English

 

الأربعاء  غرة ذي القعدة 1427هـ - 22/11/2006م

للرجال فقط » حواء وآدم
أرسل لصديق
 
روابط من إسلام أون لاين

 

تزوجيه يا هانيا*

د.أيمن محمد الجندي**

حينما قرأت الخبر في إسلام أون لاين.نت، وبعض المدونات عن ذلك المربع العملاق المضاء في أحد شوارع القاهرة مكتوب فيه اسم "هانيا" باللغة الإنجليزية بحروف أنيقة مفخمة أعترف أن قلبي دق دقة زائدة.. أما حينما شاهدت طلب الزواج "تتجوزيني؟" مكتوبا بحروف عربية- في لافتة أخرى مميزة بالجيزة – فقد ثملت روحي بالحب.

ثمرة الحياة

وهأنذا أعلن انحيازي للحب.. الهبة القصوى والنعمة الربانية.. ثمرة الحياة وزهرتها، شمسها وقمرها ونجومها.. أساطير القدماء وأحلام الشعراء وأمنيات العذارى.. أطلانطس المفقودة تلوح قلاعها الذهبية على مسيرة ألف عام، وجزيرة السندباد التي لم يفلح في العودة إليها قط فمات من اللوعة..

أعلن انحيازي للحب الذي لو حرمت منه فأنت المحروم حتى لو دانت لك الدنيا بأسرها..

أذكر امرأة دمشقية -لم أر في حياتي أبهى منها وأنضر- حاولت الانتحار لأن حياة القصور لم تفلح في تبديد وحشتها وفراغ قلبها، وقتها لم أملك نفسي من التفكير ألم يكن أفضل لها أن تتزوج شابا عاديا من بلدها يبنيان بيتهما الصغير معا، ويتحفها بحلية بسيطة كلما تيسرت أموره؟، وشعرت بغصة في قلبي حينما تذكرت زهوها وفرحة أهلها البسطاء حينما تقدم لها الشيخ ذو الاسم المدوي في عالم المال والأعمال!!.

ولا أدري هل ستصدقونني لو قلت إن هناك أميرات حرمن من تلك الهبة الربانية يحسدن خادماتهن على زوج محب وفرحة حقيقية بفستان جديد ابتاعه لها على غرة؟!!

عن الجواهر الحقيقة أتحدث لا عن الحلي المزيفة.

الحب الأول

المؤسف أن الرومانسية اختفت تقريبا من حياة الأجيال الجديدة حتى صارت تقابل بالدهشة وإنكار وجودها من الأصل.. يبدو هذا مدهشا بالنسبة لجيلي الذي تفتح وعيه على أغاني عبد الحليم وعالم كامل من الرومانسية والحب النظيف الذي يتوج بالزواج.. صرت أستمع بدهشة حقيقية لحكايات البنات المتكررة عن ذلك الخاطب الذي يتقدم لهن بعد قصة حب طويلة جرت فصولها في أروقة الجامعة، وشهدت عليها زهور الحدائق وحسدتها عليها البنات!!..

أيام الحب الأول من منا لم يعرفها؟.. حينما تتجمل الحياة حتى ليذهلك بهاء الكون.. منذ متى كانت السماء بهذه الزرقة؟ والسحاب بهذه الرقة؟.. كيف تحول الهواء الذي نستنشقه إلى تنهدات ياسمين؟.. ولماذا نسهر الليل بطوله ثم نستيقظ موفوري النشاط؟.

تلك الأيام التي يتحول الذهاب للكلية إلى حفل ساهر في دار الأوبرا، وتتحول الجامعة إلى ساحة حب.. دعابات الأصدقاء متى كانت بهذه البراعة؟.. وهذه الزهور التي تتوج الطريق من الجانبين كيف لم تلاحظها من قبل؟..

دعابات صديقاتها حينما يقترب الحبيب فتهرع إليه ضاحكة مرتبكة.. عاشقة وسعيدة.. الكف الرجولي العريض يحتوي بامتياز اليد الناعمة التي توارثتها الجدات حتى وصلت إليها كوديعة حريرية مباركة.. وذلك العالم الخاص الذي يحتويهما معا.. وحتى الصمت يصبح له موسيقاه الخاصة..

ثم تأتي النهاية مباغتة – وقت أول خلاف مادي– ليظهر وجه شديد الاختلاف.. بالغ القبح يتحدث بمنطق الربح والخسارة، بل يبلغ به أن يطالبها بثمن النزهات!! وفاتورة العشاء!! والهدايا الصغيرة، يتدنى مستوى الحوار لتكتشف الفتاة أن ما تصورته حب العمر لم يكن أكثر من خدعة سخيفة ملفقة.

زمن العشق والورد

حينما قرأت خبر ذلك العاشق أدهشتني تعليقات شباب يفترض أنهم في زمن العشق وعمر الورد.. تلخصت الاعتراضات في أمرين: الإسراف والعلانية... قالوا إن ثمن اللافتتين العملاقتين يكفي لشراء سيارة متوسطة!!.وسواء كان صاحب اللوحة – كما قيل – قد دفع فقط سعر التكلفة أم لا فإنني بصراحة لم أقتنع بالمنطق؛ لأننا لا نتحدث عن عقار أو صفقة تقوم بحسابات الربح والخسارة.. وحتى بهذا المنطق ما فائدة أن تقتني سيارة وتخسر قلبك؟..

لو كان هذا الفتى صادق الحب – وأغلب الظن أنه كذلك خصوصا أنه يطلبها للزواج وفي كل الأحوال فنحن مأمورون بإحسان الظن– وقتها تصبح كل أموال العالم كالعدم ما لم تكن حبيبته له.. بهذا المنطق يصبح ما يجمع بينهما استثمارا حكيما طالما أنه يملكه.

ليس المهم هو ثمن اللافتة العملاقة وإنما المعنى الكامن فيها.. إن زهرة تحمل رسالة قلب صادق أنفس من أن يكون لها ثمن.. فقط لو كان واهبها يفهم لغة الورد ويتقن شرحها.

البعض كتب معلقا "اللي معاه فلوس تحيره يجيب حمام ويطيره" بالتأكيد هو لم يعرف حرقة القلب والدوران حول الأرض -وأنت تنظر في عيون حبيبتك- ورائحة الليل الغامضة في وضح النهار!!! مؤكدا أنه لم يشعر بذلك الطهر الذي يمنحه العشق وكأنك لم تنقض وضوءك قط.. القصة ليست حماما طائرا بقدر ما هي روح تحترق.

فتاة أخرى تساءلت أيهما أفضل، لحظة رومانسية صادقة أم سيارة تمتلكها؟ والجواب واضح بالنسبة لي: تستطيع السيارة أن تحملك حيث أردت، لكن لحظة الرومانسية ستوصلك للسماء السابعة في غمضة عين!!.

ملحمة حب

أما فيما يتعلق بالعلانية فإن إعلان الحب يحدث في الكون حولنا طيلة الوقت بلا توقف.

منذ متى كفت الشمس عن إرسال قبلات الضياء إلينا؟ ومتى أخفت زهرة دوار الشمس عشقها المفضوح؟ متى كف الياسمين عن البوح بإسراره في أمسيات الصيف الحالمة؟ وعند أي صباح توقفت البلابل عن الغناء للحب؟.

الكون ملحمة حب تحدث حولنا طيلة الوقت دون أن ندري.. أذكر أنني استيقظت يوما عند تخوم الفجر على غناء بلبل عاشق، ورحت أصغي إليه عاجزا عععع ن النوم من فرط عذوبة الصوت.. وبعد تغريدة طويلة -أفصح فيها البلبل عن كل شيء.. واختصر فيها كل شيء، واشتكى من كل شيء - صمت تماما.. بعدها فقط استطعت النوم.. ولمده ثلاث ليال متتالية تكرر الغناء العذب، وتكرر الإصغاء ثم رحل إلى حيث لا أدري بعد أن أعلن عشقه للعالم..

ولماذا لا نذكر في هذا المقام تلك الأشعار الحارقة التي تغنى بها قيس ليلى وقيس لبنى وشفاعة الحسين عليه السلام لزواجهما رحمة بالعاشقين بعد أن جرى العرف على منع زواجهما؟.

بل إن جده – صلى الله عليه وسلم - خاتم الأنبياء وسيد الرحماء لم تمنع مسئولياته الجسام في هداية البشرية كلها من بذل شفاعته لعبد محب أتلفه عشقه لجارية إلى حد أن الصحابة كانوا يتعجبون من فرط حبه لها وإعراضها عنه..

لذلك، ومن أجل هذا كله أقول "تزوجيه يا هانيا، فلم نر للمحبين مثل الزواج"..


*  إلى متابعي مقالات د. أيمن الجندي، انتظرونا كل أربعاء على صفحات حواء وآدم.

** طبيب وكاتب من زوار "إسلام أون لاين.نت"، للاستفسار والتعليق يمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني الخاص بالصفحة adam@islam-online.net.

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع