الإدراك العربي للصهيونية.. عبد الوهاب المسيري نموذجًا المحور الثاني: الأيديولوجية الصهيونية وأزمة الهوية اليهودية 1 - الأيديولوجية الصهيونية:
1- فالحضارة الغربية حضارة تكنولوجية تعلي من قيم المنفعة والكفاءة والإنجاز والتقدم، مهما كان الثمن المادي والمعنوي المدفوع فيها، وترى أن البقاء للأصلح والأقوى دائمًا وتهمل كثيرًا من القيم التقليدية البالية مثل البر بالضعفاء والشهامة والتقوى ومساعدة الغير. والنازية حينما أبادت اليهود والعجزة، فقد كانت تفعل ذلك لأنهم غير نافعين. ومسألة تحويل اليهود إلى شعب منتج كانت مطروحة في أوروبا في شرقها ووسطها خاصة. 2- الحل النازي للمسألة اليهودية لا يختلف كثيرًا عن الحلول الغربية الإمبريالية المطروحة للمشاكل المماثلة. فالنازية والإمبريالية يصدران عن الإيمان بتفوق الجنس الآري على الأجناس الأخرى، وأن هذا التفوق يعطي الحق للآريين في أن يتخلصوا من مشاكلهم عن طريق تصديرها للبلاد الأخرى. حتى ولو أدى هذا إلى إبادة السكان الأصليين. والحل النازي لا يختلف عن ذلك، فهو محاولة لتصدير المسألة اليهودية إلى الدول الأوروبية الأخرى (حيث إن المجال الحيوي الاستعماري النازي كان في أوروبا). فالنازيون، حين وجدوا أن الطريق مسدود أمامهم قاموا بتصدير اليهود والغجر والسلاف لمعسكرات الاعتقال لإبادتهم هناك. إن الجريمة النازية هي نتاج منطقي للحضارة الغربية الحديثة وليست استثناء منها. 3- هناك ظاهرة مشتركة بين النازيين والصهاينة (وهي أيضًا سمة أساسية للحضارة الغربية) هي ما أطلق عليه الدكتور المسيري عقلانية الإجراءات والوسائل ولا عقلانية الهدف، فعملية العقلنة أو الترشيد، التي يتحدث عنها تنصبُّ على الوسائل فحسب، أما الأهداف فهي أمر متروك لاختيار الأفراد، وهي منهجية تحسب فيها حسابات المكسب والخسارة وتحسب المدخلات والمخرجات، حتى التعذيب لا يتم بشكل عشوائي فردي وإنما يتم بشكل مؤسسي منظم. ويُقال إنه حينما كان اليهود في طريقهم إلى غرف الغاز، لم يكن مسموحًا للجنود الألمان بإساءة معاملتهم؛ فعملية الإبادة، والتي هي نتاج لحضارة العلم والتكنولوجيا، يجب أن تتم بحياد علمي شديد يشبه الحياد الذي يلزمه الإنسان تجاه المادة الصماء في التجارب العملية التي تتخطى حد الخير والشر، أما الهدف من معسكرات الاعتقال والإبادة والتعذيب فهو متروك للزعيم أو الدولة أو الأهواء الشخصية أو الأسطورة الدينية القومية. ولعل هذا التزاوج بين العقلانية واللاعقلانية ناجم عن أن الحضارة الغربية الحديثة نتاج حركة التنوير العقلانية والحركة اللاعقلانية المعادية للتنوير في الوقت نفسه، وهي أيضًا نتاج انفصال النزعة التجريبية (الإمبيريقية) عن النزعة العقلية. فالتجريب لا يؤدي بالضرورة إلى انتصار العقل والقيم الإنسانية. وقد تناول الدكتور المسيري، علاقة النازية بالصهيونية بشكل أعمق في كتابه "النازية والصهيونية ونهاية التاريخ: رؤية حضارية جديدة"، حيث يعتبر كتابه هذا خروجًا عن الإطار الذي ظل يدور فيه الكتاب التحليلي الخاص بالظاهرة النازية في العالم العربي، وهو الإطار السياسي المباشر، حيث يدرس البنية العميقة للنازية، ويضعها في سياقها الحضاري الغربي، ويبين علاقتها بالصهيونية على المستوى المعرفي العميق مستعيدًا الإمبريالية كمقولة تحليلية أساسية في كل الظواهر الغربية الحديثة، وهذا لا يعني أن الكتاب قد أهمل المستوى السياسي أو البعد المعلوماتي في التحليل، حيث تناول كل الموضوعات الشائعة المطروحة مع الإتيان بمعلومات جديدة، أتاحت إمكانية تفسير وإثارة موضوعات جديدة مثل إشكالية تعاون الصهاينة مع النازيين، ومن بين المواقف الدالة على ذلك ضعف المقاومة ضد الشراسة النازية، إذ يبدو أن الصهاينة لم يُبدوا حماسًا كبيرًا في حربهم ضد النازية، وكانوا غير مكترثين بالمقاومة ضد النازيين إذ قرر الصهاينة اتخاذ موقف الحياد من المقاومة، باعتبار أن اليهود لهم مصالحهم وحروبهم المختلفة وأن هدفهم الوحيد هو تأسيس الدولة الصهيونية؛ ولذا نادى كثير من الصهاينة بعدم الاشتراك في الحركات المعادية للنازية والفاشية. وقد استخدم الدكتور المسيري في كتابه هذا أسلوب "التوثيق المضاد" مكتفيًا بالجهد التفكيكي، عن طريق إيراد الحقائق والقرائن التي تجعل قبول نموذج التفسير الغربي الصهيوني المهيمن للإبادة النازية أمرًا مستحيلاً. وقد بيّن الدكتور المسيري في مقدمة كتابه أنه لا يقلل من فداحة الجرم النازي ضد اليهود (والسلاف والغجر وغيرهم)، لكن دون السقوط - بقدر الإمكان - في التحيزات والرؤى والمقولات السائدة في الخطاب الغربي بشأن الإبادة النازية. فالتقليل من حجم الجريمة النازية، في تصوره يشكل فشلاً معرفيًا وأخلاقيًا. فأما من الناحية المعرفية فهو يعني فشل المرء في إدراك واحدة من أهم سمات الحضارة الغربية الحديثة، أي نزعتها الإبادية. أما الفشل الأخلاقي فهو فشل الإنسان المسئول أخلاقيًا الذي رأى جريمة تُرتكب ضد مجموعة بشرية فآثر الصمت وزيف الحقائق حتى لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. ويؤكد الدكتور المسيري ذلك رغم معرفته بأن الصهاينة وظّفوا الإبادة في خدمة أهدافهم الإعلامية وفي ابتزاز الحكومات وفي تبرير الغزو والاستيطان والإرهاب؛ لأنه يرى أن جميع هذه الاعتبارات عملية غير معرفية وغير أخلاقية، كما يذهب الدكتور المسيري إلى أن إيضاح الحقيقة المركبة كفيل في حد ذاته بأن يفشل محاولات الصهيونية توظيف الجريمة النازية التي تعتبر تجليًا آخر للحضرة نفسها والنمط نفسه. يرى الدكتور المسيري أن الكثير من الباحثين في ظواهر اليهودية والصهيونية، يتصورون أن مصطلحًا رئيسيًا مثل مصطلح "يهودي" مصطلح محدد المعنى واضح الدلالة، يشبه في وضوحه وتحدده مصطلح مثل "ألماني"، حيث إن هؤلاء الباحثين يتحدثون عن اليهود وكأنهم كتلة واحدة متماسكة ومتجانسة فعلاً باعتبارهم ينتمون إلى تشكيل حضاري واحد، وأن لهم مصيرًا واحدًا. وهذا ما يعتبره الدكتور المسيري جوهر النموذج الإدراكي والتحليلي الصهيوني. لقد وجد الدكتور المسيري أن المقدرة التفسيرية لهذا النموذج محدودة للغاية، حيث أوضح من خلال دراساته العديدة عدم تجانس "اليهود"، ومن ثم فهم ليسوا شعبًا واحدًا "شعب بلا أرض"، وإنما هم أقليات بعضها حقق الاندماج، وبعضها انصهر تمامًا، وبعضها يعاني من مسألة يهودية ما (فهناك مسائل يهودية عديدة تختلف باختلاف الزمان والمكان). كما يؤكد الدكتور المسيري على أن الجماعات التي لا تكوِّن شعبًا واحدًا، لا تعيش في المنفى مشتتة (كما يدعي المصطلح الصهيوني). قد يكون أعضاء الجماعات اليهودية منفيين بالمعنى الديني، وهذا يعني أن هذه إرادة الله؛ ولذا نجد أن اليهودية الحاخامية تحرم العودة إلى فلسطين إلا بعد عودة الماشيَح، وعلى الانتظار في صبر وأناة إلى أن يشاء الله. ومحاولة العودة بالإرادة الإنسانية الزمنية من خلال الإمبريالية -كما يفعل الصهاينة- هي من منظور ديني يهودي – من قبيل "إرغام الله وفرض الإرادة البشرية عليه". ومن يفعلها يرتكب خطيئة "التعجيل بالنهاية". ويضيف الدكتور المسيري أن أعضاء الجماعات اليهودية يوجدون في كل أنحاء العام بكامل إرادتهم دون قسر أو إرغام، وإلا فبما يفسر أن غالبية يهود العالم لا تزال خارج إسرائيل؟ وأنه لا يقطنها سوى حوالي ربع يهود العالم. وفي كتابه "من هو اليهودي؟" يبين الدكتور المسيري تطور الهويات لا "الهوية" اليهودية من هوية عبرانية إلى هوية عبرانية يهودية، ثم تشعبها إلى هويات مختلفة باختلاف الحضارات التي ينتمي إليها أعضاء الجماعات اليهودية. كما يبين أن هناك فارقا بين اليهودية واليهود، فاليهودية عقيدة دينية لها سمات معينة، واليهود من يؤمنون -أو يدَّعون الإيمان- بها، ولا يوجد مجال لترادف الواحد بالآخر. ويبين الدكتور المسيري أن عدم الترادف هذا يزداد عمقًا في حالة الديانة اليهودية التي عرّفت اليهودي بطريقة عقائدية، كما تفعل كل الأديان (اليهودي هو من يؤمن باليهودية)، ولكنها عرفته أيضًا بطريقة عرقية، كما تفعل العقائد البيولوجية الحتمية (اليهودي هو من يُولد لأم يهودية). وينقسم أعضاء الجماعات اليهودية إلى عدة أقسام أساسية: فهم ينقسمون إلى إشكناز، وسفارد، ويهود البلاد الإسلامية. ولكن إلى جانب ذلك هناك جماعات يهودية هامشية لا حصر لها ولا عدد، فهناك مثلاً السامريون الذين لا يؤمنون بالتلمود ولا بمعظم كتب العهد القديم، وإنما يؤمنون بأسفار موسى الخمسة أساسًا بنسخها المختلفة عن تلك المتداولة بين اليهود كافة، ومركزهم هو جبل جرزيم في نابلس، لا جبل صهيون، وهم لا يؤمنون بمجيء الماشيَح، كما أن هناك بقايا كايفاتنج في الصين، يعبدون يهوه الذي يسمونه تين (السماء)، ويتعبدون في معبدين يهوديين، أحدهما لعبادة الإله والآخر لعبادة الأسلاف، وهم لا يعرفون لا التلمود ولا التوراة، وملامحهم صينية تمامًا. وإضافة إلى التعريفين السابقين لليهودي هناك تعرفان آخران، إذ نجد مثلاً التعريف التراثي الذي يرى أنصاره أن سر وحدة اليهود هو الدين اليهودي لا من حيث كونه عقيدة، ولكن من حيث هو إطار رمزي وبعد أساسي من أبعاد التراث اليهودي. فالدين هو الوعاء الوحيد الذي ضمن الاستمرار والتجانس الإثني، وبناء عليه تكون الدولة الصهيونية هي الإطار الأمثل لكي تعبر هذه الإثنية عن نفسها. أما التعريف القانوني، الذي وضعته المحكمة الإسرائيلية العليا، فيعتبر اليهودي من يرى نفسه كذلك. وفي محاولة لإبراز عدم التجانس بين الجماعات اليهودية قام الدكتور المسيري بمقارنة عينتين: إحداهما مركزية، وتضم يهود الولايات المتحدة الذين يشكلون أكبر تجمع يهودي في العالم، والأخرى هامشية وتضم الفلاشا الذين يشكلون تجمعًا مغايرًا هامشيًا ومنعزلاً، ويستخلص ما يلي: 1 - ينتمي يهود الولايات المتحدة، بالدرجة الأولى، إلى الجنس الأبيض، وأغلبيتهم الساحقة من أصل إشكنازي (ألماني– أوروبي– بولندي). وتوجد قلة من السفارد والقرائين والكرمشاكي (وهم ينتمون إلى جماعة يهودية صغيرة من شبه جزيرة القرم، يتحدث أعضاؤها بالتترية، يبدو أنهم من بقايا يهود الخزر). وهناك أيضًا بعض الأمريكيين السود الذين يُدعَون: العبرانيين السود. أما الفلاشا فهم من يهود أثيوبيا، ملامحهم لا تختلف عن ملامح بعض القبائل الأثيوبية. وهناك جماعة الفلاشا موراه، وهي جماعة مسيحية شبه يهودية منبوذة من الفلاشا كانت قد تنصرت منذ ما يقرب من قرنين من الزمان. 2 - من الناحية الدينية: ينقسم يهود الولايات المتحدة إلى قسمين أساسيين: يهود إثنيون لا أدريون، ويهود متدينون. وهؤلاء اليهود المتدينون ينقسمون بدورهم إلى إصلاحيين ومحافظين وتجديديين وأرثوذكس. واليهود الدينيون في الولايات المتحدة يتعبدون في المعبد اليهودي (السيناجوج)، ويرأسهم حاخام، ولا يقيمون معظم الشعائر، ولا يكترثون بالطعام الشرعي أو بشعائر البيت والطهارة والنجاسة. أما الفلاشا فهم أساسًا خارج نطاق اليهودية الحاخامية، ولا يعرفون التلمود، وتختلف بعض شعائرهم عن شعائر اليهودية الحاخامية. فشعائر الطهارة والنجاسة عندهم مركبة وشاملة، ومع هذا فهم يقيمون شعائرهم كلها، وقد صُدموا حين هاجروا إلى إسرائيل بسبب انصراف أعضاء الدولة اليهودية عن الشعائر اليهودية، ويرأس يهود الفلاشا قساوسة (يقال لهم قسيم) وهي جمع كلمة قسيس بالعبرية. وهم يعرفون نظام الرهبنة، ويصلون في معبد يهودي يسمى المسجد ويخلعون نعالهم قبل دخوله. 3 - من ناحية اللغة، فيهود الولايات المتحدة يتحدثون الإنجليزية، ويعرف بعض علمائهم العبريةَ والآراميةَ في بعض كتب الصلوات. أما يهود الفلاشا، فهم يتحدثون بالأمهرية (ويتحدث بعضهم بالتيجريتية) ويتعبدون بالجعيزية، لغة الكنيسة القبطية الأثيوبية، ويضم كتابهم المقدس بعض نصوص العهد الجديد. 4 - وعلى صعيد الخطاب الحضاري يضيف الدكتور المسيري أن لكل جماعة من هاتين الجماعتين خطابها الحضاري وفلكلورها الذي ينبع، في حالة يهود أمريكا من محيطهم الحضاري الحالي (الأمريكي)، أو من محيطهم الحضاري السابق (روسيا – بولندا – إنجلترا). أما في حالة يهود الفلاشا، فهو ينبع كله من محيطهم الحضاري الأثيوبي الإفريقي. وفي حين أن اليهودي الأمريكي يرتدي البنطلون الجينز ويأكل الأكل الأمريكي ويعيش في منزل عصري، فإن يهودي الفلاشا يرتدي شالاً لا يختلف عما يرتديه من حوله من أبناء أثيوبيا، ويأكل طعامهم ويعيش في كوخ مغطّى بالحطب لا يختلف عن الأكواخ المجاورة. والوضع الاجتماعي ليهود أمريكا ورؤيتهم للكون يختلفان تمامًا عن وضع الفلاشا ورؤيتهم. لذلك كله وجد الدكتور المسيري أن مصطلح "يهودي" مصطلح عام للغاية ومقدرته التفسيرية والتصنيفية ضعيفة إن لم تكن منعدمة بسبب عموميته وإطلاقه. كما يؤكد الدكتور المسيري أن عدم تحدد مصطلح "يهودي" يظهر في عبارة تستخدمها الإحصاءات اليهودية لتشير إلى مجموعة من الناس يصنفون على أنهم يهود ولكنهم ليسوا يهودًا حسب أي من التعريفات القائمة؛ لذا يشار إليهم على أنهم "يهود بشكل ما". ولكل ما تقدم أسقط الدكتور المسيري من معجمه تمامًا كلمة "اليهود" على عمومها وإطلاقها، وأصبح يتحدث عن "جماعات يهودية"؛ حيث