|
الشارع
المصري: محارق لشم ركب النمل
|
باهر السليمي - القاهرة
|
26/07/2001
|
 |
|
الانضمام
إلى طابور المدمنين
|
رجب
عمره (11 سنة) وشهرته (ظاظا) عندما تنظر
إليه يُخيَّل إليك أنه رجل عجوز..
عيناه تحكي ألف عام.. حكايات دامعة
مختلطة بهموم الغربة والتعب.. ترك
المدرسة ليعول أمه التي تعمل بائعة
خضار وأشقاءه..
خرج
رجب أو ظاظا كما يحب أن يطلق عليه
للشارع بحثًا عن عمل.. يقول: جرَّبت كل
حاجة، عملت كسائس سيارات، بائع
مناديل ورقية، حمَّال أمام محطات
القطار والمترو، وحاجات كثيرة، لكن
البرد أكل عظمي (أرهقني).. كنت أرجع
البيت أعطي أمي بعض النقود والباقي من
"همي" أشم به أي حاجة (أتعاطى
مخدرات) وأرخصها الآن المبيدات
الحشرية؛ حتى أنام دون أن أفكر في أي
شيء.
طابور
المدمنين الصغار
لم
يكن رجب أو "ظاظا" الوحيد في
طابور المدمنين الصغار فهذا حسين (10
سنوات) يقول: "حمادة هو من علَّمني
أشمُّ ( التعاطي).. شميت بنزين وكُلّة..
بعدين بيروسول "مبيد حشري".. وركب
النمل!!.. البيروسول أحسن من ركب
النمل؛ لأن النمل لما يتحرق يخنقني…
فلا آخذ مزاجي منه.. أنا أفرغ العلبة
لآخرها وأرشها داخل أنفي".
الجديد
في كلام حسين كان حديثه عن شم ركب
النمل.. سألنا عنها وجاءتنا الإجابة
من أحد العالمين ببواطن الأمور.. هي
جمع قدر من النمل الفارسي كبير الحجم
وحرقه، ثم شم الدخان المنبعث منه، وهو
يعطي نفس تأثير البنزين لوجود مواد
مشابهة في جسم هذا النوع من الحشرات..
وهناك أطفال يربُّون هذا النمل
ويحبسون مجموعة منه داخل علبة كبيرة
الحجم مع خشب وردي مشرب بماء، وهو ما
يعطي فرصة لتوالد النمل بكثرة.
أما
محمود (12 سنة) وشهرته (لبيسة) - سبب
أزمته هو الأسطى سيد السمكري الذي كان
يعذبه بالكي بالنار لأقل غلطة،
فقرَّر الهروب من الورشة، وفي كل مرة
يعيده والده للورشة.. فلم يجد سوى
الشارع؛ ليحتضنه ويؤويه وعلى الرصيف..
وفي أحد الأماكن المشبوهة تعلم محمود
شم البنزين والمبيدات الحشرية؛
لكونها مواد ذات رذاذ يساعد على فقدان
الوعي.. وهذا ما يفعله هؤلاء الضحايا
ليتحولوا بعد الإدمان إلى مجرمين
محترفين يحملون وجوه الملائكة وعقول
الشياطين.
أما
داليا (15 سنة) فتقول: "كنت أعيش مع
أشقائي ووالدتي وبعد طلاقها من والدي
تزوجت أمي وطردتني من المنزل؛ لكي
أعمل في الشارع، وكانت تأخذ مني كل
مليم أتحصل عليه.. عملي هو بيع
المناديل الورقية في إشارات المرور..
وعندما تعرفت على زملائي البائعين في
نفس المكان قالوا لي بأن حل مشاكلي في
الشم حتى أصبحت مدمنة".
زوج
أمها هو سبب ضياعها؛ لأنه يعذِّبها
ويطردها من المنزل، وأمها لا تستطيع
الاعتراض على تصرفاته.. هذا ما أكدته
لنا هدى (13 سنة)، وتضيف كنت أخرج مع بعض
العيال ومعهم تعلمت شم الكلَّة
والبنزين، وأخيرًا المبيدات الحشرية
حتى أفقد الوعي وأنسى حالي ومستقبلي
المظلم.
كانت
هذه عينة من الوجوه المتسخة الهائمة
التي قد تقابلنا كثيرًا في شوارع
القاهرة، فننفر من الحديث عنها أو
إليها، ولكننا لم نسأل أنفسنا كيف
ينظرون لنا؟
دائرة
الخطر
وعن
الظاهرة نقول: إن النظام الاجتماعي
والاقتصادي الذي ساء في مصر منذ عشرات
السنين قد ساهم في إفراز وانتشار
مشكلة أطفال الشوارع واستغلالهم في
أداء بعض الأدوار والأعمال الدنيا
التي لا تتطلب مهارات متميزة، وهو ما
ساعد على خلق طبقة من مستغلي الطفولة
المشردة، ودفعها إلى الاشتراك في
العديد من أنواع الممارسات الإجرامية
المختلفة، ومن هذا المنطلق يتعرض
هؤلاء الأطفال للعديد من المشاكل
والمخاطر التي انعكست على المجتمع
بأسره، والتي تتلخص في:
التسرب
وعدم الالتحاق بالتعليم
مما
لا شك فيه أن أكثر الآثار وضوحًا التي
تقع على هؤلاء الأطفال باختلاف
أنماطهم هي حصرهم في مجال الأمية أو
التعليم المنخفض؛ إذ عادة ما يفتقد
هؤلاء الأطفال إلى الرعاية الأسرية
المشجعة للاستمرار في التعليم أو
الالتحاق به.. منهم عادة من ينتمون إلى
أسر مفككة فقيرة غير سوية، وهو ما
يساعدهم على الهروب أو عدم الالتحاق
بالمدارس نهائيًّا، وبذلك نجد أن
هؤلاء الأطفال غالبًا ما يلجؤون
للشارع بدلاً من التعليم، ويُحكَم
عليهم بالحرمان من حقهم الأساسي في
التعليم والترقي في المستوي
الاجتماعي والاقتصادي على المدى
البعيد.
الإصابة
بالأمراض
يتعرض
هؤلاء الأطفال للأمراض كل حسب مجال
عمله أو احتكاكه، حيث يصاب الأطفال
العاملون بأمراض مهنية، خاصة بالتلوث
الهوائي أو المائي والغذائي، كما
يُصابون بالعديد من أمراض الأغذية
الملوثة.. كما يتعرضون لأمراض، مثل:
الجرب، التيفود، الملاريا،
البلهارسيا، الأنيميا، السعال
المستمر، وتقيحات الجروح.
مخاطر
الطريق
يتعرض
هؤلاء الأطفال للعديد من مخاطر
الطرق؛ حيث إنهم يسافرون على أسطح
القطارات للتهرب من دفع ثمن التذكرة،
وهو ما يعرضهم للسقوط من فوقه، كما
يتعرضون لحوادث السيارات لجريهم
المستمر في الشارع، سواء من أجل
الشحاذة أو بيع السلع التافهة.
استغلال
العصابات
من
أكثر المخاطر التي تمثل خطورة بالغة
على هؤلاء الأطفال بوجه خاص والمجتمع
بأسره بوجه عام هو استقطاب المجموعات
الإجرامية والإرهابية لهم؛ إذ تتخذ
هذه المجموعات من هؤلاء الصغار أدوات
سهلة ورخيصة للأنشطة غير المشروعة،
سواء باستخدامهم كأدوات مساعدة في
الترويج والتوزيع للممنوعات، أو
إحداث الاضطرابات والعنف، أو
استغلالهم في الأعمال المتصلة
بالدعارة والفسق.
كما
أن هؤلاء الأطفال قد تعرَّضوا لأنواع
جديدة من المخاطر ارتبطت بالتطورات
المجتمعية الحديثة في مصر كانتشار
النشاط السياحي والاستهلاكي.
الاستغلال
الجنسي.. نخاسة العصر
أخطر
ما يتعرض له أطفال الشوارع هو
الاستغلال الجنسي، سواء من العصابات
أو الأفراد والمستغليين ضعفهم؛ لصغر
سنِّهم، وعدم قدرتهم على مواجهة
الإساءة الجنسية، سواء من قبل
مرتكبيها أو من الوسطاء.
ورغم
خطورة هذا الموضوع فإن العادات
والتقاليد في المجتمع المصري والعربي
وقفت عائقًا في الحصول على معلومات
دقيقة تساعد على التعرف بها أو
الإبلاغ عنها، وهو ما أدى إلى عدم
وضوح الرؤية المجتمعية لها لمعالجتها
بوسائل حاسمة وحازمة، ولكن نظرًا
لأهمية المشكلة فقد بدأت وسائل
الإعلام العالمية تفجِّرها وتحذر من
انتشار مخاطرها، وقد أفادت العديد من
الدراسات العالمية أن الآلاف من
الفتيات الصغيرات من أولاد الشوارع
في العديد من بلدان العالم يعملن على
إشباع رغبات الرجال من سكان البلد
نفسه أو البلدان الأخرى.
كما
أن بغاء الأطفال الذي يعتمد على
أساسًا على هذه الفئة أصبح منتشرًا في
البلدان الصناعية؛ إذ يتوقع أن يكون
في الولايات المتحدة وحدها ما لا يقل
عن مائة ألف طفل متورِّطين في هذا
النوع من الاستغلال.
وقد
أفادت العديد من البيانات أنه توجد
صلات مباشرة عديدة بين الاستغلال
الجنسي وأطفال الشوارع؛ حيث يساعد في
هذا تدني ظروفهم الاجتماعية،
وافتقارهم للرعاية الأسرية
التي تجعلهم غير واعين لمدى خطورة هذه
الممارسات.
وتؤدي
الممارسات الجنسية التي تعرض الأطفال
للعديد من المخاطر الصحية بما في ذلك
الأمراض النفسية، والإصابة بنقص
المناعة المكتسبة (الإيدز)، والأمراض
التناسلية، وحالات الحمل غير الشرعي،
وإدمان المخدرات، إضافة إلى ذلك يصبح
هؤلاء الأطفال رهائن لواقع مشوه يسود
فيه الضعيف، وفقدان الثقة بالآخرين،
والإحساس بالعار، والنبذ من قبل
المجتمع.
