English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

الثقافة والفكر |  السياسة | التاريخ والحضارة | علوم وتكنولوجيا | الاقتصاد والتنمية


- دور الأوقاف في رعاية الفنون الجميلة -
-   الوقف وتأسيس أول مدرسة للفنون الجميلة:
إذا انتقلنا إلى المتاحف وأعمال الفنون الجميلة التي تذخر بها، فسوف نلحظ الدور البارز للأوقاف في إثراء هذه المتاحف بفنونها المتنوعة، بل وفي إنشاء المدارس المتخصصة في تعليم أصول الفنون الجميلة وهو ما حدث بالفعل في سنة 1908م عندما أنشأ الأمير يوسف كمال -أحد أعضاء الأسرة المالكة في مصر قبل ثورة يوليو- أول مدرسة للفنون الجميلة في "درب الجماميز بالقاهرة" ووقفها، وأوقف عليها مساحة قدرها 127 فداناً من الأراضي الزراعية الواقعة بزمام مديرية المنيا بصعيد مصر، وأوقف عليها أيضاً عدة عقارات بمدينة الإسكندرية، وقد نص في حجة وقفه على أن يصرف ريعها "فيما يلزم لتدريس وتعليم مائة وخمسين تلميذاً،  يكون الثلثان منهم من المصريين، والثلث من الأجانب، بدون التفات إلى الجنسية والدين، ويكون تعليمهم مجاناً -بغير استثناء- العلوم العصرية التي منها الخطوط العربية، والنقوش البارزة، وأشغال العمارات، والتصميمات والرسومات وغير ذلك"، وقد أجازت محكمة مصر الشرعية الكبرى حجة وقف الأمير بما تضمنته من تلك الشروط الفنية، وذلك بتاريخ 14 جمادى أولى 1327هـ - 3 يونيو 1909م . الأمر الذي يستفاد منه عدم وجود مانع شرعي للوقف على مثل تلك الأغراض -الفنون الجميلة وتعلمها- طبقاً لما ورد بنص حجة الوقف بما في ذلك اشتراطه "أن يقوم بالتدريس مدرسون من فرنسا وإيطاليا، وأن تمنح ميدالية برونزية لكل من الطالب الأول والثاني من الناجحين بالفرقة النهائية، مكتوب على أحد وجهي الميدالية " إنَّا فتحنا لك فتحًا مبيناً " وعلى الوجه الآخر " تذكار من الأمير يوسف كمال" . ثم عاد الأمير وغير من شروط وقفيته في سنة 1927م وجعل ريعها مخصصاً لإرسال بعثات علمية من المائة وخمسين طالباً ليتعلموا الفنون الجميلة في جامعات فرنسا وإيطاليا .
 -   الوقف ومتحف الفن الإسلامي بالقاهرة:
أما بالنسبة لمواد الفنون الجميلة والمقتنيات النادرة التي وجدت بالمنشآت الوقفية -وغيرها مما ينسب إلى آثار العصر العربي- فقد بدأ التفكير في إنشاء "متحف للفن الإسلامي" لوضعها فيه، وعرضها على الجمهور من خلاله، وذلك منذ سنة 1892م وفي سنة 1899م طلبت "لجنة حفظ الآثار العربية" من الحكومة المصرية آنذاك أن تقوم بوقف بعض الأطيان الأميرية الحرة "على ذمة الأنتكخانة العربية"، ولكن اللجنة المالية، التي كان يسيرها صندوق الدين الأجنبي آنذاك رفضت فكرة الوقف، واكتفت بتخصيص ريع الأطيان للغرض المقصود تخصيصاً إدارياً فقط ؛ والسبب هو أن صندوق الدين كان يعارض سياسة تحويل الأراضي الأميرية إلى الأوقاف، لأن وقفها كان يخرجها من دائرة نفوذه وسيطرته على مالية
البلاد .
وتكشف "وثائق لجنة الآثار العربية" -بما فيها وثائق تأسيس متحف الفن الإسلامي بباب الخلق بالقاهرة- عن عزم اللجنة آنذاك للعناية بتلك الآثار التي حفظتها المؤسسات  الوقفية على مر العصور السالفة؛ من أجل إعادة توظيفها لتكون "من وسائط الرقي في الصناعة الشرقية، والمحافظة على خصوصية التراث ، ولجذب السواحين ، على حد ما عبر عنه دكريتو تعيين قومسيون للآثار التاريخية بمصر (دار الوثائق بالقاهرة- محافظ عابدين- محفظة رقم 163 ) .
والزائر لمتحف الفن الإسلامي بالقاهرة اليوم يجد كثيراً من مقتنياته عبارة عن آثار وقفية من الثريات، ومنابر المساجد، والسيوف، والمشغولات الذهبية، والمصاحف، والدروع، وغير ذلك من التحف النادرة التي تمّ جمعها من مصادر مختلفة؛ كان من أهمها المؤسسات والمباني الوقفية القديمة، إلى جانب  بعض الوقفيات الأثرية التي خصصها يوسف كمال -السابق ذكره- التي وقفها تباعاً من سنة 1913م إلى سنة 1927م، واشتملت وقفياته على مجموعات نادرة من المقتنيات الأثرية، من نفائس التحف ذات القيمة العالية في فنها وجمالها الذي لا يقدر بثمن، وقد حرص الواقف على تسجيل القطع الأثرية التي وقفها قطعة قطعة، مع وصف تفصيلي لكل منها، وذكر منشأ صناعتها، وتاريخ صنعها وثمنها الذي قدرت به ( في سنة وقفها )؛ وهي تشمل مجموعات من الأطباق والصحون، والأباريق، والثريات، والخناجر، والسيوف، والمشغولات الفضية والذهبية، واللوحات الفنية، وكلها ذات نقوش وزخارف ورسوم آية في الجمال، وتنتمي إلى بلدان متعددة من الصين شرقاً إلى تركيا شمالاً، ومراكش غرباً، والسودان جنوباً، ويرجع تاريخها إلى عصور مختلفة منها القديم، ومنها الوسيط، ومنها الحديث. وقد بلغ عدد القطع التي وقفها 495 قطعة -أربعمائة وخمسة وتسعين قطعة-  وأمر بنقلها بعد أن وقفها إلى "دار الآثار العربية الإسلامية المصرية" بجهة باب الخلق، لينتفع بها استغلالاً فقراء المسلمين، وبرؤيتها ومشاهدتها الصناع والمخترعون، وغيرهم من الهيئة الاجتماعية تعلماً واستفادة ومشاهدة، ويصرف ريعها-من الرسوم التي يدفعها الزائرون- للفقراء والمساكين على الدوام" .
واشترط الأمير- أيضاً - في حجة وقفيته على المتحف الإسلامي أنه "ليس للنظار على هذا الوقف ولا لأي  قاضٍ شرعي، ولا لأحد غيرهم حق مطلقاً في بيع الأشياء الأثرية الموقوفة، ولا أي منها، ولا هبته، ولا استبداله ، ولا تغييره؛ بل تبقى وقفاً محفوظًا على وجه ما ذكر" ( سجلات وزارة الأوقاف- ســـجل 25/ مصر - سلسلة 77 )".
وإضافة إلى ما سبق فقد قام الأمير "يوسف كمال" في سنة 1925م بوقف مجموعات أخرى من القطع الأثرية "صناعة الصين"ومجموعات من الأقمشة القبطية التي يرجع تاريخها إلى القرنين السابع والثامن للميلاد، ومجموعات من "اللوحات الفنية" والكتب والمراجع الخاصة بالفنون الجميلة وبالعمارة، وبعض الصور المجسمة، وجعلها وقفاً ليستفيد منها المشاهدون وطلاب العلم والمبدعون بدون  مقابل، وقد وضعها في ضيعة الوقف ونقلها إلى المتحف تحصيناً لها، وضماناً لبقائها وعدم ضياعها ولا يزال معظمها موجوداً حتى اليوم .
ولسنا هنا بصدد الدراسة التفصيلية للآثار الوقفية وقيمتها التي تميزها لكونها مؤسسة على نظام الوقف، كما أنه ليس بوسعنا الاستطراد في تقديم نماذج إضافية من بلدان عربية وإسلامية أخرى غير مصر - إذ جميعها يذخر بعديد من العمائر والمقتنيات الوقفية- ولكننا نود التأكيد فقط، على دور الوقف في خدمة الآثار والفنون الجميلة لم يقتصر على قطاع العمارة الدينية -من جوامع، وزوايا، وخانقاوات للمتصوفة، ومدافن، وتكايا- وإنما أسهم أيضاً في تكوين الثروة الأثرية والفنية لقطاعي "العمارة العسكرية" "والعمارة المدنية" من أسوار وقلاع وأربطة، وبيمارستانات، ومدارس، وخانات، وحمامات وقصور ومنازل، وأروقة، ورباع. ولا ننسى كذلك أن حجج الأوقاف المحفوظة -مثلاً- بكميات كبيرة في الأرشيفات والخزائن الحكومية ( ويبلغ عدد الحجج المحفوظة في أرشيف وزارة الأوقاف المصرية حوالي 120 ألف وثيقة ) هذه الحجج هي بحد ذاتها "قيمة" جمالية بما تحتوي عليه من زخارف كتابية، وخطوط تراثية، وتوقيعات، وأختام، ورنوك، مثلما تحفل معظم الآثار والمنشآت المؤسسية الوقفية بالزخارف الكتابية والهندسية والنباتية .
إن إسهام الوقف في تلك الجوانب الفنية والجمالية والمعمارية التي أشرنا إليها يؤكد- في أحد أبعاده - على المعنى المدني العميق لنظام الوقف، وأنه ليس نظاماً دينياً مغلقاً، كما يظن البعض؛ وإنما هو نظام مرن ومتطور، وقد قام بدور ملموس في دعم القيم الجمالية والفنية، وأسهم في ترجمتها إلى ممارسة اجتماعية واقعية؛ هي في جملتها وجه من وجوه "المجتمع المدني" في ظل الحضارة الإسلامية، وهذا الوجه جدير بالمحافظة عليه والعناية به، وخاصة أن سمة "الخلود" هي أبرز سمات الوقف الخيري، و"الخلود" هو أبرز سمات الآثار والفنون الراقية، وهذه وتلك تعتز بها الأمم، وتعتبرها من رموزها الحضارية الباقية على مر الزمن وشاهدة على أصالتها

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 


الثقافة والفكر |  السياسة | التاريخ والحضارة | علوم وتكنولوجيا | الاقتصاد والتنمية