بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

الثقافة والفكر |  السياسة | التاريخ والحضارة | علوم وتكنولوجيا | الاقتصاد والتنمية


نحو مشروع قومي لمقاومة الاحتلال الصهيوني

فقه الموازنات: حسابات الحكومات وخيارات الأمة

شعارهم: اتركوا شعوب العرب تحرر الأقصىالآن

ومما يتعلق بقضية الجهاد وتوابعه أهمية التفريق بين حسابات النظم وبين خيارات الشعوب. إن الجهاد دفعًا للصائل ودحرًا للغاصب هو الخيار الإستراتيجي الأوحد لهذه الأمة في هذه القضية، مهما أثخنتها الجراح، وتعاقب عليها من الشدائد والمحن ما تعاقب. وما يعجز عنه هذه الجيل ينهض به الجيل القادم بإذن الله.

إلا أن هذه الأمة تعيش -كما لا يخفى- تحت مظلة علمانية على الجملة. ولقياداتها ارتباطات متشابكة في المحيط الدولي. وقد تحْمِلها هذه الارتباطات الكريهة على الانحياز إلى بعض المواقف السياسية التي تعكس التخاذل أو التبعية ، وتجسد الهوان والذِّلة. وقد تكون معذورة في بعض ذلك أو غير معذورة. ولكن القضية التي يجب أن ينتبه إليها أن حسابات النظم شيء، وأن خيارات الشعوب وتوجهاتها شيء آخر، وفي الخلط بينهما تشويش للرؤية، وتزييف للوعي، ومزيد من التضليل لمسعى هذه الأمة الحيرى!

إن من يجلسون في سدة الحكم في كثير من الأحيان يغرقون في بحر لجي من الحسابات والموازنات، ويرسفون في أصفاد ثقيلة من المطامح والأطماع، وهو الأمر الذي عوفي منه كثير من الأفراد والمؤسسات الشعبية والجهات غير الرسمية، التي عرفت طريقها واتخذت قرارها، وتحررت من هذه القيود والأصفاد! وإن لعنة الاستغراق في هذه الحسابات أنها تلبس أصحابها لبوس الاضطراب والتردد، وتحجب من تكبلوا بها عن أن يتبنوا بنفس الحسم والوضوح ما يتبناه من عوفي من هذا البلاء وسلم من هذه اللعنة! وتقعد بهم شرعًا وقدرًا عن تحقيق ما تتطلَّع الأمة إليه في مواقف الثبات والصدق، وعن أن يبلغوا بها ما بلغه الربانيون من القادة في مثل هذه المواقف ممن خلدوا في الملأ الأعلى، وكتب لهم لسان صدق في الأولين والآخرين بقراراتهم الحاسمة ومواقفهم الشجاعة التي بذلوا فيها أقصى ما تبلغه طاقاتهم من إعداد العدة، واتخاذ المقدور والممكن من الأسباب، مع حسن توكلهم على الله -عز وجل- وحسن الظن به، واليقين بوعده، والتماس النصر من عنده وحده.

ولا يعني هذا أننا ننكر على قضية الحسابات والموازنات في ذاتها، وأن الموقف الشرعي الراشد لا يحتاج إلى شيء من ذلك ولا يعرفه. فقد قرر أهل العلم بالشريعة قيامها على تحقيق أكمل المصلحتين بتفويت أدناهما، ودفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما. وقد رأينا هذه الموازنات فيما قصه علينا القرآن الكريم من موقف نبي الله هارون الذي اكتفى في الإنكار على بني إسرائيل عندما عبدوا العجل بالإنكار باللسان، ولم يتجاوزه إلى الإنكار باليد، وعندما عنفه على ذلك موسى -عليه السلام- قال له ما قصه القرآن الكريم على لسانه: "إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي" (طه: 94). كما رأيناها في سيرة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- عندما امتنع عن إعادة تغيير البيت على قواعد إبراهيم؛ لأن الناس يومئذ كانوا حديثي عهد بجاهلية، وعندما امتنع عن قتل عبد الله بن أبي بن سلول حتى لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، وعندما هم أن يدفع بثلث ثمار المدينة إلى بعض قبائل العرب في غزوة الأحزاب لينخذلوا بجيوشهم، ويفضوا تحالفهم مع الأحزاب، عندما رأى العرب قد رمت المسلمين يومئذ عن قوس واحدة، وعندما ناور خالد بن الوليد بجيشه يوم مؤتة وانسحب به حتى يجنب المسلمين مواجهة محققة المهالك، وإقرار النبي –صلى الله عليه وسلم- له على ذلك. ورأيناها في الفقه عندما بوَّب الفقهاء أنه لا تقطع الأيدي في الغزو ولا تقام الحدود في أرض العدو مخافة أن تدرك المحدود حمية الشيطان فيلحق بمعسكر الكفار، وعندما قرروا ألا يجوز إنكار المنكر باليد عندما تترتب عليه مفسدة أعظم كالتقاتل وإراقة الدماء، وعندما قرروا أن التولي يوم الزحف من الكبائر إلا إذا حملت عليه ضرورات حماية المقاتلين من خطر الإبادة وترتب على الثبات نقيض ما قصد بالجهاد من الغايات والمقاصد، ونراه في واقع الحركة الإسلامية المعاصرة التي لا ترى حتمية اقتحام الحدود أو التسلل من ورائه لنصرة المحاصرين المستضعفين في أرض المعراج، وإنما يكتفون بالضغط الشعبي والجهاد باللسان وبالمال رغم إقرارهم جميعا بوجوب الجهاد وتعينه وتأثيم القاعد عنه!

إن كل هذا ثابت مقرر في الشريعة، ولكن فرق بين الحسابات عندما تنبثق من مشكاة الربانية وتنضبط بالقواعد الفقهية، وتحمل عليها الضرورات الحقيقية، وبين الموازنات التي تخرج من رحم العلمانية، والتي تحمل عليها الأهواء والمطامع! ولا تكون أكثر من مجرد غلالة خارجية تخفي وراءها ما تخفي من الهوان والذِّلة والتبعية!

قد يقول البعض إن الحسابات والمناورات السياسية قد تزين لبعض الساسة أن يعلنوا ما لا يحبون، وأن يصرحوا بنقيض ما يريدون، وقد تحمل بعضهم على تبني خيار السلام مهما تميز من الغيظ، ومهما كان يعد العدة للحرب، وقد يكون له من التصريحات ما يتناغم مع اللهجة السائدة في المجتمع الدولي، وسواء أكان يعني ذلك أو لا يعنيه، وبعيدًا عن الدخول في جدل حول واقعية هذه الدعاوى من ناحية، ومدى اعتبارها أمام الله وأمام الأمة من ناحية أخرى؛ ليصبحوا بها معذورين أو غير معذورين، فإننا نقول: إننا لسنا في مقام محاكمة هؤلاء، وإنما في مقام محاولة التعرف على وضع دقيق ومتشابك في واقع فتنة من ناحية، وتلمس أنجع السبل في التعامل معه وحسن إدارة الصراع فيه من ناحية أخرى.

وعلى هذا فينبغي ألا تكون لحسابات هؤلاء الساسة على المستوى الرسمي علاقة بخيار الأمة في هذه القضية على المستوى الشعبي، وحسمها الذي تصحح به خطيئة هؤلاء، وتصبح به أهلا لتحقيق موعود الله. ومن جهة أخرى فلا ينبغي للساسة والقابضين على أزمة الأمر أن يحملوا الأمة على ما حملوا عليه، أو يلجئوها إلى الدوران في نفس الفلك، وتبني نفس الأطروحات، بل عليهم أن يرخوا الزمام لشعوبهم، وألا يصادروا الكلمة في حلوقهم، وأن يستخدموا ضغوطهم ومعارضاتهم في دعم مواقفهم التفاوضية في المحيط الدولي، فإن هذه الضغوط الشعبية هي اللغة التي يفهمها صناع القرار في أغلب المؤسسات السياسية ويجعلونها على رأس ما يحسبون حسابه عند إعداد موازناتهم وخططهم القريبة والبعيدة.

ويبقى أن المقصود الأساسي في إثارة هذه القضية، وإبراز تباين المسارين على هذا النحو أن تترك الأمة هؤلاء لحساباتهم مع القاعدين والمخلفين، ولا تجعل من شن الغارة على مواقفهم، وتتبع تصريحات رموزهم، والتنديد بهم غاية سعيها وذروة سنام جهادها، فأولى بها أن توجه الحراب إلى الخارج، وأن تشتغل بتتبع وفضح دسائس واستفزازات القوى الخارجية داخل الكيان الصهيوني أو من يديرون الصراع مباشرة لصالحه، وأن تعمق بذلك خطابها السياسي والإعلامي، وأن تدعم به ما تتبناه من مواقف وسياسات.

ونختم بما بدأنا به من أن المستقبل لهذه الأمة، ما استقامت على أمر الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وأنها لا تؤتى إلا من قبل أنفسها، وأن ذنوبها أخوف عليها من أعدائها، وأنها قد وعدت بأن تبقى طائفة منها مستقيمة على أمر الله، لا يضرها من خالفها أو خذلها حتى يأتي أمر الله، وأن هذه الطائفة المنصورة هي التي يقوِّم الله بها اعوجاج الحياة، وتمثل ستارا لقدره على أرضه في إحقاق الحق وإبطال الباطل، ولهذا فإننا نقول لإخواننا في أرض الإسراء والمعراج: إن أجل الله قريب، وإن ما توعدون لآت، ولكل نبأ مستقر وسوف تعلمون، فاصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون.

تابع معنا بقية محاور الدراسة:

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 


الثقافة والفكر |  السياسة | التاريخ والحضارة | علوم وتكنولوجيا | الاقتصاد والتنمية

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع