًا وملائمًا
للأحداث التي جرت ولا تزال تجري في تلك
الدول الثلاث، وذلك كالتالي:
الحكم
الشرعي الأول: لقد أسلفنا القول
بأنَّ الإرهاب يكون مشروعًا إذا كان
ترويعًا لغير الآمن بأمان الدين
والدار، ولهذا فإنَّ ما وقع ولا يزال
يقع في دولة إسرائيل يعتبر إرهابًا
مشروعًا حثَّ عليه الشرع وأمر به في
ثنايا آيات وأحاديث عديدة وكثيرة،
ويعتبر وسيلةً جهاديَّةً أمر بها الشرع
بصورة مباشرة وواضحة في آية الأنفال
السابق ذكرها، والذين يُقتَلون في تلك
الأحداث الفدائيَّة والاستشهاديَّة
يعتبرون شهداء عند الله جلَّ جلاله
مصداقًا لقوله صلَّى الله عليه وآله
وسلَّم: "من قتل دون ماله فهو شهيد،
ومن قتل دون عرضه فهو شهيد" (صحيح مسلم
بشرح النووي، ج: 2، ص: 164).
على
أنَّه لا يحتاج المسلمون إلى إقناع
غيرهم بأنَّ تلك العمليَّات ليست
إرهابًا، بل ينبغي أن يوضِّحوا للناس
عامَّة بأنَّ هذا النوع من الإرهاب
مشروعٌ ومأمور به، ويعتبر من صميم
العقيدة الإسلاميَّة، ويجب على
المسلمين -حكَّامًا وشعوبًا- القيام به؛
حتى يتحرَّر المسجد الأقصى وتعود
الأراضي المغصوبة التي اغتصبتها قوى
الظلم والغدر وحلفاؤها. وبطبيعة الحال،
إنَّ ما تقوم به السلطات الصهيونيَّة
الغاشمة الغاصبة من سفكٍ للدماء وهتكٍ
للأعراض وإفسادٍ للأموال والممتلكات
ظلمًا وجورًا، يعتبر ذلك في المنظور
الإسلاميِّ إرهابًا محرَّمًا يستحقون
بسببه حدَّ الحرابة الذي سبقت الإشارة
إليه من قبلُ.
الحكم
الشرعي الثاني: ولئن قرَّرنا من قبل
أنَّ الإرهاب لا يكون مشروعًا إذا كان
ترويعًا للآمنين بأمان الدين أو الدار
سواء أكان الهدف منه تحقيق غرضٍ شرعيٍّ
مقطوعٍ به أو مظنون فيه، ولئن حقَّقنا
القول بأنَّ الولايات المتحدَّة
الأمريكيَّة تعتبر في منظومة التقسيم
الفقهيِّ دار عهدٍ، لذلك، فإنَّ ما وقع
في أراضيها في 11 سبتمبر من هجمات
واعتداءات على الأبرياء والممتلكات،
يعتبر ذلك إرهابًا لا يقرُّه الإسلام
ولا يأمر به؛ ذلك لأنَّ تلك الديار
تعتبر من المنظور الإسلاميِّ دار عهدٍ،
ويعتبر المقيمون فيها مسلمين أو غير
مسلمين معصومي الدماء والأعراض
والأموال؛ إذ إنَّهم يستحقُّون الأمان
والعصمة إما بسبب الدين والدار معًا (أمان
الإسلام وأمان الدار)، أو بسبب الدار
دون الدين (أمان الدار)، وبالتالي، فلا
يجوز لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن
يسفك دماءهم، أو يهتك أعراضهم، أو يعتدي
على ممتلكاتهم ما دام العهد والميثاق
قائمًا بينهم وبين المسلمين ممثَّلين
في أولياء أمورهم.
ولقد
وردت جملةٌ حسنةٌ من نصوص الكتاب
والسنَّة تنهى عن الاعتداء على
المقيمين في هذه الدار ولو كانوا غير
مسلمين، وتأمر بالبرِّ إليهم والقسط
معهم، ومن تلك النصوص قوله تعالى: {لاَ
يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ
يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ
يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن
تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ
إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (الممتحنة:
9). وقوله -صلَّى الله عليه وآله وسلَّم-:
"من آذى معاهدًا أو انتقصه حقَّه أو
أخذ ماله بغير طيب نفسه، فأنا حجيجه يوم
القيامة..." أو كما قال.
إنَّ
هذه النصوص وسواها تقرِّر وتؤكِّد
تحريم الاعتداء على المقيمين في دار
العهد، سواء أكانوا مسلمين أم غير
مسلمين، بل إنَّ قتل المقيم في هذه
الدار خطأً، تجب فيه الدية والكفارة،
كما تجب في قتل المؤمن خطأً في دار
الإسلام سواءً بسواء مصداقًا لقوله
تعالى: {وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ
بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ
فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ
وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ
فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ
شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً
مِّنَ اللهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا
حَكِيمًا} (النساء: 92).
وبناءً
على هذا، فليس ثمَّة مبرِّر شرعيٌّ
يعتدُّ به في الاعتداء على الأبرياء في
دار العهد أو دار الإسلام، وليس هنالك
أصلٌ شرعيٌّ معتبرٌ يمكن الاستناد إليه
لإعلان الجهاد ضدَّ المقيمين في هذه
الدار سواء أكانوا مسلمين أم غير مسلمين.
ما لم تتحوَّل هذه الدار إلى دار حرب.
فتصبح أحكامها كأحكام دار الحرب.
على
أنَّ إعلان الجهاد ضدَّ دار العهد أو
فسخ عقد الأمان المعطى للمعاهدين،
يعتبر حقًّا خاصًّا للإمام أو من
يفوِّضه، الشأن في ذلك كالشأن في إقامة
الحدود والقصاص، وإدارة شؤون الدولة،
وتجهيز الجيوش، وغير ذلك من الوظائف
التي يختصُّ بها ولي الأمر دون غيره.
والمقصد الشرعيُّ المبتغى من اختصاص
الإمام بهذه الوظائف تحقيق انتظام أمر
الأمَّة وتحقيق الاستقرار والأمن
والأمان لأفرادها، وقطع دابر الخلافات
والنـزاعات لتحقيق مصالح شخصيَّة أو
خاصَّة، فلو لم يختصَّ الإمام بهذه
الوظائف لأدَّى ذلك إلى الهرج والمرج في
المجتمعات؛ ذلك لأنَّ إعلان الجهاد أو
إقامة الحدود والقصاص يصبح محلَّ نزاع
وخصام بين الرعيَّة، فمن الوارد أن يعلن
فرد الجهاد، ويعلن آخر عدمه، كما أنَّه
من الوارد أن يدعو أحد إلى إقامة الحدود
بناءً على اجتهادٍ ترجَّح ويعلن آخر عدم
ذلك، فيتزعزع الأمن وينتشر الاضطراب،
فيضعف كيان الأمَّة وتذهب ريحها نتيجة
خلافاتها ونزاعاتها الداخليَّة.
وأما
إذا قصَّر الإمام أو ولي الأمر عن
القيام بواجب الجهاد المشروع، وامتنع
عن الدفاع عن بيضة الإسلام، فإنَّ
الجهاد إن كان لا بدَّ له من أن يعلن،
فإنَّه يجب أن يعلن على ذلك الإمام
بالقدر الذي يتناسب مع تقصيره
وبالأسلوب الذي يحافظ على الأمن
والاستقرار والنظام بعيدًا عن الشغب
والخروج المسلَّح الذي لا يكون ضرره
أكبر من نفعه في معظم الأحيان.
أَجَلْ
إنَّ الجهاد الذي نرومه في هذه الحالة
لا يعني بالضرورة جهادًا بالسيف،
ولكنَّه يعني جهادًا بالتي هي أحسن،
جهادًا بالنصح، والموعظة الحسنة،
والإقناع؛ ذلك لأنَّ عزوف الإمام عن
الجهاد يندرج -والحال كذلك- ضمن
المخالفات الشرعيَّة، وقد بيَّن
المصطفى صلَّى الله عليه وآله وسلَّم
مراتب وكيفيات تغيير المنكر وفق الظروف
والأحوال والمقامات.
ومهما
يكن من شيءٍ فإنَّنا نخلص إلى القول
بأنَّ الأحداث الأخيرة في الولايات
تعتبر ترويعًا للآمنين بأمان الدين
والدار، وبأمان الدار دون الدين،
ويعدُّ حرامًا في شرعنا مهما كانت
مبرِّراته وأسبابه، ويستحق فاعلوه
مسلمين كانوا أم غير مسلمين عقوباتٍ
صارمة تردعهم عن مثلها مستقبلاً. وبناءً
على هذا، فإنَّنا نربأ بالمسلمين كلَّ
المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أن
يكون لهم يدٌ أيُّ يدٍ في تلك الأحداث
الأليمة والمروِّعة إن تخطيطًا أو
توجيهًا أو تحقيقًا، ونربأ بأن يكون ذلك
أسلوبًا يقرُّه دين السلام والوئام
والأمن والأمان والاستقرار، ولكنَّنا
لا نستبعد أن تكون ثمَّة أيد خفيَّة
ماكرة خطَّطت لهذه الأحداث سعيًا منها
إلى الحيلولة دون الإقبال الرائع
والنمو المستمر الذي يحظى به هذا الدين
في الغرب، وهو ما يؤدِّي في النهاية إلى
ظهوره على الدين كلِّه كما أخبر جلَّ
جلاله. وعسى الله أن يحقَّ الحقَّ ويكشف
كيد الكائدين، ومكر الماكرين.
على
أنَّه لو ثبت يقينًا تورط مسلم أيِّ
مسلم -فردًا أو جماعةً- في تلك الأحداث
الأخيرة بناءً على تأويلٍ سائغٍ، مفاده
اعتقاد الولايات المتحدَّة دار حرب لا
دار عهدٍ، وذلك لمواقفها المتحيِّزة
لإسرائيل ومساندتها إيَّاها ومظاهرتها
لها على إخراج المسلمين من ديارهم في
فلسطين المحتلَّة ظلمًا وعدوانًا،
فإنَّ هذا التأويل على الرغم من وجاهته،
غير أنَّه لا يعتدُّ به سببًا شرعيًّا
وجيهًا لإعلان الأفراد الجهاد ضدَّ
الولايات المتحدَّة، أو فسخ عقد الأمان
العامِّ الذي بينها وبين الديار
الإسلاميَّة.. لأنَّ الإمام هو الذي
يملك حقَّ إعلان الجهاد ضدَّ دار الحرب
أو فسخ عقد الأمان العام المعطى لها،
ولا يملك أحدٌ هذا الحقَّ سواه.
ولهذا
فإنَّ إرهاب الأفراد أو الجماعات
الآمنين في دار العهد (=الولايات
المتحدَّة) لتحقيق غرضٍ شرعيٍّ مقطوعٍ
به متمثَّل في الدفاع والحفاظ على
كليَّة العرض والمال، يعتبر هذا
الإرهاب -كما قرَّرنا من قبل- حرامًا لا
يجوز للأفراد أو الجماعات القيام به لما
فيه من افتئات على الإمام، ولما ينطوي
عليه من فسخٍ لعقد الأمان العامِّ دون
إذن أو تفويض من الإمام... ويستحقُّ
المتورطون في هذه الأحداث عقوبةً
تعزيريَّة يقدِّرها الإمام وفق ما
يتناسب ودرجة الافتئات والإساءة إلى
الآمنين بأمان الدين أو الدار.
ثالثًا:
إنَّ ما يعيشه الشعب الأفغاني الأعزل من
تدميرٍ وهجومٍ وسفكٍ للدماء وهتكٍ
للأعراض وإهلاكٍ للأموال، يمكن
تكيِّيفه على مستويين، أولهما: الحرب
الأهليَّة القائمة بين الأفغان أنفسهم،
وأما المستوى الثاني فهو الدمار الذي
يلحق بها نتيجة اتهامها بإيواء من
تسمِّيهم واشنطن إرهابيِّين وفق تصورها
عن الإرهاب.
فبالنسبة
للمستوى الأول، تعتبر تلك الحرب فتنةً
نهى عنها الإسلام وحرَّمها بين
المسلمين، وأوعد القاتل والمقتول فيها
جميعًا بالنار مصداقًا لقوله تعالى:
"... أنَّه من قتل نفسًا بغير نفسٍ أو
فسادًا في الأرض فكأنَّما قتل الناس
جميعًا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس
جميعًا" (المائدة: 32)، ولقول رسول الله
صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: "إذا
التقى المسلمان بسيفهما، فالقاتل
والمقتول في النار، قيل: ما بال المقتول؟
قال: إنَّه كان حريصًا على قتل أخيه" (صحيح
مسلم بشرح النووي، ج11، ص 169-170)، ولقوله
صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: "لا
ترجعوا بعدي كفَّارًا يضرب بعضكم رقاب
بعضٍ" (صحيح مسلم بشرح النووي، ج11، ص:
169 - 170).
إذن،
يجب على الإخوة الأفغان أن يكفُّوا عن
سفك دماء بعضهم البعض طمعًا في مكاسب
دنيويَّة دنيئةٍ وسعيًا إلى الاستيلاء
على الكراسي على جثث الضحايا والضعفاء
من الولدان والنساء والعجائز.
وأما
بالنسبة للحملة العسكريَّة التي تقودها
الولايات المتحدَّة ضدَّ المتهَّمين في
أحداث نيويورك وواشنطن، فإنَّها تعتبر
اعتداءً وترويعًا وتخويفًا للآمنين
بأمان الدين وأمان الدار، ذلك لأنَّ
أفغانستان وفق التقسيم الفقهيِّ
التقليديِّ تعدُّ دار إسلام؛ لأنَّ
أحكام الإسلام فيها كانت ولا تزال
ظاهرة؛ وهو ما يعني أنَّ المقيمين فيها
سواء أكانوا مسلمين أم غير مسلمين
يعتبرون معصومي الدماء والأموال
والأعراض، ويستحقُّون أمان الدين
لأنَّهم مسلمون، كما يستحقُّون أمان
الدار لأنَّ دارهم دار إسلام، ولا يحلُّ
لأحد من البشر سفك دمائهم، أو الاعتداء
على أعراضهم وممتلكاتهم تحت أي ذريعة من
الذرائع. وإنَّ أيَّ اعتداء على دمائهم
أو أموالهم أو أعراضهم يعدُّ ترويعًا لا
يقرُّه الإسلام ولا يرضاه لأحدٍ من
البشر، كما لا يقرُّ الاعتداء على
الآمنين بأمان الدار في الولايات
المتحدَّة وسواها، فإنَّه لا يقره
أيضًا على الآمنين بأمان الدين في
أفغانستان. ولا يجوز لمسلمٍِ أن يعين
مسلمًا أو غير مسلم على قتل مسلمٍ أو
معاهدٍ ولو بشطر كلمةٍ، ومن فعل ذلك،
فقد أخبر رسول الله صلَّى الله عليه
وآله وسلَّم أنَّ ذلك سيهوي بصاحبه إلى
نار جهنم سبعين خريفًا[3].
وإذ
الأمر كذلك فإنَّنا ننتهي إلى تقرير
القول بأنَّ الدمار الذي لحق ولا يزال
يلحق بأفغانستان على أيدي الولايات
المتحدَّة وحلفائها نتيجة التهم التي
وجِّهت إليها والمتمثلة في إيوائها
أناسًا تعتبرهم الولايات المتحدَّة
والدول الغربيَّة إرهابيِّين -وفق
تصورهم عن الإرهاب- يعدُّ هذا الدمار في
الحسِّ الإسلاميِّ ترويعًا للآمنين
بأمان الدين والدار معًا، لا يقرُّه
الإسلام ويأمر جميع أتباعه العمل على
إيقافه، والبحث عن وسائل وسبل أخرى
لملاحقة ومحاكمة أولئك الذين تتهمُّهم
الولايات المتحدَّة في التورط في أحداث
نيويورك وواشنطن.
إنَّه
من الجدير ذكره أنَّ القوانين والأعراف
الدوليَّة برمتها تقرِّر بجلاءٍ كون
المتهَّم بريئًا حتى تثبت إدانته،
واتِّهام امرئٍ لا يعني إدانته، ذلك
لأنَّه من الممكن اليوم اتِّهام جميع
دول العالم وخاصَّة الدول الغربيَّة
وعلى رأسها الولايات المتحدَّة
بالإرهاب لإيوائها في أراضيها جماعاتٍ
وأفرادًا تعتبرهم دولهم إرهابيِّين وفق
مفهومهم للإرهاب، وتعدُّهم الولايات
المتحدَّة والدول الغربيَّة مناضلين من
أجل الحريَّة والديمقراطيَّة Freedom Fighters.
على
أنَّه لو ثبت يقينًا كون أولئك
المتهَّمين في الأحداث الأخيرة،
متورطين فيها فعلاً، فإنَّه لا يصحُّ
قانونًا أن تتولى الولايات المتحدَّة
محاكمتهم، ذلك لأنَّ الولايات
المتحدَّة تعتبر في هذه الحالة خصمًا،
وبالتالي، لا يمكن أن تكون حَكَمًا
وخَصْمًا في الوقت نفسه باتفاق جميع
قوانين العالم الوضعيَّة. ولهذا، فإنَّ
محاكمتهم يجب أن تكون على أيدي دولةٍ
أخرى يرتضيها كلا الطرفين: المتهمين
والولايات المتحدَّة.
وصفوة
القول: إنَّ الإسلام كلَّ الإسلام
بمبادئه السمحة وتعليماته السامية
القائمة على التسامح والتعايش السلميِّ
مع المعاهدين، لا يقرُّ بأي حالٍ من
الأحول إرهاب الآمنين بأمانه ولا إرهاب
الآمنين بأمان الدار (مقيمي دار الإسلام
أو دار العهد)، وينبذ الترويع والتخويف
والإساءة بكافة أشكاله إلى المعاهدين
والذميِّين ما دام العهد قائمًا، وما لم
ينقضوا العهد والميثاق.. بل إنَّ
الحربيَّ المستأمن يحرِّم الإسلام
الاعتداء على دمه وماله وعرضه ما دام
عقد الأمان قائمًا.. دين بهذا المستوى من
الترقِّي والإنسانيَّة والتسامح لا
يمكن له أن يأمر أتباعه -أفرادًا أو
جماعاتٍ- بسفك دماء الأبرياء الآمنين،
أو هتك أعراضهم، وإبادة ممتلكاتهم.
ولئن
حثَّ الدين على إرهاب الحربيِّين
وقتالهم، فإنَّما كان ذلك ردًّا على
العدوان ودفاعًا عن حمى الدين والنفس
والمال والعرض والعقل.. ولا يوجد قانون
على وجه الأرض لا يبيح للمظلوم ردَّ
الظلم والضيم والحيف قدر الاستطاعة.
وبهذا
يتبيَّن لنا -بجلاءٍ وبموضوعيَّة- مفهوم
الإرهاب من منظورٍ شرعيٍّ، كما يتضحُّ
لنا حكم الشرع في هذه الظاهرة
المعقَّدة، ونظر الشرع في الأحداث
الأخيرة التي ألَّمت بالولايات
المتحدَّة، وأفغانستان، وإسرائيل.
[1] انظر: الرسالة ص301-302.
[2]
انظر: الرسالة: ص301
اقرأ
بعض أوراق الملف:
-
-
-
-
الإرهاب وعلاقته بالأحداث الأخيرة في
أمريكا وأفغانستان وإسرائيل
-
|