الإدراك العربي للصهيونية.. عبد الوهاب المسيري نموذجًا المحور الأول: "منهج النماذج التحليلية والنماذج التفسيرية"
ويعرّف الدكتور المسيري "النموذج"، على أنه "بنية تصورية يجردها عقل الإنسان من كم هائل من العلاقات والتفاصيل والحقائق والوقائع، فهو يستبعد بعضها باعتبارها غير دالة -من وجهة نظره-، ويستبقي البعض الآخر، ثم يربط بينها وينسقها تنسيقًا خاصًا؛ بحيث تصبح -سب تصوره-مماثلة في تناسقها وترابطها للعلاقات الموجودة بين عناصر الواقع". كما يشير الدكتور المسيري إلى أن هذا يعني أن العقل الإنساني ليس خاملاً يتلقى الواقع بشكل سلبي ويسجله، وإنما هو مبدع وخلاق؛ حيث يعيد صياغة الواقع من خلال النماذج المعرفية والإدراكية أثناء أبسط عمليات الإدراك، وبالتالي: فاستخدام النماذج حتمية إدراكية، ومن ثم فعملية الإدراك هي ذاتها عملية التفسير، وعلى الرغم من كون النموذج بنية تصورية فإنه من الممكن اختباره لاكتشاف قدرته التفسيرية. ويتناول هذا المحور أهم النماذج التي اعتمدها الدكتور المسيري في دراسته حول الصهيونية، وهي: ارتبطت التصورات التي قدَّها الدكتور المسيري للظاهرة الصهيونية ارتباطًا وثيقًا بعدد من الافتراضات المعرفية الأساسية التي يقيم عليها نظريته في تفسير الظاهرة الاجتماعية. ويرى الدكتور المسيري أن الإشكالية الأساسية للعلوم الاجتماعية لا تتجلى في نقص المعلومات الدقيقة عن السلوك الإنساني، وهو ما يحُول دون القدرة على بناء تصورات واقعية عن السلوك الإنساني، بل على العكس من ذلك. فالإشكالية الحقيقية تكمن في وفرة المعلومات وغزارتها بشكل يفوق قدرة العقل الإنساني على إدراك الواقع المركب المحيط به، وهو ما يفرض عليه ضرورة بلورة أدوات نظرية، بناء على عدد من المحددات لقدرته الإدراكية، لتبويب وتصنيف المعلومات الغزيرة عن الواقع المحيط به، بحيث يتم استبعاد المعلومات محدودة الدلالة -بغض النظر عن درجة صدقها- ثم القيام بعمليات تجريدية وتركيبية لبناء تفسير معين للظاهرة الاجتماعية. كما يرى الدكتور المسيري أن العقل الإنساني لا يستطيع إدراك الواقع بشكل موضوعي خالٍ من التحيز، حيث يرى الدكتور المسيري أن التفسير الموضوعي في حد ذاته ليس إلا تفسيرًا لا يظهر أو لا يدرك تحيزه، وهو ما دفعه إلى التخلي عن استخدام مصطلحي ذاتي وموضوعي مفضلاً مصطلحي: "أكثر تفسيرية أو أقل تفسيرية"، حيث إنه إذا تمكن النموذج من تفسير عدد من جوانب الواقع يفوق عدد ما تفسره النماذج الأخرى فهو "أكثر تفسيرية" منها، وهي من ثم "أقل تفسيرية منه"، ومن هنا فإن تبني أو إسقاط مصطلح الصهيونية من الخطاب التحليلي العربي المعاصر يتوقف على قدرة هذا المصطلح على تفسير عدد أكبر أو أقل من واقع الظاهرة محل الدراسة، وليس بناء على تضمينه أو خلوه من الأحكام القيمية. ومن أهم مصطلحات النموذج التفسيري، ضرورة إدراك أن هناك حيزًا إنسانيًّا يتحرك فيه الإنسان ويمارس فيه إنسانيته، ومن ثم يصبح مختلفًا عن الكائنات الطبيعية، فهو كائن مركب وعنصر مسئول، يتجاوز حتميات النظام الطبيعي- المادي، ولا يمكن أن يرد في كليته إلى واقعه المادي فقط، ولا يمكن لهذا الإنسان أن يمتزج بالظواهر الطبيعية ويذوب فيها فهو جزء يتجزأ من الواقع المحيط به لا يذوب قط فيما حوله. فالإنسان مركب لا يمكن معرفة دوافعه "فهي مركبة إذ تحركه دوافعه المادية الأرضية كما تحركه أفكاره وأحلامه وذكرياته، والمعنى الذي يتسع للأشياء والرموز التي يستخدمها للتعامل معه، كما تحركه منظومته القيمية والجمالية التي قد تهديه سواء السبيل وقد تضلله، ولذا فهو قادر على النبل والخساسة، وعلى الخير والشر. ويقوم تصور الدكتور المسيري للظاهرة الصهيونية على افتراض أساسي مؤداه أنها تعبر أساسًا عن استجابة معينة لواقع اقتصادي واجتماعي معين عُرف في التاريخ الأوروبي باسم "المسألة اليهودية"، التي تقوم على عودة شعب الله المختار إلى أرضه الموعودة كشرط ضروري لتحديث الجماعات اليهودية الوظيفية التي تعيش على هامش العملية الإنتاجية في بعض مجتمعات أوروبا. وهذه الجماعات الهامشية أو المهمشة -من وجهة النظر الصهيونية- ستتحول حتمًا وفقًا للتطور الاقتصادي للمشروع الصهيوني، إلى شعب منتج ومحارب في أرضه الموعودة، ويمضي الدكتور المسيري ليعرف الصهيونية باعتبارها مركبًا من عدد من العناصر التي يعلن إجمالها فيما يلي: * استمرار التصور الوظيفي للجماعات اليهودية مع انتفاء الحاجة للوظيفة التقليدية التي كانت تؤديها هذه الجماعات (أعمال الوساطة المالية) في ضوء عملية التحديث التي شهدتها المجتمعات التي عاشت فيها الجماعات اليهودية. * قيام الحركات الصهيونية بإعادة إنتاج المفاهيم اليهودية في سياق معلمن (أي تمت علمنته: أي أنه تم تجريد هذه المفاهيم من خلفيتها الدينية) بحيث تتحول الجماعات اليهودية إلى جماعات ذات هوية دينية/ إثنية في إطار حركة سياسية معينة، والتي هي حركة الاستعمار الأوروبي، وتتحول الجماعة الوظيفية إلى دولة وظيفية بعد أن قامت بإعادة تعريف دورها ووظيفتها. وبنشوء الدولة الوظيفية تزداد الصور تعقيدًا وتركيبًا، فسلوك هذه الدولة يصبح دالة في منطقين متمايزين، هما منطق الدولة ومنطق الحركة الصهيونية، إذ إن ضرورات الاستيطان وأداء الوظيفة لا يتفقان في كثير من الأحيان مع ضرورات البقاء، والأولويات السياسية للنخبة الحاكمة لا تتطابق دائمًا مع المنطق الصهيوني العالمي، وهكذا تصبح الإشكالية الأساسية لدراسة واقع الصهيونية والممارسات الإسرائيلية هي استكشاف أنماط التفاعل بين منطق المشروع الصهيوني ومنطق الدولة الطبيعية. وللنموذج التفسيري الذي يقدمه الدكتور عبد الوهاب المسيري مغزاه على صعيد الإدراك السياسي للظاهرة الصهيونية؛ فالتصور الذي يقدمه يتجاوز التفسيرات القائمة على تطبيع الظاهرة الإسرائيلية معرفيًّا، والانشغال بوصف عناصر النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي الإسرائيلي باستخدام نفس المفاهيم التقليدية المستخدمة في دراسة أي نظام سياسي آخر، كأن تتم دراسة النظام الإسرائيلي باعتباره نظامًا برلمانيًّا كالنظام الهندي، ثنائي الحزبية كالنظام البريطاني.. فمثل هذه التفسيرات تعجز -على حد قول الدكتور المسيري- عن تفسير الطبيعة المتميزة للأحزاب السياسية مثلاً في إسرائيل، والتي تنفرد بوظائف لا نظير لها في سائر النظم السياسية. فدور الهستدروت (اتحاد العمال في الكيان الصهيوني) يعطينا مثالاً واضحًا على قصور النظرة التطبيعية عن إدراك خصوصية الظاهرة الصهيونية. فالهستدروت، الذي تأسس عام 1920، لم ينشأ للتعبير عن مصالح طبقة عاملة يهودية تبلورت في فلسطين، وإنما ظهر كأداة لخلق هذه الطبقة، ونواة للاقتصاد العمالي في هذه الدولة. ويمكن القول بأن تأسيس الهستدروت أساسًا يعتبر أحد تجليات الرؤية الصهيونية العالمية للمسألة اليهودية، والتي تقوم على ضرورة إصلاح الهرم الاجتماعي المقلوب عند الجماعات اليهودية، وخلق طبقة اجتماعية منتجة في أرض الميعاد. ولا يمكن قصر دلالات النموذج الذي يقدمه الدكتور المسيري على مرحلة ما قبل قيام دولة إسرائيل، بل يمكن أن تشمل أيضًا الممارسات الراهنة للنظام الإسرائيلي، فلننظر مثلاً إلى الأفكار الإسرائيلية حول "السوق الشرق أوسطية" فسنجد أنها تعبير عن إعادة إنتاج مفهوم الجماعة الوظيفية، فالاندماج الأمثل للاقتصاد الإسرائيلي في اقتصادات المنطقة، من وجهة النظر الإسرائيلية، يجب أن يتم من خلال سيطرة إسرائيل على عمليات الوساطة المالية بالمنطقة وليس من خلال مناطق تجارة حرة؛ نظرًا لاعتبارات متعلقة بطبيعة وخصائص الاقتصاد الإسرائيلي من حيث هيكل الأسعار الحمائي، طبيعة الصادرات..، مما يحول دون إمكانية اندماجه تجاريًّا بالمنطقة. ومن هنا فمصلحة الاقتصاد الإسرائيلي لا تتمثل في تعزيز التجارة في المنطقة، وإنما القيام بدور الوسيط الذي يقوم بتسويق المنطقة للخارج (السياحة) بالإضافة إلى تسويق الخارج -وهو الأهم للمنطقة (باستمرار علاقات إسرائيل مع الولايات المتحدة وأوروبا)، الأمر الذي يثير التساؤل حول ما إذا كانت المسألة اليهودية قد حلت- من وجهة النظرة الصهيونية، بعودة شعب الله المختار إلى أرضه الموعودة لتبدأ مسألة الدولة اليهودية، حيث تحل سمسارية الدولة اليهودية محل سمسارية الجماعات اليهودية في المجتمعات الأوروبية. كما أن الصورة التي يقدمها هذا النموذج تبرز عددًا من الثغرات في بنية الدولة الصهيونية، وتتعدى المفاهيم التقليدية التي صيغت لتفسيرها، فنجد مثلاً أن مفهومًا "كاللوبي الصهيوني" القائم على قوة وسطوة الرأسمالية اليهودية وغيرها من المفاهيم التي تبرر الإذعان العربي والاستسلام لكون العرب يواجهون ما لا قبل لهم بمواجهته لا مكان لها في هذا النموذج؛ حيث نجد أن هذا النموذج ينادي بتاريخية الجماعات اليهودية، ومن ثم فهو لا يعترف بوجود رأسمالية يهودية، وإنما رأسماليون يهود يحركهم المنطق الرأسمالي العام واعتبارات تعظيم الربح. كما أن سلوكهم لا يختلف كثيرًا عن بعض الرأسماليين من مسيحيين أو مسلمين أو بوذيين. ويرى الدكتور المسيري أن هناك ارتباطا مصلحيا عضويا وراء الدعم الأمريكي لإسرائيل، أي صفقة وليس لوبيًّا صهيونيًّا يسيطر على العقل الأمريكي؛ مما يوضح ضرورة إعادة النظر في العديد من الخيارات الإستراتيجية التي تبنتها بعض دوائر القرار العربية، كفكرة التحالف مع الولايات المتحدة لإقناعها بالتخلي عن انحيازها لإسرائيل أو الاستثمار لمزيد من الأموال العربية في الولايات المتحدة لإنشاء لوبي عربي. ويشير
الدكتور المسيري إلى أن النماذج
التفسيرية التي يستخدمها في تحليل
الظاهرة الصهيونية لا تدّعي لنفسها
الموضوعية الكاملة، ولا المقدرة
التفسيرية الشاملة والكاسحة، وهي ليست
سوى محاولة اجتهادية لتفسير أكبر قدر
من جوانب الظواهر اليهودية والصهيونية
موضع الدراسة حسب ما هو متوافر من
معطيات ومعلومات حتى الآن. ثانيًا: النموذج المعرفي التحليلي المركب يعتبر النموذج المعرفي التحليلي المركب الأداة التحليلية الأساسية التي اعتمدها الدكتور عبد الوهاب المسيري في موسوعته المسماة: "اليهود واليهودية والصهيونية: نموذج تفسيري جديد". فقد قام الدكتور المسيري بصياغة نموذج فضفاض يحاول من خلاله أن يتناول الظواهر اليهودية والصهيونية في أبعادها السياسية، والاقتصادية، والحضارية، والمعرفية. والنموذج التحليلي المركب يتسم في تصور الدكتور المسيري - بأنه لا يتأرجح بحدة بين العمومية الشاملة والخصوصية المتطرفة فهو نموذج على مستوى معقول من العمومية والخصوصية يرمي إلى وضع اليهود واليهودية والصهيونية، باعتبارهم حالة محددة، في سياق إنساني عالمي مقارن يضم كل البشر ويدرك الإنسانية المشتركة، حتى يمكن إدراك أن الحالة المحددة ليست شيئًا مطلقًا، وإنما تنتمي إلى نمط إنساني عام ومجرد. ومع هذا يحاول النموذج التحليلي في ذات الوقت ألا يهمل الملامح الفريدة والمعنى الخاص للظواهر اليهودية والصهيونية. لذلك فالدكتور المسيري لم يقذف باليهود واليهودية والصهيونية في صحراء العمومية المسطحة -حسب قوله- التي وضعهم فيها أصحاب النماذج التحليلية الموضوعية الملساء -ومنهم صهاينة يريدون تطبيع اليهود- الذين يرون اليهود باعتبارهم وحدات مادية، اقتصادية أو سياسية عامة، ليست لها ملامح متميزة ولا تتمتع بأية خصوصية، كما أن الدكتور المسيري يرفض تركهم في جيتو الخصوصية اليهودية، المفاهيمي والمصطلحي، "جيتو التفرد المطلق، والقداسة والدناسة، والطهارة والنجاسة، والاختيار والنبذ" ذلك الجيتو الذي اختصر فيه أصحاب النماذج التحليلية من الصهاينة وأعداء اليهود الذين يرون اليهود باعتبارهم ظاهرة مستقلة، مكتفية بذاتها، تشمل داخلها كل أو معظم ما يكفي لتفسيرها. بدلاً عن كل ذلك، حاول الدكتور المسيري إدخال الظواهر اليهودية والصهيونية المجال الرحب للعلوم الإنسانية وعلم الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع والتاريخ الإنساني، حيث يمكن من خلال نماذج مركبة رؤية علاقة الكل (العام) بالجزء (الخاص)، دون أن يفقد أي منهما استقلاله وحدوده، وفي هذا الإطار حاول الدكتور المسيري القيام بتفكيك مقولات، مثل: "اليهودي المطلق"، و"اليهودي العالمي"، و"اليهودي الخالص" و"المؤامرة اليهودية".. ليبين المفاهيم المغلوطة الكامنة فيها. فهذه المقولات تفترض أن اليهود لا يتغيرون بتغير الزمان أو المكان، وحتى إن تغيروا فإن مثل هذه التغيرات تحدث داخل إطار يهودي مقصور على اليهود داخل حركيات وآليات التاريخ اليهودي. وقد بيّن الدكتور المسيري عجز مثل هذه المقولات عن تفسير الواقع بأن أشار إلى عدد كبير من العناصر التاريخية