 |
|
غلاف تقرير "نحو نهوض المرأة في الوطن العربي"
|
برأ تقرير سنوي تصدره الأمم
المتحدة ساحة الإسلام من أي تمييز ضد
المرأة العربية، وأرجع التقرير ما وصفه بـ"الغبن"
الواقع على أحوال المرأة العربية قديما
وحديثا إلى بنى ثقافية ومجتمعية بعضها
قبلي يعتمد على العرف، وإلى مواريث دينية
تستند إلى تفسيرات وتأويلات النصوص
المقدسة بحيث تخدم التراتب بين الذكر
والأنثى بإعطاء الأفضلية للرجل على حساب
المرأة، وأن الاجتهادات الفقهية القديمة
فسرت النصوص الإسلامية في ضوء هادٍ من ذلك
العرف في حين أن الإسلام من هذا التمييز
المجحف براء.
فقه جديد
وجاءت هذه البراءة في سياق توضيح
وتفسير كيف كان للفقهاء القدامى دور أساسي
في تقنين دونية المرأة فقها وعرفا، وتضمين
الفقه الإسلامي اجتهادات رسخت علو مكانة
الرجل على المرأة، مما يعني أن الإسلام من
وجهة نظر التقرير بريء والمتهم هو الفقهاء
والفقه، ومن ثم دعا إلى فقه جديد إذ لم تعد
تلك الاجتهادات صالحة للعصر الحالي.
ويمثل التقرير الإصدار الرابع في
سلسلة من التقارير أعدت بدعم من برنامج
الأمم المتحدة الإنمائي في إطار تقارير
"التنمية الإنسانية العربية"، وحمل
تقرير عام 2005 عنوان "نحو نهوض المرأة في
الوطن العربي".
ودعا التقرير إلى "الانفتاح
على القوانين الدولية التي تنزع جميع
أشكال التمييز بين المرأة والرجل" لأن
هذه القوانين هي "الأقرب إلى روح نصوص (القرآن)"،
وترك اجتهادات السلف الفقهية لأنها "لم
تعد مناسبة للتحولات الحاصلة والجارية
بوتائر مختلفة عن واقعنا الاجتماعي".
وإلى أن يتحقق مطلب التقرير بـ"إحقاق
الحق وإنصاف النساء من غبن تاريخ وقع
عليهن"، فإنه يدعو مرحليا الآن إلى "اعتماد
مبدأ الدعم التفضيلي المؤقت (للمرأة) أو
التمييز الإيجابي (لها)، لتوسيع مشاركة
النساء في مختلف مجالات النشاط البشري،
حتى تتفكك بنى التمييز التي دامت قرونا ضد
النساء".
وقد انطلق التقرير في مطالبه
وتفسيراته ودعاواه على رؤية إستراتيجية
جناحها الأول قيام إصلاح مجتمعي لنهوض
المرأة، وذلك "يستهدف على نحو خاص،
تحديث التفسير الديني والفقهي والتبني
الواسع للاجتهادات المستنيرة، ويجمل
بالاجتهاد الفقهي أن يتجاوز أسر المؤسسات
الدينية القائمة، وشخوصها".
قدم التقرير وصفا للسياق
المجتمعي للمرأة في الوطن العربي والذي
يتأسس على بنى ثقافية ومجتمعية وقانونية،
وركز التقرير على البنى الثقافية
باعتبارها المفسر لحال المرأة انطلاقا من
أرضية دينية.
وقدم التقرير أيضا جوانب وأمثلة
من الدور الذي تمارسه بعض البنى الثقافية
في تكريس دونية النساء في المجتمعات
العربية من خلال استعراض معطيات متنوعة من
الموروث الثقافي (الديني) الذي "تشكل
بعض تأويلاته موقفا محافظا وكابحا
لدينامية التطور الحاصلة مؤخرا في
البلدان العربية".
وفي المقابل قدم التقرير نماذج
وصفها بالمستنيرة لرؤى وآراء كتاب
ومجتهدين إسلاميين حول مكانة المرأة في
الإسلام وأنها تقوم على التكافؤ والندية
والتماثل.
وفي معرض إبراء ذمة الإسلام
وساحته من كل ما هو تمييز ضد المرأة جاء في
التقرير: "نجد في نص القرآن الكريم
مجموعة من الآيات المحددة لرؤية متكاملة
في النظر إلى الإنسان والمجتمع والطبيعة
والتاريخ"، وأكد على أن هذه الرؤية "عملت
على نقد وتجاوز كثير من العادات والتقاليد
المخلة بشروط إنسانية الإنسان".
وشخص التقرير المعالم الكبرى
لهذه الرؤية بعد أن ساق جملة من الآيات
استدل بها على "الطابع العام الذي
اتخذته الأحكام القرآنية في موضوع أصل
الإنسان وطبيعته، ومسألة تكافؤ العلاقة
بين الجنسين، وهو ما يؤكد الطابع المتسامي
لنظرة القرآن للإنسان. ونقف فيها كذلك على
مبدأ تماثل الخلق، ومبدأ مشاركتهم جميعا
في الحياة".
كما قرر من تلك الآيات القرآنية
مجموعة من المبادئ العامة المتضمنة فيها
"تسمح بترتيب الملامح الكبرى لنظام
اجتماعي يستجيب للأهداف التي ارتضتها
الجماعة الإسلامية، من أجل عيش قائم على
التكامل والتوافق مع الإقرار والاعتراف
بالمساواة والندية بين بني الإنسان ذكورا
وإناثا".
الفقهاء متهمون
لكن التقرير فسر الردة عن هذا
الفهم السامي بأن "كثيرا من الفقهاء
وضعوا النماذج التي سقناها من السور
القرآنية في درجة أدنى في سلم النظر
التأويلي، وذلك بالمقارنة مع سور أخرى
اعتنت بالتشريع لتفاصيل جزئية في موضوع
علاقة الرجل بالمرأة، وبدلا من تقريب
السور الفرعية من روح السور التي اعتنت
بالمبدئي والعام استعملت سور التكافؤ
والمساواة لتبرير التراتب وشرعنته".
فقد بنى التقرير تفسيره على أنه
"للبنى الثقافية دور محوري في تشكيل
السياق المجتمعي لحال المرأة في الوطن
العربي، وأن الموروث الديني واحد من أهم
محددات المرجعية الثقافية للسياق
المجتمعي".
وللاقتراب من "المرجعية
الدينية الإسلامية، لنتبين كيفية تصورها
للإنسان وللمجتمع"، أشار التقرير إلى
"أن الثقافة الاجتماعية الدينية في
التاريخ العربي الإسلامي لا تحيل إلى
النصوص الموسومة بالقداسة في الذاكرة
الجماعية للمسلمين، بل إنها تشير أكثر من
ذلك إلى التأويلات التي أنجزت حول محتوى
هذه النصوص في صيغها وتجلياتها المختلفة،
كما تحيل إلى التقاليد التي تم ترسيخها
للمحافظة على نظام محدد للأسرة والمجتمع".
وقرر التقرير أنه "كانت أولوية
الرجل حاضرة ومرجحة دوما في المباحث
الفقهية المتصلة بالمرأة، وهي أولوية
حصنت نفسها بقراءة للقرآن يغلب عليها طابع
الانحياز للرجل، وتكشف معطيات كتب
المناكح شبكة المفاهيم والتصورات ومختلف
أنماط الحِجَاج الموظف لمنح الرجل تزكية
تهبه مكانة أعلى من مكانة المرأة داخل
المجتمع".
وقد انتهى التقرير إلى أنه: "ظل
الفقهاء، في الأغلب الأعم، أوفياء لهذه
النظرة التي بَنَت أحكاما عديدة في مجالات
المجتمع المختلفة، مما ضاعف وعقّد
إمكانية التفكير في بناء ما يسمح بتحقق
التكافؤ في علاقات الرجال بالنساء داخل
المجتمع".
التقنين الفقهي القديم
ومثلما وضع التقرير الفقهاء في
دائرة الاتهام لا الإسلام، فقد اتهم أيضا
التقنين الفقهي المتعلق بأوضاع النساء؛
لأنه يحتل "مكانة إستراتيجية في
الثقافة الإسلامية المسوغة لمراتبية
العلاقة بين النساء والرجال".
وتأسيسا على ما سبق جاء في
التقرير أنه: "يمكن القول هنا إن
المنظور الذكوري في تاريخ المجتمعات
الإسلامية اخترق مبدأ التكريم الإلهي
للإنسان (الرجل والمرأة)، وركب كل ما يتيح
إمكانية تعزيز التمييز والتمايز، بل إنه
اتجه لمنح هذا التصور صيغة الإطلاق، وهكذا
ألحقت اللعنة الأبدية لجنس النساء، وحررت
عشرات الأحاديث في دائرة من التأويل
الهادف إلى شيطنة المرأة وتحويلها إلى شر
مستطير وفتنة ماحقة".
فقد "استخدم الفقه الإسلامي في
عمليات التشريع معطيات الكتاب والسنة،
ولكنه استعمل قبل ذلك وبعده ما اعتبر أنه
مقتضيات المجتمع المتوازن.. ساهمت
التأويلات الفقهية المتبلورة في مذاهب
الفقه الإسلامي في إنشاء جملة من القواعد
المقرة بمبدأ التمييز بين الجنسين".
ويرى التقرير أنه "تم تحويل
محتوى السور التي تقر بالقوامة والولاية
للرجل، ومبدأ نصف الميراث للبنت، إلى
مبادئ كلية وعامة، مع أنها ليست كذلك، لأن
محتواها يشير إلى قضايا فرعية، بل أسقطت
على علاقة المرأة بالرجل في مختلف الأوضاع
وبصورة عامة، بهدف ترسيخ مبدأ التمييز بين
الجنسين".
ومن ضمن الآليات التي نالت من
مكانة المرأة توظيف "سجل كبير من
الأحاديث المنحولة والضعيفة السند بهدف
التنقيص من إنسانية المرأة. وترتب على
عملية الاستعمال المذكور تحويل الصورة
الإيجابية للمساواة والندية والتكريم
الإنسان للقرآن، إلى جملة من الأحكام
المتناقضة، والقائمة على التمييز بين
الكامل والناقص، الأصل والفرع، البالغ
والقاصر، المقوم والأعوج".
وعند هذه النقطة نظر التقرير لما
ارتكزت عليه "إستراتيجية التأويل
الفقهي المشرعة لدونية المرأة"، بأنها
اعتمدت على مبدأين اثنين: "يتمثل أولهما
في إغفال الآيات القرآنية الكلية المقرة
بالمساواة والتكريم، أو توظيفها لتبرير
الآيات الفرعية، ضمن حجاج التسويغ الموظف
في عمليات التقنين المقرة بالتراتب بين
الجنسين. ويتمثل المبدأ الثاني في تناسي
روح التسامي واليسر المحددة لنمط القول
القرآني في عمومه".
في ضوء العرف
ونبه التقرير إلى أن: لصرامة
التشريع في الفقه الإسلامي خلفيات أخرى
تستمد قوتها من كيان المجتمع العربي
الإسلامي نفسه، لا سيما أن الفقهاء قرءوا
المنصوص عليه بأحكام العرف، ويعزى ذلك إلى
إحساسهم بأن الإقرار بغيرها يقطع انتظام
المجتمع عن صيرورته المعززة للتماسك
الاجتماعي، المطابق في تصورهم لـ"نظام
الطبيعة".
واعتبر التقرير أن "النماذج
المستنبطة من أحكام تتعلق بالنساء تعكس في
حقيقة الأمر وفاء الفقهاء للأعراف التي
تحكمت في حركة مجتمعات كانت تبحث عن
انسجام يضمن التوازن وسط ديناميتها
الاجتماعية".
وخلص التقرير في هذه النقطة إلى
أنه "إذا كان الفقهاء في القديم أوفياء
لمقتضيات أعرافهم ومتطلبات مجتمعهم، فإن
هذه الأعراف والمتطلبات قد أصبحت الآن
قاصرة عن الاستجابة لحاجات عصرنا
ومجتمعنا".
فكر مستنير
ولا يعني هذا أن "هيمنة الرؤية
الذكورية في تفسير القرآن وإعداد مدونات
لم تكن تجد من يختلف معها في بناء تصورات
مضادة" كما يستدرك التقرير، بل إنه يشير
إلى اتجاه "بعض دعاة الاجتهاد اليوم من
الفقهاء المستنيرين والعلماء، الذي لا
يغفلون سنن التغيير والتطور في المجتمع،
إلى بلورة رؤية متسامية في موضوع نظرة
القرآن لمختلف ظواهر المجتمع ومتغيرات
التاريخ".
وعرض التقرير رؤى ومقالات فيما
يتعلق بمكانة ووضعية المرأة لرجال دين
إسلامي ومفكرين إسلاميين مثل الإمام محمد
عبده والشيخ محمد الغزالي والكاتب
الإسلامي فهمي هويدي، وتبنى التقرير بعض
الأسس -التي تضمنها مقال للأخير- منها "أن
لكل كائن نصيبه من الاحترام وهذه ركيزة
أساسية في الإسلام، وأن التقاليد هزمت
التعاليم فيما يتعلق بالمرأة، وأن الأصل
في الإسلام المساواة بين الرجل والمرأة".
كما تبنى التقرير رؤية الشيخ
محمد الغزالي رحمه الله والتي تتلخص في أن
"المسلمين انحرفوا عن تعاليم دينهم في
معاملة النساء.. وأن السطو على حقوق (المرأة)
المادية والأدبية هو العرف المستقر (لديهم)".
|