English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

الثقافة والفكر |  السياسة | التاريخ والحضارة | علوم وتكنولوجيا | الاقتصاد والتنمية


الإرهاب.. بين الشريعة والـ "إف بي آي"

في مصطلح الإرهاب وأشكاله من منظورٍ شرعيٍّ

أ.د. قطب مصطفى سانو

01/03/2003 

لا يقبل الشرع ما حدث في 11 سبتمبر

إنَّ نظرةً متفحِّصة في تراثنا الفكريِّ والعقديِّ والسياسيِّ والفقهيِّ تهدينا إلى تقرير القول بأنَّ هذا التراث خلا من التعرض لذكر أيِّ تعريفٍ معتبرٍ لهذا المصطلح. بل إنَّ نصوص الكتاب الكريم والسنَّة النبويَّة الشريفة تجاوزت صياغة أيِّ تعريفٍ منضبطٍ له.

وقد وردت مادة رهب ومشتقاتها في حوالي 8 آيات من القرآن الكريم. ولا يشتمل أيٌّ منها على تعريف محدَّد لمصطلح الإرهاب.

وأما المدوَّنات الفقهيَّة وسواها، فلم تُعْنَ -إلى عهد قريبٍ- بذكر أدنى تعريفٍ لهذا المصطلح. وكل ما يعثر عليه المرء من تعريفات وتصورات لا تخلو من أن تكون اجتهاداتٍ معاصرة من لدن بعض الفقهاء المعاصرين الذين أفتوا بتجريمه أو بمباركته.

وإذ الأمر كذلك، فلننصرف إلى التعرف على بعضٍ من التعريفات التي جاد بها هذا الزمان، مقرِّرين منذ البداية بأنَّ عامَّة الباحثين في الفكر السياسيِّ والجنائيِّ المعاصر، يتفقون على استحالة إمكانيَّة صياغة تعريفٍ دقيقٍ للإرهاب يحظى بقبول عامَّة الباحثين والسياسيِّين، كما يتفقون على تأثر سائر تعريفاته بخلفيَّات واضعيها وتصوراتهم عنها؛ ما يجعل من المتعذر -إن لم يكن من المستحيل- صياغة تعريف جامع مانع يتفق عليه الناس، فما يعتبره البعض إرهابًا، يعتبره آخرون مقاومةً مشروعةً، ودفاعًا عن الحقوق الشرعيَّة المسلوبة وسواها، بل ما يراه البعض إرهابًا، يعدُّه بعض آخر جهادًا ودفاعًا عن حمى الدين والعقيدة والعرض والأرض.

ومهما يكن من شيءٍ، فلنعرض تعريفين معاصرين للإرهاب نخالهما هامَّين بحكم مصدرهما ومكانة واضعيهما التشريعيَّة في العالم المعاصر.

وأما التعريف الأول: فهو التعريف الذي انتهى إليه عددٌ من أهل العلم في مجمع البحوث الإسلاميَّة بالقاهرة في الآونة الأخيرة، وهذا نصُّه: "... الإرهاب هو ترويع الآمنين، وتدمير مصالحهم ومقومات حياتهم، والاعتداء على أموالهم وأعراضهم وحرياتهم وكرامتهم الإنسانيَّة؛ بغيًا وإفسادًا في الأرض".

وأما التعريف الثاني: فهو التعريف الذي يتبناه مكتب التحقيقات الفيدراليَّة الأمريكيَّة FBI، وهذا نصُّه: "الإرهاب عبارة عن الاستخدام غير القانوني للقوة أو العنف ضدَّ الأفراد والممتلكات لإجبار أو إرغام حكومة أو مجتمع مدنيٍّ لتحقيق أهدافٍ سياسيَّة أو اجتماعيَّة...".

وبالنظر في هذين التعريفين نجد أنَّ ثمَّة ملاحظات منهجيَّة وعلميَّة وموضوعيَّة عديدة ترد عليهما، وهي كالتالي:

أ - الافتقار إلى الموضوعيَّة والعلميَّة المنضبطة عند الصياغة:

إنَّ كلا التعريفين تضمنا تحديدًا مسبقًا لحكم الإرهاب قبل إعطاء تصورٍ كافٍ عن حقيقته، فتعريف مجمع البحوث الذي توصل إليه السادة الفقهاء قرَّر بأنَّ الإرهاب تخويفٌ وترويعٌ للآمنين من أجل البغي والعدوان والإفساد في الأرض، وبناءً على هذا، فإنَّه حرامٌ لا يقرُّه شرع من الشرائع السماويَّة، ذلك لأنَّ كلاًّ من البغي والعدوان والإفساد محرَّم تحريمًا قاطعًا بمقتضى نصوصٍ شرعيَّةٍ قطعيَّةٍ في الكتاب والسنَّة.

وأما تعريف مكتب التحقيقات، فإنَّه قام هو الآخر على تحديدٍ مسبقٍ لحكم الإرهاب من المنظور القانوني، إذْ إنَّه عدَّه استخدامًا غير قانونيٍّ للقوَّة والعنف ضدَّ الأشخاص والمجتمعات والحكومات من أجل تحقيق أهدافٍ سياسيَّةٍ أو اجتماعيَّةٍ، ويعني هذا أنَّ الإرهاب مخالفةٌ صارخةٌ للقانون، ومخالفة القانون جريمةٌ يعاقب عليها فاعلها.

ب - التعميم غير العلميِّ المنضبط لموقع المرهب:

اتسمَّ كلا التعريفين بانتهاج العموميَّة والإطلاقيَّة غير المقيَّدة على مستوى تحديد طبيعة ومكانة المرهب في منظومة الأمان من المنظور الإسلاميِّ والمنظور القانونيِّ، فتعريف المجمع عني بتقرير القول بأنَّ الإرهاب ترويع للآمنين، ولم يحدِّد مصدر الأمان لأولئك الأشخاص في المنظور الإسلاميِّ، كما لم يحدِّد مدى استحقاق وعدم استحقاق أولئك الأشخاص الأمان في ذلك المنظور.

وقد كان حريًّا به الإشارة إلى مصدر الأمان وموقع المرهب في منظومة الأمان في الحسِّ الإسلاميِّ.

وأما تعريف مكتب التحقيقات، فلم يخل هو الآخر من هذا التعميم غير العمليِّ، ذلك لأنَّه اعتبر كلَّ الإرهاب استخدامًا غير قانونيِّ للقوَّة، ولم يحدِّد المعيار الذي يستند إليه في تحديد قانونيَّة وعدم قانونيَّة استخدام القوَّة. كما أنَّه تجاوز تحديد مدى استحقاق وعدم استحقاق أولئك الأشخاص المرهوبين الأمان من المنظور القانونيِّ. ولهذا، فقد كان حقيقًا عليه الإشارة إلى مصدر الأمان وموقع المرهب في منظومة الأمان في القانون.

جـ - التعميم غير العلميِّ لأهداف الإرهاب:

من الملاحظ على كلا التعريفين التعميم على مستوى الأهداف، حيث إنَّهما اعتبرا أهداف الإرهاب كلِّ الإرهاب أهدافًا غير مشروعةٍ، وبالتالي، فإنَّه لا بدَّ له -والحال كذلك- من أن يكون حرامًا من المنظور الإسلاميِّ، وأن يكون جريمةً من المنظور القانونيِّ. ويعتبر تعريف المجمع أكثر تعميمًا، ذلك لأنَّه عدَّ أهداف وغايات الإرهاب كلِّ الإرهاب بغيًا وعدوانًا وفسادًا في الأرض. ولا يخفى ما في هذا التعميم من عدم الموضوعيَّة والواقعيَّة، إذ إنَّه من المعروف لدى أولئك السادة وغيرهم وجود أنواعٍ من الإرهاب لا يروم البغي ولا العدوان ولا الإفساد في الأرض، وإنَّما يسعى إلى تحقيق أهدافٍ مشروعةٍ في نظر الشارع حينًا، وفي نظر القانون حينًا آخر، ما يجعل اعتبار تعميم أهداف الإرهاب منهجًا غير علميٍّ.

ولهذا، فإنَّنا لا نخال تعريف أولئك السادة الفقهاء في مجمع البحوث تعريفًا علميًّا دقيقًا، وخاصَّة إذا علمنا اليوم أنَّ جميع دول العالم تسلِّح نفسها وترفع من قدراتها وصناعاتها العسكريَّة إرهابًا لغيرها وترويعًا للطامعين في أمنها وخيراتها، ويعرف هذا التسلُّح في لغة العسكريِّين بالتسلُّح السِّلميِّ، ولا يصحُّ عقلاً ولا شرعًا اعتبار هذا النوع من الإرهاب بغيًا وعدوانًا وفسادًا في الأرض. وثمَّة مثل فرنسي يقول:  Celui qui prepare la guerre prepare la paix (من يستعدُّ للحرب يستعدُّ للسلام).

وأما تعريف مكتب التحقيقات، فإنَّه تجاوز هو الآخر التنصيص على جانب مشروعيَّة وعدم مشروعيَّة أهداف الإرهاب، إذْ إنَّه اكتفى بتقرير القول بأنَّ ثمة أهدافًا اجتماعيَّة وسياسيَّة يسعى الإرهابيُّ إلى تحقيقها، ولم يبيِّن ـ في خضم هذا ـ مدى مشروعيَّة وعدم مشروعيَّة تلك الأهداف. وعليه، فلقد كان حريًّا بكلا التعريفين الابتعاد عن هذا التعميم ذلك لأنَّ أهداف الإرهاب وغاياته متعددة، وتختلف من إرهابيِّ إلى إرهابيٍّ؛ ما يجعل حكمه مختلفًا نتيجة اختلاف أهدافه وغاياته، سواء في المنظور الإسلاميِّ أو في المنظور القانونيِّ ذاته.

على أنَّ ضبط أهداف الإرهاب ضبطًا محكمًا من شأنه ضبط حكمه في المنظور الشرعيِّ وفي المنظور القانونيِّ، ولا يمكن بأيِّ حالٍ من الأحوال ضبط حكمه تحليلاً وتحريمًا ما لم يتمَّ ضبط الأهداف والغايات من ورائها، وما لم يتمَّ تحديد موقع المرهب في منظومة الأمان في المنظور الشرعيِّ وفي المنظور القانونيِّ.

وصفوة القول أنَّنا نعتقد أنَّ أيَّ تعريفٍ للإرهاب ينبغي أن يتضمن التفاتًا إلى مدى مشروعيَّة وعدم مشروعيَّة أهدافه وغاياته من المنظور الشرعيِّ ومن المنظور القانونيِّ، إذْ إنَّه من شأن الأهداف التأثير على حكم الإرهاب في المنظور الشرعيِّ أو القانونيِّ إن تحليلاً أو تحريمًا، كما يجب أن يتضمن -قبل ذلك- تحديدًا لموقع المرهب في منظومة الأمان من المنظور الشرعيِّ والمنظور القانونيِّ، وبتعبير آخر لا بدَّ من اشتمال تعريفه على تفريقٍ بين من يجوز إرهابه وترويعه، وبين من لا يجوز إرهابه، ذلك لأنَّ عدم التفريق بين مرهَب ومرهَب (مرهوب) يجعل التعريف فضفاضًا منسابًا لا يمكن ضبط حكمٍ علميٍّ له شرعًا أو قانونًا.

وبناءً على هذه الملاحظات، فلئن جاز لنا أن نقدِّم تعريفًا للإرهاب من منظور شرعيٍّ، فإنَّنا سنقول إنَّه يراد به:

الترويع الحسيُّ أو المعنويُّ المقصود للآمن - فردًا أو جماعةً أو دولةً - بأمان الدين أو الدار، أو غير الآمن بأمانهما من أجل تحقيق غرضٍ شرعيٍّ مقطوعٍ به أو مظنون فيه، أو من أجل تحقيق غرض غير شرعيٍّ معتبرٍ مطلقًا.

إنَّ الإرهاب وفق هذا المنظور يشمل جميع أشكال تخويف الإنسان وترويعه سواء أكان ذلك من خلال الاعتداء عليه اعتداءً ماديًّا محسوسًا، أم اعتداءً معنويًّا غير محسوسٍ متمثَّل فيما يمكن تسميته بالاعتداء الاعتباريِّ كالقذف والشتم والسبِّ، وإلصاق أبشع التهم، وسوى ذلك، كما يشمل ترويع الآمن بأمان الدين أو الدار (المسلم أو المعاهد في دار الإسلام أو في دار العهد)، وترويع غير الآمن بأمانهما (الحربي في دار الحرب)، فضلاً عن ذلك، فإنَّ هذا الترويع كما يكون للفرد يمكن له أن يكون لجماعةٍ أو لدولةٍ برمَّتها بغضِّ النظر عن الدين والجنس والعرق واللون والمكانة الاجتماعيَّة والسياسيَّة والفكريَّة، ويعتبر في جميع هذه الأحوال إرهابًا.

وأما بالنسبة لأهداف الترويع، فإنَّها لا تخلو من أن تكون أهدافًا شرعيَّة مقطوعًا بها أو مظنونًا فيها، وربما كانت أهدافه غير شرعيَّة مطلقًا، وفي كل الأحوال لا يخلو الإرهاب من غرضٍ شرعيٍّ مقطوعٍ أو مظنونٍ فيه، أو غرضٍ غير شرعيٍّ ولا معتبر بتاتًا.. على أنَّ شرعيَّة الأهداف وعدم شرعيَّتها، وقطعيَّتها وظنِّيَّتها، راجعة إلى الشرع.

فالإرهاب وفق هذا التصور، يولي اهتمامًا واضحًا بموقع المروَّع (المرهب) في منظومة الأمان في المذهبيَّة الإسلاميَّة. كما يشير بطريقة غير مباشرة إلى مصدر هذا الأمان في الحسِّ الإسلاميِّ. وفضلاً عن ذلك، فإنَّه يحاول الالتفات إلى جانب المشروعيَّة وعدمها في أهداف الإرهاب، وجانب القطعيَّة والظنيَّة في تلك الأهداف. ويقرِّر هذا التعريف بطريقة غير مباشرة أنَّ للإرهاب أحكامًا متعددة ومختلفة باختلاف طبيعته، وأهدافه، ما يجعل الانتهاء إلى تقرير حكمٍ عامٍّ له محلَّ نظر ونقدٍ.

ثانيًا: في أشكال الإرهاب في ضوء التصور السابق:

إنَّ التأمل فيما ذكرناه آنفًا من تعريفٍ للإرهاب، نجد أنَّ الإرهاب لا يخلو من أن يكون ترويعًا للآمن بأمان الدين أو الدار من أجل تحقيق غرضٍ شرعيٍّ مقطوعٍ به، أو يكون ترويعًا للآمن بأمان الدين أو الدار من أجل تحقيق غرضٍ شرعيٍّ مظنون فيه، أو يكون ترويعًا للآمن بأمان الدين أو الدار من أجل تحقيق غرضٍ غير شرعيٍّ مطلقًا، كما لا يخلو من أن يكون ترويعًا للآمن بأمان الدين أو الدار من أجل تحقيق غرضٍ غير شرعيٍّ يقينًا، أو يكون ترويعًا لغير الآمن بأمان الدين أو الدار من أجل تحقيق غرضٍ شرعيٍّ معتبرٍ قطعًا أو اجتهادًا.

وفضلاً عن ذلك، يمكن له أن يكون الإرهاب ترويعًا لغير الآمن بأمان الدين أو الدار من أجل تحقيق غرضٍ غير شرعيٍّ مطلقًا.. وبناءً على هذا، فإنَّه يمكن تقرير القول بأنَّ للإرهاب ستَّة أشكال، على النحو التالي:

أشكال الإرهاب المحتملة

الغاية من الإرهاب

موقع المرهب في منظومة الأمان

الأشكال

تحقيق غرض شرعيٍّ مقطوع به

الآمن بأمان الدين أو الدار

الشكل الأول

تحقيق غرض شرعيٍّ مظنون فيه

الآمن بأمان الدين أو الدار

الشكل الثاني

تحقيق غرض غير شرعيٍّ

الآمن بأمان الدين أو الدار

الشكل الثالث

تحقيق غرض شرعيٍّ مقطوع به

غير الآمن بأمان الدين أو الدار

الشكل الرابع

تحقيق غرض شرعيٍّ مظنون فيه

غير الآمن بأمان الدين أو الدار

الشكل الخامس

تحقيق غرض غير شرعيٍّ

غير الآمن بأمان

 الدين أو الدار

الشكل السادس

وبهذا نصل إلى نهاية عرضنا لتصورنا المتواضع عن المراد بمصطلح الإرهاب وأشكاله من منظورٍ شرعيٍّ، مؤكِّدين أنَّ هذا التصور اجتهاد منَّا قائمٌ على التأمل والتمعن في أهمِّ القضايا والمسائل المرتبطة بهذه الظاهرة القديمة الجديدة.

وفي ضوء هذا التصور، يمكننا أن نفزع إلى تحديد حكم الشرع المفصَّل لكلِّ شكلٍ من هذه الأشكال مقرِّرين منذ البداية بأنَّه ليس من المقبول شرعًا اعتبار جميع أشكال الإرهاب حرامًا، أو اعتبار جميع أشكاله حلالاً، فتحديد حكمه إن تحريمًا أو تحليلاً يحتاج إلى تأملٍ وتؤدة وتمعنٍ، كما يحتاج إلى اجتهادٍ مقاصديٍّ رصينٍ رشيدٍ قائمٍ على مراعاة مقاصد الشرع عند الهمِّ بإصدار حكمٍ معيَّنٍ لهذه الظاهرة.. وليس من المقبول قانونًا اعتبار جميع أشكال الإرهاب غير قانونيَّة، أو اعتبار جميع أشكاله قانونيَّة. وتوضيح المسألة بهذه الصورة سيتم خلال الورقة التالية.

اقرأ بعض أوراق الملف:

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 


الثقافة والفكر |  السياسة | التاريخ والحضارة | علوم وتكنولوجيا | الاقتصاد والتنمية

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع