بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

الثقافة والفكر |  السياسة | التاريخ والحضارة | علوم وتكنولوجيا | الاقتصاد والتنمية


شرعية فرض العقوبات على الشعوب.. العراق نموذجًا

أ. إسماعيل شوكري

17/08/2002 

ماذا جنى هذا الطفل ليسوموه القتل البطيء؟

عاش الشعب العراقي المسلم منذ سنة 1991م تحت حصار جائر فرضته عليه الولايات المتحدة تنفيذًا لعقوبات دولية استُصدرت من الأمم المتحدة، وذلك عند غزوه لدولة الكويت يوم 20 أغسطس/آب 1991.

ولا يختلف اثنان على أن غزو الكويت كان جريمة تاريخية شنعاء، وتعتبر أكثر شناعة عندما يكون هدفها ودوافعها سياسية محسوبة بطريق الخطأ، كما لا يختلف أحد في أن غزو الكويت لم يأت عبر استفتاء شعبي عام يصوت الشعب العراقي فيه على ضم إمارة الكويت لتكون الإمارة رقم 19 من إمارات العراق. وهو أمر خطير وجلل، إنما كان بقرار أحادي وانفرادي اتُّخذ في ساعة الغلس، لأن العادة جرت على أن الشعوب العربية لا تُصوِّت أو تُستشار في الأمور المهمة والخطيرة في تاريخ البلاد، وإنما حسبها من الديمقراطية أن تصوت لصالح بقاء الحكام.

بناءً على ما تقدم كان من نتائج هذه الغلطة أن تكالبت على العراق الأمم المتحدة مدفوعة من الخلف بالولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، وأصدرت في حقه عدة قرارات بعقوبات عسكرية واقتصادية.

ويعلم الجميع أن هذا التكالب ليس من أجل سواد عيون دولة الكويت، ولكن من أجل تحقيق أهداف كانت موقوفة في المنطقة إلى حين، وقد حان وقت الوصول إليها. فأعطى العراق بذلك ورقة ثمينة للولايات المتحدة تُسهم في إحكامها السيطرة على المنطقة العربية، وعلى الموارد النفطية فيها.

وفي هذه الورقات سأحاول النظر في شرعية هذه العقوبات، ومدى تناسبها مع التشريع الإسلامي - الذي يدين به المسلمون، والذي من المفترض أن يكون هو الحكم بينهم - ومع المواثيق الدولية التي تتشدق الولايات المتحدة بأنها تسير على هداها.

فرض العقوبات على الشعوب رؤية شرعية:

العقوبات الدولية إجراء أو مجموعة إجراءات تتخذها الأمم المتحدة في حق بلد أو عدة بلدان؛ من أجل الضغط عليها لتغير سلوكها السياسي أو الاقتصادي أو العسكري أو الاجتماعي.

وتعريف العقوبة الدولية بهذا الإطلاق يهدف إلى وضع العقوبات الصادرة عن الأمم المتحدة في إطارها الحقيقي، بعكس بعض التعريفات التي تحصر هدف العقوبات في رد العدوان العسكري أو المعاقبة على امتلاك الأسلحة المحظورة أو الاتجار في المخدرات. فكثير من الدول المماطلة أو الرافضة لبعض التوصيات أو القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة، أو الحاملة لتصورات خاصة عن حقوق الإنسان والمرأة والطفل، تختلف مع المواثيق الدولية، معرضة بشكل من الأشكال للعقوبات السياسية والاقتصادية.

فكما تفرض الأمم المتحدة العقوبات من أجل الحدِّ من أسلحة الدمار الشامل، ومن أجل الحد من انتشار المخدرات، أو من أجل رد عدوان عسكري، فإنها أيضًا تفرض عقوبات من أجل تغيير السلوك الاجتماعي والثقافي في البلاد المستهدفة، أو تغيير التشريعات الوطنية لتتلاءم مع التشريعات والمواثيق الدولية.

وتتمثل العقوبات الواقعة في مثل هذه الحال في منع أو تأخير المساعدات الاقتصادية أو منع الاقتراض من البنك الدولي أو الاعتراض على القروض الممنوحة من قِبَل البنوك الدولية الأخرى، أو الضغط من خلال مشكلة سياسية أو اقتصادية داخلية، إلى غير ذلك… فكل هذه تعتبر عقوبات حقيقية تُفرض على الشعوب، والشعب هو الذي يتحمل أذاها وآلامها بغير موجب شرعي أو عقلي أو قانوني.