إن أهم ما يميز نموذج الجماعات اليهودية -حسب تصوره- بأنه ينظر لليهود من الخارج، داخل سياقهم الحضاري والاجتماعي العام باعتبارهم أقليات دينية إثنية ينطبق عليها ما ينطبق على غيرها من الأقليات، كما أنه ينظر إليهم من الداخل باعتبارهم جماعات يهودية لها رؤيتها الخاصة ومنظورها الخاص اللذان يختلفان (في بعض النواحي) عن رؤية مجتمع الأغلبية، ولها دوافعها التي تحركها، والمعنى الداخلي التي تسقطه على ما تقوم به من أفعال، وهذا الداخل والخارج والخاص والعام متفاعلان متداخلان. ولعل من أهم الأفكار السائدة في حقل الدراسات الخاصة باليهود واليهودية المحورية نموذج "التاريخ اليهودي" الواحد، وفكرة "التاريخ اليهودي" تفترض وجود تاريخ يهودي مستقل عن تاريخ جميع الشعوب والأمم. ويرى الدكتور المسيري أن هذا النموذج تتفرع عنه وتمتد إليه جميع مفاهيم الاستقلال اليهودي الأخرى، وهو نموذج يثير الكثير من الشكوك في نفس الباحث الذي لا يتقبل نقطة الانطلاق الخاصة بوحدة اليهود في كل زمان ومكان. فمن الثابت تاريخيًا أن الجماعات اليهودية المنتشرة في أرجاء العالم كانت توجد في مجتمعات مختلفة تسودها أنماط إنتاجية مختلفة وبنى حضارية اختلفت باختلاف الزمان والمكان. فنجد مثلاً يهود اليمن كانوا يعيشون في القرن التاسع عشر في مجتمع صحراوي قبلي عربي، أما يهود بولندا فكانوا، ولا يزالون، يعيشون في مجتمع حضري رأسمالي غربي، أي أنهما كانا يعيشان في تشكيلتين حضاريتين مختلفتين، يتأثران بهما ويتفاعلان معهما وتتعدد هويتهما من خلالها. ويضيف الدكتور المسيري أنه إذا افترضنا وجود تاريخ يهودي فعلاً، فما هي إذن أحداث هذا التاريخ؟ هل الثورة الصناعية، على سبيل المثال من أحداث هذا التاريخ، أم أنها حدث ينتمي إلى التاريخ الغربي؟ وكما هو معلوم فالثورة الصناعية حدث ضخم في التاريخ الغربي، ترك أعمق الأثر في يهود العالم الغربي، وأحدث انقلابًا في طرق حياتهم ورؤيتهم للكون في القرن التاسع عشر، أي بعد حدوث الانقلاب بفترة وجيزة، لكن هذا الانقلاب لم يحدث لهم باعتبارهم يهودًا، وإنما باعتبارهم أقلية توجد داخل التشكيل الحضاري الغربي؛ إذ إننا سنجد أن هذا الانقلاب في طرق الحياة والرؤية قد حدث أيضًا لأعضاء الأغلبية ولأعضاء الأقليات الأخرى الموجودة داخل المجتمعات الغربية، وفي نفس الوقت لم يتأثر يهود العالم العربي بالثورة الصناعية بنفس الدرجة؛ لأن التشكيل الحضاري العربي كان بمنأى عنها في بداية الأمر، أما يهود أثيوبيا فلم يتأثروا بها إلا على نحو سطحي. لذلك يرى الدكتور المسيري أن "الإطار المرجعي للدراسة لا يمكن أن يكون "التاريخ اليهودي" الواحد الوهمي، ولو جعل الباحث هذا التاريخ مرجعيته لعجز عن تفسير كثير من عناصر عدم التجانس والتفاوت في هذا التاريخ، ولاضطر إلى لي عنق الحقائق ليفسر سبب تأثر يهود لندن بالثورة الصناعية فور حدوثها بينما لم يتأثر بها بعض يهود أثيوبيا إلى الآن. ويتضح مما سبق صعوبة وجود تعريف محدد لليهودي، حيث إن "قضية تعريف اليهودي، إذن ليست قضية دينية أو سياسية، إنما هي قضية مصيرية تنصرف إلى رؤية العالم والذات، الأساس الذي يستند إليه تضامن المجتمع ومصدر الشرعية فيه". تابع معنا محاور الدراسة:
|
|
|
|
|||||||||||||||||||||