والاجتماعية والنفسية والثقافية والدينية التي لم تتعرض لها هذه المقولات لأنها تقع خارج نطاق مقدرتها التفسيرية، وبيّن أن هذه المقولات تتسم بالعمومية المفرطة -اليهود في كل زمان ومكان- والخصوصية المفرطة -اليهود وحدهم دون غيرهم-، كما أوضح الدكتور المسيري أنه من المستحيل فهم سلوك اليهود، وآلامهم وأشواقهم وخيرهم، وشرهم من الداخل، أي بالعودة إلى كتبهم المقدسة (التوراة والتلمود)، أو شبه المقدسة (القبالاه)، أو غير المقدسة (البروتوكولات كما يزعم المعادون لليهودية)، أو بالعودة إلى تصريحات الصهاينة وغيرهم. لذلك نجد أن الدكتور المسيري، في سياق محاولته نحت نموذج تحليلي مركب، لم يذهب إلى التوراة أو التلمود والبروتوكولات أو حارات الجيتو، ولا إلى بقعة جغرافية معينة أو لحظة تاريخية بعينها، كما حاول ألا يخضع لأي أطروحات أو مسلمات عامة للصراع العربي الإسرائيلي كتلك الأطروحات التي ترى أن هذا الصراع إن هو إلا صراع طبقي أو اقتصادي، وأن إسرائيل إن هي إلا قاعدة للاستعمار الغربي..)، حيث قام بدراسة كل جماعة يهودية في سياقها التاريخي الحضاري والسياسي والاقتصادي والديني والإنساني، حتى يمكن فهم العناصر التي تنفرد بها من غيرها من العناصر الموجودة في كل الجماعات. كما أن الدكتور المسيري وجد أنه من الأجدى من الناحية التفسيرية، ألا نشير إلى اليهود في كل زمان ومكان على اعتبارهم "اليهود" وحسب، وبشكل مغلف مجرد وكلي، بل رأى أنه من الضروري الإشارة إليهم باعتبارهم "أعضاء الجماعات اليهودية"، وذلك حتى ينفتح الجيتو، وحتى يمكن استخدام مصطلح قادر على التعامل مع كل الجوانب المتعددة والثرية للظواهر اليهودية. ونفس الشيء بالنسبة لمسألة "التاريخ اليهودي" الذي يصبح "تواريخ الجماعات اليهودية" "والجريمة اليهودية" التي تصبح "الجريمة بين أعضاء الجماعات اليهودية".. فقد وجد الدكتور المسيري أنه من الأجدى رصد كل من عناصر التشابه والتجانس وكذا عناصر الاختلاف وعدم التجانس، ثم يتم ترتيب هذه العناصر حسب مقدرتها التفسيرية، ويشير الدكتور المسيري إلى أن عناصر التشابه والتجانس، رغم أهميتها أحيانًا نجدها أقل أهمية من عناصر الاختلاف وعدم التجانس (ومن هنا صيغة الجمع: أي الجماعات اليهودية بدلاً من اليهود أو المطلق اليهودي أو الجماعة اليهودية). وقد عمل الدكتور المسيري على تطوير عدة نماذج لكل منها مستواه التعميمي وسياقاته ومستويات فاعليته، لكنها مع هذا تنضوي تحت نموذج تحليلي مركب أكبر تلتقي خلاله كل أو معظم النقط الأساسية. ومن تلك النماذج الفرعية ما يلي: 1 - نموذج الجماعات الوظيفية: يعرف الدكتور المسيري الجماعات الوظيفية باعتبارها جماعة يستجلبها المجتمع من خارجه أو يجندها من داخله (من بين الأقليات الإثنية والدينية أو حتى بعض القرى أو العائلات)، ويوكل لها وظائف مختلفة لا يمكن لغالبية أعضاء المجتمع الاضطلاع بها لأسباب مختلفة؛ من بينها رغبة المجتمع في الحفاظ على تراحمه وقداسته. فقد تكون هذه الوظائف مشينة (البغاء، الربا، الرقص،..)، أو متميزة وتتطلب خبرة خاصة (الترجمة، الطب..)، أو أمنية عسكرية (المماليك)، أو لأنها تتطلب الحياد الكامل (التجارة، جمع الضرائب). ويتسم أعضاء الجماعة الوظيفية بأن علاقتهم بالمجتمع علاقة نفعية تعاقدية، إذ يُنظر لهم باعتبارهم وسيلة لا غاية، وهم يُعرفون في ضوء الوظيفة التي يضطلعون بها لا في ضوء إنسانيتهم المتكاملة. وأعضاء الجماعة الوظيفية غالبًا يكونون عناصر حركية لا ارتباط لها ولا انتماء، تعيش على هامش المجتمع، ويقوم المجتمع في الوقت نفسه بعزلهم عنه ليحتفظ بمتانة نسيجه المجتمعي؛ لذا فهم يعيشون في جيتو خاص بهم في حالة اغتراب، وهم بسبب عزلتهم وعدم انتمائهم وعدم وجود جذور لهم في المجتمع عادة ما يشعرون بعدم الأمن، لذا نجدهم في كثير من الأحيان على مقربة من النخبة الحاكمة يقومون على خدمتها. وتعبيرًا عن نفس عدم الإحساس بالأمن يقوم أعضاء هذه الجماعة بالادخار ومراكمة الثروة، كما أنهم عادة ما يحلمون بوطن أصلي، ولو تخيلي، الذي يتحول إلى بقعة مثالية (صهيون)، يحلمون بالعودة إليها. ويضيف الدكتور المسيري أن الجماعات الوظيفية تظل قائمة، تضطلع بوظيفتها إلى أن