طبيعة فرض العقوبات على الشعوب

معنى فرض العقوبات على شعب بكامله أن الأمم المتحدة عندما تتخذ إجراء بمعاقبة دولة ما بهدف تغيير سياسة ما عندها، فإن هذه العقوبة تنزل على جميع أفراد الشعب، الرجل والمرأة الشيخ والطفل والعاقل والمجنون، بل وتمتد إلى الحيوان والبيئة وسائر مرافق المجتمع الاقتصادية والاجتماعية.

وهذا الأسلوب من العقاب لا تجده في دين من الأديان ولا قانون من القوانين الوضعية، وإنما ابتكرته الولايات المتحدة منذ مطلع القرن العشرين لمعاقبة الدول الخارجة عن طوعها، فهو أسلوب من أساليب الضغط تهدف من ورائه الولايات المتحدة إلى فرض سياستها العسكرية والاقتصادية، وأسلوب حياتها، وأنماط علاقاتها الاجتماعية على الشعوب، وذلك على أساس فلسفة داروينية[1]  مستبدة، ضاربة عُرض الحائط بسائر الشرائع والقوانين والمواثيق الدولية.

فرض العقوبة في التشريع الإسلامي

الأصل في التشريع الجنائي الإسلامي أنه "لا تزر وازرة وزر أخرى"، وأن "كل جان جنايته عليه"، و"أن العقوبة تقدر بقدر الجريمة"، و"أن العقوبة قاصرة وغير متعدية".

فعلى أساس هذه القواعد المجملة يرفض التشريع الإسلامي أن تفرض العقوبات على شعب بكامله، تحت أي ذريعة، لما فيها من الظلم والتعسف والإسراف والاعتداء على غير الجناة، والإهلاك للحرث والنسل والإفساد في الأرض. فالله سبحانه وتعالى يقول: "وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ" (النحل: 126)، وقال سبحانه: "فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ" (البقرة: 194). فلا يجوز في العقوبة الزيادة والإسراف قطعًا؛ لأن الزيادة تعتبر تعديًا منهيًا عنه بقوله تعالى: "وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ" (المائدة:87).

وقد اتفق الفقهاء على أن مبنى القصاص على المساواة، فلا يجوز فيه الإسراف والزيادة. وذلك لقوله تعالى: "وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي القَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُوراً" (الإسراء: 33).

قال المفسرون في تفسير هذه الآية: "فلا يسرف في القتل؛ أي: لا يتجاوز الحد المشروع فيه، فلا يقتل غير قاتله، ولا يمثِّل بالقاتل كعادة الجاهلية؛ لأنهم كانوا إذا قُتل منهم واحد قتلوا به جماعة، وإذا كان القاتل غير شريف لم يقتلوه، وقتلوا به شريفًا من قومه، فنُهِيَ عن ذلك.

وفي مبالغة إسلامية في تحري العدالة، ولكي لا يُظلم أحد مهما كان عند تنفيذ العقوبة، صرح الفقهاء أنه إذا وجب القصاص على امرأة حامل لا تُقتل حتى تضع حملها، وإذا وضعت لا تُقتل حتى تسقي ولدها اللبن؛ فإن لم يكن للولد مَن يرضعه فلا يجوز قتلها حتى يجيء أوان فطامه، لما ورد في الحديث: "‏المرأة إذا قتلت عمدا لا تُقتل حتى تضع ما في بطنها إن كانت حاملا وحتى تكفل ولدها…"؛ لأن في قتل الحامل قتلاً لولدها، فيكون إسرافًا في القتل، والله سبحانه قال: "فَلاَ يُسْرِف فِّي القَتْل"، ولأن في القصاص من الحامل قتلاً لغير الجاني، وهو محرم، إذ قال الله تعالى: "ولا تزر وازرة وزر أخرى" كما جاء في المغني لابن قدامة.

فهذه هي معايير ومقاييس العقوبة في الإسلام، فالشريعة لا تقبل الإسراف ولا التعدي تحت أي ذريعة أو سبب. فلا يوجد في الشرائع السماوية أو في القوانين الدولية وعند ذوي العقول الكاملة ما يبرر معاقبة الطفل والشيخ والمرأة، ولا ما يبرر أن تشمل العقوبة عموم الناس، سواء في ذلك العاقل منهم وغير العاقل.

وإذا غادرنا الشريعة إلى منطق التشريعات والقوانين الدولية نجد أن العقوبة لا تنزل إلا بالمجرمين والمشتركين في الجريمة. فهل صوَّت الشعب العراقي لصالح ضم إمارة الكويت لتكون الإمارة التاسعة عشرة من إمارات العراق؟ وحتى إن صوَّت فإن فيه الممتنعين عن التصويت والرافضين لقرار الضم، بالإضافة إلى الذين لم يبلغوا سن التصويت. فهل يحق أن يُشمل هؤلاء بالعقوبة؟

إن من قواعد العقوبة أن "كل جان جنايته عليه"، وقد حسم القرآن هذه القواعد وزينها بقاعدة جليلة قوامها "ولا تزر وازرة وزر أخرى".

والفقهاء يقولون بأنه لا يجوز في الحروب قتل من لا يحمل السلاح من الصبيان والمجانين والنساء والشيوخ "الكبار" والرهبان والزمنى والعميان - بلا خلاف - إلا إذا اشتركوا في القتال، أو كانوا ذوي رأي وتدبير ومكايد في الحرب، أو أعانوا الكفار بوجه من الوجوه. كما لا يجوز الاعتداء على الأسرى، بل يجب الإحسان إليهم.

لكن العقوبات الدولية المفروضة على الشعوب لا تراعي هذه القواعد والمعايير؛ لأنها لا تؤمن بها، ولأنه ليس من أهدافها وضع عقوبة محددة لجريمة معينة، وإنما الهدف أكبر من ذلك.

ولذلك فالعقوبات الدولية غير مقبولة في التشريع الإسلامي؛ لما فيها من إفساد وإهلاك للحرث والنسل؛ فانظر في تقارير منظمة الأغذية والزراعة "الفاو"، وسائر المنظمات الأخرى المستقلة لترى مدى الفساد الذي يعم البلاد المستهدفة بالعقوبات الدولية، ودولة العراق على رأسها، سواء في المجال البيئي أو الصحي أو المجالات التنموية الأخرى، حيث فسدت المياه الصالحة للشرب، وهو ما سبَّب انتشارًا كبيرًا للأمراض، خاصة أمراض الأطفال، فلا تملك الدول المستهدفة ما تُصلح به المياه ولا ما تصلح به الأراضي الزراعية، والبني التحتية للطرقات والمستشفيات.. ليس هذا فحسب بل ما تُصلح به مصانعها ومؤسساتها الإنتاجية.

فنظام العقوبات الدولية هذا ليس إلا خُلُقًا من أخلاق المفسدين في الأرض. والله تعالى تحدث عن أخلاقهم عندما قال: "وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَاد" (البقرة: 205)، وقال تعالى: "إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ المُفْسِدِين" (القصص: 4)، وقال تعالى: "وَلاَ تَبْغِ الفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ المُفْسِدِين" (القصص: 77).

موجبات فرض العقوبات على الشعب العراقي

قبل الحديث عن فرض العقوبات، يسأل الفقيه المجتهد أولاً عن موجب العقوبات؛ لأن العقوبة لا تجوز إلا بموجب شرعي. فما هي موجِبات العقوبة على الشعب العراقي؟ هل موجِب فرض العقوبات على العراق هو غزو دولة الكويت؟ أم هو امتلاكه لأسلحة ممنوعة دوليًّا؟ أم أنه يشكل تهديدًا لجيرانه؟

إن كل هذه التهم سيقت في الاتهام الأمريكي، وفي خطاب الأمم المتحدة المبرر لهذه العقوبات. ولن أتحدث عن الموجبين الأخيرين؛ لأن تناقضات الأمم المتحدة وكَيلها بمكيالين فيها ظاهرة واضحة للعيان. وإنما سأقف قليلاً عند الموجب الأول.

فرض العقوبات على الشعب العراقي بموجب غزو دولة الكويت

دولتا العراق والكويت دولتان مسلمتان عربيتان، وهما جزء من الأمة الإسلامية، بالرغم من الحدود والحواجز التي وضعها الاستعمار لتشتيتهما ضمن الشتات الأكبر الذي أصاب عموم الأمة، ولا يمكن النظر في العلاقة بينهما إلا من خلال هذه الصفة. والنزاع الحاصل بينهما هو نزاع أو حرب بين دولتين مسلمتين عربتين ولا يقبل أي تصور لهذا النزاع إلا هذا التصور، بالرغم من تشابك العلاقات والمصالح الدولية، وبالرغم من الانفلات الذي وقع فيها عند تدويلها، واستغلاله من قبل دول الاستكبار العالمي من أجل تحقيق أهدافها في المنطقة، فالقضية عربية تخص الأمن العربي والمصالح العربية المشتركة، وسيظل الحل الإسلامي العربي لها هو الحل الأمثل والأنجع.

والتشريع الإسلامي الذي تَدين به الدولتان قد وَضع جملة من القواعد لفصل النزاع الحاصل بين الطوائف والدول الإسلامية المؤمنة؛ لأن الأصل في الأمة الإسلامية أنها أمة واحدة، ومما يقوي روابط الوحدة بينها وحدة العقيدة واللغة والتاريخ، وتجانس هموم الحاضر والمستقبل، بالإضافة إلى ما أوجبته العقيدة الإسلامية من حقوق للمسلم على أخيه المسلم وللجار المسلم على أخيه.

فإذا ما وقع أي نزاع أو قتال، وهو ليس من الأمور المستبعدة في الأمة الإسلامية، فإن الله تعالى يقول: "وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِين إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ" (الحجرات: 9 - 10)، كما قال تعالى: "فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ" (الأنفال: 1).

والخطاب موجه إلى الأمة الإسلامية جمعاء، كي تهبَّ من أجل الإصلاح بين الطائفتين المتنازعتين، حتى لا يُتصور أن النزاع أو القتال الواقع بين طائفتين لا يعني إلا الطائفتين. وهذا الإصلاح يتأسس على المبادئ والأحكام الشرعية، وسيأخذ بمقتضاها كلُّ ذي حق حقه. وحتى إذا بغت إحداهما ورفضت الانصياع لما حكم به المصلحون، فإن الأمة الإسلامية جمعاء تتأهب لمقاتلة الطائفة الباغية، وردها إلى جادة الحق والعدل.

وهذه المقاتلة لها أحكام خاصة، ولن تكون في حكم الحرب الواقعة مع الأعداء:

فلا يُستحل دمهم: بمعنى إذا قُدِر على الباغي فلا يُستحل دمه، وإنما يعنَّف أو يُؤسر، ولا تُسلب أمواله ولا يعذب أو يقتل إذا أسر ولا يجهز على جرح؛ لأن الغرض من هذه الحرب ليس هو الانتصار، إنما الإصلاح ورد الباغي إلى العدل والحق.

فعلى أساس هذه القواعد لا يجوز بحال من الأحول في التشريع الإسلامي فرض العقوبات على الشعوب، أية شعوب، سواء أكانت مسلمة أو غير مسلمة لما فيها من الظلم والتعدي والإفساد في الأرض، وهي أمور نهى عنها الشرع الحنيف.

كما لا يجوز الوقوف في صف الولايات المتحدة الأمريكية في فرض العقوبات على الشعب العراقي المسلم، بل يجب منعها من ذلك بجميع الوسائل الممكنة، ومقاطعتها سياسيًّا واقتصاديا، وتشجيع هذه المقاطعات على المنابر الإعلامية الوطنية، والله تعالى يقول: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ" (آل عمران: 100)، ويقول جل شأنه: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ" (آل عمران: 149)، ويقول عز مِن قائل: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاء مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ" (الممتحنة: 1).

آيات كثيرة حذرت من موالاة الأعداء وطاعتهم في الأمور العادية البعيدة عن مجال الحرب والسياسة، فكيف بالأمور التي تكون سياسة الأعداء فيها موجهة إلى الأمة الإسلامية بقصد الاستيلاء عليها وعلى خيراتها، وبقصد إضعافها وإضعاف الدين الذي تَدين به الأمة؟! ففي هذه الحال تجب محاربة هذه السياسة، ويصير عدوًّا كل من يقف إلى جانبها، مشاركا أو مواليًا.

