|
ما
من شك أن الحوار الوطني الذي تولى
رعايته سمو ولي العهد الأمير عبد
الله بن عبد العزيز كان خطوة جريئة
ومباركة وموفقة، بل كانت نقطة تحول
كبيرة في تاريخ المملكة، ولم تكن
بالطبع إلا استجابة لعدة متغيرات
على الساحة الداخلية والدولية.
وقد كنت دعوت إلى مثل هذا الحوار منذ
عشرين سنة، ونبَّهتُ
لخطورة أحادية الرأي، وحذرت من
التعسف ضد الآخرين ومن ممارسة القمع
الفكري الديني، كما حذرت من النتائج
المترتبة على ذلك، من إرهاب وعنف،
وذلك قبل ظهور العنف والإرهاب في
الأحداث المأساوية الأخيرة التي
شهدتها بلادنا، ودعوت إلى الحوار
الفكري الهادئ.
تأصيل
مبدأ الحوار شرعًا
إن
الحوار هو مبدأ قرره الباري -سبحانه
وتعالى-
في كتابه العزيز بصورة تطبيقية
تارة، وبالتنويه بأهمية العقل
والعقلاء تارة.
فقال
تعالى مخاطبا نبيه سيدنا موسى -عليه
السلام-
ومعلما له: {اذْهَبْ
إلَى
فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغَى *
فَقُلْ هَل لَّكَ إلَى أَن تَزَكَّى *
وأَهْدِيَكَ إلَى رَبِّكَ
فَتَخْشَى}
(النازعات:
17-18).
وقال
تعالى: {اذْهَبَا
إلَى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغَى *
فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا
لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ
يَخْشَى}
(طه:
43-44).
فالحق -سبحانه
وتعالى-
يقرر مبدأ الحوار ويؤيده بتعليم
نبيه سيدنا موسى عليه السلام، ومع
من؟ مع رأس الكفر آنذاك؛ فرعون مصر،
كما يعلمه أصول الحوار وآدابه بقوله:
{فَقُولا
لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا}،
وماذا بعد ذلك؟ {لَّعَلَّهُ
يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}.
وكم
من آية خاطب الحق -سبحانه
وتعالى-
بها البشر، ثم ختمها بالتنويه
بالعقلاء، وهو تشريف للعقل واحترام
لشأنه، فقال تعالى: {واتَّقُونِ
يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ}
(البقرة:
197)،
وقال تعالى: {إنَّمَا
يَتَذَكَّرُ أُوْلُو الأَلْبَابِ}
(الرعد:
19)،
أي ذوي العقول.
إذن
مبدأ الحوار هو مبدأ دعا إليه الحق
سبحانه ولا
يمكن أن يقاومه إلا جاهل متعنت؛
لأنه
مع ذلك هو مطلب بشري تفرضه حاجة
البشر وتنوعهم وتنوع توجهاتهم
ومذاهبهم.
الحوار مبدأ دعا إليه الحق سبحانه، ولا يمكن أن يقاومه إلا جاهل متعنت |
|
وقد
نهج النبي -صلى
الله عليه وسلم-
هذا النهج في سياسته في منهجه
النبوي، فقد غرس في نفوس أصحابه نهج
الحوار؛
تبعا لنهج القرآن،
واحتراما للعقل البشري الذي أبدع
الباري صنعته فيه.
كان لا يبالي أن يحاور أهل الملل
الأخرى من اليهود والنصارى، والسنة
حافلة بمواقفه -صلى
الله عليه وسلم-
معهم حول قضايا العقيدة، وهذا وفد
نجران النصراني جاءوه -صلى
الله عليه وسلم-
فاستقبلهم في مسجده وحاورهم، وحواره
مع يهود المدينة مشهور مستفيض.
ولم
يكن ذلك قاصرًا
على غير المسلمين من الملل الأخرى؛
بل كان مع أصحابه -صلى
الله عليه وسلم-
يعزز
ذلك المبدأ.
جاءه أحد الصحابة، فقال: ايذن لي يا
رسول الله في الزنى!! فهل جبهه أو
اضطهده أو عنَّفه أو قمعه؟ لا،
بل وجَّهه
بالحوار وأقنعه عبره بحرمة الزنا،
أليس ذلك تعليما للحوار؟
ذلك
لأن المحاور يحاور من منطلق قناعته
وأدلته،
ومن يقينه بقضيته؛
فلا يخشى أن يفحمه أحد، ولا يتخاذل
عن الحوار إلا من لا يثق في نفسه ولا
في منهجه ولا في مبدئه.
لم
يمارس النبي -صلى
الله عليه وسلم-
الاضطهاد والقمع والتعسف والشدة إلا
إذا خرج الأمر إلى حد لا يتساهل فيه؛
بأن يكون في وجودهم خطر على كيان
الدولة النبوية، وهذا ما تقتضيه
سياسته صلى الله عليه وسلم؛ لأنه -صلى
الله عليه وسلم-
كان يقوم بشرف النبوة ومنصب الحاكم
السياسي معا، إلا أن يرد خطاب رباني
وحكم إلهي بقمع رمز معين أو جماعة
معينة، فهذا أمر خارج عن سياسته صلى
الله عليه وسلم، وهنا يتجلى الرسول -صلى
الله عليه وسلم-
بالمنصب النبوي.
فهذا
ابن صيَّاد
الكاهن الذي كان في بساتين المدينة؛
لم
يذكر أنه قمعه أو وجه إليه
من يقتله،
مع كفره وكفر من يأتي إليه!!
قال صلى الله عليه وسلم: "من
أتى كاهنا فقد كفر بما أنزل على محمد".
ذلك لأن القتل لم يكن هو الحل الوحيد
لقمعه وإخماد فتنته؛
بل
كان ذلك بإهماله وتهميشه والتحذير
منه.
وهذا
عبد الله بن أبيِّ
(المنافق)،
فقد كان يعلم صلى الله عليه وسلم
حاله، وكل الصحابة يعرفون حاله
ونفاقه، ولكنه صلى الله عليه وسلم لم
يقتل عبد الله بن أبي المنافق أو لم
يأمر بقتله مع أنه قال قولته
المشهورة لعنه الله: {لَيُخْرِجَنَّ
الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ}،
مع قدرته عليه، وما ذاك إلا لأن شره
لم يستفحل، وخطره لم يعظم بعدُ إلى
الحد الذي كاد أن يهدد به كيان
الدولة الإسلامية، وكان ذلك –من جهة-
طمعا في هدايته، وتحاشيا من إثارة
الفتنة من جهة أخرى.
ولم
يتعقب فلول المنافقين داخل المدينة،
مع أن الله أطلعه على ما في قلوبهم، وكانوا
ظاهرين للصحابة فلم
يكن يخفى عليهم أمرهم، ولكن كان في
تجاهلهم أكبر ضربة لهم، أو لعل الله
يخلق فيهم الهداية، قال النبي -صلى
الله عليه وسلم-:
"لأن
يهدي الله بك رجلاً خير من أن يكون لك
من حمر النعم"
(البخاري:
2847).
ولكنه صلى الله عليه وسلم أمر بقتل
كعب بن الأشرف؛ لأنه نال من مقام
النبوية وآذى الله ورسوله، وأجلى
بني النضير بعد أن نقضوا العهد وهموا
بالغدر به صلى الله عليه وسلم، فما
كان القمع والاضطهاد إلا نتيجة
فعالهم وخطورتهم على كيان الدولة
النبوية ورمزها المكرم صلى الله
عليه وسلم.
فهذه
المواقف وهذه المشاهد تعطي لنا نظرة
عامة في سياسته صلى الله عليه وسلم
مع المخالفين لنا في الدين، فكيف بمن
يحمل شهادة لا إله إلا الله محمد
رسول الله، ومنهم من بني جلدتنا
ويتكلمون لغتنا ويحملون جنسياتنا،
أليسوا أحق بالحوار والاحتواء؟!
خصوصا أنه ليس لهم مطامع ضد الدولة،
بل هم غيورون عليها.
هل
كان حضور الحوار تمييعا للدين؟!
لم يمارس النبي -صلى الله عليه وسلم- الاضطهاد والقمع والتعسف والشدة إلا إذا خرج الأمر إلى حد لا يتساهل فيه |
|
بعد
هذا الاستعراض البسيط لا يمكن أن
يقبل عاقل قول من يقول: إن مجرد
المشاركة للحوار الوطني
هو خرق لأبجديات الثقافة الصحوية،
أو تمييع للدين ورضا بالدون، أعتقد
أن هذه إطلاقات ينبغي أن يراجعها
أصحابها.
ليس
في الحوار تمييعٌ للدين أو رضا
بالدون؛
لأننا لم نجتمع لأجل أن يفرض كل شخص
فكره ورأيه، ولكن اجتماعنا كان طاعة
لولاة الأمر أولاً، ثم تأكيدا لمبدأ
التسامح والتناصح، وتوطيدا لمبدأ
التحاور، وترسيخا لفكرة أن يعذر
بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه،
وللنقاش في قضايا عامة خطيرة تهم
الجميع.
وقد
اتفق الجميع على خطورة هذه القضايا،
والعمل على إيجاد السبل الكفيلة
بعلاجها.
وإن كنا اختلفنا في نوعية هذه
الوسائل التي تعالج هذه القضايا
الخطيرة، فالاختلاف لا يفسد
للود
قضية، مع العلم بأني لم أشارك إلا في
الحوار الوطني الثاني المنعقد في
مكة في شهر ذي القعدة 1424هـ.
وأود
أن أؤكد هنا أني كغيري من الغيورين
على ديننا الحنيف ضد أي توجه أو تيار
أو فكر يخالف مبادئ الدين الحنيف، أو
يدعو إلى التحلل من ربقة الشريعة
الإسلامية.
الحوار
الوطني حقيقة أم تمثيلية؟
لا
أرى -كما
قد يقول البعض- أن هذا الحوار كان
تمثيلية تم إحكام إخراجها؛
بل كان حوارا حقيقيا بمعنى الكلمة،
له أسسه التي يقوم عليها ومحاورة
التي تمت مناقشتها، ولاقت رجع صدى
لدى الكثيرين،
ويمكن تقييم ذلك من خلال مساحة حرية
الرأي في الوسائل الإعلامية بعد تلك
النقلة النوعية في تاريخ المملكة،
ولولا الله ثم الحوار الوطني لما
أتيتم إليَّ
تطلبون الكتابة في مجلتكم هذه،
وغيري كثير.
والحمد لله فقد انفتح الباب لكثير من
الأقلام التي كانت قد جفت، وطالها
الحرمان من أداء واجبها الديني،
وهذه الصحافة أصبحت تتناول قضايا
عديدة لم تكن تفتح من ذي قبل.
ماذا
بعد الحوار الوطني ؟!
يتساءل
البعض: وماذا بعد؟ جلستم وتحاورتم،
ثم ماذا؟
أقول:
نحن قد حضرنا الحوار الوطني بناء على
توجيهات ولاة الأمر في هذه البلاد،
وقمنا بواجبنا تجاه ذلك،
وأدلينا بدلونا مع من أدلى من
الحاضرين بكل صراحة حول موضوع (الغلو..
مظاهره وأسبابه وسبل علاجه)،
وأبلغنا المسئولين آراءنا
وأفكارنا، وأسمعناها الأطراف
الأخرى بأدب الحوار الشرعي القائم
على اللين واللطف وقصد الخير، فكان
حوارا لأجل الحوار، وهذا هو مبلغنا،
وهذا هو ما
في
قدرتنا.
أما
ما بعد الحوار،
وهل ستعقبه تغييرات سياسية وفكرية
واجتماعية؟
فهذه الأسئلة يمكن توجيهها
للمسئولين وولاة الأمر؛
لأنهم أصحاب الفكرة وهم المعنيون
بها، وهم أصحاب السلطة،
وبيدهم مقاليد الأمور في هذه البلاد.
إسلاميون
وغير إسلاميين؟!
لست أوافق غيري على مصطلح الإسلاميين وغير الإسلاميين |
|
ولست
أوافق غيري على مصطلح الإسلاميين
وغير الإسلاميين، وإلا فسنقع فيما
حذرنا منه واجتمعنا لأجله، الجميع
مسلمون يشهدون أن لا إله إلا الله
محمد رسول الله، وما سوى ذلك يمكن
التفاهم معهم فيه؛
إن وقعوا في أخطاء نتفاهم ونتحاور
معهم فيه ونأخذهم باللين، قال النبي
الأعظم -صلى
الله عليه وسلم-:
"لأن
يهدي الله بك رجلاً خير من أن يكون لك
حمر النعم".
هذا
من غير مساومة على المبادئ
الإسلامية، فما داموا مقرين
بالأركان،
ويصلُّون
إلى قبلتنا فهم مسلمون، فلا أصف نفسي
وغيري من أهل العلم وطلبته
والملتزمين بالإسلاميين في مقابل
البعض، فإنَّ
ذلك يعد تعريضا لهم بالكفر، الأمر
الذي لا أتجاسر عليه، بل لا أبيحه؛
فهو ضد الأمر الذي اجتمعنا لأجله،
وقبلنا المشاركة على أساسه.
وأؤكد
مرة أخرى أننا اجتمعنا (كافة
الأطياف الفكرية والمذهبية)
تحت قبة المؤتمر لمناقشة قضايا تهم
الجميع؛
إذ لم يخالف أحد منا في ذم الغلو
والتطرف الفكري وذم مظاهره،
بعد أن بات من المؤكد خطره على أمن
البلاد.
فاتفقنا
على ضرورة مواجهة الغلو ومظاهره
بالأساليب العلاجية المناسبة له، السياسية
والتربوية، وإن وقع الاختلاف بيننا
في تلك الأساليب.
فلم
تكن المسألة قضية ربح وخسارة في ذات
الحوار، ولكن يمكن القول:
إن
من آثار الحوار إرجاع شيء من الحقوق
لأصحابها، وكبح جماح أحادية الرأي
وقطبية الفكر من تعسف وغلو وقمع،
وأصبح من الواجب الاستماع إلى
الغير، والاعتراف بالتنوع الفكري
والمذهبي، كل ذلك ضمن مبادئ الدين
الحنيف.
أطراف
الحوار والمكاسب السياسية
لا
يمكن القول بأن الحوار كان لتحقيق
أغراض أو مكاسب سياسية، بل كما قلت
سابقا كان لمعالجة مشكلة اجتماعية؛
هي ظاهرة الغلو والتطرف، وأما ربط
الحوار بالبعد السياسي فقد كان سبب
ذلك هو التهويل الإعلامي، وإعطاء
المؤتمر أكبر من حجمه.
أما هل ستتسع هذه التجربة وستتطال
تغييرات سياسية،
فهذا أمر يتعلق بالدولة وسياستها في
فتح هذا الباب.
أما
عن مستوى تمثيل المحاورين فقد كان -حسب
ظني-
عادلاً؛
إذ شاركت جميع التوجهات الفكرية
والمذهبية داخل المملكة، لكن كان
مستوى التمثيل مختلفا، إذ توقعنا
حضور رموز كبيرة كانت أحق بالحوار من
أبنائها،
وكنا متحمسين لرؤيتهم واللقاء بهم.
كما
اتسم النقاش بالعمق والجدية حول
موضوع الحوار وأسبابه وسبل علاجه،
وكان كل مُحاور يطرح آراءه بوضوح
وصدق كل حسب رؤيته الخاصة ومنطلقه
الفكري.
وعليه:
فيمكننا القول بأن حضور ومشاركة
جميع الشرائح المذهبية والفكرية
الممثلة للأكثريات والأقليات سواء
بسواء كان عادلاً من حيث التنوع،
وأعتقد أن مجرد المشاركة فيه يعتبر
مكسبا للجميع؛
من
حيث الاعتراف بوجود الآخر، وهويته
وكينونيته، وأحقيته في الاحترام.
*
تنشر بالاتفاق مع مجلة جسور السعودية
**
من علماء المملكة العربية السعودية
|