تظهر جماعات محلية قادرة على الاضطلاع بهذه الوظائف، فيتم الاستغناء عن الجماعة الوظيفية وتصفيتها، وتصبح وظائفها بعد ذلك وظائف عادية يقوم بها أي عضو كفء في المجتمع، وهذا ما حدث للجماعات اليهودية في الغرب إذ أصبحت جماعات وظيفية دون وظيفة. وهذا هو جوهر المسألة اليهودية في تصور الدكتور المسيري. وقد قام الدكتور المسيري بتطوير نموذج الجماعات الوظيفية لدراسة وضع الجماعات اليهودية في العالم الغربي ووضع الأقليات المماثلة في الحضارات الأخرى (الصينيون في جنوب شرق آسيا، والهنود في إفريقيا): أي أن دراسة الحالة هنا أخذت شكل دراسة أعضاء الجماعات اليهودية في إطار علم اجتماع الأقليات والجماعات التجارية الهامشية والجماعات الإثنية. وما حدث لليهود يحدث لكل أعضاء الأقليات (والجماعات الوظيفية) الأخرى، أي أن اليهودي يظهر باعتباره الإنسان عضو الأقلية الدينية أو الإثنية أو الوظيفية. كما استطاع الدكتور المسيري أن يولِّد من نموذج الجماعات الوظيفية نموذج الدولة الصهيونية الوظيفية التي أسسها الغرب لكي تضطلع بوظيفة محددة. فحينما نشأت المسألة اليهودية لجأ الغرب إلى حلها من خلال الإطار المعرفي والحضاري المألوف لديه، ومن خلال النموذج الإدراكي المهيمن عليه أي نموذج الجماعة الوظيفية، ويمكن القول بأن المسألة اليهودية هي مسألة الجماعة الوظيفية التي أصبحت بلا وظيفة، ومن ثم تحولت إلى مجرد فائض بشري لا نفع له من منظور المجتمع الذي يعيش بين ظهرانيه. فتقرر توظيف هذا الوضع السياسي في خدمة الغرب وذلك بتصدير هذا الفائض إلى الشرق ومن ثم يتم التخلص منه، وبعد تصديره يوكَّل هذا الفائض بأداء وظيفة جديدة، وهي القتال للدفاع عن المصالح الغربية في الشرق من خلال دولة تقع في منطقة إستراتيجية تخدم هذه المصالح، فهي مثلاً تقسم العالم العربي إلى قسمين فتحول دون اتحاده، وتعمق وضع التجزئة بعد سقوط الدولة العثمانية، وهذه هي الإستراتيجية الغربية، وكل هذا يعني أن تصدير اليهود إلى فلسطين هو توظيف حل المسألة اليهودية في حل المسألة الشرقية (التركة العثمانية) ومن خلال قيام الدولة الصهيونية الوظيفية. ب- نموذج الرؤية العلمانية الإمبريالية الشاملة: بداية يحاول الدكتور المسيري التمييز بين العلمانية الجزئية، والعلمانية الشاملة. فالعلمانية الجزئية، حسب تصوره، رؤية جزئية للواقع تنطبق على عالم السياسة، وربما على عالم الاقتصاد، وهو ما يعبر عنه بفصل الكنيسة عن الدولة، ويشير الدكتور المسيري إلى أن الكنيسة هنا تعني "المؤسسات الكهنوتية". أما الدولة فتعني مؤسسات الدولة المختلفة. "وقد يوسع البعض هذا التعريف ليقصد به فصل الدين (وحده) عن الدولة بمعنى الحياة العامة في بعض نواحيها، ويعلل الدكتور المسيري تسميته لهذه الصيغة "بالعلمانية الجزئية" لسببين: 1- أن الدولة التي يشير إليها التعريف هي دولة القرن التاسع عشر التي لم تكن قد طورت مؤسساتها التربوية والأمنية المختلفة التي تمكنها من محاصرة المواطن أينما كان؛ لذا تركت له رقعة واسعة يتحرك فيها ويديرها حسب منظومته القيمية الخاصة. 2- تلتزم العلمانية الجزئية الصمت تمامًا بشأن المرجعية الأخلاقية والأبعاد الكلية والنهائية للمجتمع ولسلوك الفرد في حياته الخاصة وفي كثير من جوانب حياته العامة. كل ذلك يعني أن العلمانية الجزئية تترك مجالاً واسعًا للقيم الإنسانية والأخلاقية المطلقة، بل وللقيم الدينية ما دامت لا تتدخل في عالم السياسة (بالمعنى الضيق): أي أنها صيغة لا تسقط في النسبية أو العدمية؛ ولذا يمكن تسميتها أيضًا "العلمانية الأخلاقية أو الإنسانية". أما العلمانية الشاملة "والتي تسمى أيضًا "العلمانية الطبيعية المادية أو العلمانية العدمية، فهي رؤية شاملة للكون بكل محتوياته ومجالاته، لا تفصل الدين عن الدولة وعن بعض جوانب الحياة العامة وحسب، بل تفصل كل القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية عن كل جوانب الحياة العامة في بادئ الأمر ثم عن كل جوانب الحياة الخاصة في النهاية، إلى أن يتم نزع القداسة تمامًا عن العالم (الإنسان والطبيعة). وهذه العلمانية شاملة لكونها تشمل كلا من الحياة العامة والحياة الخاصة والإجراءات والمرجعية. والعالم من منظوم العلمانية الشاملة خاضع لقوانين واحدة كامنة فيه، لا تفرق بين الإنسان وغيره من الكائنات فهو عالم يتسم بالوحدانية المادية الصارمة (وهي صفات الطبيعة/ المادة)، الأمر الذي يعني سيادة الوحدانية المادية، وأن كل الأمور -في نهاية الأمر- مادية نسبية متساوية لا قداسة لها. وفي تحليله الظاهرة الصهيونية من هذا المنطلق، يبدأ الدكتور المسيري اكتشافه لحقيقة بديهية، وهي أن الظاهرة اليهودية ابتداء من عصر النهضة في الغرب تحولت تدريجيًا إلى ظاهرة غربية بالدرجة الأولى: أي أن السياق الأساسي للجماعات اليهودية في العالم أصبح هو الحضارة الغربية الحديثة. لكن تاريخ الحضارة الغربية الحديثة منذ عصر النهضة، سواء في شرق أوروبا أو خارجها، هو تاريخ التحديث والتغريب والعلمنة الجزئية والشاملة والمشاكل المرتبطة بظهور الدولة العلمانية القومية المركزية. ويضيف الدكتور المسيري، أن هذا التاريخ ليس تاريخ العلمنة وحسب، وإنما هو تاريخ الإمبريالية؛ حيث إن تاريخ التشكيل الحضاري الغربي الحديث هو أيضًا تاريخ التشكيل الإمبريالي الغربي الحديث، وقد ارتبطت الجماعات اليهودية في الغرب منذ البداية بالتشكيل الاستعماري الاستيطاني الغربي، وتحدد مسار هجرة أعضاء الجماعات اليهودية بحركة الاستيطان الغربي، كما أن رؤية الإنسان الغربي للعالم ولذاته وللجماعات اليهودية أصبحت رؤية علمانية إمبريالية. ومن هنا رأى الدكتور المسيري، ضرورة تطوير نموذج آخر هو نموذج الرؤية العلمانية الإمبريالية الشاملة، وهو نموذج أكثر اتساعًا من نموذج الجماعات الوظيفية، وأكثر عمومية؛ إذ لا يضع اليهود في سياق الأقليات وحسب، وإنما في سياق التشكيل الحضاري الإمبريالي الغربي، وهو التشكيل الذي هيمن على العالم بأسره وضمنه أعضاء الجماعات اليهودية. وقد طبق الدكتور المسيري، هذا النموذج على اليهود باعتبارهم حالة محددة "أقلية إثنية دينية تعيش في عصر العلمانية الشاملة"، وهنا يظهر اليهودي باعتباره الإنسان الغربي الحديث، وما يحدث له (من اندماج – دمج - تدجين – توظيف – علمنة – إبادة)، هو ما يحدث للملايين من البشر في العصر الحديث، وهو إنسان يعيش في عصر "أزمة الحداثة". ج- نموذج الحلولية الكمونية الواحدية: يعرّف الدكتور المسيري الحلولية الكمونية، على أنها رؤية للواقع ترى أن الإله قد حل في العالم حتى أصبح الإله غير متجاوز للعالم، بل صار متوحدًا معه، ومن ثم أصبح الإله والطبيعة والإنسان شيئًا واحدًا: أي أن ثنائيات الخالق والمخلوق، الإنسان والطبيعة، الكل والجزء، والعام والخاص تم إلغاؤها لتظهر الوحدانية الكونية المادية. وقد استخدم الدكتور المسيري في دراسته لتطور اليهودية نموذج الحلولية الكمونية الواحدية مقابل نموذج التوحيد والتجاوز (الذي يفترض وجود ثنائية فضفاضة)، وبيّن أن الصراع بين النموذجين يشكل التوتر الأساسي في اليهودية (وفي كل الأديان)، فهو تعبير عن تناقض إنساني أساسي يميز إنسانيتها المشتركة، يأخذ شكل النزعة الجنينية (وهي الرغبة في فقدان الهوية، والالتحام بالكل، والتخلي عن الوعي وعن المسئولية الخُلُقية) في مقابل النزعة الإنسانية والربانية (وهي أن يؤكد الإنسان هويته الإنسانية المستقلة في الطبيعة، ويتحمل المسئولية الخلقية عن هذا الوضع). ومن خلال نموذج الحلولية الكمونية هذا استطاع الدكتور المسيري التأريخ للعقيدة اليهودية ولتصاعد معدلات الحلولية الكمونية فيها إلى أن سيطرت القبالاه عليها تمامًا. وهنا يظهر اليهودي باعتباره الإنسان ممثل الإنسانية المشتركة في واقعها المأساوي والملهاوي، وفي مقدرتها الهائلة على تجاوز عالم المادة من ناحية، وعلى الغوص فيه من ناحية أخرى، وعلى الصعود إلى أعلى درجات النبل، وعلى الهبوط إلى أدنى درجات الخساسة. ويشير
الدكتور المسيري إلى أن كل نموذج من
النماذج الثلاثة الفرعي (الحلولية
الكمونية – العلمانية الشاملة –
الجماعة الوظيفية) له استقلاله عن
النموذجين الآخرين، وكل سياق له
آلياته وحركياته وسماته، ويتفاوت
البعد الزماني في النماذج الثلاثة،
فهو أكثر وضوحًا في نموذج الجماعة
الوظيفية، ويكاد يتلاشى ويختفي في
نموذج الحلولية، ولكن النماذج كلها مع
هذا تتلاقى وتتقاطع.
فالطريقة التي نظّم بها الشعب الفلسطيني نفسه طريقة مبتكرة تمامًا، حيث يرى الدكتور المسيري أنها تقف بين حركة العصيان المدني (على طريقة غاندي)، وحركة الدفاع المسلح (على طريقة فيتنام). وهذا أمر متوقع تمامًا. فالنموذج الانتفاضي نموذج استرجاعي؛ لذا فالانتفاضة كانت شكلا من أشكال "العودة عن الحداثة" demodernisation، وبعث أشكال تقليدية من التكامل الاجتماعي والإنتاج (الأسرة كوحدة أساسية، الزراعة التقليدية، والعودة لشجرة الزيتون كمصدر للحياة والرموز...) لتزداد درجة التكامل الفضفاض والتراحم في المجتمع. ويلاحظ أن القرى التي لم تحقق مستوى عاليًا من التحديث هي الأكثر صلابة في النضال؛ إذ إن بنيتها التحتية التقليدية تضمن لها مقدرة أعلى على الاستمرار بسبب عدم تبعيتها. والانتفاضة تختلف عن الحركات الثورية العادية في أن الطليعة الثورية ليست هامة في منظورها، فالانتفاضة تنظيم يسمح بقوة المركز والأطراف في آن واحد، فهي أول ثورة من نوعها في التاريخ مبنية على تجسيد الكتلة البشرية كاملة وعلى تهميش القيادات، وهو ما نتج عنه أن الارتجال الذي يعد من عيوب الشخصية العربية، صار مع الانتفاضة من أكبر المزايا؛ إذ أصبح من المستحيل على سلطات القمع الإسرائيلية اختراق جسد الانتفاضة المتماسك، فهي حركة تترك للجماعات المحلية زمام المبادرة إلى المواجهة اليومية، وتكتفي بالتوجهات العامة، وقد فجّر هذا الإطار الحي الإبداع في كل هذه الجماعات فابتدعت أشكالاً نضالية فريدة تفاجئ العدو كل يوم. وقد أبدع المنتفضون في تأسيس بِنًى صحية وتعليمية واجتماعية موازية للبنى الإسرائيلية الرسمية، ونجحوا في اكتشاف التقاليد وحولوها إلى أشكال نضالية: فاكتشفوا الأسرة، والقرية، والعشيرة، واكتشفوا شجرة الزيتون، وتحولت كل المكتشفات إلى أدوات نضالية، فقد اكتشف المنتفضون أن التراجع عن التحديث له إمكانية ثورية كبرى، لكن أهم اكتشاف للمنتفضين في نظر الدكتور المسيري تمثَّل في الأرض؛ إذ اكتشفوا الحجر كأداة للمقاومة. والحجر متجذر في الوجدان العربي، فقد اكتشف المنتفضون أن الحجارة تكفي لجعل حياة المستوطنين صعبة للغاية، إن لم تكن جحيمًا كاملاً من دون أن يعطوا في الوقت نفسه لسلطات القمع الإسرائيلية الفرصة للانغماس في عمليات الإبادة التي أدمنتها في الماضي. والمنتفضون أدركوا أيضًا دور الإعلام ودور موازين القوى الدولية ومدى أهمية كاميرات التليفزيون في فضح العدو. ويذهب الدكتور المسيري إلى أن الحجر في حالة الانتفاضة ليس مجرد سلاح استخدمه المنتفضون بكفاءة عالية، وإنما هو بلورة كاملة لنموذج التكامل الفضفاض غير العضوي. فاستخدام الحجر أسلوب توصل إليه الإنسان منذ بداية التاريخ البشري، كما أن الحجر موجود بكثرة داخل معجمنا الحضاري باعتباره إحدى المفردات السياسية في التراث العربي الإسلامي (جلمود صخر، حجارة من سجيل، الرجم، الحجر الأسود..). فالانتفاضة حركة إبداع مذهل في ظل ظروف استعمارية لا نظير لها في العالم الآن. فالاستعمار الاستيطاني الصهيوني يحظى بموافقة العالم الغربي، والموافقة الصامتة للحكومات العربية. ويضيف الدكتور المسيري أن اهتمامه الشديد بالانتفاضة راجع لكونها نموذجًا لهذا الإبداع عن طريق العودة إلى الذات عن طريق الانسلاخ عن منظومة الحداثة الغربية، وهو انسلاخ لا يؤدي إلى الجمود، بمقدار ما يؤدي إلى الحركة المبدعة الهادفة. ومن أهم مميزات وخصائص نموذج التكامل الفضفاض غير العضوي، في نظر الدكتور المسيري والتي تميز النموذج الانتفاضي أيضًا نجد ما يلي: الترشيد الكامل لا يكون ضروريًّا، بل قد يكون وعلى العكس ضارًّا؛ إذ إن الترشيد يقصد به تطبيق قانون واحد على الجميع، أو مجموعة من القواعد المختلفة ينظمها قانون واحد على الجميع. وهذا يتعارض مع تنوع الأجزاء وتفاوت السرعات. ونموذج التكامل غير العضوي قد لا يعمل بنفس مستوى الكفاءة ولا على نفس القدر من السرعة كما هو الشأن بالنسبة لنموذج التكامل العضوي، لكنه قادر أن يعمل بسرعات متفاوتة في ذات الوقع بسبب عدم وجود تنسيق صارم بين الأجزاء المختلفة (إذ يحتفظ كل بشخصيته إلى حد ما)، وهذا ما فعلته الانتفاضة من خلال تجنيدها للكتلة البشرية (من كل الأعمار والطبقات والانتماءات الإثنية والدينية) في الأراضي المحتلة وتحريكها جميعًا في وقت واحد، في فترات مختلفة، وحسب مقدرة كل قطاع داخل هذه الكتلة على الحركة. ولم تكن الحركة دائمة متجانسة، وإنما كانت متقطعة غير متجانسة. ويرى الدكتور المسيري أن الانتفاضة بسبب عدم التزامها بقانون مجرد واحد، تركت مجالاً واسعًا للإبداع الشخصي، وحولت الارتجال إلى شكل مهم من أشكال النضال الإبداعي. والنضال بالحجر لا يتطلب درجة عالية من الترشيد، ومن ثم لا توجد ضرورة عقد دورات توعية أو حلقات تدريب ولا درجات عالية من التسييس. ويؤكد الدكتور المسيري على أن نموذج التكامل الفضفاض غير العضوي قد لا يتسم بمقدرة على الحركة السريعة، لكنه يعوض ذلك بمقدرته الفائقة على الحركة والاستمرار تحت معظم الظروف وعلى الاستمرار بعد الانقطاع، وهذا ما حققته الانتفاضة، فهي أطول حركة عصيان مدني نشط في التاريخ، فقد استمرت الانتفاضة وأنهكت العدو تمامًا، وأسهمت في دفع التفكير الإستراتيجي الإسرائيلي للوصول إلى اقتناع بأنه لن يتمكن من القضاء على الانتفاضة إلا بالالتفاف حولها ومن هنا جاءت مدريد ثم أوسلو. وقد استمرت الانتفاضة ست سنوات، ويمكن أن تستمر الانتفاضة الثانية إلى ما لا نهاية؛ لأنها في هذه الفترة استطاعت تشييد كل المؤسسات البديلة لإدارة المجتمع: أي أن الانتفاضة كانت انتصارًا لفكرة العمل الأهلي في مقابل الدولة المركزية، كما أن اندلاع انتفاضة ثانية دليل آخر على مقدرة النموذج الانتفاضي على الاستمرار بعد التوقف وعلى التأرجح بعد الراحة. نموذج التكامل الفضفاض غير العضوي يحتاج إلى قدر من الطاقة، لكنه لا يتجه نحو تعظيم متراكماتها واستهلاكها، إنما يركز على استخدامها مع الحفاظ عليها وعلى مصادرها، كما هو الحال في المجتمعات التقليدية. وهو نموذج يفضل التوازن على الصراع، ولذلك فهو يجمع بين الطاقة الإنسانية (التقاط الحجر وإلقاؤه) والطاقة الطبيعية (الحجر نفسه). ولأن النموذج الانتفاضي لا يتجه نحو النمو المستمر فهو لا يحاول أن يصل إلى الذروة؛ ولذا فهو يتوهج أحيانًا ويخبو أحيانًا أخرى، لكنه لا ينطفئ أبدًا ولا يشتعل أبدًا فيحترق. لقد تركت الانتفاضة أعمق الأثر في أطراف الصراع، فبالنسبة للفلسطينيين والعرب فقد نزعت الانتفاضة عنصر الخوف من القلوب، وأثبتت بأنه يمكن إلحاق الهزيمة بالعدو الذي كان يظن أنه لا يُقهر، هذا في حالة ما إذا نفضنا عن أنفسنا التبعية الإدراكية، وتعاملنا مع واقعنا من خلال النماذج الخاصة بنا، بل أكثر من ذلك يرى الدكتور المسيري أنه بوسعنا لو شئنا –أن نولد من الانتفاضة– باعتبارها نموذجًا معرفيًّا– نماذج جديدة مختلفة عن النماذج السائدة. فالانتفاضة اكتشفت شيئًا داخل الإنسان العربي وحركته. أما على الصعيد الدولي فقد أسقطت الانتفاضة قناع إسرائيل الديمقراطي. أما بالنسبة للصهاينة فقد استطاعت الانتفاضة أن تعمق جوانب أزمة المجتمع الصهيوني، وزعزعت دور إسرائيل كوسيط، فالدولة الصهيونية كانت تطرح نفسها على أنها استثمار ليست ذات عائد اقتصادي كبير فحسب، لكنه ذو عائد إستراتيجي مرتفع، لكن الانتفاضة بينت أن الدولة الصهيونية مكلِّفة من النواحي الإعلامية والاقتصادية والسياسية. فمع استمرار الانتفاضة، وعجز المؤسسة الصهيونية عن إخمادها، اكتشف الصهاينة أن دورهم التقليدي كشرطي للمنطقة لم يعد ممكنًا، وأن محاولة ضرب الانتفاضة من خارجها لن يفلح، ومن هنا بدأت إسرائيل تطرح اتفاقيات السلام، وتلح على ضرورة رفع المقاطعة العربية حتى تلعب إسرائيل دورًا اقتصاديًّا كبديل لدورها العسكري القديم أو يكمله، وبهذه الطريقة تحل الدولة الصهيونية أزمتها تجاه الغرب الراعي لها، وتكون قد توصلت إلى طريقة لضرب الانتفاضة من الداخل بتنصيب نفسها عدوة الأصولية الإسلامية حتى تدخل تحالفات مع الحكومات العربية ضد الروح الجهادية. لكن أهم آثار الانتفاضة - بغض النظر عن نتائجها العملية والمباشرة - أنها أصابت الحلم الصهيوني في الصميم، حيث سلبت المستوطن الصهيوني إحساسه بالأمن الداخلي. تابع معنا محاور الدراسة:
|
|
|
|
|||||||||||||||||||||