العقوبات المفروضة على العراق والمواثيق الدولية

أصدرت الأمم المتحدة عدة مواثيق اعتُبرت ثورة في مجال الحقوق والتشريعات، مثل:

  • الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، المؤرخ في 10 كانون الأول / ديسمبر 1948

  • ميثاق حقوق الطفل الذي صدر رسميا بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، المؤرخ في 20 تشرين الثاني / نوفمبر 1959.

  • بالإضافة المواثيق الأخرى الخاصة بالمرأة والشيخوخة والحيوان والبيئة.

وكان من بين مواد مواثيقها، ومن معاييرها في فرض العقوبات ألا تتعارض مع المواثيق والمعايير الدولية في تنفيذ العقوبات، كما نُص عليه في دليل المحاكمات العادلة في 25/3، وإلا عاش المجتمع الدولي في فوضى لا نهاية لها.

وقد جاء في هذه المواثيق والإعلانات العالمية ما يشير إلى تحالف المجتمع الدولي من أجل أن يتمتع الإنسان بكافة حقوقه التي تضمن له العيش الكريم في مجتمعه.

وبنود الإعلان العالمي واضحة ومفسرة وغير قابلة للتأويل، بنص الإعلان نفسه حيث جاء فيه: "ليس في هذا الإعلان نص يجوز تأويله على أنه يخوِّل لدولة أو جماعة أو فرد أي حق في القيام بنشاط أو تأدية عمل يهدف إلى هدم الحقوق والحريات الواردة فيه".

وجاء في إعلان حقوق الطفل في البند التاسع: "يجب أن يتمتع الطفل بالحماية من جميع صور الإهمال والقسوة والاستغلال، ويحظر الاتجار به على أية صورة. ولا يجوز استخدام الطفل قبل بلوغه السن الأدنى الملائم، ويحظر في جميع الأحوال حمله على العمل أو تركه يعمل في أية مهنة أو صنعة تؤذي صحته أو تعليمه أو تعرقل نموه الجسمي أو العقلي أو الخلقي".

وظل الإعلام الغربي، والعربي التابع له، يطبل لها ولما يراه فيها من إنصاف وعدالة وحفاظ على الحقوق. وقد استعملت الأمم المتحدة جُل الوسائل المعروفة وغير المعروفة من أجل إرغام الدول على المصادقة عليها، وعلى أن تجعلها جزءًا من تشريعاتها الوطنية إن لم تكن أعلى منها.

لكن هذه المبادئ التي وضعتها الأمم المتحدة لم تُحترم عندما فرضت العقوبات على الشعب العراقي، إذ تؤكد جُل التقارير الصادرة عن منظمات مستقلة أو تابعة للأمم المتحدة أنها عقوبات مجحفة ومتعسف فيها، وأنها لم تعد مقبولة؛ لأنها خرجت خروجا سافرًا عن المواثيق والمعاهدات الدولية.

فلم يعد بالإمكان القبول بها أو السكوت عليها، وذلك لما نتج عنها من آثار سلبية على الشعب العراقي، كارتفاع نسبة الأطفال الذين يقضون موتًا بسبب منع دخول الأدوية واللقاحات.

ولم يعد بالإمكان السكوت على ارتفاع عدد الموتى بسب نقص الأغذية والماء الصالح للشرب، بالإضافة إلى الآثار الأخرى التي كانت لها على البيئة والحيوان.

ولم يعد بالإمكان السكوت على الاختلالات الاجتماعية التي قلبت المجتمع العراقي رأسا على عقب.

وهذا الإجحاف والتعسف في العقوبات هو الذي دفع عددًا من أعضاء لجان العقوبات إلى الاستقالة، مثل الدبلوماسي الألماني هانز فون سبونيك، والخبيرة يوتابرج هارت، والأيرلندي دينيس هاليداي وغيرهم، احتجاجًا على سياسية الإبادة الجماعية المحكمة التي تُمارَس ضد الشعب العراقي، تحت مظلة قرارات الأمم المتحدة. ومثَّلت تلك الاستقالات رفضًا صريحًا أن تكون الأمم المتحدة الحامية لحقوق الإنسان هي الواضعة لعقوبات تنتهك بها حقوق الإنسان. كما مثَّلت احتجاجًا على ذوبان هذه المنظمة الدولية في خدمة السياسة الخارجية الأمريكية.

لكن مع هذا تمادت الأمم المتحدة في سياستها المتحيزة السافرة، ولا غرو في ذلك، فالسياسة الدولية في عالم ما بعد الحداثة لا قيم لها، إلا قيم القوة والسيطرة. أما المواثيق الصادرة عن الأمم المتحدة فلا تعني شيئًا إذا كانت تقف حاجزًا في سبيل وصول الدول القوية إلى مصالحها.

فعلى هذا الأساس ضربت الولايات المتحدة بجلِّ المواثيق والتشريعات الضامنة لحقوق الشعب العراقي وحقوق أطفاله ونسائه عُرض الحائط؛ لأن هذه المواثيق ظلت ردحًا طويلاً من الزمن قاطعة قادحة في سياستها الخارجية، ولأن هذه الدولة ظلت ردحًا طويلاً من الزمن مصدر قلق للسياسة الخارجية الاستعمارية الأمريكية في المنطقة، فاستعملت كل قدراتها العسكرية والسياسية والدبلوماسية من أجل إبادة تامة وهادئة له تحت مرأى ومسمع من العالم.

لذلك لم تتوانَ الولايات المتحدة عن تنفيذ كل ما تراه مناسبًا من أجل هذه الإبادة، والشاهد على هذا القصد الحقير السافل أن الولايات المتحدة جمدت عن قصد وعمد (كما يقول الأستاذ الجامعي المصري الدكتور أشرف البيومي، المسؤول في برنامج النفط مقابل الغذاء) حتى سنة 2000 أكثر من ألف عقد توريد لصالح الشعب العراقي، من العقود التي صادقت عليها لجنة العقوبات، كما جمدت بريطانيا أكثر من 125 عقدًا كذلك، وكلها عقود تتعلق بالغذاء والصحة والبناء ولوازم المدرسة… ثم لا تتردد من فوق المنابر الإعلامية في القول بأنها لا تحقد على الشعب العراقي وإنها لا تبحث إلا عن مصلحته.

فجاءت هذه العقوبات ليس بهدف الانتقام لدولة الكويت، أو بهدف القضاء على الرئيس العراقي أو الحكومة العراقية، فهذا لا أظن أنه يُعجز الولايات المتحدة، فهي الخبيرة في الانقلابات والاغتيالات وتغيير الحكومات التي تنهج سياسية لا تتلاءم مع سياستها الخارجية، إنما جاءت بقصد إضعاف الشعب العراقي، والأمة الإسلامية من ورائه، وإضعاف قدرتها على التنمية من جديد إلا على الخطط التي يرسمها صندوق النقد الدولي والبنك العالمي.

وهذه الأهداف هي الظاهرة الواضحة للعيان، وهناك أهداف أخرى تعلمها الولايات المتحدة وحدها تهدف إلى تحقيقها من وراء العقوبات.

ومع استمراء الولايات المتحدة هذه المسالك المنافية للإنسانية والمعادية لإنسانية الإنسان؛ قامت عدة جهات لتندد بالعقوبات المفروضة على الشعب العراقي؛ معتبرة إياها ظلما وحيفا يجب أن يزول، ونذكر من هذه المنظمات:

   مجلس الكنائس العالمي، وهو مجلس يمثل 336 كنيسة إنجيلية وإنجليكانية وأرثوذكسية من العالم أجمع، وقد دعا هذا المجلس الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان إلى حثّ مجلس الأمن على "رفع العقوبات ذات التأثير المباشر والتمييزي على المدنيين في العراق على الفور"، وذلك في رسالة نشرها المجلس السبت 19-2-2000 في جنيف. وجاء فيها: "إن فرض حظر اقتصادي كامل يتجاهل الحاجات الضرورية وحقوق 22 مليون شخص في الرعاية الأساسية والغذاء والمسكن، هو أمر غير مقبول".