وقد
أظهرت الأبحاث أن الإساءة الجنسية
للأطفال يشترك فيها العديد من
الأفراد من الذين يشترون المتعة
الجنسية.. المهربون لهم، والمريدون،
والوسطاء الذين يستفيدون من استخدام
هؤلاء الأطفال، وأيضًا المجرمون في
تجارة الجنس، كذلك المتعهدون الذين
ينظمون رحلات السياحة.
الآن..
لا استثناء للفتيات
بالرغم
من عدم وجود فروق حقيقية في نشأة
أطفال الشوارع من منظور الجنس، حيث
الأسرة المفككة، والبيئة العشوائية
المتهالكة، والظروف الاقتصادية
الصعبة التي تدفعهم إلى الخروج إلى
الشارع، فإن إحصائيات مصلحة الأمن
العام أكدت أن ظاهرة أطفال الشوارع
تتمثل غالبيتها 92% في الذكور أكثر من
الإناث 8%، خاصة في المناطق الحضارية
على اعتبار أن العادات والتقاليد
التي ما زالت راسخة في كثير من الأسر
تمنع من خروج الفتاة، وأن هروبها إلى
الشارع يمس شرف الأسرة وكرامتها.
إلا
أن الظروف الأسرية السيئة نتيجة
الطلاق، أو الهجر والعيش في كنف زوج
الأم أو زوجة الأب، والفقر، والأمية،
والانحطاط الأخلاقي للوالدين كثيرًا
ما تدفع الفتاة إلى الهروب وخروجها
إلى الشارع؛ حيث تتعرض لكافة أشكال
الاستغلال المادي والجنسي والبدني،
وتعاني من سوء المعاملة والحرمان
النفسي، ومن أجل توفير لقمة العيش
تمارس مجموعة من الأعمال غير
الرسمية، مثل: الخدمة في المنازل،
والتسول، وبيع السلع التافهة، والعمل
في المحال العامة، وممارسة أعمال غير
قانونية.
الإحصاءات
ما زالت قاصرة
تشير
البيانات الصادرة في تقارير الأمن
العام إلى التزايد المستمر في حجم
ظاهرة الأحداث المعرَّضين للانحراف،
وكان أكثرها ارتفاعًا عام 1992م؛ إذ
بلغت 36%، وأقلها عام 1987م التي بلغت 8%،
وللأسف فإنه لا يوجد حصر إجمالي
للأحداث المعرضين للانحراف بعد عام
1992م، وهذا يعني ازدياد قصور المصادر
الإحصائية، حيث يعتبر إحصاء الأمن
العام من أكثر وأهم الإحصاءات التي
يعتمد عليها في التعريف عن حجم
الظاهرة، ويعني عدم حصرها زيادة
الغموض والتدهور في التعرف على حجم
مشكلة الأطفال المعرضين للانحراف.
وهناك
صور التعرض للانحراف، منها التسول،
والدعارة، والقمار، ومخالطة
المشبوهين، وهروب من التعليم، ومبيت
في الطرقات، وقد أوضحت الإحصاءات أن
أعلى نسبة للمعرَّضين للانحراف تقع
في مخالطة المشبوهين، وذلك بنسبة 40.8%،
ثم التسول بنسبة 29.1%.
وقد
أظهرت الإحصائيات كذلك أن الغالبية
العظمى من الأطفال المشردين ذكور
بنسبة 92.5%، في حين لم تتجاوز نسبة تشرد
الأطفال الإناث عن 7.5% من إجمالي حالات
التشرد في مصر.
كما
أوضحت الإحصائيات أن مدينة القاهرة
تُعَدّ من أكثر المدن المصرية التي
ينتشر فيها الغالبية العظمى من
الأطفال المشردين، وذلك بالمقارنة
لبقية مدن الجمهورية، ولا توجد حالات
تشرد في القرى التي تُعَدّ أحد
المصادر الهامة لهؤلاء الأطفال في
مراكز أو عواصم الأقاليم باستثناء
المدن الساحلية.
كما
تشير الإحصائيات إلى أن نسبة تشرد
الأطفال بمدينة القاهرة وحدها وصلت
إلى 31.6% من إجمالي حالات تشرد
الأطفال، ويلي ذلك وبفارق كبير مدينة
بور سعيد 16.8%، ومحافظة السويس 14.2%، ثم
مدينة الإسكندرية 6.3%، ومحافظة
الشرقية 5.2%، في حين نجد أن نسبة وجود
حالات تشرد للأطفال بمحافظات بني
سويف - المنيا - أسيوط - قنا - أسوان لم
تتجاوز، 4%، 1%، 1.5%، 1.8%، 0.5%، ورغم تزايد
عدد الأطفال المعرضين للانحراف فإن
أعدادهم منخفضة داخل المؤسسات.
اقرأ
أيضًا:
|