 |
|
الصحافة النسائية.. فكر جديد |
"نيولوك" نجحت من خلاله
مجلات نسائية جديدة في اكتشاف نفسها،
وأعادت ترتيب أوراقها، والهدف واضح وصريح،
وهو إيجاد رسالة إعلامية قوية تعبر عن
حواء، تناقش قضاياها، وتطرح همومها.. تكون
خير متحدث عنها، وأفضل سفير لها.. ترصد
واقعها، وتعالج عيوبها؛ لتصبح الصحافة
التقليدية المعتادة في طريقها للنسيان،
إذا ما نجحت التجربة الجديدة في إظهار
الوجه الحقيقي للمرأة العربية.
لغة الأرقام -التي رصدها مركز
دراسات وأبحاث المرأة بكلية الإعلام
جامعة القاهرة- تشير إلى أن 80% من النساء
العربيات غائبات عن صفحات صحفنا ومجلاتنا
التي أهملت الحديث عنهن أو عن مشكلاتهن..
أحلامهن.. قضاياهن.. واقعهن وواقع أسرهن،
هذا التجاهل والحرمان الإعلامي الذي عانت
منه حواء دفع رائدات في الوسط الإعلامي
إلى البحث عن حل، ووسيلة إعلامية تحمل
شعارا جديدا وفكرا جديدا؛ لذا ظهرت أسماء
لمجلات جديدة مثل "الدوار"، و"إنصاف"،
و"أزهار"، و"المرأة الجديدة"...
وغيرها.
البعض اعتبرها صحافة أخرى،
والبعض الآخر يراها صحافة بديلة لكل الصحف
والمجلات الموجودة في مصر، وربما أيضا في
أغلب البلاد العربية، التي ترى من قضايا
المرأة ما تريد فقط أن تراه، ولكن ما هي
الإضافة الجديدة التي تحملها تلك
الإصدارات الجديدة؟.
تجربة دولية
البداية من مجلة "الدوار"
التي ظهرت منذ 3 سنوات عن مركز دراسات
المرأة بكلية الإعلام جامعة القاهرة،
وترأسها د. عواطف عبد الرحمن أستاذة
الصحافة بالكلية، وصاحبة الفكرة، والتي
تحكي تجربتها لشبكة إسلام أون لاين.نت
قائلة: "تبلورت فكرة هذه المجلة لديَّ
منذ الثمانينيات، عندما شاركتُ في تجربة
رائدة مع (اليونسكو) في بعض دول الشرق
والغرب الإفريقي؛ حيث اختاروا بعضَ القرى
الأكثر حرمانا من الخدمات الأساسية في هذه
البلاد، ونظموا دورة تدريبية للمتعلمين
في هذه القرى عن الكتابة، وعن مشكلات أهل
القرية، وأحلامهم، وآمالهم، وأعطوهم
ماكينات طباعة قديمة -لكنها تعمل بصورة
جيدة- وورقا وأحبارا، وتركوهم ينتجون
صحفهم بأنفسهم، ونظموا مسابقة سنوية تعقد
في المقر الرسمي لليونسكو في باريس؛ ليعرض
أصحاب هذه الصحف تجاربهم، التي كانت
مكتوبة باللغة المحلية لكل قرية،
وبجانبها ترجمات بالإنجليزية والفرنسية،
وكنتُ من بين محكمي هذه المسابقة على مدار
ست دورات. وقد استمرت هذه التجربة لمدة 20
عاما خلال السبعينيات والثمانينيات،
وخرجت منها بحلم أن أؤسس صحيفة لقريتي "الزرابي"
التي تقع جنوب محافظة أسيوط بصعيد مصر،
يحررها أهل القرية أنفسهم، وجاءت الفرصة
لي عندما بدأنا في تأسيس قسم الإعلام
بجامعة أسيوط عام 1997، وأردت أن يكون
مختلفا عن باقي أقسام الصحافة في مصر،
فنظمنا دورة للدارسين مع الصحفيين،
وأسفرت عن فكرة لمشروع جريدة أو مجلة خاصة
بمحافظة أسيوط، صحيفة بديلة عن كل الموجود،
لا تسيطر عليها الإعلانات أو أصحاب
الأعمال، كما لا تسيطر عليها بصمة
المسئولين في المحافظة؛ فلا تكون بوقا لأي
طرف من هؤلاء، بل صوتا للناس الكادحين في
القرى والنجوع، الذين لا تهتم الصحف
بالحديث عنهم.
بيت العائلة
وتضيف د. عواطف عبد الرحمن: استقر
رأي المشاركين في الدورة التدريبية أن
يكون اسم المجلة "الدوار" أي البيت
الكبير أو بيت العائلة، وترجمت المشروع،
وعرضته على هيئة اليونسكو، وذلك بعد دراسة
آراء الناس في المحافظة عن الذي يريدون من
المجلة أن تناقشه، وثمنها، وهل شهرية أم
أسبوعية.. ووافقت اليونسكو على تمويل
المجلة لمدة عام، وسعينا للحصول على ترخيص
من داخل مصر -ومعروف أن هذا يحتاج لشهور-
بخلاف الترخيص الخارجي.
وخرجت "الدوار" للنور مجلة
شهرية تعبر عن كل محافظات الصعيد الثمانية،
وتصدر عن مركز دراسات المرأة بكلية
الإعلام جامعة القاهرة، وصحفيوها من
محافظات الصعيد.
وتحتوي المجلة على عدة "دوَّارات"،
يعبر كل دوار عن محافظة من محافظات الصعيد،
بالإضافة إلى "ملف العدد" الذي
يتناول إحدى القضايا التي تهم الصعيد مثل
الثأر، والآثار، والأمية، والمرأة
الصعيدية، وعمالة الأطفال... إلخ ، وقضايا
المرأة حاضرة بقوة في كل صفحات المجلة.
وتحلم د.عواطف عبد الرحمن بأن
يكون لكل قرية مصرية صحيفتها الخاصة أو
إذاعتها الخاصة، بل وتليفزيونها الخاص؛
ما دامت الصحف الموجودة -والإذاعات أيضا-
لا تفسح المجال ليعبر أكثر من 80% من
المصريين -أي أهل الريف- عن أنفسهم، في
الوقت الذي تفسح المجال فيه لأهالي المدن
فقط.
الداء والدواء
ترى د."إيناس أبو يوسف"
الأستاذة بكلية الإعلام جامعة القاهرة،
المشرفة على مجلة "إنصاف" أن هذه
النوعية من المجلات صحافة بديلة بالفعل،
وليست صحافة أخرى، وتقول في تصريحات لشبكة
إسلام أون لاين.نت: "ظللنا سنوات نجري
أبحاثا عن صحافة المرأة، ووضعنا يدنا على
الداء، فقضايا المرأة لا تُثار بعمق في
الصحافة الموجودة، ولا تُتَابع طوال
العام إلا بشكل موسمي متزامنة مع
الاحتفالات باليوم العالمي للمرأة، ويتم
التركيز على موضوعات لا تهم أغلب النساء،
بل النخبة فقط؛ ولهذا لم يعد الرأي العام
متعاطفا مع قضايا المرأة؛ لأنه يراها
احتفالات وشكليات، والبعض يرى أن المرأة
حصلت على كل حقوقها؛ لأن الصحافة الموجودة
تتعامل مع قضايا المرأة في الغالب على
مستوى (الخبر)، وهنا تبرز الحاجة لصحافة
تقدم رؤية بديلة، تركز على حقوق الإنسان
كإنسان، تعبر عن كل الفئات المهمشة، بديلا
للصحافة النخبوية الحالية".
سمات هامة
أما عن سمات هذا النوع من الصحافة،
فتشير إليها د. إيناس قائلة: تلك الصحافة
البديلة تفتح المجال أمام أجيال جديدة من
الصحفيين؛ ليعبروا عن أنفسهم، وعن قضايا
مجتمعنا بطريقة مختلفة؛ عن طريق تناول
المدخل الإنساني العميق لمشكلات الناس
اليومية، أي صحافة مصادر معلوماتها جديدة
ومتجددة، تختلف عن الوجوه المطروحة طوال
الوقت في كل وسائل إعلامنا تقريبا، صحافة
الناس العاديين وليس الخبراء والمسئولين
فقط، صحافة بديلة تتحدث عن المسنَّات
والمراهقات، وليس فقط عن المرأة في مرحلة
الإنجاب؛ لأن الإنسان "ثروة" يجب
الحفاظ على صحته في كل مراحل حياته،
ووقتها لن نكون في حاجة لإقناع أحد بوجود
قضايا خاصة بالمرأة؛ لأن الجميع سيقفون
بجانب من سيشعرون بالفعل أنه منقوص الحقوق،
سواء كان رجلا أو امرأة.
وتضيف: اكتسبت قضايا المرأة عداء
الرأي العام، بسبب طريقة عرض الصحف لها،
وكأنها قضايا مفروضة بأجندة خارجية، في
حين أن واقع المرأة الحقيقي مليء
بالمشكلات.
هذه الصحافة البديلة تشجع على
إصدار صحف محلية صغيرة تعبر عن المجتمعات
المحلية في أنحاء الدولة الواحدة،
مجتمعات لا تهتم بها الفضائيات أو صحف
العاصمة، حتى إذا عانت من مشكلات التمويل
والتوزيع فالمؤسسات الصحفية الكبيرة أيضا
تعاني من المشكلات نفسها.
قضايا هامة
أما الأديبة والصحفية بهيجة حسين
-رئيسة تحرير مجلة المرأة الجديدة، التي
تصدر عن مركز دراسات المرأة الجديدة (مؤسسة
نسائية أهلية)-
فترى -في تصريحات لشبكة إسلام أون
لاين.نت- أن هذا النوع من الصحافة لا يعتبر
بديلا عن الصحافة الموجودة، فهو لا يلغيها
بل يضيف إليها، فتعتبر "المرأة الجديدة"
صحافة أخرى تعبر عن المرأة؛ لأن الصحافة
الحكومية، وكذلك الحزبية للأسف تضع قضايا
المرأة والقضايا الثقافية في المرتبة
الثالثة من اهتماماتها؛ ولهذا جاءت
الحاجة لصحافة أخرى تعطي هذه القضايا
أولوية أولى؛ ليمكنها أن تشكل ضغطا على
صانع القرار من خلال تعبيرها عن النساء.
تناولنا بكل جرأة قصص الزواج السريع الذي
كان يحدث في السبعينيات والثمانينيات من
أجانب تعود بعده السيدة المصرية بأبناء لا
يعرفون غير أمهاتهم بعد أن هجرهم الأب،
وحتى بعد صدور القانون بحق أبناء المصريات
في الجنسية ما زلنا نناقش مناطق القصور في
هذا القانون.
وتضيف: وفي مجلة "طيبة" -التي
تصدر أيضا عن المرأة بشكل غير دوري- نعتمد
على التأصيل النظري لموضوعات قضايا
المرأة، فخصصنا عددا عن "المرأة
والسلطة" في مجلة "الصحة الإنجابية"
التي يكتب فيها أطباء وطبيبات من الجيل
الجديد لكشف ما يحدث في موضوعات صحة
المرأة، ونعتمد بشكل أساسي على أقلام
الشابات، وبعض الصحفيات المحترفات، وعلى
قضايا الشارع بالأساس، وبنظرة أكثر
التصاقا بالتفاصيل اليومية لحياة النساء،
وعلى أساسها نضع أولويات القضايا التي
نناقشها مستندين على قراءة الواقع وليس
قراءة الفكر، لكن يبقى المأزق الذي يواجه
كل هذه المجلات، وهو أنها تُطبع في أعداد
محدودة، وتوزع على المهتمين في الغالب؛
لعدم وجود قدرات مالية على طباعتها
وتوزيعها بشكل أكبر.
|