|
لا ينكر أحد دور التعليم في تنوير
العقول وفي إحداث نهضة في المجتمع وإتاحة
الفرصة للحراك الاجتماعي، وإذا كان بنك
جرامين ومؤسسه قد حصلا على جائزة نوبل
مناصفة في يوم الثالث عشر من أكتوبر
الجاري (2006) فإن ذلك لم يكن فقط لانهماكهم
في عملية القضاء على الفقر من المدخل
الاقتصادي فقط، وإنما لأن البنك -وهو في
هذا ليس كأي بنك في الدنيا- قد استهدف منذ
بداية إنشائه أن يحدث تحولا تنمويا في
حياة أفقر الفقراء في بنجلاديش –أفقر
فقراء بلدان العالم- من خلال مداخل متعددة
ومتكاملة منذ بداية إنشائه ومن تلك
المداخل مدخل التعليم الذي استخدمه كأحد
أسلحة مقاومة الفقر، وبخاصة تعليم
الأجيال الجديدة من أبناء الفقراء الذين
يولدون وحظوظهم من التعليم محدودة،
ومستقبلهم في الحياة مغلق، فتظل أجيال
وأجيال من أسر الفقراء تدور في دائرة
الفقر بلا مخرج، إلا أن تجد لها سبيلا لكسر
الطوق من خلال الجريمة، ومن ثم فإن جرامين
رغبة منه في كسر طوق الفقر والجهل عن
الجميع ركز في تجربته على المدخل التعليمي..
فدعونا ننظر كيف ذلك؟
برامج دعم التعليم
التزم البنك في السنوات الأولى
لتأسيسه بعدد من القرارات أو القيم
الحاكمة إن شئت الدقة، والتي ألزم الفقراء
من الأعضاء المقترضين بترديدها لدى عقدهم
كل اجتماع لمراكزهم، والتي يبدو أنها كانت
أيضا بمثابة الأفق البعيد الذي يطمح
القائمون على أمر البنك على تحقيقها في
حياة الفقراء، وهي القرارات التي أسماها
بالقرارات 16 التي تضمن البند السابع منها:
"سوف نعمل على تعليم أبنائنا، وسوف
نتأكد أننا نستطيع توفير نفقات تعليمهم"،
وكما يفعل البنك دائما فمع نضوج تجربته
حول الشعار والمبدأ إلى برنامج عملي أسماه
"صندوق رفاهية الأطفال" والذي وجه من
خلاله بشكل عملي عناية العاملين والفقراء
إلى "رفاهية الأطفال" بمعناها
التنموي، بل إنه جعل الاشتراك في هذا
الصندوق إجباريا من القرض الثاني للفقير/العضو،
حيث يساهم العضو بمبلغ تكا (عملة بنجلاديش)
واحدة في الأسبوع، ومن ثم يستخدم المال
المتجمع في الصندوق لبناء وتجهيز فصل
متوسط الحجم يستخدم أيضا كمقر لاجتماعات
أعضاء المركز، وتستخدم موارد الصندوق
أيضا لدفع أجر مدرس أو شراء الكتب للأبناء
بسعر التكلفة من البنك، كما يمكن لمن يشاء
الاقتراض من الصندوق لأغراض خاصة
بالمساعدة في عمل أنشطة صغيرة مدرة للدخل
بين الأطفال أنفسهم ليساعدهم على مواصلة
تعليمهم، وتحصل أقساط هذه القروض أسبوعيا
كالمعتاد في نظام البنك.
ومن بين البرامج المبكرة أيضا
لبنك جرامين التي نفذها من خلال مؤسسة
جرامين كاليان والتي تعمل منذ عام 1983
وتعمل من خلال برنامج قروض التعليم العالي
على مساعدة الطلاب القرويين الفقراء
والمتفوقين على مواصلة تعليمهم العالي (الثانوي
والجامعي) من خلال برنامج للقروض على أمل
خلق جيل من الفقراء المتعلمين تعليما
عاليا يجعلهم قادرين على التسلح بسلاح
يخرجهم من دائرة الفقر.
جرامين شيكا
ومؤخرا فقد أفرد البنك للتعليم
مؤسسة مستقلة عضو في أسرة
مؤسسات جرامين والتي وصلت في عام 2006 إلى
22 مؤسسة، والعضو الجديد هي مؤسسة "جرامين
شيكا Grameen Shikkha" والتي تأسست عام 1997 في
مكتب تسجيل الشركات، كما تم تسجيلها أيضا
كمنظمة غير حكومية، وقد نصت رؤية المؤسسة
على أنها تسعى إلى: نشر التعليم من أجل
تنمية المجتمع بوجه عام ومن أجل تحسين
مستويات حياة النشء والأطفال الفقراء على
وجه الخصوص ومن ثم خلق مجتمع خالٍ من
الأمية والفقر، وفي سبيل ذلك تسعى المؤسسة
إلى تحقيق عدد من الأهداف:
-
ضمان تمويل الطلاب
المحتاجين من خلال المنح الدراسية.
-
نشر التعليم بشكل
كثيف سواء بالطرق الرسمية أو غير
الرسمية.
-
توفير التسهيلات
للتعليم والتدريب.
-
توفير الدعم
المادي للتعليم في شكل قروض ومنح.
-
ترويج تكنولوجيات
حديثة وملائمة مثل الفضائيات والإنترنت
وطرق التعليم عن بعد، إضافة إلى تجديد
الأفكار والطرق المنوط بها تطوير
التعليم، مستهدفين القضاء على الأمية.
-
القيام بالبحوث
وتشجيع التجريب في المجال التعليمي.
ومن أجل تحقيق تلك الرؤية
والأهداف تسعى المؤسسة إلى مواصلة تلك
الأنشطة، والتوسع فيها بشكل تدريجي في
المناطق الريفية من بنجلاديش:
-
برنامج لرياض الأطفال يقدم
للأطفال المحرومين بهدف ترويج التعليم
الابتدائي في المناطق الريفية.
-
ترويج رعاية وتنمية الطفولة
المبكرة.
-
برامج لمحو أمية النساء
والمراهقات الأميات، مع برامج للتعليم
المستمر.
-
تدريب النساء والمراهقات
الفقيرات على المهارات اللازمة للأنشطة
المدرة للدخل.
-
رفع الوعي بقضايا مختلفة مثل
الصحة وحقوق الإنسان ومساواة النوع.
-
استخدام التكنولوجيات
الملائمة في مجال المعلومات والاتصالات
من أجل تطبيق برامجها التعليمية
وترويجها لاستخدام عموم شعب بنجلاديش.
-
تجديد الأفكار والطرق
المستخدمة في تطوير التعليم بهدف
القضاء على الأمية والفقر.
برنامج إدارة
المنح
كل عام يحرم العديد من الصبيان
والبنات المتفوقين في المناطق الريفية من
بنجلاديش من مواصلة التعليم، كما أن
العديد منهم قد يضطر إلى التوقف عن
التعليم في منتصف الطريق، وكل ذلك بسبب
ضعف إمكاناتهم المادية، ومن ثم تأسس
برنامج إدارة المنح كأحد برامج المؤسسة
تحقيقا للأهداف التالية:
-
تأمين التعليم المدرسي
للصبيان والبنات الريفيين الفقراء.
-
مساعدة هؤلاء الطلاب على
مواصلة تعليمهم العالي وتعلم تكنولوجيا
المعلومات.
-
الوصول إلى الصبيان والبنات
الريفيين الفقراء من أصحاب المهارة في
الأنشطة الثقافية ودعمهم لتنمية تلك
المهارات.
وتتضمن أنشطة البرنامج:
-
توفير منح دراسية للطلاب
الفقراء من قبل الأشخاص المهتمين
لمواصلة تعليمهم المدرسي أو الجامعي.
-
توفير منح للطلاب الفقراء
الراغبين في الدراسة بالتعليم العالي.
-
توفير منح دراسية للطلاب الذين
يدرسون بالفعل في التعليم العالي.
-
توفير المساعدات المالية
للشباب الفقير لتعلم تكنولوجيا
المعلومات.
-
اكتشاف ودعم الأطفال
الموهوبين في الأنشطة الثقافية.
-
خلق فرص للبنغاليين في الخارج
للمساهمة في تطوير الموارد البشرية
لبنجلاديش أو في قراهم.
ويعمل نظام المنح على شكل وقفية
مالية من المانح تبدأ من 50 ألف تكا، تصرف
بواقع 6% من أصل المبلغ كمنحة شهرية، فإذا
كانت المنحة مثلا بـ 100 ألف يصرف الطالب 500
تكا شهريا أو 250 تكا لطالبين، ويحصل
المانحون على تقارير سنوية حول تقدم
الطلاب الحائزين على المنح.
خلال شهر أغسطس عام 2006 وصلت أموال
المنح إلى 50 مليون تكا، تبرع بها 102 فرد
ومؤسسة وحصل من خلالها 470 من الطلاب
الفقراء المتفوقين على منح، كما حصل 417
طالبا آخر موزعين على 42 محافظة في
بنجلاديش.
برامج أخرى
وإضافة إلى برنامج المنح تقوم
المؤسسة بعدد آخر من البرامج والأنشطة
منها:
- برنامج الوالدية: ويهدف هذا
البرنامج إلى تعليم الآباء وأولياء
الأمور كيف يرعون أبناءهم منذ الولادة حتى
سن 5 سنوات من أجل زيادة معارفهم ومهاراتهم
وإعطائهم الثقة مع التركيز على الجوانب
الحركية والذهنية واللغوية والاجتماعية
والوجدانية، وخلال عام 2005 تم تنظيم برامج
تدريبية للآباء ورعاة الأطفال استفاد منه
3600 أسرة في محافظة مانيجونج.
- برنامج مراكز رعاية الطفولة:
والذي يتم بالتعاون مع مؤسسة بلان
بنجلاديش ويهتم بالأطفال في سن 3-4 سنوات
وتقوم المراكز التي يضم كل منها 8-15 طفلا
وتشغله اثنتان من الأمهات المتطوعات على
رعاية الأطفال بشكل يساعد على تنمية الثقة
بالنفس وتنمية المهارات وتشجيع الأطفال
على التعلم الذاتي، وتنمية توجهاتهم
الإيجابية تجاه التعلم، وتحسين مهارات
وسلوكيات رعاة هؤلاء الأطفال من أجل نمو
أفضل لأبنائهم، ويدير كل مركز لجنة من 5-7
من الآباء، ويشرف على كل 10-12 مركز مشرف،
وحتى الآن يوجد 290 مركزا ترعى 3240 طفلا في
محافظة جازيبور.
- برنامج ما قبل المدرسة (رياض
الأطفال): ويستهدف البرنامج الأطفال حول
سن الخامسة ويستهدف البرنامج تنمية
المهارات الذهنية والاجتماعية واللغوية
والجسمانية للأطفال وتنمية مهارات التعلم
الذاتي وتحسين توجهاتهم تجاه التعلم مما
يمكنهم من النمو إلى الحد الأقصى الممكن
والاستعداد لدخول المدارس الابتدائية،
وتضم كل روضة 25 طفلا، وتعمل ساعتين ونصف
يوميا 6 أيام في الأسبوع، ويقوم بتشغيلها
الصبيان والبنات المتعلمين في المحلة،
ويتم إشراك أولياء الأمور من خلال اجتماع
شهري، وتدير المؤسسة حاليا 20 روضة في
محافظة مانيجونج بمساعدة اليونيسيف
ومؤسسة بلان.
- برنامج التعليم غير الرسمي:
ويتم هذا البرنامج بالتعاون مع المعهد
الدولي للتنمية الاجتماعية في بروكسل،
ويستهدف الأطفال في الأحياء الفقيرة لدكا
الذين فاتتهم فرصة الالتحاق بالتعليم
والمعرضين للعديد من الأخطار الاجتماعية
والمشكلات الاقتصادية ويستفيد من
البرنامج 600 طفل، موزعين على عشرين مدرسة
غير رسمية يتعلمون فيها برنامج التعليم
الأساسي والرياضيات والمسئوليات البيئية
والاجتماعية.
وما زال التعليم
مستمرًا
تجربة البنك على مدار 30 عاما
أثبتت إدراكه لمحورية التعليم في حياة
الأمم، وأثبتت أيضا إدراكه أن المؤسسات
والتجارب إنما تحيا بالتطوير والنمو
المستمر وهو الدرس الذي نتعلمه من تجربة
جرامين ككل سواء في مجال التعليم، أم في
مجال الإقراض المتناهي في الصغر؛ لذا
فإننا عندما نضع القلم هنا ليكف عن
الكتابة، فإننا نتوقع ألا تتوقف مسيرة
كفاح البنك في سبيل تطوير تجربته
التعليمية على تلك المراحل أو الملامح
التي ذكرناها، فما يصح اليوم في حياة
البنك.. يصبح غدا قديما.. وهكذا تستمر
الحياة.
|