 |
|
الشباب القطرى أعطى ظهره للزواج وتمرد عليه! |
عمري لا يزال صغيرا، أستمتع
بحياتي طولا وعرضا، ثم حينما أنضج وأستطيع
ماديا ومعنويا أفكر في الزواج وتكوين
أسرة، أنا اليوم أعيش ملكا، ولا أريد أن
أضع حارسا أو جمركا في البيت يسألني أين
تذهب ومتى تعود؟ أريد ذلك، وباختصار أشعر
أنني لست مؤهلا لعملية الشراكة الحياتية
بعد.. تلك هي آراء بعض الشباب القطري الذي
رفع شعار ( الزواج مشروع مؤجل حتى إشعار
آخر ) ومسوغات رفضهم أن الموضة الحالية هي
التأجيل وأنهم ليسوا علي قدر المسئولية
التي يفرضها الدخول إلي عش الزوجية .
لغة البيانات والإحصائيات تؤكد
أن تأخر سن الزواج لدي الشباب القطري أصبح
حقيقة يجب التصدي لها ومعالجة أسبابها
خاصة وأن الخبراء أكدوا أن تأخير سن
الزواج يفتح باب الانحراف الخلقي على
مصراعيه.
الدراسة أفضل
في البداية، يقول مشعل العبد
الله- قطري عمره 33 عاما، ويعمل في إحدى
المؤسسات البترولية في قطر "عندما
تخرجت خيرني والدي بين إعطائي مبلغ 400 ألف
ريال لاستكمال دراستي في الخارج، وبين هذا
المبلغ نفسه لدخول قفص الزوجية، وبعد قليل
من التفكير وجدت أنني لو استكملت دراستي
فسوف أستفيد من هذا المال، أما لو تزوجت
فإنني سأعطيه لفتاة أخرى كمهر وهدايا
ومصروفات فرح، كما سأضطر للاقتراض من
البنك لاستكمال باقي مصروفات الزواج من
سيارة جديدة وتأثيث منزل، وسأعيش بقية
حياتي مطاردا من قبل البنوك؛ لذا اتخذت
الخيار الثاني حتى الآن، وبعد تخرجي لا
أجد ما يدفعني لمنح كل هذا المبلغ لفتاة".
أما حمد المري (30 عاما) فيقول "رغم
أنني من عائلة بدوية، فإنني تمردت على
تقاليد العائلة ولم أتزوج من قريبتي التي
رشحتها لي والدتي من منطلق قناعتي أن
الزواج مسئولية كبيرة يجب ألا أزج نفسي
بأعبائها وأنا ما زلت صغيرا، فلقد تزوج
والدي في سن الخامسة عشرة، وعندما صار في
الثامنة والثلاثين صار جدا لأخي العود -أي
لأخي الأكبر- وأنا لست مستعدا لتكرار
تجربة الزواج المبكر، ولا أفهم كيف تزوج
والدي في هذه السن الصغيرة؟!".
سعود المعضادي (34 عاما) يعمل
مهندس كمبيوتر ويعتز بعزوبيته قائلا "أنا
اليوم أعيش ملكا، ولا أريد أن أضع حارسا أو
جمركا في البيت يسألني أين تذهب ومتى
تعود؟ أريد ذلك، وباختصار: أشعر أنني لست
مؤهلا لعملية الشراكة الحياتية بعد، كما
أن عمري لا يزال صغيرا، كما أن تأخر سن
الزواج أصبح موضة حاليا وأنا أسايرها؛
فجميع أصدقائي يتزوجون فوق الثلاثين؛ بل
إننا حينما نجد من يتزوج في العشرينيات
تتملكنا الدهشة ولا نفهم السبب وراء تورطه
في مسئوليات ومشاكل الزواج وهو لم يعش
حياته بعد.. لذا أرى ضرورة أن أستمتع
بحياتي طولا وعرضا، ثم حينما أنضج وأستطيع
ماديا ومعنويا تقبل فكرة تكوين أسرة،
والاهتمام بأشخاص آخرين وتحمل مسئوليتهم
أفكر في الزواج".
تقلص زواج الأقارب
ولكن ماذا يقول الخبراء في أسباب
تأخر سن الزواج في المجتمع القطري؟.
تجيب الدكتورة هنادي الجابر -الأخصائية
الاجتماعية والنفسية بمستشفى الدوحة في
قطر- قائلة "الزواج كان ولا يزال
يعتبر من العوامل التي تساعد في ربط
تحالفات قوية بين فئات المجتمع، وخاصة بين
القبائل والفصائل المكونة له، وهو يسمح في
العديد من الأحيان بانتقال القوة والثروة
ومصادرها بين الأجيال والمحافظة على وزن
القبيلة وتراثها، ولقد تغيرت هذه النظرة
للزواج بعد التطورات التي طرأت على
التركيبة الاجتماعية في البلاد العربية
خاصة في قطر، وظهور الدولة ومؤسساتها
الحديثة، وكذلك بعد التغيير الحاصل في
الخصائص الثقافية والاقتصادية
والاجتماعية والديموجرافية للسكان".
وتضيف "وبالرغم من أن نظام
الزواج بالأقارب لا يزال منتشرا في
الأقطار العربية حيث تصل نسبة من تزوجن من
قريب حوالي الثلثين في السودان، و5/3 في
موريتانيا وقطر والسعودية، وتبلغ أدناها
في لبنان، ثم تأتي مجموعة الدول الأخرى
مثل الجزائر، تونس، سوريا، مصر، اليمن
والبحرين، وغالبا ما يكون الزواج من أقارب
الدرجة الأولى إلا أن البيانات الحديثة
بدأت تبرز تقلصا نسبيا في زواج الأقارب في
قطر، والذي جاء بسبب عزوف الشباب القطري
عن الزواج بشكل عام بنسبة كبيرة، بحسب
إحصائيات مجلس التخطيط القطري"2004.
وترجع د. هنادي تلك الظاهرة لعدة
أسباب منها انتشار نموذج الحياة الغربية
في الأوساط القطرية شيئا فشيئا، وتغلغل
مفاهيم جديدة في المجتمع القطري حلت محل
مفاهيم ضرورة الزواج المبكر لضمان عفة
الشباب وعدم وقوعهم في الخطيئة أو الرذيلة
والاختلاط الذي سمح للشباب القطري
بالتعرف على فتيات في العمل وبالتالي
إمكانية الزواج من الزميلات.
لغة الأرقام
وبقراءة واقعية للمجتمعات
العربية نجد أن تأخر سن الزواج أصبح ظاهرة
في كل الدول العربية، ولكن يأخذ أشكالا
مختلفة؛ فلقد بلغ العمر عند الزواج الأول
مستويات مرتفعة في بعض الدول العربية مثل
تونس والجزائر؛ حيث يقارب 30 سنة للبنت و33
سنة للرجال، بينما ينخفض إلى حدود 22 سنة في
كل من السعودية والكويت والبحرين، ويبقى
متدنيا في البلدان التي لا تزال فيها
الخصوبة مرتفعة مثل اليمن حيث كان يبلغ
هذا المتوسط 16 سنة في بداية التسعينيات،
ومثلما هو متوقع ترتفع هذه السن بارتفاع
المستوى التعليمي للمرأة أو للرجل.
وبالنسبة للمجتمع القطري، ووفقا
للإحصائيات الصادرة من مجلس التخطيط
القطري، فإن الوضع مختلف نوعا ما، فبالرغم
من الاعتقاد السائد عن عزوف القطريين عن
الزواج فإن الإحصائيات أثبتت ارتفاع نسب
الزواج؛ حيث ارتفعت عقود الزواج المبرمة
بين القطريين من 1030 عقدا في عام 1995 إلى 1730
عقدا في عام 2004، ومعنى ذلك أن معدل الزواج
بين كل ألف نسمة في قطر قد ارتفع من 25.3 عام
1995 إلى 31.8 عام 2004 إلا أنه في المقابل -وحسب
المصدر ذاته- فقد ارتفعت سن الزواج بين
الذكور في قطر عن أول زواج من 26.1 في عام 1995
حتى أصبح 27.1 في عام 2000، ووصل إلى 29.2 في عام
2004 وفي عام 2004 لم يتزوج غير حالتين
أعمارهما 15 سنة، وحالة واحدة عمرها 16 عاما
وأخرى عمرها 17 عاما، و6 حالات في عمر 18
عاما، و11 حالة زواج بين قطريين عمرهم 19
عاما، و28 حالة زواج بين قطريين عمرهم 20
عاما، وفي العام ذاته تزوج 51 قطريا عمرهم 21
عاما، و90 قطريا عمرهم 22 عاما، و125 قطريا
عمرهم 23 عاما، بينما ارتفعت سن الحالات
القطرية التي تزوجت إلى 573 قطريا أعمارهم
بين 25 و29 عاما.
الأمية والزواج
تلك الإحصائيات تدل على ارتفاع
سن الزواج في قطر بشكل كبير عن عام 2004،
وبقراءة دقيقة للأرقام من جديد نجد أنه في
عام 2004 لم يتزوج من الأميين القطريين سوى 37
حالة فقط، وارتفعت النسبة بين المتزوجين
الحاصلين على الابتدائية لتصبح 65 حالة، و182
حالة زواج ممن حصلوا على الإعدادية، بينما
تزوج 287 قطريا حصلوا على الثانوية، كما
تزوج 760 قطريا جامعيا فما فوق؛ وهو ما يدل
على أن نسبة الزواج بين القطريين ترتفع
بين المتعلمين عن غيرها؛ وهو ما يعني أن من
شروط الزواج العرفية في قطر أن يكون الزوج
في أواخر العشرينيات وأوائل الثلاثينيات،
وأن يكون جامعيا فما فوق؛ وهو ما يدل على
تغير نمط الحياة في قطر؛ حيث لم يشترط في
الماضي أن يكون للقطري أي مؤهل تعليمي
يؤهله للزواج وبناء البيت، ووفقا للمصدر
ذاته تتركز معظم حالات الزواج في العاصمة
القطرية الدوحة، تليها الرسيان، ثم
الوكرة وأم صلال والخور.
ويؤكد الشيخ "عبد السلام
بسيوني"، الداعية بوزارة الأوقاف
القطرية أن المشكلة الحقيقية في قطر هي
تأخر سن الزواج وليس عزوف الشباب القطري
عن الزواج؛ بمعنى أن عزوف الشباب يكون لسن
معينة بسبب اعتقاد خاطئ لدى الشباب أن
التطور والتمدين لا يتماشيان مع تبكير
الشباب بستر وعفة نفسه. وأضاف أن تأخير سن
الزواج يفتح باب الانحراف الخلقي على
مصراعيه، كما يفتح باب التقليد الأعمى لكل
ما هو غربي؛ فاليوم يؤخر القطريون سن
زواجهم ويقبلون ذلك، وغدا قد يقبلون بمزيد
من الانفتاح يسمح لهم بعلاقات غير شرعية
خارج نطاق مؤسسة الزواج.
ناقوس الخطر
ومن جانبه، يرى الشيخ طايس
الجميلي -الداعية الإسلامي- أن تأخر سن
الزواج بين الشباب القطري هو بمثابة ناقوس
خطر على المجتمع القطري المحافظ، ويؤثر
على نصف المجتمع؛ بمعنى أن قرار القطري
بتأخير سن الزواج يعني بالتبعية ظلما
وغبنا على الفتاة القطرية التي سيتأخر سن
زواجها هي أيضا، خاصة في ظل تنامي مفاهيم
اجتماعية خاطئة تتعلق بتقليد النمط
الغربي الذي يشجع إنهاء الفتاة لتعليمها
الجامعي، ثم شروعها في العمل قبل تفكيرها
في الارتباط.
أما الإعلامي القطري عقيل
الجناحي، فيرى أن تعجيل الزواج للشباب لا
يعطل الشاب أو الفتاة؛ بل على العكس قد
يساهم في توطيد العلاقة بينهما، مطالبا
العوائل القطرية بضرورة توعية أبنائهم
بأهمية تكوين الأسرة وفتح البيوت والزواج
المبكر؛ لأنه لو لم يوجد زواج مبكر فسيوجد
زنا وفاحشة مبكرة، المجتمع القطري في غنى
عنها كما أنه لن يقبلها.
في حين ترى الدكتورة سونيا أبو
سادة، أستاذة طب النساء والولادة في
مستشفى العمادي بقطر أن التغيير في
أنماط الزواج يعد تعبيرا عن التحولات
الاجتماعية في أوساط الشرائح المختلفة
للمجتمع، ويمثل الزواج وتكوين الأسرة أحد
أركان مكونات المجتمع القطري، ومرآة
لطبيعة العلاقات الأسرية، كما يعبر
العزوف عن الزواج أو التأخر في سن الزواج
على بروز محددات جديدة للزواج والعلاقات
الاجتماعية التي تحكمه، خاصة فيما يتعلق
بطرق التعارف بين الزوجين ودور العائلة
والعلاقات الأسرية في ذلك؛ حيث إن تفكك
الأسرة وظهور أنواع جديدة من الأسر،
وانتشار الفردية كسلوك سائد في المجتمع..
كلها عوامل كان لها الأثر الكبير على
إقبال الشباب على هجر مؤسسة الزواج خوفا
من تكوين أسرة وتحمل أعباء أطفال، كما لا
ننسى أن غلاء الأسعار وارتفاع المهور
والمشاكل الاقتصادية تجعل الشاب القطري
يفكر أكثر من مرة قبل الشروع في عملية
الاستدانة المبررة من أجل تحقيق حلم
الزواج.
|