-  ومنها الأصوات الصادرة من قلب البرلمان الفرنسي، بزعامة النائب رينيه مانجان، العضو بلجنة الشئون الخارجية في الجمعية الوطنية الفرنسية - الذي ترأس لجنة برلمانية لإصدار تقرير برلماني يندد بالعقوبات، نشرته جريدة البيان اليومية الأحد 1 جمادى الأولى 1422 هـ / 22 يوليو 2001  وهو بعنوان "الأمم المتحدة: العقوبات المطروحة"، كشف هذا التقرير أن أنظمة العقوبات الشاملة لفترة غير محددة ينجم عنها انعكاسات سلبية للغاية، كما لا تؤدي إلا إلى التعتيم على غياب الإستراتيجية لدى المجتمع الدولي. ولحل الأزمات الإقليمية، أشار التقرير إلى أن "الأزمة العراقية تُسهم في التنبيه إلى ضرورة تنقيح هذه الأداة لتدعيم فاعليتها ولتفادي انعكاسها سلبا على السكان المدنيين".

- هذا بالإضافة إلى بعض الأصوات الخافتة المنبعثة من داخل الولايات المتحدة الرافضة لهذه العقوبات، وكان على رأسها الأمين العام للأمم المتحدة الذي اعترف أكثر من مرة بفشل العقوبات الدولية، ليس على العراق وحدها، بل حتى المفروضة على دول أخرى؛ لأن آثارها لا تمس الهيئات الحاكمة المستهدفة بالعقوبة، وإنما تقضي على الشعوب؛ فالشعب هو الذي يجوع ويمرض ويتشرد، ويتأثر بانخفاض قيمة العملة…

والناظر في المواثيق والمعاهدات الصادرة عن الأمم المتحدة أو عن الهيئات التابعة لها يلاحظ أنها قد وضعت جملة من المعايير الدولية نرى أنها عادلة، وتستطيع أن تحقق توازنًا في السياسة الدولية، هذه المعايير كثيرة ومتعددة، لكن سأخص بالذكر منها أربعة، يستطيع أي ناظر فيها أن يعير بها العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة على الشعب العراقي، وهي:

المعيار الأول: ألا تتعارض العقوبات مع المواثيق الدولية.

المعيار الثاني: حق الشعوب في تقرير مصيرها.

المعيار الثالث: يجب ألا تنتهك العقوبة أو أسلوب فرضها المعايير الدولية في تنفيذ العقوبات.

المعيار الرابع: حظر العقوبات الجماعية.

المعيار الخامس: لا يمكن فرض عقوبات غير محددة.

فهل حفظت الأمم المتحدة هذه المعايير عند فرض العقوبة على الشعب العراقي؟ وهل اعترفت بحق الشعوب في تقرير مصيرها؟ وهل كان الهدف من العقوبات محددًا وواضحًا؛ بحيث يمكن أن يقتنع به كل ناظر فيه؟

فإذا كانت إجابات هذه الأسئلة بالسلب، وهو كذلك فعلاً، فإنه لم يعد للدول العربية والإسلامية ما يبرر سكوتها على الانتهاك السافر لحقوقها ومصالحها، وقد آن الأوان لبعث إشارات ورسائل مسلحة - كما يقول الأستاذ الدكتور عبد الوهاب المسيري - إلى الأمم المتحدة والولايات المتحدة لتنبيهها بخطورة الطريق الذي تسير فيه.

وأهم رسالة وأقواها هي أن ننتزع الملف العراقي والكويتي الذي تضحك به الولايات المتحدة على الدول العربية عامة والخليجية خاصة، وأن نقدم مبادرات حقيقية وشجاعة، لا تكون متحيزة إلا لمصلحة الأمة الإسلامية، وتتجاوز الأخطاء والخلافات السياسية الضيقة. وقطع الطريق على الولايات المتحدة والأعداء المتربصين بالأمة الإسلامية.  

تابع معنا بقية محاور التحقيق:  


[1] الداروينية، نسبة إلى تشارلز دارون، العالم البيولوجي الإنجليزي اليهودي الذي تُنسَب إليه نظرية التطور البيولوجي. وهذه النظرية تتضمن مقولة: أن البقاء البيولوجي يكون للأقوى من بين الكائنات، وقد طورها عالم الاجتماع هربرت سبنسر فيما عُرف باسم الداروينية الاجتماعية. وفي إطار هذا المعنى الصراعي الاجتماعي يستخدم الكاتب هذا المصطلح (المحرر).

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

أدلة وخدمات

 


الثقافة والفكر |  السياسة | التاريخ والحضارة | علوم وتكنولوجيا | الاقتصاد والتنمية

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع