 |
|
هل يلعن الرجل أيضا إذا هجر زوجته؟
|
هل هجر المرأة لفراش زوجها صغيرة
أم كبيرة؟ وهل يتوجه اللعن إلى الزوج مثله
مثل الزوجة إذا فعل ذلك؟ وما المراد
باللعن؟ هل هو في هذه الحالة معناه الطرد
من رحمة الله أم تأنيب يصل عالم الأرض
بعالم السماء؟.
أسئلة حائرة تطرح نفسها وهي
بمثابة قضية جديرة بالتناول؛ فالحياة
الزوجية -إذا كانت كما نص القرآن وأكدت
السنة- لا بد لها أن تقوم على الود والرحمة
والخير، أفلا يتبادر إلى الذهن أن مثل هذه
المشاعر مجراها ومرساها جميل الصفح،
وحكمة الحزم؟ وأن النفوس إنما تتوجه إليها
بالتحفيز الإيجابي لا القهر الذي ينفر
النفوس ويكبتها؟.
وهل يخرج عن هذا السياق الأحاديث
الصحيحة التي وردت في لعن النساء اللاتي
يبتن مهاجرات فراش أزواجهن؟ أم أن الطرح
الوعظي هو الذي رسخ هذا الخروج، بحيث
يتوجه الخطاب إلى المرأة بصيغة الوعيد
بالطرد من الرحمة في مسألة تشكل مظهرا من
أهم مظاهر السَكن الزوجي؟ وكيف يحصل السكن
لنفس ساقها إلى طريقه الوعيد الشديد؟ وكيف
يتواءم ذلك مع المرونة التي هي سمة
العلاقة الإنسانية الخاصة بين الزوجين؟.
معنى اللعن
هجران فراش الزوجية بدون عذر ظلم؛
إذ إن مقتضى الارتباط المقدس بين الزوجين،
تقدير كل طرف لاحتياجات الطرف الآخر،
والقيام بالتزاماته تجاهه، وتقصير الزوجة
في هذا الواجب الإنساني يلوم عليه الشرع،
ويحذر منه في سياق مختلف تماما عن سياق
القهر كما يتصور البعض، بل في سياق
التذكير الشفيق؛ فملائكة السماء، هذه
الكائنات النورانية، تحف المؤمنين
بالدعاء والاستغفار، فإذا حصل منهم
التقصير في أمر يمس سلامة علاقاتهم، بل
أخص تلك العلاقات، ابتعدت عنهم لعلهم
ينيبون.
فاللعن الوارد في قوله صلى الله
عليه وسلم: "إذا باتت المرأة مهاجرة
فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى ترجع"،
ليس المراد به الطرد من رحمة الله، وكيف
يطرد من رحمته تعالى مؤمن؟! إنما هو تأنيب
يصل عالم الأرض بعالم السماء حثًّا على
تجنب هذا التفريط في حق الزوجية، ولكأن
الحديث يلامس عمق الوجدان، بهذا الحث؛ إذ
كيف ترتضي من تفعل ذلك أن تحرم من منازل
الأبرار، وإحاطة الملائكة الأطهار؟.
ولدينا هنا نصان لعالمين جليلين،
أحدهما للعلامة عبد الرءوف المناوي في
كتاب "فيض القدير" يقول: وليس المراد
باللعن، اللغوي، الذي هو الطرد والبعد من
رحمة الله؛ لأنه لا يجوز على مسلم بل
العرفي، وهو مطلق الذم، والحرمان من
الدعاء لها والاستغفار؛ إذ الملائكة
تستغفر لمن في الأرض كما جاء به القرآن
فتبيت محرومة من ذلك. اهـ. فيض القدير: ج1/ص309.
والثاني للعلامة ابن عابدين
الحنفي في حاشيته "رد المحتار على الدر
المختار" يقول في مطلب في حكم لعن
العصاة: "المراد باللعن في مثل ذلك
الطرد عن منازل الأبرار لا عن رحمة العزيز
الغفار".
هجر الزوج ليس من الكبائر
وكيف يكون من الكبائر ما تعم
البلوى به، وطبيعة الإنسان -لا سيما
المرأة لوفرة عاطفتها- يطرأ عليها من
الضغوط ما يجعلها تخرج عن نسق السواء في
تعاملاتها الإنسانية، وهذه العوارض
اليومية، تجعل المرء يرتكب من الأخطاء
الصغيرة في حق من يحب خاصة ما هو مجال
للتأثير السلبي على متن العلاقة إن لم
يتنبه له، تماما كما ينبغي له أن يتنبه إلى
أنها عوارض تُقابل بالحلم والصفح
والمعالجة الحكيمة.
العلامة ابن عابدين في حاشيته
ينص على أن خروج المرأة من بيتها بغير إذن
زوجها ليس من الكبائر، ولا يعلل ذلك، لكن
التعليل نستنبطه من النظرة المتأملة في
روح الشريعة وتواؤم أحكامها.
ذكر الإمام الغزالي في ضابط
الكبيرة: أنها كل معصية يقدم عليها المرء
من غير استشعار خوف من الله عز وجل، أو حذر
من عاقبة المعصية، حيث يكون متهاونا
بارتكابه، متجرئا عليه، لكثرة اعتياده
عليها.. قال: أما ما يحمل على فلتات النفس
أو اللسان، وفتور في مراقبة التقوى، ويشعر
العاصي حال المعصية بالندم يلازمه وينغص
عليه معصيته؛ فهذا ليس بكبيرة، ولا يمنع
العدالة.
نقلت هذه العبارة لأدفع ما قد
يظنه القارئ من كوني أفتح بابا للاجتراء
على الحرام والعياذ بالله بنقلي لكلام
الإمام ابن عابدين في هذه المسألة، والذي
أعتقده أن وضع الأحكام في سياقاتها
الصحيحة، وتبصير الناس بها، هو الأوفق لهم
إيمانا وسلوكا؛ إذ تستبين لهم سعة الشريعة،
وملاءمتها لطبيعة الإنسان، ومناسبة
العقوبة للذنب.. وسبحان ربي اللطيف الخبير.
هل تلعن الملائكة النساء فقط؟
قال أحد مشايخي: النهي الوارد في
الحديث يتوجه إلى الزوج من باب أولى، فإذا
كان اللوم يتوجه إلى الزوجة مع كون الزوج
قادرا على أن يعف نفسه بزوجة ثانية، فإن
اللوم يكون أشد وأقسى على الزوج الذي لا
تملك الزوجة خيارًا آخر لإعفاف نفسها معه
إلا أن يطلقها.اهـ.
كم هو ظلم عظيم وبهتان مبين، نقض
الميثاق الذي أكد الله عليه في مسألة أهون
من مسألة العفة: قال تعالى: {وَإِنْ
أَرَدْتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ
مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ
قِنْطَارًا فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ
شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا
وَإِثْمًا مُّبِينًا * وَكَيْفَ
تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ
إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُم
مِّيثَاقًا غَلِيظًا} (النساء: 20، 21).
ثم إني وجدت في أحد كتب الحنابلة (كشاف
القناع للشيخ البهوتي ج5/ 192) ما يعضد كون
اللوم موجها للطرفين؛ إذ يقول الإمام أحمد:
لا يبيت -أي الرجل- وحده، ويروي عن النبي
صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة: أنه
لعن راكب الفلاة وحده، والبائت وحده. هذا
مع كون اللعن هنا -كما تبين- يُحمَل على
الذم لا الطرد من رحمة الله.
ليست حربا!
ما هي حقيقة اللعن الوارد في
الحديث؟ وهل هجر المرأة لزوجها صغيرة أم
كبيرة؟ وهل يتوجه اللعن في الحديث إلى
الزوج كما الزوجة؟.
ليس الغرض من الكلام في
الموضوعات السابقة شن حرب على الرجل، أو
مناطحته؛ فكيف تطيب الحياة إن كانت النفوس
موتورة، والقلوب جافية؟!.
تلك السطور هي محاولة لقراءة
متأنية في نصوص الكتاب والسنة في ضوء
أقوال العلماء المحققين تضع الأمور
مواضعها بما يتسق مع عدالة الشرع، وحكمته،
ومراعاته لطبائع النفوس، بما يكون أساسا
لحياة مستقرة تظللها السكينة، ويغشاها
الأمن.
|