English

 

16:30 مكة - الأربعاء 9 جمادي الآخرة 1427هـ - 5/7/2006 م

أب وأم » حواء وآدم
أرسل لصديق
 
 
 

 

ضحايا شاطئ لاهيا.. بأي ذنب قتلت!

ناهد إمام **

براءة فلسطينية تتحدى القصف الإسرائيلي

(قطعوا الرأس وما أبقوا للثدى "فما" كان يرضع)..هذه هي هنادي التي لم تمكث في دنيانا غير سنة وأربعة أشهر، حملتها أمها بعدها على ذراعها المفتتة جسما بلا رأس، لتختلط دماؤها بلبن أمها..وتحمل أختُها "عالية" وهى تحتضر جزءا من مخ الرضيع "هيثم" المتناثر كبقية الأشلاء, بدلا من أن تحمل الكفُّ الصغيرةُ قطعة حلوى أو شهادة تقدير لنجاحها الدراسي.. جزء من مشهد مروع شهدته شواطئ غزة في التاسع من يونيو الماضي نقلته شاشات الفضائيات ليراه العالم.. صورة بلا رُتوش.. لا يخفيها ظلام أو تدليس.

مونديال القتل

فبينما كان العالم الغربي والعربي مشغولا ومهتما بالمونديال الكروي، وتلاعب النجوم بالكرة أو الساحرة المستديرة كما يطلقون عليها، كانت إسرائيل هي الأخرى على شاطئ غزة تتلاعب برؤوس الفلسطينيين، وترتكب مجزرة، أقل ما توصف أنها بشعة وحقيرة، لتحصد أرواح سبعة شهداء، بينهم ستة من أسرة "علي عيسى غالية"، وتصيب 41 فلسطينيًا بجروح، منهم ستة من أسرة غالية أيضًا، ثلاث يُعالجن بمستشفيات مصر حاليًا هن: هديل ولطيفة والحاجة حميدة عبد الله غالية (الزوجة الثانية لعلي عيسى، الذي توفيت زوجته الأولى معه في القصف)، وثلاثة يُعالجون بمستشفيات غزة.

كواليس اللحظات الصعبة تحكيها لـ"إسلام أون لاين.نت" شقيقتا هدى: الطفلتان هديل (8 سنوات) ولطيفة (7سنوات)، و"أم أيهم" زوجة علي عيسى غالية رب الأسرة، و"أم غسان" عمة الأبناء وشقيقة الأب علي وأم لـ 5 من الشهداء أيضا؛ حيث يرقدون جميعا لتلقي العلاج بأحد المستشفيات في مصر.

قصة البداية

من بيت لاهيا تلك البلدة الزراعية الجميلة الواقعة شمال غرب قطاع غزة تبدأ حكاية الأسرة المكونة من الأب، المزارع البسيط "علي عيسى غالية"، وزوجتيه: حميدة ورئيسة، والأبناء: أدهم، وأيهم، وأماني، وعالية، وهنادي وصابرين, وإلهام، وهديل، وهيثم، وهدى، ولطيفة..

ففي عصر ذلك اليوم -وككل الأطفال- انطلق هؤلاء يمرحون على الشاطئ مع أسرهم..

لم يتوقع أحد أن يداعبهم شئ غير الشمس، والرمال، والأمواج.. ولكن قدر أطفال فلسطين هو أن تداعبهم القذائف على شواطئهم..

سرقوا الفرحة

حميدة..نيران الغدر حصدت روح زوجها وأبناءها

تحكي "حميدة" أو "أم أيهم" كما تحب أن يلقبوها، والتي نجت من القصف، لكنها أُصيبت بتفتت ذراعها الأيسر تمامًا؛ حيث تم تركيب مسامير ليدها في غزة، ثم تبديل مسمار نخاعي بها في المستشفى المصري..

تقول: خرجنا إلى الشاطئ بعد صلاة الجمعة هربا من جو الحصار الخانق، وحتى يستمتع الصغار ويفرحوا بنجاحهم الدراسي ويقضوا جزءا ممتعا من العطلة.. وبعد أذان العصر مباشرةً، سمعنا صوت قذيفة دبابة صهيونية تنطلق في اتجاهنا.. وبعد قليل انطلقت أخرى.. فبدأ الناس يفزعون ويغادرون المكان.. استقرت القذيفة على بعد أمتار قريبة من المكان، فأصيب العشرات من المُصطافين.. وبعد ثوان أخرى -وبينما أخذنا نلملم حاجياتنا ونجمع الصغار- انطلقت القذيفة الثالثة، لتحصد زوجي "علي" و4 من البنات هن: عالية (24 سنة) طالبة جامعية بجامعة القدس المفتوحة، وكانت تتمنى الشهادة.. وصابرين (15 سنة)، وإلهام (10 سنوات)، وهنادي (سنة وأربعة أشهر) إضافة إلى الرضيع هيثم (4 أشهر), وأمه "رئيسة".

أشلاء وجثث

وكعادة المرأة الفلسطينية، تدهشك "أم أيهم" وهى تحدثك عما حدث، في رباطة جأش، وقوة معنوية لا تُضاهَى، مضيفةً: فجأة!! وجدتهم بجواري أشلاء، وعند صدري جسم هنادي الذي طارت رأسه بينما كانت ترضع.. ظللت محتضنة الجسم بلا رأس، حتى انتزعوه منى بصعوبة، لدفنه، بعد أن حملتنا سيارة الإسعاف.

أما لطيفة، التي يحزن الحزن من رؤية عينيها الذاهلتين.. صغيرة، لها من العمر سبع سنوات، مصابة بجرح قطعي في رأسها نتيجة شظية.. تقول: "كنت أوزع الذرة المسلوقة على إخوتي عندما وقعت القذيفة علينا وضربتني في رأسي.."، وتشرد نظرتها بعيدا وتتمتم: يا رب لما أرجع غزة أجد أبي حيا..!

براءة ضد القصف

ومن لطيفة إلى هديل.. نظرات تمتزج فيها البراءة مع القوة.. هذه هي هديل (8 سنوات) التي أُصيبت بشظية استقرت في رقبتها بمنطقة حساسة فوق الشريان يتعذر معها وجود أية إمكانية طبية لإزالتها، وليس هناك من حل سوى قيام الجسم بنسج مادة مخاطية حولها؛ لتعيش هديل بها، خوفًا من رفع الشظية فينفجر الشريان ويحدث ما لا يحمد عقباه، كما صرح بذلك الأطباء المعالجون.

وتروي الصغيرة المكلومة جزءا مما حدث.. تقول: أنا بحب أجمع الزلافات (الصدف)، ولما ضربتنا الدبابة كنت بحطهم في ظرف (كيس)، وبعدين ما شفت غير أختي عالية ممدة على ظهرها على الأرض، وهنادي بدون رأس, وأجساد ملقاة على الأرض، خِفت.. بعدها وجدت الدماء تنزف مني بغزارة، فخفت أكثر، وصرخت بقوة: متنا.. متنا!!

خنساء جديدة

على الجانب الآخر من غرفتهن بالمستشفى تجلس "أم غسان" عمة الأبناء وإحدى خنساوات فلسطين.. قدمت 5 من الأبناء بينهم حفيد.. بقوة وإرادة فولاذية تقول: "في فبراير 2005 فارقني محمد "17" سنة، وسبقه بشهر واحد إخوته هاني وبسام ومحمود وراجح.. كلهم استشهدوا بقذيفة كهذه انطلقت صوبهم.. ولكن طيف محمد العطر لا يفارقني أبدا.. فقد كانت نفسه تهفو دائما للشهادة، وكان متفوقا في دراسته، حيث نال شهادة الثانوية العامة بتقدير 95%".

وتضيف "أم غسان" بقلب خاشع تستعيد من خلاله لحظات قاسية من شريط الذكريات الأليم: "عند استشهاد محمد لم يكن متبقيا من جسده شيء سليما سوى الرأس، أما الباقي فأشلاء، فقد أصيب بشلل أفقده الإحساس تماما بجسده الممزق.. كنا نتكلم معه في لحظات النزع الأخير بالإشارة برأسه.. أقول له: أنت مؤمن يا محمد؟.. يهز رأسه بإيماءة تقول: نعم..أقول له: على الجنة يا محمد؟.. يهز رأسه، وينير وجهه عن ابتسامة من أقصى الوجه إلى أقصاه: أي نعم".

وتكمل أم غسان: "محمد وكل أولادي شهداء، وهم أحياء عند الله يرزقون، ونحن على الدرب سائرون؛ فنحن مشروع شهداء، ولا نخاف الموت أبدا".

300 قذيفة يوميا

يقول عز الدين الدحنون رئيس الجمعية الإسلامية في بيت لاهيا، والمُكلف من الحكومة ورئيس الوزراء شخصيًا، بمتابعة حالة أسرة غالية في مصر -والتي تمت على إثر اتصالات بين مسئولين في الحكومة الفلسطينية ومسئولين في اتحاد الأطباء العرب، أسفرت عن نقل هديل ولطيفة وزوجة أبيهما "حميدة" للعلاج في مصر-: هؤلاء الصغار مثلهم مئات في فلسطين لا يستطيعون العيش في سلام أو سكينة؛ فالقذائف المدوية لا تتوقف، ونصيب شمال بيت لاهية وحده نحو 300 قذيفة يوميا، لدرجة أننا لا نكاد نضع الطعام -إن وجد- حتى نغادره بعيدا، انتظارا للإصابة بشظايا أو قذائف.


** صحفية مهتمة بالشأن الاجتماعي، ويمكنك التواصل معها عبر البريد الإلكتروني للصفحة adam@iolteam.com

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع